الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 191 سنة 4 ق – جلسة 08 /01 /1934 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 235

جلسة 8 يناير سنة 1934

برياسة سعادة عبد الرحمن إبراهيم سيد أحمد باشا وبحضور حضرات مصطفى محمد بك وزكي برزي بك وأحمد أمين بك وعبد الفتاح السيد بك.


القضية رقم 191 سنة 4 القضائية

عقوبة. ظروف مخففة. العناصر التي يصح أن تستمد منها تلك الظروف. عبارة "أحوال الجريمة" المستعملة في المادة 17 ع. تفسيرها. حداثة سنّ المتهم في الأحوال التي لا تدخل في حدود العذر القانوني. إمكان اعتبارها ظرفاً مخففاً. استعمال الرأفة. تسبيبها. لا وجوب.
(المادة 17 ع)
1 – إن عبارة أحوال الجريمة (Circonstances du fait poursuivi) التي تقتضي رأفة القضاة والتي ورد ذكرها في المادة 17 ع، لا تنصب فقط على مجرد وقائع الدعوى، وإنما تتناول بلا شك كل ما تعلق بمادية العمل الإجرامي من حيث هو وما تعلق بشخص المجرم الذي ارتكب هذا العمل وشخص من وقعت عليه الجريمة وكذا كل ما أحاط بذلك العمل ومرتكبه والمجني عليه من الملابسات والظروف بلا استثناء وهو ما اصطلح على تسميته (Circonstances objectives et Circonstances subjectives)، أي الظروف المادية والظروف الشخصية.
وهذه المجموعة المكوّنة من تلك الملابسات والظروف والتي ليس في الاستطاعة بيانها ولا حصرها (indéfinissables et illimitées) هي التي ترك لمطلق تقدير القاضي أن يأخذ منها ما يراه هو موجباً للرأفة.
2 – يصح للقاضي أن يتخذ من صغر سنّ المتهم ظرفاً قضائياً مخففاً ولو كانت تلك السنّ قد جاوزت الحدّ الذي يعتبر القانون فيه صغر السنّ عذراً قانونياً.
3 – إذا أراد القاضي استعمال الرأفة والنزول عن درجة العقوبة المنصوص عليها قانوناً إلى درجة أخف فهو لا يكون ملزماً ببيان موجب ذلك، بل كل ما يطلب منه عندئذ هو مجرّد القول بأن هناك ظروفاً مخففة، والإشارة إلى النص الذي يستند إليه في تقدير العقوبة. ذلك بأن الرأفة شعور باطني تثيره في نفس القاضي علل مختلفة لا يستطيع أحياناً أن يحدّدها حتى يصوّرها بالقلم أو باللسان. ولهذا لم يكلف القانون القاضي – وما كان ليستطيع تكليفه – بيانها بل هو يقبل منه مجرّد قوله بقيام هذا الشعور في نفسه ولا يسأله عليه دليلاً.


الوقائع

اتهمت النيابة العمومية سالم سلطان درويش شحات العربي ومحمد سليمان داود وأحمد محمد ندا بأنهم في ليلة 23 سبتمبر سنة 1933 الموافق 3 جماد آخر سنة 1352 بمصر الجديدة محافظة مصر: (أوّلاً) الأوّل قتل عمداً المستر جون آدم هوارد بأن أطلق عليه عياراً نارياً قاصداً بذلك قتله فأصابه بجروح نارية في ذراعه الأيسر وصدره وبطنه بالمعدة والأمعاء والطحال نشأ عنها نزيف ترتب عليه وفاته. وهذا الفعل تقدّمته جناية سرقة بالإكراه منطبقة على المادة 271 فقرة ثانية عقوبات ارتكبها المتهمون الثلاثة وهي أنهم سرقوا من المجني عليه محفظة نقوده