الطعن رقم 331 سنة 4 ق – جلسة 11 /01 /1934
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 248
جلسة 11 يناير سنة 1934
برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وحضور حضرات مراد وهبة بك ومحمد فهمي حسين بك وحامد فهمي بك ومحمد نور بك.
القضية رقم 331 سنة 4 القضائية
تقادم. مبدأ تقادم الجريمة. إجراءات التحقيق التي تقطع المدّة.
(المادة 280 تحقيق جنايات)
1 – الجريمة تعتبر في باب التقادم وحدة قائمة بنفسها غير قابلة للتجزئة لا في حكم تحديد
مبدأ التقادم ولا في حكم ما يقطع هذا التقادم من إجراءات. ولهذا كان مبدأ تقادم الجريمة
هو ذلك اليوم الذي يقوم فيه فاعلها الأصلي بعمله الختامي المحقق لوجودها في حق جميع
مرتكبيها، فاعلين ومشتركين. وكذلك كان أي إجراء يوقظ الدعوى العمومية بعد نومها يعتبر
قاطعاً لمدة التقادم، ولو كان هذا الإجراء خاصاً ببعض المتهمين ولو بمجهول منهم. وهذا
هو المعنى الذي تصرح به المادة 280 من قانون تحقيق الجنايات في نصها على أن إجراءات
التحقيق يترتب عليها انقطاع المدّة المقرّرة لسقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية بالنسبة
لجميع الأشخاص، من دخل منهم في هذه الإجراءات ومن لم يدخل فيها.
وإذاً فالحكم الذي يعتبر الحكم الغيابي الذي صدر على متهم هارب هو آخر إجراء من إجراءات
التحقيق بالنسبة له، ولا يعتبر ما حصل بعد ذلك من الإجراءات من زميل له متهم معه في
القضية عينها من رفع استئناف عن الحكم الصادر ضدّه هو ورفع نقض عن الحكم الاستئنافي،
ولا يعتبر كذلك إجراءات تسليم ذلك المتهم الهارب من الإجراءات التي يترتب عليها انقطاع
تقادم الدعوى العمومية بالنسبة له – ذلك الحكم يعتبر مخطئاً ومتعيناً نقضه، لأن الصحيح
قانوناً هو وجوب اعتبار ما رفعه المتهم الذي لم يهرب من طعون، وما صدر ضدّه من أحكام،
قاطعاً لمضي المدّة بالنسبة للمتهم الهارب أيضاً، واعتبار إجراءات تسليم المتهم الهارب
قاطعة للتقادم أيضاً، لأن هذه الإجراءات ليست في الواقع إلا أوامر صادرة بضبط هذا المتهم
وإحضاره، مما لا يدع شبهة في كونها من إجراءات الضبط التي تتولاها سلطة التحقيق.
وقائع الدعوى وأسباب الحكم
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن مادة هذا الطعن تتحصل في أن النيابة العمومية اتهمت محمد محمود مليس وآخر
بأنهما يوم 29 يناير سنة 1930 جلبا إلى القطر المصري جوهراً مخدّراً بغير رخصة، وطلبت
معاقبتهما بالمواد 3 و35 و45 من القانون رقم 28 لسنة 1928 فقضت محكمة دمياط الجزئية
غيابياً بالنسبة لهذا المتهم وحضورياً بالنسبة لزميله بحبس كل منهما خمس سنوات مع الشغل
وغرامة ألف جنيه. فاستأنف المتهم الحاضر هذا الحكم فحكم برفضه في 11 يونيه سنة 1930
ورفع عن هذا الحكم نقضاً في 12 يونيه سنة 1930 قضى بعدم قبوله في 30 أكتوبر سنة 1930؛
أما محمد محمود مليس فقد كان هارباً خارج القطر المصري بالشام وتركيا فطلب تسليمه سنة
1932 وتم هذا التسليم وأعلن المتهم بالحكم الغيابي في 6 يوليو سنة 1933 فعارض فيه وتمسك
عند نظر المعارضة بسقوط الحق في إقامة الدعوى العمومية قبله بمضي المدّة محسوبة من
تاريخ الحكم الغيابي ليوم القبض عليه. فقضى برفض هذا الدفع وتأييد الحكم المعارض فيه.
فاستأنف وأعاد احتجاجه بهذا الدفع أمام محكمة المنصورة الاستئنافية فقضت تلك المحكمة
بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1933 بقبول الدفع وإلغاء الحكم المستأنف وسقوط الدعوى العمومية
بمضي المدة وببراءة المتهم.
