الطعن رقم 265 سنة 3 ق – جلسة 19 /12 /1932
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثالث (عن المدة بين 7 نوفمبر سنة 1932 وبين 26 أكتوبر سنة 1936) – صـ 79
جلسة 19 ديسمبر سنة 1932
برياسة سعادة عبد العزيز فهمي باشا وحضور حضرات محمد لبيب عطية بك وزكي برزي بك ومحمد فهمي حسين بك وأحمد أمين بك.
الطعن رقم 265 سنة 3 القضائية
( أ ) ضرب. المادة 206 عقوبات. حصول ضرب لم يتخلف عنه أثر كاف لانطباقها.
(ب) الفقرة الأخيرة من المادة 9 من القانون رقم 24 لسنة 1923. متى تنطبق؟
(جـ) المادة 9 من القانون رقم 24 لسنة 1923. محل تطبيق الفقرة الأخيرة منها. موضوعي.
متى تتدخل محكمة النقض في هذا التطبيق؟
1 – يكفي لتطبيق المادة 206 عقوبات أن يثبت حصول ضرب ولو لم يتخلف عنه آثار أصلاً.
2 – لا يشترط لتطبيق الفقرة الأخيرة من المادة 9 القانون رقم 24 لسنة 1923 صدور أي
حكم سواء أكان ابتدائياً أم استئنافياً، بل يكفي بحسب نص هذه المادة أن يوجد من "الأسباب
الجدّية" ما يؤيد ظنون البوليس عن ميول المشبوه وأعماله الجنائية.
3 – إن المادة التاسعة من القانون رقم 24 لسنة 1923 تشير إلى كافة الأحوال المذكورة
في المادة الثانية منه، والفقرة الأخيرة من المادة التاسعة المذكورة تشير بنوع خاص
إلى الأشخاص الذين عبرت عنهم الفقرة الخامسة من المادة الثانية بأنهم اشتهر عنهم لأسباب
جدّية الاعتياد على الاعتداء على النفس أو المال أو الاعتياد على التهديد بذلك إلخ.
ونص الفقرة لا يشمل فقط الجرائم المخلة بالأمن العام محصورة في أنواع مخصوصة كالخطف
أو السطو مثلاً، بل هو نص عام يشمل كل صور الاعتداء الواقع على النفس أو المال، فالضرب
البسيط مثلاً يدخل فيه بلا نزاع. على أنه لما كانت حكمة هذا النص هي وقاية الأمن العام
مما يخل به كان من الواجب تخير الأحوال التي يصح أن ينطبق عليها، كيلا يدخل فيه من
صور الاعتداء ما لا إخلال فيه بالأمن العام وما ينبو الذوق عن جواز اعتبار معتادها
محلاً لأن يوسم بميسم الاشتباه. والمعوّل في ذلك على حكمة من يكل إليه القانون سلطة
الإنذار. والعبرة فيما إذا كان لتطبيق الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة محل هي بما
تقدّره محكمة الموضوع من حيث جدّية الأسباب التي يعتمد عليها البوليس في طلب المراقبة
أو عدم جدّيتها، وحكمها في ذلك موضوعي لا رقابة عليه لمحكمة النقض، ما لم تخرج محكمة
الموضوع عن المعقول في فهم الأسباب الجدّية.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة هذا الطاعن وآخر بأنهما في يوم 26 أغسطس سنة
1931 بدائرة قسم العطارين:
(أوّلاً) تعدّيا بالضرب على السيد بلال سعيد وعلى محمد علي فأحدثا بهما الإصابات المبينة
بالكشف الطبي والتي تقرّر لعلاجها مدّة تقل عن عشرين يوماً.
(ثانياً) عاد الطاعن لحالة الاشتباه في 7 ديسمبر سنة 1930 بأن لم يسلك سلوكاً مستقيماً
رغم إنذاره مشبوهاً في 18 نوفمبر سنة 1928 إذ سبق الحكم عليه بالحبس شهراً بالشغل لضرب
في 7 ديسمبر سنة 1930 في القضية رقم 703 استئناف إسكندرية، واتهم في هذه القضية أيضاً
واشتهر بالاعتداء على النفس. وطلبت من محكمة جنح العطارين الجزئية معاقبة الطاعن بالمادة
206 من قانون العقوبات وبالمواد 2 و3 و8 و9 و10 و11 من القانون رقم 24 لسنة 1923.
وبعد أن سمعت المحكمة الدعوى حكمت حضورياً في 23 فبراير سنة 1932 عملاً بالمواد المذكورة
بحبس الطاعن شهرين مع الشغل عن تهمة الضرب وبوضعه تحت مراقبة البوليس لمدّة سنة تبدأ
عقب انقضاء عقوبة الحبس عن تهمة العود للاشتراك. فاستأنف هذا الحكم في 27 فبراير سنة
1932 واستأنفته النيابة في 24 منه طالبة التشديد.
ومحكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية سمعت الدعوى بهيئة استئنافية وحكمت حضورياً في
3 يوليه سنة 1932 بقبول الاستئنافين شكلاً وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف فيما
يختص بعقوبة المراقبة والاكتفاء بوضعه تحت المراقبة ثلاثة شهور وتأييده فيما يختص بعقوبة
الحبس.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض في 2 يوليه سنة 1932 وقدّم حضرة المحامي
عنه تقريراً بالأسباب في 21 منه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانوناً.
من حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه في الميعاد فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن محصل الوجه الأوّل من أوجه الطعن أن الطاعن دفع التهمة بدفعين لم ترّد عليهما
المحكمة وأوّلهما أن أحد المجني عليهما لم يتهم الطاعن بشيء وثانيهما أنه ثبت من الكشف
الطبي المتوقع على المجني عليه الثاني أن الإصابة التي به قديمة قبل الحادثة.
ومن حيث إن هذا الوجه متعلق بالموضوع لأن ما يسميه الطاعن دفعاً ليس من الدفوع القانونية
ولا من طلبات التحقيق المتعين على المحكمة بحثها والفصل فيها بل هو من لب الدفاع الموضوعي
القائم على مقارنة الثابت في التحقيق بعضه ببعض واستنتاج النتائج التي تكون في مصلحة
المتهم من جهة مقارفته الفعل المسند إليه وعدم مقارفته، وفي الحكم الابتدائي الذي أخذ
الحكم المطعون فيه بأسبابه الإجابة الكافية على دفاع الطاعن بالنسبة للنقطة الأولى.
أما الدفاع الخاص بالمسألة الثانية فلا يحتاج إلى ردّ خاص لأن الطاعن حكم عليه بمقتضى
المادة 206 من قانون العقوبات ويكفي لتطبيق هذه المادة أن يثبت حصول ضرب ولو لم تتخلف
عنه آثار أصلاً.
ومن حيث إن محصل الوجه الثاني أن الحكم المطعون فيه استند إلى أن أحد المجني عليهما
قرّر بضربه من الطاعن وهذا القول لا أثر له.
ومن حيث إنه بفرض صحة ما يقوله الطاعن فإنه غير منتج إذ يكفي أن يكون ضرب أحد المجني
عليهما حتى تتحقق الجريمة ويستحق العقوبة ولو كان لم يضرب الآخر كما يزعم.
ومن حيث إن مبنى الوجه الثالث أن الحكم المطعون فيه ارتكن في تطبيق القانون رقم 24
لسنة 1923 على أن الطاعن حكم عليه في القضية رقم 703 سنة 1931 استئناف جنح الاسكندرية
ولم يعن ببيان ما إذا كان الحكم في القضية المذكورة صار انتهائياً أم لا؟ وفي إغفال
هذا البيان الجوهري ما يبطل الحكم فيما يختص بجريمة العود للاشتباه.
ومن حيث إن هذا الوجه مردود بأن الحكم الذي يشير إليه الطاعن لا بدّ أن يكون حكماً
نهائياً ما دام أنه صدر في قضية استئنافية وقد وصفه الحكم الابتدائي الذي أيده الحكم
المطعون فيه بأنه نهائي خلافا لما يزعمه الطاعن. فإذا كان يدعي أنه نقض فقد كان عليه
هو أن يبين ذلك. على أنه لا يشترط لتطبيق الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة من القانون
رقم 24 لسنة 1923 صدور أي حكم سواء أكان ابتدائياً أم استئنافياً بل يكفي بحسب نص المادة
المذكورة أن يوجد من "الأسباب الجدية" ما يؤيد ظنون البوليس عن ميول المشبوه وأعماله
الجنائية وصدور حكم على المتهم في ديسمبر سنة 1930 بعد إنذاره ثم اتهامه في الدعوى
الحالية وصدور الحكم عليه فيها، كل ذلك من الأسباب الجدّية التي تبين ميوله الإجرامية.
ومن حيث إن الفقرة الأولى من الوجه الرابع إنما هي تكرار للوجه الثالث السابق الرد
عليه.