التي كان بها جنيه مصري وورقة مالية انجليزية من فئة العشرة شلنات ومشط وأوراق أخرى مبينة بالمحضر. وذلك بطريق الإكراه الذي ترك بوجه المجني عليه الآثار المبينة بالكشف الطبي بأن تماسكوا به وانتزعوا المحفظة من جيبه، وكان بعض المتهمين يحملون أسلحة نارية (بندقية ومسدساً) أثناء ارتكابهم جريمة السرقة. (ثانياً) وبأن الثاني والثالث في الزمن والمكان سالفي الذكر اشتركا مع المتهم الأوّل في جريمة القتل العمد المتقدّم وصفها بأن ارتكبا معه كفاعلين أصليين جريمة السرقة بالإكراه مع حمل السلاح فوقعت جريمة القتل العمد على المجني عليه من المتهم الأوّل وكانت هذه الجريمة الأخيرة نتيجة محتملة لاتفاق المتهمين الثلاثة على ارتكاب جريمة السرقة ومقارفتهم فعلاً تلك الجريمة. (ثالثاً) وبأن الأوّل والثاني في ليلة 20 سبتمبر سنة 1933 الموافق 30 جماد أوّل سنة 1352 بدائرة قسم مصر الجديدة سرقا بالإكراه مبلغ ثمانية قروش تقريباً من السير جنت بيولت رونالد ڤنسنت ولزلي الطيار بالجيش البريطاني. وذلك بأن أمسك المتهم الأوّل بسترة المجني عليه وهدّده المتهمان بأسلحة نارية (بندقية ومسدس) كانت معهما وتمكنا من سرقة ما معه من النقود الصغيرة ومقدارها نحو ثمانية قروش. وطلبت من حضرة قاضي الإحالة إحالتهم إلى محكمة جنايات مصر لمحاكمة الأوّل بالمادتين 198 فقرة ثانية و271 فقرة أولى من قانون العقوبات والثاني بهما وبالمواد 40 و41 و43 منه والثالث بالمواد 198 فقرة ثانية و40 و41 و43 من القانون المذكور. فقرّر حضرته بتاريخ 26 أكتوبر سنة 1933 إحالتهم إليها لمحاكمتهم بالمواد السالفة الذكر. ومحكمة جنايات مصر سمعت هذه الدعوى وقضت حضورياً بتاريخ 18 نوفمبر سنة 1933 عملاً بالمادتين 198 فقرة ثانية و17 من قانون العقوبات للطاعن الأوّل وبهما وبالمواد 40 و41 و43 و199 من القانون المذكور للثاني والثالث وذلك عن تهمة قتل المستر جون آدم هوارد وبالمادة 50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات بالنسبة للأول والثاني عن التهمة الثانية: أوّلاً بمعاقبة الأوّل بالأشغال الشاقة المؤبدة ومعاقبة كل من الثاني والثالث بها لمدّة خمس عشرة سنة. (ثانياً) ببراءة الأوّل والثاني من تهمة سرقة السير جنت بيولت رونالد ولزلي. فطعن المحكوم عليهم في هذا الحكم بطريق النقض في 19 نوفمبر سنة 1933 وقدّم الثالث تقريراً بأسباب طعنه في 6 ديسمبر سنة 1933 ولم يقدّم الأوّل والثاني أسباباً لطعنهما وطعن فيه حضرة صاحب العزة النائب العمومي في 21 نوفمبر سنة 1933 وقدّم عزته تقريراً بالأسباب في 27 منه.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
حيث إن سالم سلطان ومحمد سليمان داود المتهمين الأوّل والثاني لم يقدّما أسباباً لطعنهما فيكون طعنهما غير مقبول شكلاً.
وحيث إن الطعنين الحاصلين من النيابة العامة ومن أحمد ندا المتهم الثالث صحيحان شكلاً لتقديمهما هما وأسبابهما في الميعاد القانوني.