طعنت النيابة في هذا الحكم ومحصل الطعن أن محكمة المنصورة الاستئنافية اعتبرت الحكم
الغيابي الصادر على محمد محمود مليس في 29 إبريل سنة 1930 أنه آخر ما أجري معه من إجراءات
التحقيق ثم جعلت هذا التاريخ مبدأ احتساب المدّة القانونية المقرّرة لسقوط الحق في
إقامة الدعوى العمومية. ولما رأت أنه قد قبض على هذا المتهم في 21 يونيه سنة 1933 وأن
مدّة السقوط قد انقضت حكمت بسقوط الحق في إقامة الدعوى وبالبراءة. وتقول النيابة في
بحثها القيم الذي أوردته بتقرير أسباب الطعن إن تلك المحكمة قد أطرحت ما تمسكت هي به
من أن مدّة السقوط قد قطعها ما كان من محاكمة ذلك المتهم الحاضر أمام محكمة الاستئناف
فأمام محكمة النقض حتى صدر حكم هذه المحكمة في 20 أكتوبر سنة 1930 بعدم قبول النقض
المرفوع منه وكما قطعها من جهة أخرى ما اتخذ من الإجراءات خاصاً بتسليم المتهم الغائب
خلال سنة 1931 وسنة 1932 وسنة 1933، وإن تلك المحكمة في سبيل تأييد وجهة نظرها المتقدّمة
الذكر قد أولت نص المادة 280 من قانون تحقيق الجنايات فأخطأت التأويل، ثم طبقت ما تأولته
فأخطأت التطبيق. ذلك بأنها ذهبت إلى أن نص هذه المادة القاضي بأن إجراءات التحقيق يترتب
عليها انقطاع المدّة المقرّرة لسقوط الحق في إقامة الدعوى بالنسبة لجميع الأشخاص ولو
لم يدخلوا في الإجراءات المذكورة، لا يتناول إلا الأشخاص الذين كانوا بعيدين عند تحقيق
يجرى مع غيرهم ثم يستدعون إليه أو يدخلون فيه بعد فوات المدّة المسقطة للحق في إقامة
الدعوى العمومية، ولا يسري على من يكون قد شملهم هذا التحقيق من مبدئه وسارت إجراءاته
بالنسبة لهم جميعاً. ثم قالت فقياس حالة هؤلاء على حالة المتهم الآن في القضية قياس
مع الفارق. ثم قالت أما طعن زميله بطريق النقض في الحكم الذي أصدرته عليه محكمة الاستئناف
فهو من إجراءات الدفاع التي لا تقطع المدّة، وأما ما اتخذ من إجراءات التسليم نحو المتهم
الغائب فليست كذلك من إجراءات التحقيق. وتقول النيابة إن في ذلك من الخطأ في تأويل
القانون وتطبيقه ما يقتضي نقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إن تقادم الدعاوى الجنائية لا يقوم في النظر على إهمال النيابة ضبط الواقعة وتحقيقها
ومحاكمة مرتكبيها، ولا على استمرار من يكون قد اقترفها على ظاهر حاله من البراءة الأصلية
المفروضة لكل متهم قبل الضبط والتحقيق والمحاكمة، كما يقوم التقادم المكسب للحق أو
المبرئ للذمة على إهمال صاحب الحق مطالبة خصمه مع تمكنه من هذه المطالبة، وإنما يقوم
ذلك التقادم على ما جرى عليه المشرع من اعتبار المآل في جلب المصالح ودرء المفاسد.
فإذ اعتبر ارتكاب الجريمة سبباً رتب عليه الحكم بتوقيع العقاب على الجاني لحكمة اقتضاها
هذا الحكم هي مصلحة المجتمع في الزجر والردع تحقيقاً للأمن والسلام والنظام فقد اعتبر
كذلك أن مرور الزمن المناسب على ارتكاب الجريمة ينسيها فجعله مانعاً من العقاب لحكمة
اقتضاها هذا المانع الطارئ هي انتفاء المصلحة من العقاب على الجريمة المنسية. ولهذا
المعنى اعتبر الدفع بهذا التقادم من قواعد النظام العام يجوز للمتهم إبداؤه، بل للنيابة،
في أية حال كانت عليها الدعوى ولو لأوّل مرة أمام محكمة النقض، ولهذه المحكمة أن تحكم
به من تلقاء نفسها. واعتبر كذلك قاطعاً للمدّة أي إجراء من الإجراءات يقصد به إلى التثبت
من وقوع الجريمة أو من نفي وقوعها وإلى نسبتها عند ثبوت وقوعها إلى من تصح نسبتها إليه
إجمالاً وتفصيلاً معيناً من تنسب هي إليه أم مجهولاً، سواء أصدرت هذه الإجراءات من
هيئة الاتهام أو من المدعي بالحق المدني تحريكاً للدعوى العمومية أم من سلطة التحقيق
أو من سلطة الحكم، وسواء أكانت هذه الإجراءات موجهة إلى جميع المتهمين أو إلى بعضهم
معلومين أم مجهولين. ذلك لأن الجريمة تعتبر في باب التقادم وحدة قائمة بنفسها غير قابلة
للتجزئة لا في حكم تحديد مبدأ التقادم ولا في حكم ما يقطعه من الإجراءات. ولهذا كان
مبدأ تقادم الجريمة هو ذلك اليوم الذي يقوم فيه فاعلها الأصلي بعمله الختامي المحقق
لوجودها في حق جميع مرتكبيها فاعلين ومشتركين ولو كانت أفعال اشتراكهم مما تلتحق بالجريمة
بعد تمامها. وكذلك كان أي إجراء يوقظ الدعوى العمومية بعد نومها يعتبر قاطعاً لمدّة
التقادم ولو كان هذا الإجراء خاصاً ببعض المتهمين ولو بمجهول منهم إذ الجريمة لا تكون
في آن واحد من دفائن الغيب ومخبآت الصدر وملء الأسماع وعلى الأفواه. وقد أشير إلى هذا
في المادة 637 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسي وفي المادتين 279 و280 من قانون تحقيق
الجنايات الأهلي. فقد نص في المادة 279 على أن الحق في إقامة الدعوى العمومية يسقط
في المواد الجنائية بمضي عشر سنين من يوم ارتكاب الجريمة أو من تاريخ أي عمل متعلق
بالتحقيق، وبمضي ثلاث سنين في مواد الجنح وستة أشهر في المخالفات. ونص في المادة 280
على أن إجراءات التحقيق يترتب عليها انقطاع المدّة المقرّرة لسقوط الحق في إقامة الدعوى
العمومية بالنسبة لجميع الأشخاص ولو لم يدخلوا في الإجراءات المذكورة.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل المادة 280 بتقييد مدلولها وقصره على الأشخاص
الذين كانوا بعيدين عن التحقيق ثم يستدعون إليه أو يدخلون فيه بعد فوات المدّة لأن
نصها صريح في ترتيب حكم الانقطاع على أي إجراء من إجراءات التحقيق بالنسبة لجميع الأشخاص
ولو لم يدخلوا في الإجراءات المذكورة. وليس حرف (لو) من أدوات القصر والتخصيص بل هو
بمعنى (حتى) الغائية التي تفيد دخول ما بعدها في حكم ما قبلها ملحوظاً أو ملفوظاً به
أو هو يدل – كما تقول النيابة – على استغراق الحكم لما يشتبه أنه غير داخل فيه. وهذا
التفسير هو الذي أعطى لنص المادة 376 من القانون الفرنسي المقابلة لنص المادة 280 المتقدّمة
الذكر. وهو الذي يتسق مع ما سبق تقريره في هذا الحكم من أن الجريمة تعتبر وحدة قائمة
بنفسها غير قابلة للتجزئة في تقرير الأحكام المتعلقة بالتقادم.
وحيث إن ما جاء بالحكم المطعون فيه من أن الطعن بالنقض المرفوع من المتهم الآخر محمد
حسن العباسي لا يقطع المدّة لأنه من إجراءات الدفاع فهو غير منتج لأن ما ذكره الحكم
من خلاف قام بين الفقه والقضاء الفرنسيين فإنما يتعلق بذات التقرير بالطعن هل يعتبر
مع صدوره من المتهم من إجراءات التحقيق قاطعاً للمدّة أم غير قاطع لأنه من إجراءات
الدفاع. أما ما يجري بعد تقرير الطعن من تكليف النيابة الطاعن بالحضور أمام المحكمة
إلى إجراءات تحقيق الطعن بالجلسة ثم إلى الحكم فيه فلم يمتد الخلاف إليها بل بقيت معتبرة
من الإجراءات القاطعة للمدّة. فكان ينبغي للمحكمة الاستئنافية حتى إذا أطرحت تقرير
الطعن بالنقض فلم تعتبره قاطعاً للمدّة لا في حق الطاعن ولا في حق زميله الهارب أن
تنظر فيما تم بعده من إجراءات المحاكمة لتبدي رأيها فيه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ أيضاً في عدم اعتبار إجراءات تسليم المتهم الهارب
والقبض عليه من إجراءات التحقيق القاطعة للمدّة بالنسبة له مع أنها ليست في الحقيقة
إلا إجراءات صدرت من النيابة وبناء على أمر القبض الصادر من القاضي المختص فهي من قبيل
إجراءات الضبط التي تتولاها سلطة التحقيق بغير شك.
