الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 130 سنة 14 ق – جلسة 14 /06 /1945 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع – صـ 729

جلسة 14 يونيه سنة 1945

برياسة سعادة محمد زكي علي باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل مرسي بك ونجيب مرقس بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.


القضية رقم 130 سنة 14 القضائية

بيع. استخلاص المحكمة عدول المشتري عن الصفقة من أدلة غير منتجة ينفيها الواقع الثابت بالحكم. نقض.
إذا كان الثابت من وقائع الدعوى التي أوردها الحكم أن راغب الشراء، بعد أن قبل عرض البائع، قد بادر إلى المطالبة بإتمام الصفقة ووجه في الوقت المناسب إنذاراً للبائع بتكليفه الحضور لتحرير العقد الرسمي، وانتهى الحكم – رغم ذلك – إلى القول بأن المشتري عدل عن الصفقة، ولم يدعم قضاءه بذلك بأدلة من شأنها أن تؤدي إليه بل كان كل ما قاله لا يبرر ما خلص إليه، فإنه يكون معيباً متعيناً نقضه.


الوقائع

تتحصل وقائع هذا الطعن في أن الطاعن أقام الدعوى رقم 619 سنة 1942 أمام محكمة مصر الابتدائية على المطعون ضدهما وقال في صحيفتها إن المطعون ضدها الأولى عهدت إلى ابنها المطعون ضده الثاني في بيع عمارة لها فكلف السمسارين ألفريد سينكور وسليم جاهين بيعها بثمن مقداره 18500 جنيه بموجب تفويض منه إليهما مؤرخ في 2 من ديسمبر سنة 1941 لمدة يومين ابتداءً من هذا التاريخ فعرضا الصفقة على الطاعن فقبلها فأبلغ السمساران المطعون ضده الثاني قبول الطاعن بتلغراف أرسلاه إليه في 3 من ديسمبر سنة 1941 وطلبا منه إرسال المستندات إلى محامي الطاعن ليحرر عقد البيع. وعززا هذا التلغراف بخطاب مسجل أرسلاه إليه في نفس اليوم، ثم حرر محامي الطاعن عقد البيع وأطلع عليه محامي المطعون ضدها الأولى فراجعه هذا الأخير وغير بخطه بعض ما جاء فيه ثم كتب في ذيله "يبيض بعد التعديلات الواردة في هذه الصورة" ووقعه بإمضائه. وفي 3 من يناير سنة 1942 كلف الطاعن المطعون ضدها الأولى رسمياً الحضور أمام موثق العقود الرسمية بمحكمة مصر المختلطة في 5 من يناير سنة 1942 ومعها المستندات المطلوبة لتوقيع عقد البيع النهائي، ولما لم تحضر في الميعاد المعين حرر الموثق محضراً أثبت فيه غيبتها. ولذلك يطلب الحكم بإلزام المطعون ضدهما متضامنين بأن يدفعا له على سبيل التعويض 7000 جنيه مع المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 21 من مارس سنة 1942 قضت المحكمة غيابياً بإلزام المطعون ضدهما متضامنين بأن يدفعا للطاعن 300 جنيه والمصاريف المناسبة و400 قرش مقابل أتعاب المحاماة. فعارض المطعون ضدهما في هذا الحكم طالبين إلغاءه ورفض دعوى الطاعن مع إلزامه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 24 من إبريل سنة 1942 قضت المحكمة بقبول المعارضة شكلاً وفي الموضوع برفضها وتأييد الحكم الغيابي مع إلزام المطعون ضدهما بالمصاريف و200 قرش مقابل أتعاب المحاماة فاستأنف المطعون ضدهما هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر طالبين إلغاءه ورفض دعوى الطاعن مع إلزامه بمصاريف الدرجتين ومقابل أتعاب المحاماة.
وفي 26 من مارس سنة 1944 قضت محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى الطاعن وإلزامه بمصاريف الدرجتين وبمبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة عنهما للمطعون ضدهما.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعن في 18 من يوليه سنة 1944 فطعن فيه وكيله إلخ إلخ.