فعن مطعن النيابة العامة:
حيث إن مطعن النيابة العامة يتلخص في أن محكمة الجنايات بعد أن سردت وقائع الدعوى وظروفها بما فيها الباعث الذي دفع بالمتهم الأوّل سالم سلطان إلى اقتراف جرمه جاءت عند تقديرها للعقوبة برأي لا يتسق وما تقدّم من ذنبه فقالت إنها ترى – نظراً لحداثة سنه وهو في العشرين من عمره – أن تعامله بما تقتضيه المادة 17 من قانون العقوبات وأن توقع عليه عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة. وهي بهذا الذي انتهت إليه قد أخطأت في تأويل القانون وتطبيقه إذ سن المتهم وحدها وبذاتها ليست ظرفاً مخففاً مما عنته المادة 17 سالفة الذكر يبرر عدم توقيع عقوبة الإعدام التي نصت عليها المادة 198 فقرة ثانية المطبقة على جريمة ذلك المتهم. فالمشرع المصري لا يقر من الظروف المخففة إلا ما تعلق بأحوال الجريمة ولا يجيز ما أجازته بعض القوانين الأجنبية التي خوّلت للقاضي حق تخفيف العقوبة إما لصرامة ذات النص في نظره وإما لرعايته لظروف الدعوى. ولا شك أيضاً في أن المشرع المصري لم يقصد قط أن سنّ المتهم تمنع من توقيع عقوبة الإعدام أو تصح أن تكون عذراً قانونياً لتفادي توقيعها إلا في الأحوال التي عني بإيضاحها. فهو لا يعرف صغر السنّ إلا في الحدود والقيود التي ذكرها في باب المجرمين الأحداث، فمتى كانت سنّ المتهم لا تدخل تحت حكم من أحكام هذا الباب فهي لا تصلح قانوناً لأن تتخذ عذراً أو ظرفاً يخفف العقاب. ولقد ثبت من الحكم المطعون فيه أن عمر المتهم الأوّل عشرون سنة أي أنه قد فات بكثير السنّ الواردة في باب المجرمين الأحداث من قانون العقوبات (المواد من 59 إلى 66). وإنه إن صح أن يكون لمحكمة الموضوع كامل الحرّية في تقدير ظروف الرأفة بغير أن تلتزم بذكرها في الحكم – وهو رأي ترجو النيابة من محكمة النقض أن تعيد النظر فيه على إطلاقه إذ ليس سائغاً أن تستثني ظروف الرأفة ودواعي تلطيف العقوبة من واجب تسبيب الأحكام لا سيما في القانون المصري الذي حصر أسباب الرأفة في الأمور المستفادة من الوقائع خصوصاً مع قيام نص المادة الأولى من القانون الصادر في 19 أكتوبر سنة 1925 بشأن تجنيح بعض الجنايات الذي أوجب صراحة أن يشتمل أمر الإحالة على بيان الأعذار أو الظروف المخففة التي بني عليها، ومع قيام المادة 52 عقوبات التي أوجبت هي أيضاً على القاضي بيان أسباب إيقاف التنفيذ عند ما يأمر به – إن صح ذلك فإنه مما لا شبهة فيه أن محكمة الموضوع إذا ذكرت أو استندت صراحة أو ضمناً إلى ظرف باعتباره مخففاً وكان هذا الظرف في نظر الكافة مشدداً كان لمحكمة النقض مراقبتها في ذلك الشذوذ وردّها عنه. ومن باب أولى يكون لمحكمة النقض هذا الحق إذا اعتبرت محكمة الموضوع أمراً ما مخففاً للعقوبة وكان القانون لا يقرّ هذا الوصف. وإنه مما يزعج الخاطر أن السياق المنطقي للرأي الذي ذهبت إليه محكمة الجنايات في الحكم المطعون فيه الآن يؤدّي حتماً لنتيجة مدهشة في تعارضها مع القانون وهي أن من تكون سنه عشرين سنة لا يحكم عليه بالإعدام. هذا وفيما يتعلق بالمتهمين الثاني والثالث تقول النيابة العامة إن المحكمة قد أخطأت أيضاً في تأويل القانون وتطبيقه بأن ذكرت في حكمها "أنها ترى معاملة ذينك المتهمين بالمادة 17 عقوبات لطبيعة ما نسب إليهما حسب تصوير الحادثة" في حين أن القانون يجعل طبيعة ما نسب إليهما حسب تصوير الحادثة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة. وإن ما ذكرته المحكمة في هذا الصدد صريح في الدلالة على أنها تريد التخلص من تطبيق نص القانون وأنها تنازع في تناسب العقوبة التي يفرضها مع طبيعة الجريمة التي وضعت لها هذه العقوبة. على أن تقدير طبيعة الجريمة وماهيتها مسألة من خصائص المشرع، وقد فرغ القانون من أمرها ووضع عقوبتها، فذكر المحكمة طبيعة الجريمة مرادف لذكرها نص القانون.