ومن حيث إن محصل ما بقي من الوجه الرابع أن المادة التاسعة من القانون رقم 24 لسنة
1923 إذ أحالت إلى المادة الثانية منه إنما أحالت إلى الفقرتين الأولى والثانية من
المادة المذكورة ولم تحل إلى الفقرة الخامسة منها وأن هاتين الفقرتين ذكرتا على سبيل
الحصر الجرائم التي يترتب على ارتكابها وضع المتهم تحت المراقبة وليس بينها جريمة الضرب
المنطبق على المواد 205 و206 و347 عقوبات. على أنه إذا صح القول بأن الإحالة تشمل الفقرة
الخامسة أيضاً فإن جريمة الضرب لا تدخل تحت عبارة "الاعتداء على النفس أو المال" الواردة
في تلك الفقرة لأن الاعتداء على النفس أو المال المقصود في الفقرة المذكورة إنما يراد
به الجرائم المخلة بالأمن العام كالخطف والسطو مثلاً. ويكون المراد بعبارة "ما يؤيد
ظنون البوليس عن أميال المشتبه فيه وأعماله الجنائية" هي الأحوال التي يثبت فيه لرجال
الإدارة أن المتهم ارتكب حوادث مخلة بالأمن العام ولم تثبت عليه قضائياً فحفظت أو برئ
منها ولا يمكن القول على أي حال بأن الضرب البسيط مزعزع للأمن العام.
ومن حيث إن هذا القول مردود بأن المادة التاسعة من القانون رقم 24 لسنة 1923 تشير إلى
كافة الأحوال المذكورة في المادة الثانية وأن الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة تشير
بنوع خاص إلى الأشخاص الذين عبرت عنهم الفقرة الخامسة من المادة الثانية بأنهم اشتهر
عنهم لأسباب جدّية الاعتياد على الاعتداء على النفس أو المال أو الاعتياد على التهديد
بذلك.. … إلخ. أما أن الاعتداء على النفس أو المال المذكور في الفقرة الخامسة من
المادة الثانية لا يراد به سوى الجرائم المخلة بالأمن العام مع حصر هذه الجرائم في
أنواع مخصوصة كالخطف أو السطو فمردود بعموم النص وهو يشمل كل صور الاعتداء الواقع على
النفس أو المال. وهذا العموم مستفاد أيضاً من تاريخ النص إذ هو مقتبس من المادة الأولى
من قانون النفي الإداري الذي صدر في سنة 1909 وقد كان أصل مشروع المادة المذكورة مقصوراً
على الأشخاص الذين اشتهر عنهم الاعتياد على (العبث بأرواح الغير أو بمالهم أو التهديد
بذلك). فلما دارت المناقشة عليه في مجلس شورى القوانين رأى المجلس أن عبارة (العبث
بالأرواح) ضيقة المعنى لأنها لا تنصرف إلا إلى إهلاك الأنفس، وطلب تعديل النص ليشمل
كل اعتداء على الإنسان أي سواء الاعتداءات التي تنتهي بإزهاق الأرواح والتي تقف دونه.
فوافقت الحكومة وعدل النص بما يوافق رغبة المجلس، ثم نقلت عبارته إلى القانون رقم 24
لسنة 1923 فلا محيص الآن من اعتبار نص الفقرة الخامسة من المادة الثانية من القانون
رقم 24 لسنة 1923 شاملاً للمعنى الذي كان يريده مجلس شورى القوانين عند مناقشته قانون
النفي الإداري أي أنه يتسع لكل اعتداء على النفس مطلقاً وإن لم يبلغ درجة إهلاكها وأن
الضرب البسيط يدخل فيه بلا نزاع. ولما كانت حكمة هذا النص هي وقاية الأمن العام مما
يخل به كان من الواجب تخير الأحوال التي يصح أن ينطبق عليها كي لا يدخل فيه من صور
الاعتداء ما لا إخلال فيه بالأمن العام وما ينبو الذوق عن جواز اعتبار معتادها محلاً
لأن يوسم بميسم الاشتباه. والمعوّل في ذلك على حكمة من يكل إليه القانون سلطة الإنذار
وتكون العبرة فيما إذا كان لتطبيق الفقرة الأخيرة من المادة التاسعة محل بما تقدّره
محكمة الموضوع من حيث جدّية الأسباب التي يعتمد عليها البوليس في طلب المراقبة أو عدم
جدّيتها، وحكمها في ذلك موضوعي لا رقابة عليه لمحكمة النقض إلا إذا خرجت المحكمة عن
المعقول في فهم الأسباب الجدّية. ولا شيء من ذلك في القضية الحالية.
