الطعن رقم 549 سنة 3 ق – جلسة 26 /12 /1932
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 95
جلسة 26 ديسمبر سنة 1932
برياسة سعادة عبد العزيز فهمي باشا وحضور حضرات محمد لبيب عطية بك وزكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك.
القضية رقم 549 سنة 3 القضائية
( أ ) إعانة على الفرار من وجه القضاء. قصد الشارع من وضع المادة
126 مكررة عقوبات. المراد من عبارة "وإما بإخفاء أدلة الجريمة" الواردة بها. الصور
التي تدخل في مدلولها. الصور التي لها أحكام خاصة في القانون. العقاب على أفعال هذه
الصور الأخيرة.
(ب) الإعفاء المنصوص عليه بالمادة 126 عقوبات مكررة. الصور التي ينصب عليها.
(المادة 126 المكررة ع)
1 – إن الشارع لم يضع المادة 126 المكررة إلا للعقاب على أفعال لم تكن من قبل معاقباً
عليها. فكافة الطرق التي بينتها تلك المادة هي أفعال إعانة للجاني على الفرار مما لم
يكن في ذاته مكوّناً لجريمة خاصة منصوص عليها في القانون ومقرر لها عقاب معلوم. أما
ما كان من هذه الأمور يعاقب عليه القانون فلا تصدق عليه هذه المادة. وإذن فالمراد من
عبارة "وإما بإخفاء أدلة الجريمة" الواردة بها إنما هو الإخفاء الذي ما كان القانون
يعاقب عليه، كإخفاء المفاتيح المصطنعة التي استعملت في ارتكاب سرقة، أو إخفاء العصى
التي استعملت في ضرب، أو إخفاء ملابس الجاني الملوثة بالدماء أو غسلها، أو وضع تراب
على محل فيه دم من أثر الحادثة، أو كغير ذلك من الأمور التي ليس في فعلها إجرام. أما
إذا كان إخفاء أدلة الجريمة مكوّناً في ذاته لجريمة أخرى معاقب عليها قانوناً، كإخفاء
الأشياء المسروقة مع العلم بسرقتها (مادة 279)، أو إخفاء جثة القتيل (مادة 203)، أو
الإجهاز على القتيل قبل أن ينم على قاتله (وهي جناية تقع تحت متناول المادة 198 عقوبات)،
أو إخفاء المواد المخدّرة مع العلم بأنها مخدّرة (وهي إحراز مما ينطبق عليه قانون المخدّرات
مادة 35)، فإن مثل هذه الصور التي يقرر لها القانون عقاباً خاصاً، وإن كانت كلها في
الواقع إخفاء لتلك الأدلة لم يبعث عليه أولاً وبالذات سوى إعانة الجاني على الفرار
من وجه القضاء، ليست البتة من المقصود للشارع بعبارة "وإما بإخفاء أدلة الجريمة"، بل
إن كل صورة منها تأخذ حكمها بحسب النص القانوني الخاص بها. غاية ما يمكن القول به هو
أن الفعل الواحد من أفعال الصور المتقدّمة يكوّن الجريمة الخاصة المنصوص عليها في القانون،
وفي آن واحد يكون جريمة المادة 126 المكررة، ويقتضي تطبيق مبدأ الفقرة الأولى من المادة
32 من قانون العقوبات الخاص بتعدّد الأوصاف القانونية للفعل الواحد.