وحيث إن الملحق الذي قدّمته النيابة العامة بعد ذلك تأييداً لوجهة نظرها المبينة في الطعن المتقدم ذكره حاصله أن قانون العقوبات الفرنسي عند وضعه في سنة 1810 لم يكن يعتبر ظروف الرأفة إلا في مواد الجنح فقط دون الجنايات والمخالفات، وكانت مع ذلك العقوبات التي قرّرها للجنايات على جانب عظيم من الشدّة والصرامة اضطره إلى إدخال نظام الظروف المخففة في مواد الجنايات في سنة 1824 ولكنه قصر هذا النظام على جنايات معينة. ثم فكر القوم بعد ذلك في تخفيف العقاب عن المجرمين فأخذوا في مراجعة قانون العقوبات برمته ولكنهم انتهوا في آخر الأمر إلى تعديل نظام الظروف المخففة سنة 1832 تعديلاً من شأنه أن يسمح للقاضي أو المحلفين بتلافي ما في ذلك القانون من شدّة وصرامة. وتقول النيابة العامة إن المادة 463 من قانون العقوبات الفرنساوي وهي مادة الرأفة التي تقابلها في قانون العقوبات المصري المادة 17 لم تبين ماهية أسباب هذه الرأفة واقتصرت على ذكر أن العقوبات تنقص "إذا وجدت ظروف مخففة" (كذا)، وأما نص المادة 17 من قانون العقوبات المصري فقد جاء مخالفاً في صيغته لنص القانون الفرنساوي، وإن هذه المخالفة لا بدّ وأن تكون مقصودة، وينبني عليها عدم الأخذ بالقانون الفرنساوي في هذا الصدد، إذ نص المادة 17 سالفة الذكر صريح في أن ظروف الرأفة مناطها وقائع الدعوى ليس إلا، ولا تسمح عبارة هذا النص بحال للقول بما قيل به في القانون الفرنساوي من أن القاضي يملك أن يعتمد على صرامة النص – في رأيه – لتخفيف العقاب. خصوصاً إذا لوحظ أن المشرع الفرنساوي عندما رغب في تدارك ما ظهر في قانونه من شدّة قاسية لم يكن في وسعه وقتئذ تلافيها بتعديل القانون كله فتوسل بنظام الظروف المخففة. أما المشرع المصري فلم تكن به حاجة إلى التوسل بهذه الطريقة وهو يضع ويصوغ قانونه برمته. وتضيف النيابة العامة إلى ما تقدّم وفيما يتعلق بإيجاب تسبيب دواعي الرأفة في القانون المصري (أوّلاً) أن نظام المحلفين الموجود في فرنسا لا وجود له في مصر وأن في هذا النظام ضمانة وطمأنينة للجمهور، (وثانياً) أن مثل هذا التسبيب أوجبه القانون البلجيكي والنمساوي والقانون الإسباني وكذلك القانون الإيطالي الجديد، وأن من بين هذه القوانين ما حدّد أسباب الرأفة على سبيل الحصر، وهذا يستدعي بداهة بيانها في الحكم.
وحيث إن المسائل التي يثيرها مطعن النيابة العامة ويتعين الفصل فيها تنحصر فيما يأتي:
(أوّلاً) ما هو نطاق ومدى الظروف المخففة التي قصد إليها الشارع المصري في المادة 17 من قانون العقوبات؟ وما هي العناصر التي يصح أن تستمدّ منها تلك الظروف وهل حداثة سن المتهم بنوع خاص حتى في الأحوال التي لا تدخل في حدود العذر القانوني يصح اعتبارها من تلك الظروف أم لا؟
(ثانياً) هل من واجب محكمة الموضوع، إذا ما رأت الأخذ بهذه الظروف، أن تعني ببيانها في حكمها بياناً صريحاً، وبعبارة أخرى هل من واجب قاضي الموضوع تسبيب الرأفة التي يرى أخذ المتهم بها؟
فعن المسألة الأولى:
حيث إنه من الثابت أن المادة 17 من قانون العقوبات المصري قد نقلت واستمدّت من المادة 463 من قانون العقوبات الفرنسي.
وحيث إن المادة 463 المذكورة نصت على أنه "إذا قرّر المحلفون أن هناك ظروفاً مخففة تنقص إلخ…" وأما المادة 17 من القانون المصري فنصها كالآتي: "يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل…".
وحيث إنه لا شك في أن عبارة أحوال الجريمة التي تقتضي رأفة القضاة المستعملة في المادة 17 المتقدّم ذكرها هي نفسها وبذاتها الظروف المخففة التي أشير إليها في نص المادة 463 فرنساوية. لا بل عبارة القانون المصري ربما كانت أوفى في هذا الصدد من عبارة القانون الفرنساوي إذ أحوال الجريمة (Circonstances du fait poursuivi) لا تنصب فقط على مجرّد وقائع الدعوى كما فسرتها النيابة العامة في مطعنها الحالي وإنما هي تتناول بلا شك كل ما يتعلق بمادية العمل الإجرامي في حدّ ذاته وبشخص المجرم الذي ارتكب هذا العمل وبمن وقعت عليه الجريمة، وكذا كل ما أحاط بذلك العمل ومرتكبه والمجني عليه من الملابسات والظروف بلا استثناء – وهو ما اصطلح على تسميته (Circonstances objectives‚ circonstances subjectives) أي الظروف المادّية والظروف الشخصية. وهذه المجموعة المكونة من تلك الملابسات والظروف والتي ليس في الاستطاعة بيانها ولا حصرها(Indéfinissables et illimitées) هي التي ترك لمطلق تقدير القاضي أن يأخذ منها ما يراه هو موجباً للرأفة.
وحيث إن المعنى الضيق الذي تذهب إليه النيابة قد كان يصح أن يكون لها شبهة وجه في القول لو أن النص الفرنسي لعبارة "أحوال الجريمة" كان هكذا (Les circonstances de fait). إذاً لأمكن أن يقبل منها القول بأن المراد هو أحوال الواقعة المادية في ذاتها دون غير. أما والنص هو (Les circonstances du fait poursuivi) أي أحوال الجريمة الجارية المحاكمة عنها فالتفسير الضيق الذي تذهب إليه لا يمكن التسليم به، بل مراد القانون هو ذلك المعنى الواسع السابق بيانه.
وحيث إن النيابة العامة تنعى على محكمة الجنايات اعتبارها حداثة سنّ المتهم الأول سالم سلطان درويش ظرفاً مخففاً قائلة إن الشارع لا يعرف صغر السنّ إلا في الحدود والقيود التي ذكرها في باب المجرمين الأحداث، وإنه متى كانت سنّ المتهم لا تدخل تحت حكم من أحكام هذا الباب فلا تصلح قانوناً لأن تتخذ عذراً أو ظرفاً مخففاً. وتستند النيابة في نظريتها هذه إلى نص المادة "66" من قانون العقوبات وإلى تعليقات وزارة الحقانية عليها.
وحيث إنه لا محل لما تستند إليه النيابة العامة في هذا الصدد إذ ينبغي التمييز بين الأعذار القانونية البحتة وبين الظروف المخففة القضائية وعدم الخلط بينهما. فالأولى قد تولى الشارع أمرها بنفسه ونص بشأنها على ما رآه، وهي فيما يختص بالسنّ قد جعلها الشارع عذراً مطلقاً لغاية الخامسة عشرة، وجعلها عذراً مقيداً من الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة. وأما الثانية وهي الظروف المخففة التي يصح استمدادها من حداثة السنّ التي لا تدخل في هذه الحدود أي السن التي لا تتجاوز السابعة عشرة فما فوق فإنها تركت لمطلق تقدير القضاة. ومما تحسن الإشارة إليه في هذه المناسبة أن الفقه والقضاء الفرنساويين عندما أوردا الظروف المخففة الأكثر شيوعاً ذكرا صراحة وبنوع خاص حداثة سنّ المتهم. وهذه السنّ التي اعتبرت من الظروف المخففة الأكثر شيوعاً هي بلا شك السنّ التي لا تدخل تحت حكم من أحكام باب المجرمين الأحداث وإنما هي السنّ التي تجاوزت ما تولى الشارع نفسه النص بشأنها. ومما يجب لفت النظر إليه في هذه المناسبة أيضاً أن الشارع المصري نفسه سار بنفس هذه الروح فإن المذكرة التي أصدرتها وزارة الحقانية إيضاحاً وتفسيراً لقانون 19 أكتوبر سنة 1925 الخاص بتجنيح بعض الجنايات (من جهة الاختصاص) والذي سيأتي الكلام عنه فيما بعد، أرادت أن تبين هي أيضاً الظروف المخففة الأكثر شيوعاً والتي يصح لقاضي الإحالة الاستناد إليها لإجراء هذا التجنيح فذكرت من ضمنها صراحة حداثة سنّ المتهم التي نحن في صددها الآن. ويحسن هنا إيراد ما سطر في تلك المذكرة حرفياً: "قد بحثت وزارة الحقانية أيضاً فيما إذا كان من المناسب أن تبين بطريقة الحصر في القانون الظروف المخففة التي تبرر اعتبار بعض الجنايات جنحاً بدلاً من تركها لمحض تقدير قاضي الإحالة فتنزع منه بذلك حق التوسل بغيرها. ولكنها رأت من الأمور المتعذر تحقيقها عملياً أن تدرج في القانون كشفاً ببيان تلك الظروف بالحصر ورأت أنه ما دام باب المعارضة في قرار اعتبار الجناية جنحة مفتوحاً فلا داعي للخوف من سوء استعمال السلطة الممنوحة إذ أنه يكون في وسع غرفة المشورة أن تتلافى دائماً مضارها. فمن الظروف المخففة الواضحة التي يمكن ذكرها على سبيل التمثيل قلة الضرر الحقيقي الواقع على شخص المجني عليه أو على أمواله وحداثة سنّ الجاني حتى في الأحوال التي لا تدخل في حدود العذر القانوني…… إلخ……. إلخ".
فإذا كان الشارع المصري قد دل بقوله في تلك المذكرة على أن من مبادئه أن حداثة السنّ ولو في غير أحوال العذر القانوني التي نص عليها في باب المجرمين الأحداث – ومنها بالبداهة العذر المقيد الوارد بالمادة 66 عقوبات – أن هذه الحداثة تعتبر من أهم الظروف المخففة فلا يمكن إذاً الافتئات عليه بتفسير ما ورد في تعليقات الحقانية على المادة 66 عقوبات تفسيراً مغايراً لهذا المراد الصريح، بل يجب حصر تلك التعليقات في حدود ما وضعت له وهي مجرّد بيان العذر المقيد المنصوص عليه بتلك المادة، وأن هذا العذر المقيد لا يتنافى مطلقاً مع أصل المجمع عليه من أن صغر السنّ في ذاته ولو تجاوز الحدّ الذي يكون فيه عذراً هو ظرف يصح للقاضي أن يعتبره من الظروف القضائية المخففة.
وحيث إنه لا محل كذلك لما خشيته النيابة العامة وصرحت به في مطعنها من أن السياق المنطقي للرأي الذي ذهب إليه الحكم المطعون فيه يؤدي حتماً لنتيجة مدهشة في تعارضها مع القانون وهي أن من تكون سنه عشرين سنة لا يحكم عليه بالإعدام – لا محل لهذا الخوف وهذا الانزعاج إذ أنه وإن كان لمحكمة الموضوع كامل الحرّية في اعتبار سنّ المتهم من الظروف المخففة للعقاب فإنه مما لا شك فيه أن للقاضي الذي اعتبر السنّ في قضية معينة ظرفاً مخففاً لمتهم بعينه ألا يعدّ تلك السنّ كذلك في حق متهم آخر إذ لا ريب في أن لكل جريمة أحوالها الخاصة ولكل مجرم أحواله الشخصية الخاصة، وليس من قال أو يقول إن كل من كانت سنهم واحدة وجبت معاملتهم جميعاً على السواء.
وحيث إن الواقع أن الذي يؤدّي إلى النتيجة المزعجة هو الأخذ بنظرية النيابة؛ إذ ماذا يكون الرأي في شاب تجاوز السابعة عشرة من عمره بيوم واحد وارتكب جناية ومثله كان بالأمس فقط لا يجوز للقاضي أن يحكم عليه بالإعدام ولا بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة وفي يومه التالي الذي بدأ به الثامنة عشرة يجب على القاضي حتماً أن يحكم عليه بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة؟ أليس أن هذا منتهى ما يطعن في حكمة كل شارع ويدل على فساد رأيه وعلى أن تشريعه تشريع ميكانيكي صرف لا مدخل فيه للعقل ولا للعواطف الإنسانية… على أنه مما تحسن الإشارة إليه استيفاءً لهذه النقطة بالذات أن محكمة الجنايات قبل التكلم في الدعوى الحالية عن سنّ المتهم الأول سالم سلطان درويش قد وصفت هذا المتهم بأنه شاب بدوي طائش. وواضح من ذلك جلياً أن المحكمة إذا كانت ذكرت في آخر حكمها ما يدل على اعتبارها حداثة سنّ المتهم موجبة للرأفة فإن عبارتها هذه يكملها ما سبق لها أن قرّرته من أنه شاب طائش، ويكون سبب الرأفة في نظرها حداثة السنّ المصحوبة بالطيش. ولا شك أن لكل محكمة أن تقرر أن حداثة السنّ المصحوبة بالطيش هي من الظروف التي توجب رأفتها، ولا يجوز أن يكون لها معقب في ذلك.
وحيث إنه ظاهر مما توضح أن محكمة الجنايات باعتبارها حداثة سنّ المتهم الأوّل سالم سلطان درويش ظرفاً مخففاً لم تخطئ في تأويل القانون وتطبيقه كما تقول النيابة، وإنما هي أخذت بما عليه الإجماع وما دل عليه الشارع نفسه في المذكرة الإيضاحية لقانون 19 أكتوبر سنة 1925 الخاص بتجنيح الجنايات المتقدّم ذكره.
وحيث إنه في شأن المتهمين الثاني والثالث تقول النيابة العامة إن محكمة الجنايات أخطأت أيضاً في تأويل القانون وتطبيقه حيث ذكرت في حكمها أنها ترى معاملة ذينك المتهمين بالمادة 17 من قانون العقوبات "لطبيعة ما نسب إليهما بحسب تصوير الحادثة".
وحيث إن الظاهر أن محكمة الجنايات لم تعوّل فيما رأته من استعمال الرأفة بالمتهمين الثاني والثالث إلا على ما ظهر لها من الوقائع والظروف الخاصة بهما فلا محل إذن للقول بأن المحكمة قد أخطأت هنا أيضاً في تأويل القانون وتطبيقه.
هذا:
وحيث إن ما أوضحته النيابة العامة أخيراً في ملحق تقريرها من أن المشرع الفرنسي عندما أراد تدارك ما ظهر له في قانونه من شدّة قاسية لم يكن في وسعه وقتئذ تلافيها بتعديل القانون كله فتوسل بنظام الظروف المخففة التي يملك القاضي هناك بموجبها أن يعتمد حتى على صرامة النص – في رأيه – لتخفيف العقاب، وأن المشرع المصري لم تكن به حاجة إلى التوسل بهذه الطريقة وهو يضع ويصوغ قانونه برمته، وتستنتج النيابة العامة من ذلك أنه لا يصح الأخذ في هذا الموضوع بما هو متبع في فرنسا – إن ما أوضحته النيابة العامة مما سبق ذكره مردود بأن المشرع المصري – وهو يضع ويصوغ قانونه برمته – إذا كان عني بحصر الظروف المخففة في دائرة أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى، فإن تلك الظروف هي – كما سلف الإيضاح – منصبة على وقائع الدعوى وظروفها المادية والشخصية بالكيفية التي سلف بيانها.
وعن المسألة الثانية:
حيث إن ما تقوله النيابة العامة من أنه ليس بسائغ أن تستثني ظروف الرأفة ودواعي تلطيف العقوبة من واجب تسبيب الأحكام لا سيما في القانون المصري الذي حصر أسباب الرأفة في الأمور المستفادة من الوقائع خصوصاً مع قيام نص المادة 52 من قانون العقوبات التي أوجبت على القاضي بيان أسباب إيقاف التنفيذ عندما يأمر به ومع قيام نص المادة الأولى من القانون الصادر في 19 أكتوبر سنة 1925 بشأن تجنيح بعض الجنايات إذ قد ورد فيه ما يأتي: "ويجب أن يشمل أمر الإحالة على بيان الأعذار أو الظروف المخففة التي بني عليها" – إن ما تتمسك به النيابة في هذا الموضع لهو مما يؤيد بالعكس نظرية عدم وجوب تسبيب الظروف المخففة عموماً التي نصت عليها المادة 17 من قانون العقوبات. ذلك بأن أحكام المادة 52 عقوبات وأحكام قانون 19 أكتوبر سنة 1925 هي أحكام استثنائية وردت مخالفة لأصول القانون العامة إذ الأصل في الأحكام وجوب تنفيذها والأصل في الجنايات أن تختص بالنظر فيها محاكم الجنايات. فإيقاف التنفيذ أو تحويل بعض الجنايات إلى محكمة الجنح ورد مخالفاً لأصول القانون فكان الشارع مضطراً لضمان حسن سير العدالة أن يكلف القاضي ببيان موجب إيقافه للتنفيذ أو ببيان موجب مخالفته لقاعدة الاختصاص. فهذا البيان إذن واجب له في نظر الشارع ما يقتضيه حتى لا يكون الأمر فوضى يتصرف فيه القضاة بأهوائهم. ومن ذلك يرى أن الشارع عندما رأى ضرورة التسبيب عند تطبيق المادة 52 عقوبات وعند الأخذ بالأعذار والظروف المخففة عملاً بقانون 19 أكتوبر سنة 1925 سالف الذكر قد عني بالنص على ذلك نصاً خاصاً. أما المادة 17 من قانون العقوبات التي وضعت بصفة عامة لما قد يكون هناك من الظروف المخففة في أية جناية كانت فلم يأت بها نص بهذا المعنى ولا يصح إذن إخضاعها إلى نصوص أخرى خاصة وردت متعلقة بأمور خاصة. وهذا هو المتفق عليه وهو الذي جرت عليه أحكام محكمة النقض دائماً، إذ هي قضت باطراد بأن القاضي إذا أراد استعمال الرأفة والنزول عن درجة العقوبة المنصوص عليها قانوناً إلى درجة أخف فهو ليس ملزماً ببيان موجب هذا العدول بل كل المطلوب منه هو مجرّد القول بأن هناك ظروفاً مخففة والاكتفاء بالإشارة إلى النص المبيح لذلك العدول. ولا عجب من ذلك إذ الرأفة شعور باطني تثيره في نفس القاضي علل مختلفة لا يستطيع أحياناً أن يحدّدها حتى يصوّرها بالقلم أو باللسان. ولهذا لم يكلف القانون القاضي – وما كان ليستطيع تكليفه – بيانها بل هو يقبل منه مجرّد قوله بقيام هذا الشعور في نفسه ولا يسأله عليه دليلاً. على أنه مما تجب ملاحظته في الدعوى الحالية أن الحكم المطعون فيه قد جاء – كما سلف البيان – مسبباً تسبيباً كافياً بالنسبة للظروف المخففة التي رأت المحكمة من نفس ظروف الدعوى ووقائعها مراعاتها في حق المتهمين الثلاثة جميعاً.
وحيث إنه لمناسبة ما ذكرته النيابة العامة أخيراً في ملحق تقريرها خاصاً بوجوب تسبيب الرأفة في بعض القوانين الأجنبية يلاحظ أنه بقطع النظر عما رآه أو يراه كل مشترع من هؤلاء المشترعين صالحاً في هذا الموضوع لبلاده وعما قد يكون من اختلاف وجهة النظر بينهم في طريقة الوصول إلى غرضهم الأساسي، وهو عند الكل السعي إلى تخفيف العقاب عن المتهمين، مما لا محل لبيانه تفصيلاً في هذا المقام – بقطع النظر عن ذلك كله فإنه مما لا نزاع فيه أن ما سار عليه قضاء هذه المحكمة من عدم وجوب بيان دواعي الرأفة هو الذي يتمشى في الحقيقة مع شعور الرأفة ومقتضياتها ويوحي به المنطق الصحيح في مثل هذه المادة ولا يأباه القانون.
وحيث إنه مما توضح جميعه يرى أن مطعن النيابة العامة في غير محله ويتعين رفضه موضوعاً.
وعن طعن أحمد محمد ندا المتهم الثالث:
حيث إن هذا المطعن يتلخص في أن الدفاع عن المتهم المذكور طلب من محكمة الجنايات التصريح بإعلان الطبيب الشرعي بصفة شاهد نفي لسماع أقواله بالنسبة للإصابات التي وجدت في جسم المجني عليه إذ لو تم ذلك لكان ثبت للمحكمة أن المجني عليه المذكور توفى بمجرّد إصابته وأنه لم يكن هناك عراك بينه وبين المتهمين وعلى ذلك لا يكون هناك اشتراك من الطاعن الحالي في الجريمة المسندة إليه، وأن المحكمة إذ رفضت إجابة هذا الطلب قد أخلت بحق الدفاع، وهذا وجه من الأوجه المهمة لبطلان الإجراءات طبقاً للمادة 229 من قانون تحقيق الجنايات.
وحيث إن ما يشكو منه الطاعن هنا غير جدير بالاعتبار إذ بالرجوع إلى الحكم المطعون فيه يعلم أن المحكمة عرضت لطلب الدفاع سالف الذكر، وبعد أن بحثته بحثاً مستفيضاً قضت صراحة برفضه رفضاً مسبباً وافياً مقنعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات