الطعن رقم 275 سنة 20 قضائية – جلسة 12 /03 /1953
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 4 – صـ 646
جلسة 12 من مارس سنة 1953
القضية رقم 275 سنة 20 قضائية
برياسة حضرة الأستاذ أحمد حلمي وكيل المحكمة وبحضور حضرات الأساتذة
عبد العزيز محمد وكيل المحكمة ومصطفى فاضل وأحمد العروسي ومحمود عياد المستشارين.
فوائد. فوائد ربوية. إثبات. حكم. تسبيبه. اعتماده في ثبوت الربا الفاحش على قرائن غير
مؤدية. عدم إحالة الدعوى على التحقيق لإثبات حقيقة المبالغ المقترضة. إعفاء المدين
من إثبات الفوائد الربوية استناداً إلى القرائن المشار إليها. مخالفة لقواعد الإثبات
وقصور.
لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع أسست قضاءها بثبوت الربا الفاحش
على أن القروض قد عقدت في ظروف أليمة خلال مدة الحرب في بلد يحتله العدو على أن تسدد
بالعملة المصرية ودونت في مستندات غير مؤرخة ولم يبين فيها مكان تحريرها وعلى أن ظروف
الاستدانة تدل على أن المقترضين كانوا في حالة ضيق شديد أثناء وجودهم بفرنسا إذ سببت
لهم الحرب انقطاع سبل معاشهم فاضطروا للجوء إلى الطاعن الثاني وغيره للاقتراض منهم،
وكانت هذه الظروف التي اعتبرها الحكم دليلاً على ثبوت الربا الفاحش لا تؤدي عقلاً إلى
ثبوته – ذلك لأن كل مدين لا يلجأ إلى الاقتراض عادة إلا إذا كان في ظروف تضطره إليه
فليست هذه الضرورة في حد ذاتها دليلاً على ثبوت الربا الفاحش وكذلك لا يؤدي إلى إثباته
خلو سندات الدين من بيان تاريخ ومكان تحريرها، وكان للمحكمة متى رجح لديها من قرائن
الحال في الدعوى احتمال مظنة الربا الفاحش أن تحيل الدعوى على التحقيق ليثبت المدينون
بمقتضى السندات دفاعهم بأنهم لم يستلموا في مقابلها سوى المبالغ التي أقروا بها، لما
كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد نقل عبء الإثبات من عاتق المدينين بمقتضى السندات
موضوع الدعوى إلى عاتق الدائن استناداً إلى قرائن مؤدية لإثبات الربا الفاحش فإنه يكون
قد خالف قواعد الإثبات فضلاً عن قصوره في التسبيب مما يستوجب نقضه.
الوقائع
في يوم 22 من أغسطس سنة 1950 طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف
الإسكندرية الصادر في 13 من يونيه سنة 1950 في الاستئناف رقم 478 سنة 5 ق وذلك بتقرير
طلب فيه الطاعنان الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة
القضية على محكمة الاستئناف للفصل فيها مجدداً من دائرة أخرى وإلزام المطعون عليهم
الثلاثة الأولين متضامنين بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجات الثلاث.
وفي 29 من أغسطس سنة 1950 و4 من سبتمبر سنة 1950 أعلن المطعون عليهم بتقرير الطعن،
وفي 9 من سبتمبر سنة 1950 أودع الطاعنان أصل ورقة إعلان المطعون عليهم بالطعن وصورة
مطابقة للأصل من الحكم المطعون فيه ومذكرة بشرح أسباب الطعن وحافظة بمستنداتهما. وفي
30 منه أودع المطعون عليهم الثلاثة الأولون مذكرة بدفاعهم مشفوعة بمستنداتهم طلبوا
فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة وفي 12 من أكتوبر
سنة 1950 أودع الطاعنان مذكرة بالرد. ولم يقدم المطعون عليه الرابع دفاعاً.
وفي 28 من يونيه سنة 1952 وضعت النيابة العامة مذكرتها وقالت فيها بقبول الطعن شكلاً
ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعنين بالمصروفات.