2 – إن الإعفاء الوارد بآخر المادة 126 المكررة لا ينصب إلا على إخفاء أدلة الجريمة
ما دامت وسيلة الإخفاء ليست في ذاتها جريمة معاقباً عليها، فالأم لو أخفت الشيء المسروق
مع علمها بأن ابنها سرقه، أو أخفت مخدراً يحرزه ابنها مع علمها بأنه مخدّر محرّم إحرازه،
أو أخفت جثة قتيل قتله ابنها، أو رأت ابنها طعن إنساناً بسكين، أو أطلق عليه عياراً
نارياً فأصابه، وخشيت أن المصاب يذكر اسم ابنها ويتهمه فأجهزت عليه بغير باعث آخر سوى
إنقاذ ابنها من خطر التبليغ عنه – هذه الأم لا يمكن في تلك الأحوال وما ماثلها إعفاؤها
من العقاب لمجرد أن فعلها لم يكن سوى إخفاء لأدلة جريمة وقعت من ابنها، ولم تقصد به
غير هذا الإخفاء، بل تجب عقوبتها على أي فعل ترتكبه من هذه الأفعال بحسب المنصوص عليه
في القانون. ولا ينفعها التمسك بالعبارة الأخيرة من المادة 126 المكررة؛ وكل ما في
الأمر أن لا محل للتفكير في تطبيق المادة 32 عقوبات بالنسبة لها، لأنها معفاة قانوناً
من العقاب من جهة وصف الفعل بأنه إعانة لابنها على الفرار من وجه القضاء.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن مبنى الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن الواقعة الثابتة بالحكم لا عقاب عليها
قانوناً. ذلك بأن الحكم المطعون فيه أثبت أن الطاعنة بإخفائها النقود المقول بأنها
محصلة من طريق السرقة إنما كانت تسعى لإخفاء معالم الجريمة بالنسبة لابنها المتهم الأوّل
ومن أجل ذلك عاملها بالرأفة وأوقف تنفيذ العقوبة عملاً بحكم المادة 52 من قانون العقوبات.
وهذا خطأ في تطبيق القانون لأنه ما دام الحكم يسلم بأن فعل الطاعنة لم يخرج عن أن يكون
إخفاء لأدلة الجريمة التي ارتكبها ابنها فكان الواجب إعفاؤها من العقاب عملاً بحكم
المادة 126 مكررة لا تخفيف عقابها فقط.
وحيث إن الشارع لم يضع المادة 126 المكررة إلا للعقاب على أفعال لم تكن من قبل معاقباً
عليها، فكافة الطرق التي بينتها تلك المادة هي أفعال إعانة للجاني على الفرار مما لم
يكن في ذاته مكوّناً لجريمة خاصة منصوص عليها في القانون ومقرّر لها عقاب معلوم. ولو
كان الأمر بخلاف ذلك لما كان من معنى لوضع هذه المادة.
وحيث إنه يجب إذن فهم كل عبارات تلك المادة على وجه أنها لا شيء فيها يعبر عن أمر كان
يعاقب عليه القانون بل إنها لا تصدق إلا على أمور ليس عليها عقاب آخر مقرر ومن ضمنها
عبارة "وإما بإخفاء أدلة الجريمة" يجب تفسيرها على هذا النحو والتقرير بأن المارد بها
هو الإخفاء الذي ما كان القانون يعاقب عليه، وذلك كإخفاء المفاتيح المصطنعة التي استعملت
في ارتكاب سرقة أو إخفاء العصى التي استعملت في ضرب أو إخفاء ملابس الجاني الملوثة
بالدماء أو غسلها أو وضع تراب على محل فيه دم من أثر الحادثة وهكذا من الأمور التي
ليس في فعلها إجرام. أما إذا كان إخفاء أدلة الجريمة مكوناً في ذاته لجريمة أخرى معاقب
عليها قانوناً كإخفاء جثة القتيل (مادة 203) أو إخفاء الأشياء المسروقة مع العلم بسرقتها
(مادة 279 التي قد يكون الإخفاء فيها جنحة وقد يكون جناية) أو الإجهاز على القتيل قبل
أن ينم على قاتله (وهي جناية تقع تحت متناول المادة 198) أو إخفاء المواد المخدّرة
مع العلم بأنها مخدّرة (وهي إحراز مما ينطبق عليه قانون المخدّرات مادة 35)، فإن مثل
هذه الصور التي يقرر لها القانون عقاباً خاصاً – وإن كانت كلها في الواقع إخفاء لتلك
الأدلة لم يبعث عليه أوّلاً وبالذات سوى إعانة الجاني على الفرار من وجه القضاء – ليست
البتة من المقصود للشارع بعبارة "وإما بإخفاء أدلة الجريمة" السالفة الذكر بل إن كل
صورة منها تأخذ حكمها بحسب النص القانوني الخاص بها. وإنه ليكفي إيراد مثل هذه الصور
لتتأكد صحة التفسير الذي تذهب إليه المحكمة الآن إذ الجريمة التي أتت بها المادة 126
المكررة ليست سوى جنحة أقصى عقوبة لها سنتان حبساً بينما الجرائم المشار إليها في الصور
المتقدّمة منها ما هو جنايات يعاقب عليها بالأشغال الشاقة. فلو أخذ النص على ظاهر عمومه
لوجب اتهام الشارع بفساد الرأي والتدبير إذ بينما هو ينشئ جنحة جديدة إذا به يلغي جرائم
أخرى منها جنايات غير معقول إلغاؤها. غاية ما يمكن القول به هو أن الفعل الواحد من
أفعال الصور المتقدّمة يكوّن الجريمة الخاصة المنصوص عليها في القانون، وفي آن واحد
يكوّن جريمة المادة 126 مكررة ويقتضي تطبيق مبدأ الفقرة الأولى من المادة 32 من قانون
العقوبات الخاص بتعدّد الأوصاف القانونية للفعل الواحد.
وحيث إنه متى تقرر ذلك علم أن إعفاء الزوجين والأصول والفروع الوارد بآخر المادة 126
المكررة لا ينصب إلا على إخفاء أدلة الجريمة بهذا المعنى الضيق الذي أشير إليه أي أنه
إعفاء مشروط فيه أن لا تكون وسيلة الإخفاء في ذاتها جريمة معاقباً عليها فالأم لو أخفت
الشيء المسروق مع علمها بأن ابنها سرقه، أو أخفت مخدّراً يحرزه ابنها مع علمها بأنه
مخدّر محرّم إحرازه، أو أخفت جثة قتيل قتله ابنها، أو رأت ابنها طعن إنساناً بسكين،
أو أطلق عليه عياراً نارياً فأصابه وخشيت أن المصاب يذكر اسم ابنها ويتهمه فأجهزت عليه
بغير باعث آخر سوى إنقاذ ابنها من خطر التبليغ عنه – هذه الأم لا يمكن في تلك الأحوال
وما ماثلها إعفاؤها من العقاب لمجرّد أن فعلها لم يكن سوى إخفاء لأدلة جريمة وقعت من
ابنها ولم تقصد به غير هذا الإخفاء بل تجب عقوبتها على أي فعل ترتكبه من هذه الأفعال
بحسب المنصوص عليه في القانون ولا ينفعها التمسك بالعبارة الأخيرة من المادة 126 المكررة.
وكل ما في الأمر أن لا محل للتفكير في تطبيق المادة 32 عقوبات بالنسبة لها لأنها معفاة
قانوناً من العقاب من جهة وصف الفعل لأنه إعانة لابنها على الفرار من وجه القضاء.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الوجه الأول.
ومن حيث إن محصل الوجه الثاني أن الحكم المطعون فيه لم يبين أركان جريمة الإخفاء ولم
يوضح الوقائع التي استنتج منها ركن العلم بالسرقة.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه أخذ بأسباب الحكم المستأنف وأضاف إليها أسباباً جديدة.
وقد فصل الحكم المستأنف وقائع جريمة الإخفاء تفصيلاً يستفاد منه أن الطاعنة كانت تعلم
بالسرقة التي ارتكبها ابنها وأنها ذهبت مع شخص آخر إلى الفندق الذي أودع ابنها عند
صاحبه النقود المحصلة من بيع الأشياء المسروقة وتسلم هذه النقود بعد رد الإيصال الخاص
بها. فما تطلبه الطاعنة من البيان قد وفاه الحكم المستأنف في أسبابه التي اتخذها الحكم
المطعون فيه أسباباً له.