المحكمة

ومن حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه خالف القانون وشابه القصور في التسبيب وأخطأ في الاستنتاج. وفي بيان ذلك يقول إن الحكم المطعون فيه قد سلم بأن البيع قد تم فعلاً والتزم كل من العاقدين بتنفيذه. ولما كانت العقود لا تفسخ إلا بالتراضي أو قضاء القاضي، وهو أمر لم يحصل ولم يقل به الحكم، فلا يصح أن ينسب إلى الطاعن أنه هو الذي فسخ العقد، وخاصة إذا لوحظ أن الحكم قد أثبت أن المطعون ضدهما لم يقدما مستندات ملكيتهما لما طلبها منهما السمساران ولما كان البند السادس من مشروع العقد يعطي البائعة أسبوعاً من 6 ديسمبر لتقديم مستنداتها وأسبوعاً آخر لتقديم طلب المساحة مرفقاً به عقد ملكيتها وأوراق العوائد، وهذان الأسبوعان ينتهيان في 20 من ديسمبر فلا يصح أن يوجه أي لوم للطاعن إذا هو لم يطالب المطعون ضدها بهذه المستندات قبل ذلك الوقت تمهيداً لتحرير العقد النهائي، وهو قد سارع بتحرير الإنذار وتقديمه في 25 من ديسمبر سنة 1941 لقلم المحضرين لإعلانه. وكل هذا كان ظاهراً لمحكمة الموضوع ومع ذلك فقد أغفلت ذكره والرد عليه وراحت تقول إن الطاعن هو الذي لم يوافق على تنفيذ العقد بحسب التعديلات التي أدخلها محامي البائعة في 7 من ديسمبر سنة 1941 إلا في 3 من يناير سنة 1942 مع أنه لا يمكن عقلاً وقانوناً وعرفاً أن يستخلص من ذلك عدول الطالب عن الصفقة. فاستنتاج المحكمة أن العقد لم يتم بين الطرفين وأن الطاعن هو الذي تنصل من الصفقة استنتاج لا يتفق مع وقائع الدعوى.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن ذكر أنه واضح من المستندات أن التفويض المعطى للسمسارين قد عين العبارة المرغوب بيعها والمبلغ المطلوب ثمناً لها دون بيان لأوصاف تلك العمارة أو محتوياتها أو مقدار أجرتها الشهرية وأن القبول المرسل للمالكة من السمسارين جاء خالياً من ذكر شيء سوى الإشارة إلى تفويض البيع، وبعد أن ذكر أنه لما حرر محامي الطاعن مشروع العقد وضع شروطاً لم يقبلها المطعون ضدهما وهي أن مجموع الأجرة الشهرية للعمارة 135 جنيهاً وأن جميع شققها مؤجرة وأن الثمن هو على أساس ذلك التقدير بحيث إذا تبين من تحقيق فيات الإيجار أنه يقل عن ذلك خفض الثمن بمقدار 155 مليماً عن كل جنيه ينقص من الـ 135 جنيهاً وأنه إذا انفسخ العقد بسبب عدم صحة هذه البيانات تكون البائعة ملزمة برد العربون وهو الـ 2000 جنيه مضافاً إليه مبلغ يوازيه وأن البائعة تضمن خلو ما في العمارة من كل عيب أو خلل أو هبوط وبالجملة من كل ما يجعلها غير صالحة للاستعمال، وقد استبعد محامي المطعون ضدهما هذه الشروط من مشروع العقد ورده إلى محامي الطاعن لإعادة تحريره خالياً منها، وكان ذلك في 7 من ديسمبر سنة 1941 فسكت الطاعن حتى يوم 3 من يناير سنة 1943 حيث أرسل للمطعون ضدها الأولى إنذاراً يخبرها فيه أنه قبل البيع بحسب التعديلات التي أدخلت على مشروع العقد وطلب منها تنفيذه وعين لها يوم 5 من يناير سنة 1945 للحضور لقلم الكتاب لتوقيع العقد النهائي فلم تحضر، وبعد أن ذكر أن الطاعن تمسك بأن البيع تم بالإيجاب الصادر في التفويض وبالقبول الحاصل منه وأن المطعون ضدهما تمسكا بأن ما جاء بمشروع العقد المرسل لمحاميهما يعتبر إيجاباً جديداً من الطاعن لم يصادفه قبول من المالكة – بعد أن ذكر الحكم المطعون فيه كل ذلك قال إنه لاستخلاص الحكم الصحيح يجب أن يراعى في التقدير مسلك الطاعن من تحرير مشروع العقد متضمناً الشروط التي لم تقبلها المالكة، ثم سكوته إلى 3 من يناير سنة 1942 فإن تصرفه هذا قد ينطوي على احتمالين، فإما أن يكون عندما صدر منه القبول على عرض المطعون ضدهما كانت إرادته الحقيقية ما جاء بمشروع العقد، وفي هذه الحالة يكون قبوله لم يطابق الإيجاب الذي كان خالياً من هذه الشروط، فلم ينعقد البيع، وإما أن يكون وقت قبوله كان جاداً من حيث رضاؤه بشراء العمارة بحالتها وبالثمن المعروض بدون قيد ثم بدا له وضع تلك الشروط قاصداً التنصل من إتمام الصفقة، وفي هذه الحالة يكون العدول قد حصل من جهته هو. وأضاف الحكم إلى ذلك أنه وإن كانت المحكمة ترجح الاحتمال الثاني إلا أنه على كل من الحالين لم يكن المطعون ضدهما ناكلين عن تنفيذ التعاقد حتى يحكم عليهما بتعويض. وانتهى الحكم إلى القول "إن غاية ما يمكن تكييفه عن التعديلات التي أجراها محامي المستأنفين (المطعون ضدهما) وطلبه تبييض العقد على أساسها أنه عرض جديد من قبل البائعة وإصرار منها على عرضها الأول بغير الشروط التي وردت بالعقد، ولكن هذا العرض لم يرد عليه قبول من المستأنف عليه (الطاعن) إلا في الإنذار المتقدم ذكره. وإذا لوحظ أن البائعة قد حددت في التفويض الأول مدة يومين اثنين لقبوله وأن المستأنف عليه قد قبله فعلاً في اليوم التالي وأبلغه السمساران للمستأنف الثاني في نفس ذلك اليوم وهو 3 ديسمبر سنة 1941 ثم حرر وكيل المستأنف عليه مشروع العقد في 6 ديسمبر سنة 1941 وأعاده إليه محامي المستأنفين معدلاً في 7 من ذلك الشهر تبين أن الطرفين كانا متوافقين على إتمام الصفقة على وجه السرعة وبكيفية لا يمكن معها أن يفسر سكوت المستأنف عليه بعد ذلك إلى 3 يناير سنة 1942 إلا بالعدول التام عن إتمامها، مما يجعل البائعة في حل بعد ذلك من عرضها الأول ومن قبول أو رفض ما عرضه عليها المستأنف عليه في الإنذار. وحيث إنه لا دليل على ما زعمه المستأنف عليه في الإنذار المذكور ومرافعته من أنه وافق على تنفيذ العقد حسب التعديلات التي أدخلت عليه في حينها وأنه طالب البائعة بالتنفيذ على هذا الأساس مراراً وتكراراً إذ لا أثر لهذا القبول ولا المطالبة في المستندات المقدمة منه.
ومن حيث إنه ظاهر من الوقائع التي رواها الحكم المطعون فيه نفسه على الوجه المتقدم أن الطاعن قد بادر إلى قبول العرض في يوم 3 من ديسمبر سنة 1941 أي في اليوم التالي للتفويض المسلم إلى السمسارين وأنه طلب في نفس اليوم مستندات التمليك وأن محاميه تقدم بمشروع العقد إلى محامي البائعة في يوم 6 من ديسمبر سنة 1941 فحذف هذا الأخير بعض الشروط الواردة به وأعاده إلى محامي الطاعن في يوم 7 من ديسمبر سنة 1941 لتبييضه، وظاهر أيضاً أن محامي البائعة لم يدخل أي تعديل على البند السادس من المشروع المذكور، وقد تضمن هذا البند تعهد البائعة بتقديم مستندات التمليك في مدى أسبوع وتعهد الطرفان بتقديم طلب التجديد للمساحة في الأسبوع التالي مرفقاً به عقد تمليك البائعة وأوراق العوائد، كما أنه ظاهر من الإنذار الموجه من الطاعن إلى البائعة أنه قد سلم لقلم المحضرين في يوم 25 من ديسمبر سنة 1941 وأعلن إلى البائعة في يوم 3 من يناير سنة 1942.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه حين انتهى إلى القول بأن الطاعن عدل عن الصفقة بعد أن كان قد قبل الشراء بناءً على العرض الوارد في التفويض لم يدعم قضاءه بأدلة من شأنها أن تؤدي إليه، فإن كل ما قاله في ذلك لا يبرر تلك النتيجة التي انتهى إليها، لأن تضمين مشروع العقد بعض الشروط التي لم ترد في التفويض المعطى للسمسارين وتعديل محامي البائعة لبعضها لا يصح عده عدولاً من جانب المشتري عن الصفقة ولا عرضاً جديداً من جانب البائعة، كما قالت المحكمة، فإن ذلك لا يعدو أن يكون مناقشة في الشروط القانونية التي تراعى في تحرير العقد والتي لا تأثير لها في كيان التعاقد ذاته. أما قولها إن سكوت الطاعن إلى 3 من يناير سنة 1942 لا يفسر إلا بالعدول عن إتمام الصفقة ففضلاً عن مخالفته للواقع إذ أن الطاعن أرسل الإنذار إلى البائعة في يوم 25 من ديسمبر سنة 1941 بإصراره على الصفقة فإنه ليس من شأنه أن يؤدي إلى ما قالت به، مع ملاحظة ما تضمنه البند السادس من مشروع العقد وعدم تقديم البائعة مستندات التمليك حتى اليوم الذي وجه فيه الطاعن الإنذار إليها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات