الطعن رقم 511 لسنة 41 ق – جلسة 27 /01 /1976
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
السنة 27 – صـ 307
جلسة 27 من يناير سنة 1976
برئاسة السيد المستشار أحمد حسن هيكل نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: إبراهيم السعيد ذكرى وعثمان حسين عبد الله ومحمد صدقي العصار ومحمود عثمان درويش.
الطعن رقم 511 لسنة 41 القضائية
تزوير "الحكم في الدعوى". حكم "تسبيب الحكم".
انتهاء الحكم في قضائه إلى أن الادعاء بالتزوير غير صحيح. إلزام الطاعن بالتزوير بالغرامة
القانونية. لا خطأ. لا يغير من ذلك ما أورده الحكم في أسبابه من أن الادعاء بالتزوير
غير منتج.
دعوى. تقادم "تقادم مسقط". حكم "تسبيب الحكم".
انتهاء الحكم سليماً في قضائه إلى رفض الدفع بسقوط الدعوى بالتقادم. لا يعيبه الاستناد
إلى أحكام قانون المرافعات 13 لسنة 1968 دون قانون المرافعات السابق المنطبق على واقعة
الدعوى.
إثبات "الإقرار".
الإنذار الرسمي. لا يعد إقراراً قضائياً. الإقرار غير القضائي. خضوعه لتقدير قاضي الموضوع.
جواز اعتباره دليلاً كاملاً أو مبدأ ثبوت بالكتابة أو مجرد قرينة كما يجوز للمحكمة
ألا تأخذ به أصلاً.
قوة الأمر المقضي. حكم "حجية الحكم".
الأوامر والقرارات الصادرة من سلطات التحقيق. لا تكتسب أية حجية أمام القضاء المدني
علة ذلك.
حكم "قصور". نقض. بطلان.
قصور الحكم في أسبابه القانونية. لا يبطله. لمحكمة النقض أن تستكمل ما قصر الحكم في
بيانه.
1 – إذ كان يبين أن الحكم المطعون فيه قد عرض للادعاء بالتزوير ورأى أنه غير صحيح،
وقضى بإلزام الطاعن بالغرامة المنصوص عليها في المادة 56 من قانون الإثبات فإنه لا
يكون قد أخطأ في تطبيق القانون؛ أما ما أورده الحكم من أن الادعاء بالتزوير غير منتج
فهو تزيد لا يؤثر في سلامة قضائه.
2 – إنه وإن كانت الدعوى قد رفعت في ظل قانون المرافعات السابق الذي كان يقضي في المادة
75 منه معدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1962 بأن الدعوى تعتبر قاطعة لمدة التقادم من وقت
تقديم صحيفتها إلى قلم المحضرين، وكان الحكم قد انتهى إلى رفض الدفع بالتقادم، وهو
قضاء سليم بناء على الوقائع الثابتة في الدعوى ويكفي للرد على الدفع المذكور، فإنه
لا يعيب الحكم الاستناد إلى أحكام قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 الذي لا يسري على
واقعة الدعوى والقول بأن مدة التقادم قطعت بتقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب.
3 – الإنذار الرسمي لا يعد إقراراً قضائياً، لأنه لم يصدر في مجلس القضاء والإقرار
الذي يصدر في غير مجلس القضاء لا يكون ملزماً حتماً بل يخضع – وعلى ما جرى به قضاء
هذه المحكمة – لتقدير قاضي الموضوع الذي يجوز له مع تقدير الظروف التي صدر فيها أن
يعتبره دليلاً كاملاً أو مبدأ ثبوت بالكتابة أو مجرد قرينة، كما يجوز ألا يأخذ به أصلاً.
4 – الحكم الجنائي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – هو الذي يقيد القضاء المدني
فيما يتصل بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم، وهذه الحجية لا تثبت إلا للأحكام الفاصلة
في موضوع الدعوى الجنائية دون غيرها من الأوامر والقرارات الصادرة من سلطات التحقيق
لأن هذه القرارات لا تفصل في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة، وإنما تفصل في توافر
أو عدم توافر الظروف التي تجعل الدعوى صالحة لإحالتها إلى المحكمة للفصل في موضوعها
ومن ثم فلا تكتسب هذه القرارات أية حجية أمام القضاء المدني، ويكون له أن يقضي بتوافر
الدليل على وقوع الجريمة أو نسبتها إلى المتهم على خلاف القرار الصادر من سلطة التحقيق.
5 – الحكم لا يبطل لمجرد القصور في أسبابه القانونية، بل لمحكمة النقض أن تستكمل ما
قصر الحكم في بيانه من هذه الأسباب، لما كان ذلك فإن النعي على الحكم بالقصور لعدم
رده على دفاع الطاعن بشأن حجية قرار النيابة – بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية – يكون
غير منتج.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في
أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 6070 سنة 1967 مدني القاهرة الابتدائية ضد الطاعن
بصحيفة قدمت إلى قلم المحضرين في 30/ 11/ 1967 طالباً الحكم بإلزامه بأن يدفع له مبلغ
3000 ج، وقال بياناً لدعواه إن الطاعن أجرى له جراحة في 24/ 12/ 1959 لاستخراج حصوة
من الحالب غير أن آلامه تضاعفت بعدها وازدادت حالته سوءاً فصار يتردد على الأطباء واستمر
على هذه الحال إلى أن أجرى له الدكتور…. في 1/ 12/ 1964 – جراحة في نفس موضع الجراحة
السابقة وتبين له وجود خراج حول المثانة واستخراج منه ثلاث قطع من القطن والشاش وأخذت
حالته في التحسن بعد ذلك، فتقدم بشكوى ضد الطاعن إلى النيابة العامة التي أجرت تحقيقاً
قيد برقم 2307 سنة 1965 جنح الساحل وندبت الطبيب الشرعي للكشف عليه وانتهى في تقريره
إلى أن الجراحة التي أجراها الطاعن تمت وفقاً للأصول الطبية، وأن ترك قطع من القطن
في موضع الجرح وإن كان لا يعد من قبيل الخطأ المهني الجسيم إلا أنه يعتبر خطأ عادياً
يسأل عنه الطاعن مدنياً ثم قررت النيابة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم
الأهمية، وإذ استمر علاجه مدة خمس سنوات تكلف فيها ألف جنيه فضلاً عن الآلام المبرحة
التي عاناها طوال هذه المدة ويقدر التعويض عنها بمبلغ ألفي جنيه، فقد أقام دعواه للحكم
له بطلباته. دفع الطاعن بسقوط الدعوى بالتقادم عملاً بالمادة 172 من القانون المدني
لانقضاء أكثر من ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المطعون عليه بحدوث الضرر وبالشخص
الذي أحدثه حتى رفع الدعوى وبتاريخ 2/ 11/ 1969 حكمت المحكمة برفض الدفع وبإلزام الطاعن
بأن يدفع للمطعون عليه مبلغ 1000 ج. استأنف الطاعن هذا الحكم بالاستئناف رقم 2065 سنة
86 ق مدني القاهرة طالباً إلغاءه والحكم بسقوط الدعوى بالتقادم واحتياطياً برفضها،
كما استأنفه المطعون عليه أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم 2114 سنة 86 ق مدني طالباً
تعديله والحكم له بطلباته. قررت المحكمة ضم هذا الاستئناف إلى الاستئناف الأول وادعى
الطاعن بتزوير الشهادة الطبية الصادرة من الدكتور…… والمؤرخة 8/ 3/ 1965 فيما تضمنته
من تحديد تاريخ إجراء الجراحة الثانية بتغييره من 28/ 11/ 1964 إلى 1/ 12/ 1964. وبتاريخ
12/ 11/ 1971 حكمت المحكمة برفض الادعاء بالتزوير وتغريم الطاعن خمسة وعشرين جنيهاً،
ثم عادت وبتاريخ 24/ 5/ 1971 فحكمت برفض الاستئنافين وتأييد الحكم المستأنف. طعن الطاعن
في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن،
وعرض الطعن على هذه الدائرة في غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره وفيها
التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطعن بني على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بالوجه الأول من السبب الأول منها على
الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، ذلك أن الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير
قضى برفضه وتغريم الطاعن 25 ج تأسيساً على أن التغيير الذي حدث بالشهادة الطبية المطعون
فيها يجعل تاريخ الجراحة التي أجراها الدكتور…. 1/ 12/ 1964 بدلاً من 28/ 11/ 1964
هو بفرض وقوعه تغيير إلى الصحيح وأن الطعن عليه بالتزوير يكون غير منتج، في حين أن
هذا الأمر لم يكن قد بحث بعد ولا يكون القضاء برفض الادعاء بالتزوير إلا إذا تحققت
المحكمة من عدم صحته أما وقد أقر الحكم بحدوث التغيير واعتبر أن الادعاء بالتزوير غير
منتج فإنه يتعين أن يقضي بعدم قبوله لا برفضه ولا يحكم على الطاعن بالغرامة، هذا إلى
أنه قد وقع تغيير في بيانات الشهادة لتفادي الدفع بالتقادم وهو ما يعيب الحكم بالخطأ
في تطبيق القانون.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أنه لما كان الحكم الاستئنافي الصادر في 12/ 1/ 1971
برفض الادعاء بالتزوير قد خلص إلى أن تاريخ 1/ 12/ 1964 المقروء في الشهادة الطبية
المؤرخة 8/ 3/ 1965 هو التاريخ الصحيح استناداً إلى أن الدكتور….. الذي حرر الشهادة
المذكورة أصدر شهادة طبية أخرى بتاريخ 17/ 7/ 1965 أقر فيها أن الجراحة الثانية أجريت
للمطعون عليه في 1/ 12/ 1964 وأن نفس الطبيب سئل بتاريخ 31/ 5/ 1965 في التحقيق الذي
أجرته النيابة أي قبل رفع الدعوى في 30/ 11/ 1967 فقرر أنه أجرى هذه الجراحة في ذات
التاريخ وكانت هذه الأدلة سائغة وتكفي لحمل الحكم فيما انتهى إليه من أنه لم يحدث تغيير
للحقيقة في الشهادة المؤرخة 8/ 3/ 1965 لأنها صححت حتى تتفق مع ما ثبت من أن الجراحة
الثانية أجريت للمطعون عليه في 1/ 12/ 1964، وكان يبين مما تقدم أن الحكم قد عرض للادعاء
بالتزوير ورأى أنه غير صحيح، وإذ قضى الحكم بإلزام الطاعن بالغرامة المنصوص عليها في
المادة 56 من قانون الإثبات، فإنه لا يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، أما ما أورده
الحكم من أن الادعاء بالتزوير غير منتج فهو تزيد لا يؤثر في سلامة قضائه.
وحيث إن حاصل النعي بالوجه الثاني من السبب الأول أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق
القانون، ذلك أن الحكم قضى برفض الدفع بسقوط الدعوى بالتقادم الثلاثي على سند من أن
صحيفة الدعوى قدمت إلى قلم الكتاب في 30/ 11/ 1967 وأنه يترتب على إيداعها قطع التقادم،
في حين أن الدعوى رفعت في ظل قانون المرافعات السابق الذي كان يعتد بتقديم الدعوى إلى
قلم المحضرين وإذ كان الثابت أن الجراحة الثانية أجريت للمطعون عليه في 28/ 11/ 1964
وهو تاريخ العلم بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه ولم تقدم صحيفة الدعوى إلى قلم المحضرين
إلا في 2/ 12/ 1967 فإن الدعوى تكون قد رفعت بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات ويكون الحكم
إذ قضى برفض الدفع بالتقادم قد أخطأ في تطبيق القانون، أما ما أضافه الحكم من أن تاريخ
إجراء الجراحة لا يكون حتماً هو تاريخ علم المضرور باعتبار أن أثر الجراحة يمتد أياماً
أخرى حتى يفيق المريض وتستبين له الحقائق فهو أمر لم تحققه المحكمة ولا أصل له في الأوراق.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أنه وإن كانت الدعوى قد رفعت في ظل قانون المرافعات السابق
الذي كان يقضي في المادة 75 منه معدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1962 بأن الدعوى تعتبر
قاطعة لمدة التقادم من وقت تقديم صحيفتها إلى قلم المحضرين، إلا أنه لما كان الثابت
بالأوراق أن صحيفة الدعوى قدمت إلى قلم المحضرين في 30/ 11/ 1967 وأن إعلانها هو الذي
تراخى إلى يوم 2/ 12/ 1967 وكانت الجراحة قد أجريت للمطعون عليه وعلى ما سلف البيان
في 1/ 12/ 1964 فإن الدعوى تكون قد رفعت قبل تقادمها وإذ انتهى الحكم إلى رفض الدفع
بالتقادم وهو قضاء سليم بناء على الوقائع الثابتة في الدعوى ويكفي للرد على الدفع المذكور،
فإنه لا يعيب الحكم الاستناد إلى أحكام قانون المرافعات رقم 13 لسنة 1968 الذي لا يسري
على واقعة الدعوى والقول بأن مدة التقادم قطعت بتقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب في 30/
11/ 1967 أو ما قرره الحكم من أن أثر الجراحة يمتد أياماً حتى يعود المريض إلى حالته
الطبيعية دون أن يحقق الحكم هذا الأمر، ذلك لأن النعي في هذا الخصوص يصبح غير منتج.
وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الثالث من السبب الأول والوجه الأول من السبب الثاني على
الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، ويقول في بيان ذلك أنه
تمسك في دفاعه أمام محكمة الاستئناف بأن المطعون عليه وجه إليه إنذاراً رسمياً في 22/
2/ 1965 بذات الطلبات التي رفعت بها الدعوى يتضمن إقراره بأن الجراحة الثانية أجريت
له في 25/ 9/ 1964 غير أن الحكم المطعون فيه أغفل الرد على هذا المستند الذي لو صحت
دلالته لتغير وجه الرأي في الدفع بسقوط الدعوى بالتقادم، ذلك لأنه يكون قد انقضى أكثر
من ثلاث سنوات منذ التاريخ المحدد به إلى أن رفعت الدعوى في ديسمبر سنة 1967، وفي حين
أن الإنذار ورقة قضائية تعلق بها حق الطاعن ويجرى عليها حكم الإقرار القضائي فلا يجوز
التحلل منه وهو ما يعيب الحكم بالخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب.
وحيث إن هذا النعي في غير محله، ذلك أنه لما كان الحكم الصادر في الادعاء بالتزوير
قد أشار إلى دفاع المطعون عليه بشأن الإنذار المؤرخ 22/ 2/ 1965 الذي وجهه إلى الطاعن
بأنه وقع فيه خطأ مادي في بيان تاريخ إجراء الجراحة الثانية وكان هذا الإنذار لا يعد
إقراراً قضائياً لأنه لم يصدر في مجلس القضاء، وكان الإقرار الذي يصدر في غير مجلس
القضاء لا يكون ملزماً بل يخضع – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – لتقدير قاضي الموضوع
الذي يجوز له مع تقدير الظروف التي صدر فيها أن يعتبره دليلاً كاملاً أو مبدأ ثبوت
بالكتابة أو مجرد قرينة كما يجوز ألا يأخذ به أصلاً، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى
وعلى ما سلف البيان إلى أن الجراحة الثانية أجريت للمطعون عليه في 1/ 12/ 1964 واستند
في ذلك إلى أسباب سائغة تكفي لإقامته، فإن المحكمة لم تكن بحاجة إلى الرد استقلالاً
على ما أثاره الطاعن بشأن ما ورد في الإنذار سالف الذكر لأن في قيام الحقيقة التي اقتنعت
بها وأوردت دليلها التعليل الضمني المسقط لكل حجة تخالفها، لما كان ذلك فإن النعي على
الحكم بهذا السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن حاصل النعي بالشق الأول من الوجه الثالث من السبب الثاني الخطأ في تطبيق القانون
والإخلال بحق الدفاع، ذلك أن الطاعن تمسك في دفاعه أمام محكمة الاستئناف بأن الحكم
الابتدائي صدر على خلاف قرار النيابة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم وجود
خطأ في جانبه وهو قرار قضائي حائز لحجية الأمر المقضي مما مقتضاه انتفاء مسئولية قبل
المطعون عليه، غير أن الحكم المطعون فيه لم يعن بالرد على هذا – الدفاع الجوهري واكتفى
بالقول بأن الحكم الابتدائي تكفل بالرد على أسباب الاستئناف، مع أن هذا الدفاع لم يكن
قد أبدى أمام محكمة أول درجة.
وحيث إن هذا النعي غير سديد، ذلك أن الحكم الجنائي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– هو الذي يقيد القضاء المدني فيما يتصل بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم وهذه الحجية
لا تثبت إلا للأحكام الفاصلة في موضوع الدعوى الجنائية دون غيرها من الأوامر والقرارات
الصادرة من سلطات التحقيق لأن هذه القرارات لا تفصل في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة
وإنما تفصل في توافر أو عدم توافر الظروف التي تجعل الدعوى صالحة لإحالتها إلى المحكمة
للفصل في موضوعها ومن ثم فلا تكتسب هذه القرارات أية حجية أمام القضاء المدني ويكون
له أن يقضي بتوافر الدليل على وقوع الجريمة أو نسبتها إلى المتهم على خلاف القرار الصادر
من سلطة التحقيق، وإذ كان قرار النيابة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد الطاعن
لا حجية له أمام القضاء المدني، وكان الحكم لا يبطل لمجرد القصور في أسبابه القانونية
بل لمحكمة النقض أن تستكمل ما قصر الحكم في بيانه من هذه الأسباب، فإن النعي على الحكم
بالقصور لعدم رده على دفاع الطاعن بشأن حجية قرار النيابة سالف الذكر يكون غير منتج.
وحيث إن مبنى النعي بالوجه الثاني والشق الثاني من الوجه الثالث من السبب الثاني والسبب
الثالث أن الحكم المطعون فيه شابه القصور في التسبيب والتناقض وفي بيان ذلك يقول الطاعن
إنه تمسك في دفاعه أمام محكمة الاستئناف بأنه لم يقع منه خطأ واستدل على ذلك بالتناقض
الذي شاع بين أقوال المطعون عليه وأقوال الدكتور….. الذي أجرى له الجراحة الثانية
وما ورد بالتقرير الطبي الشرعي إذ قرر المطعون عليه أنه استخرجت من الجرح قطع من القطن
والشاش وقرر الطبيب سالف الذكر في التحقيق الذي أجرته النيابة العامة أنه وجد ثلاث
قطع من الشاش وأثبت التقرير الطبي الشرعي أن الحرز الذي قدمه المطعون عليه يحتوي على
خمس قطع لها خواص ألياف القطن، مع أنه ليس بالأوراق ما يفيد أن هذه القطع هي التي استخرجت
من مكان الجراحة الأولى، وقد رأت نقابة الأطباء التي عرض عليها الأمر حفظ التحقيق لعدم
ثبوت خطأ في جانب الطاعن، كما تمسك الطاعن في دفاعه بأن الحكم الابتدائي قرر أن مسئولية
الطاعن قائمة سواء وجدت بالجرح قطع من القطن أو الشاش وأن هذه المواد تتخذ مظهراً واحداً
بعد بقائها في جسم المريض مدة طويلة بحيث يصعب التمييز بين القطن والشاش دون أن يفصح
الحكم عن المصدر الفني الذي استقى منه هذا الرأي، وفي حين أن الجراحة التي أجراها الطاعن
لا تستلزم من الناحية الطبية استعمال القطن، هذا إلى أنه لم يثبت من تقرير الطبيب الشرعي
أنه وجد بقطع القطن التي فحصها أثاراً تدل على أنها مستخرجة من جراحة قديمة وطلب الطاعن
من المحكمة استدعاء الطبيب الشرعي لمناقشة حتى يحسم هذا الخلاف برأي فني غير أن الحكم
المطعون فيه لم يعن بالرد على هذا الدفاع مكتفياً بالقول بأن الحكم الابتدائي تضمر
الرد على دفاع الطاعن مع أن هذا الدفاع لم يكن مطروحاً على محكمة أول درجة مما يعيبه
بالقصور في التسبيب والتناقض.
وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أنه لما كان يبين من الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه
بالحكم المطعون فيه أنه قد أسس قضاءه بمسئولية الطاعن على أنه قام بإجراء جراحة للمطعون
عليه في 24/ 12/ 1959 لاستخراج حصوة من الحالب وترك قطعاً من القطن في موضع الجرح مما
نتج عنه خراج حول المثانة ثم أجريت له جراحة ثانية في 1/ 12/ 1964 واستخرجت هذه القطع
من مكانها، واستند الحكم في ذلك إلى التقرير الطبي الشرعي الذي يتضمن أنه بفحص محتويات
الحرز بمعرفة المعمل تبين أنه يحتوى على خمس قطع من ألياف منتفخة لها مميزات ألياف
القطن بعضها داكن اللون نوعاً والبعض الآخر يميل إلى البياض وأن ترك هذه القطع في مكان
الجرح وإن كان لا يعتبر من قبيل الخطأ الفني الجسيم إلا أنه يمكن اعتباره خطأ عادياً
يسأل عنه الطاعن كما استند الحكم إلى ما قرره الدكتور……. من أنه أجرى الجراحة الثانية
للمطعون عليه ووجد قطعاً من القطن والشاش حول المثانة في مكان الجراحة الأولى غير أنه
لم يقم بفحص هذه القطع لمعرفة نوعها، مما مفاده أن الحكم قطع في أن ما وجد في مكان
الجراحة الأولى هي قطع القطن الموصوفة بالتقرير الطبي الشرعي ولما كانت هذه الأدلة
التي أقيم عليها الحكم سائغة وتكفي لحمله، وكان ما قرره الحكم من أن الشاش والقطن يتخذان
مظهراً واحداً عند تكورهما وتليفهما داخل الجسم إنما أورده عن المظهر الخارجي للشاش
والقطن بعد استخراجهما من الجسم وأن هذا هو ما دعا الدكتور….. إلى عدم معرفة حقيقة
ما استخرجه من جسم المطعون عليه بالفحص السطحي، أما ما أضافه الحكم من أن الطاعن مسئول
سواء كانت القطع هي قطن أو شاش فهو استطراد زائد يستقيم الحكم بدونه، ولما كان الحكم
وعلى ما سلف البيان قد خلص إلى ثبوت الخطأ في جانب الطاعن فلا عليه إن هو لم يرد على
ما تمسك به الطاعن من أن نقابة الأطباء قررت حفظ التحقيق الذي أجرته عن هذا الموضوع
أو على باقي ما ورد في دفاعه الذي أثاره بسبب النعي، ذلك أنه يكفي لسلامة الحكم أن
يكون مقاماً على أسباب تحمله ولا يلزم بعد ذلك أن يتعقب كل حجة للخصم ويرد عليها استقلالاً،
لما كان ذلك فإن النعي على الحكم بالقصور والتناقض يكون في غير محله.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.