وفي 26 من فبراير سنة 1953 سمعت الدعوى على ما هو مبين بمحضر الجلسة حيث صمم محاميا
الطاعنين والمطعون عليهم الثلاثة الأولين والنيابة العامة على ما جاء بمذكراتهم. والمحكمة
أرجأت إصدار الحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع تقرير حضرة المستشار المقرر ومرافعة
المحامين عن الطاعنين والمطعون عليهم الثلاثة الأولين والنيابة العامة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن وقائع الدعوى تتحصل حسبما يبين من الحكم المطعون فيه ومن وسائر أوراق الطعن
– في أن المطعون عليهم الثلاثة الأولين أقاموا على الطاعنين وعلى المطعون عليه الرابع
دعوى أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة قيدت في جدولها برقم 247 سنة 72 ق
وقرروا في بيان دعواهم أن مورثهم المرحوم ميخائيل بك ريزيان كان قد اتخذ مدينة نيس
بفرنسا مقر إقامة له واستمر مقيماً بها إلى أن توفى في 9 مارس سنة 1943 وأن الطاعن
الثاني كان مقيماً أيضاً بتلك المدينة أقرض مورثهم في خلال شهر يونيو من سنة 1941 مبلغ
سبعين ألف فرنك فرنسي في مقابل اعتراف المورث بدين مقداره ألف جنيه مصري وأنه بعد بضعة
أشهر أقرض المورث أيضاً ثلاثمائة ألف فرنك فرنسي مقابل اعتراف المورث بدين مقداره ثلاثة
آلاف جنيه مصري وأنه أقرض المطعون عليهما الأول والثاني بعد وفاة مورثهما مبلغ مائتي
ألف فرنك فرنسي في مقابل اعترافهما بدين مقداره ألفا جنيه مصري وأن هذا الطاعن أثبت
في القروض الثلاثة أن الدائن هو عديله الطاعن الأول، وأنه في شهر يونيو سنة 1941 ومايو
سنة 1942 كان الجنيه المصري يصرف في السوق الحرة بفرنسا بسعر يتراوح بين تسعمائة فرنك
وألف فرنك وأنه في سبيل إخفاء أصل القروض الثلاثة استصدر الطاعن الثاني من المطعون
عليهما الأول والثاني خطاباً خلواً من التاريخ موجهاً إلى عديله الطاعن الأول يتضمن
التزاماً بدفع مبلغ ثلاثة آلاف جنيه مصري بسندات الدين الموحد 4% مرافقاً لها الكوبون
الخاص بشهر يونيه كما استصدر منهما أيضاً خطاباً بدون تاريخها موجهاً إلى المطعون عليه
الرابع يتضمن إذن البنك الأهلي بأن يسلم السندات المذكورة والمبلغ المنوه عنه إلى الطاعن
الأول – وأنه لما كانت القروض الثلاثة قد عقدت في فرنسا فإنهم – أي المطعون عليهم الثلاثة
الأولين – لا يلتزمون إلا بالوفاء بمبلغ 570000 فرنك فرنسي بالسعر الرسمي وطلب المدّعون
في دعواهم الحكم ببطلان التعهدين المثبتين في هذين الخطابين وبالتصريح للبنك الأهلي
بأن يدفع إلى الطاعنين أو لأحدهما مبلغ خمسمائة وسبعين ألف فرنك فرنسي بسعر البدل الرسمي
خصماً من أموال تركة مورثهم مقابل استلامه إقرارات الديون الثلاثة مؤشراً عليها بالوفاء.
وفي خلال نظر هذه الدعوى رفع الطاعن الأول دعوى فرعية طلب فيها الحكم بإلزام المطعون
عليهم الثلاثة الأولين بأن يدفعوا إليه مبلغ 3000 جنيه مصري نقداً أو مبلغ 3000 جنيه
مصري بسندات القرض الوطني 3 و1/ 4% ومبلغ 643 جنيه و500 مليم قيمة كوبونات بسندات الدين
الموحد من يونيو سنة 1941 لغاية ديسمبر سنة 1943 وكوبونات القرض الوطني من مايو سنة
1944 لغاية نوفمبر سنة 1946 وفوائد هذه المبالغ من تاريخ المطالبة الرسمية وأذن للبنك
الأهلي بأنه يدفع إليه المبالغ ويسلمه السندات المذكورة وبجلسة 28 فبراير سنة 1948
أصدرت المحكمة حكماً تحدثت في أسبابه عن وقائع الدعوى ودفاع الطاعن الأول فيها ومحصله
أن الطاعن الثاني كان مقيماً بمدينة نيس يستغل فيها مصنعاً لأدوات الكهرباء واستثمر
فيه دوطة زوجته – أي زوجة الطاعن الأول – وأنه لما كان المرحوم ميخائيل بك ريزيان في
حاجة إلى المال نظراً لتجميد أمواله سلمه الطاعن الثاني مجوهراته وأوراقه المالية وما
كان بيده من نقد وقدر ذلك بمعرفة المورث بالجنيهات المصرية وأن الاعتراف بالدين الموقع
عليه من المطعون عليهما الأول والثاني صحيح قانوناً وملزم لهما – ثم قررت المحكمة أن
المحررات الصادرة من المطعون عليهما الأول والثاني لا تحمل تاريخاً وأنه لم يرد فيها
بيان المكان الذي تم فيه التوقيع على هذه المحررات وأن ملابسات الدعوى يستفاد منها
أن الطاعن الأول كان يسخر اسمه لمصلحة الطاعن الثاني وهو الدائن الحقيقي الذي كان يقوم
بالإقراض وأن هذه الملابسات تجيز قبول قرينة الربا الفاحش التي تمسك بها المدعون وأنه
في حالة احتمال قيام الربا الفاحش ينقلب الوضع بحيث يقع عبء إثبات صحة المبلغ المفترض
على عاتق الدائن فإن لم يقدمه جاز للمحاكم قبول إقرار المدين فيما يتعلق بحقيقة قيمة
المبالغ التي اقترضها وأنه في خصوص الدعوى فإن المدعين أقروا باقتراض مبلغ 570000 فرنك
فرنسي ولم يقدم الدائن أي دليل على قيمة المبلغ المقترض، وأنه لما كانت القروض قد عقدت
في ظل القانون الفرنسي فإنه يتعين مراجعة نصوصه كما يتعين معرفة أحكام القانون المصري
فيما يتعلق بمبادلة النقد وأنه من جهة أخرى إذا تبينت صحة الاتفاق على الوفاة بعملة
أجنبية يتعين معرفة قيمة الفرنك الفرنسي بالنسبة للجنيه المصري وقت إبرام كل قرض من
القروض الثلاثة وأنه لما كانت هذه العناصر غير مستوفاة يتعين فتح باب المرافعة وتمكين
الخصوم من استيفاء دفاعهم في خصوصها – وبجلسة 8 يناير سنة 1949 حكمت المحكمة بتحديد
قيمة الدين الذي اقترضه في فرنسا ميخائيل بك ريزيان وورثته من الطاعن الثاني بمبلغ
750000 فرنك فرنسي وبإلزام الورثة بأن يدفعوا إليه مبلغ 750 جنيه على أن يكون الوفاء
به مبرئاً لذمة الورثة من أي دين له أو للطاعن الأول وبرفض الطلبات المقدمة من الطاعنين
مع إلزامهما بالمصروفات وبمبلغ 12 جنيه أتعاباً للمحاماة وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات
– مؤسسة قضاءها على ذات الأسباب التي وردت بالحكم الصادر في 28 فبراير سنة 1948 في
خصوص ثبوت قرينة الربا الفاحش وعلى أنه بفرض صحة القروض التي عقدت في ظروف ليمة أ أليمة
في بلد يحتله العدو فإنه يتعين التحقق من قيمة المبلغ المقترض الذي استلمه المدين فعلاً
وعلى أن هذا المبدأ مبنى على قواعد الإنصاف وعلى أنه لما كان المدّعون لم يعترفوا في
دعواهم إلا باستلامهم مبلغ 750000 فرنك فرنسي فإنهم بفرض صحة تعهدهم – لا يلتزمون إلا
بدفع مبلغ 570 جنيه مصري وفقاً لإقرارهم – ثم رفع الطاعنان استئنافاً عن هذا الحكم
وعن الحكم الصادر في 28 فبراير سنة 1948 أمام محكمة استئناف الإسكندرية قيد في جدولها
برقم 478 سنة 5 ق وكان من أسباب هذا الاستئناف أن محكمة الدرجة الأولى أخطأت في اقتراض
الربا الفاحش لأن المستأنف عليهم لم يتمسكوا به في صحيفة افتتاح دعواهم ولا في مذكرتهم
كما أخطأت في تكليف الدائنين إثبات حقيقة دينهم مع أن هذا الدين ثابت بالكتابة بإقرار
المدينين بمحض إرادتهم ومع أن المدينين لم يقدموا أي دليل ينقض ما تثبت بالمستندات
وأخطأت أيضاً في الأخذ بأقوال المدينين فيما يتعلق بقيمة الدين وبسعر الفرنك وبجلسة
13 يونيه سنة 1950 حكمت المحكمة بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع برفضه وبتأييد الحكمين
المستأنفين مع إلزام الطاعنين بالمصروفات وبمبلغ 15 جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة للمطعون
عليهم الثلاثة الأولين. فقرر الطاعنان بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض.
ومن حيث إن الطعن قد بني على ثلاثة أسباب يتحصل السبب الأول منها في النعي على الحكم
المطعون فيه بقصوره في التسبيب وخطئه في تطبيق القانون بتحميل الطاعنين عبء إثبات دينهما
اعتماداً على قرينة غير مسوغة لذلك. ويقول الطاعنان في بيان ذلك إن دينهما ثابت بإقرارات
صريحة من المدينين بقيمة الدين وبالتزامهم بوفائه مهما كانت الظروف والأحوال وإن المدينين
طعنوا على سندات الدين في بادئ الأمر بالبطلان بمقولة إنه لم يكن يجوز أن يشترط فيها
وفاء الدين في القطر المصري وبالعملة المصرية وإن محكمة الدرجة الأولى حين لوحت لهم
بقرينة الربا الفاحش تمسكوا بها وتناسوا في سبيلها الأساس الذي أقيمت عليه دعواهم وإن
الطاعنين لا ينكران على القضاء حقه في تحري الناحية الربوية في القروض ولا ينكران حقه
في اللجوء إلى البينة وقرائن الأحوال في سبيل استظهار التعامل الربوي ولكن يشترط في
هذا بداهة أن تكون القرينة التي تستند إليها المحكمة في هذا الخصوص ذات صلة بالدعوى
ومنتجة في كشف الواقعة المطلوب في إثباتها ومؤدية إليها عقلاً في حين أن محكمة الموضوع
قد استخلصت ثبوت قرينة الربا الفاحش من كون معاملة القرض قد عقدت أثناء الحرب ودونت
في مستندات لا تحمل تواريخاً ومن الضيق المالي الذي كان يعانيه المدينون مع أن هذه
الاعتبارات لا تمت بصلة منطقية إلى واقعة الربا الفاحش.
ومن حيث إن هذه النعي في محله ذلك أن يبين من الحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع قد
أسست قضاءها بثبوت الربا الفاحش على أن القروض قد عقدت في ظروف أليمة خلال مدة الحرب
في بلد يحتله العدو على أن تسدّد بالعملة المصرية ودوّنت في مستندات غير مؤرخة ولم
يبين فيها مكان تحريرها وعلى أنه ظروف الاستدانة تدل على أن المقترضين كانوا في حالة
ضيق شديد أثناء وجودهم بفرنسا إذ سببت لهم الحرب انقطاع سبيل معاشهم فاضطروا للجوء
إلى الطاعن الثاني وغيره للاقتراض منهم. ولما كانت هذه الظروف التي اعتبرها الحكم دليلاً
على ثبوت الربا الفاحش لا تؤدي عقلاً إلى ثبوته – ذلك لأن كل مدين لا يلجأ إلى الاقتراض
عادة إلا إذا كان في ظروف تضطره إليه فليست هذه الضرورة في حد ذاتها دليلاً على ثبوت
الربا الفاحش وكذلك لا يؤدي إلى إثباته خلو سندات الدين من بيان تاريخ ومكان تحريرها،
وكان للمحكمة متى رجح لديها من قرائن الحال في الدعوى احتمال مظنة الربا الفاحش أن
تحيل الدعوى على التحقيق ليثبت المدينون بمقتضى السندات دفاعهم بأنهم لم يستلموا في
مقابلها سوى المبالغ التي أقروا بها والتي تبلغ في مجموعها 570000 فرنك فرنسي، لما
كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد نقل عبء الإثبات من عاتق المدينين بمقتضى السندات
موضوع الدعوى إلى عاتق الدائن استناداً إلى قرائن غير مؤدية لإثبات الربا الفاحش كما
سلف بيانه، فإنه يكون قد خالف قواعد الإثبات فضلاً عن قصوره في التسبيب مما يستوجب
نقضه، بلا حاجة إلى بحث بقية أسباب الطعن.
