لذلك – جلسة 13 /03 /1996
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي تضمنتها فتاوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع
السنة الخمسون (من أول أكتوبر سنة 1995 إلى آخر سبتمبر سنة 1996) – صـ 348
(فتوى رقم 340 في 11/ 5/ 1996 جلسة 13/
3/ 1996 ملف رقم 86/ 3/ 901)
جلسة 13 من مارس سنة 1996
عاملون مدنيون بالدولة – التعيين – التعيين في الوظائف المدنية
القيادية – بطلان – انعدام – تحصن – حد الجسامة الذي يفرق بين القرار الإداري المعيب
وبين القرار المنعدم غير القابل للتحصن.
المادتان (1 و5) من القانون رقم 5 لسنة 1991 في شأن الوظائف المدنية القيادية في الجهاز
الإداري للدولة والقطاع العام.
المادة من قرار رئيس الوزراء رقم 1596 لسنة 1991 باللائحة التنفيذية للقانون رقم
5 لسنة 1991 المشار إليه.
المشرع استحدث أحكاماً جديدة لشغل الوظائف المدنية القيادية في الحكومة ووحدات الإدارة
المحلية وغيرها من الجهات المنصوص عليها – مقتضى ذلك: أضحى من الجائز قانوناً أن يجرى
شغل أي من هذه الوظائف من بين العاملين بالوحدة أو من غيرهم بالجهات الأخرى متى استوفوا
الشروط المقررة قانوناً لشغلها ما لم تقرر السلطة المختصة بالتعيين قصر شغلها على العاملين
بالوحدة ذاتها دون غيرها – إذا كان البطلان لا يهوي بالقرار إلى درك الانعدام وإنما
يصمه بعيب مخالفة القانون – نتيجة ذلك: انقضاء المواعيد الموجبة لسحبه تكسبه حصانة
تعصمه من السحب والإلغاء استجابة لدواعي الاستقرار – تطبيق.
تبين للجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع أن المادة من القانون رقم 5 لسنة
1991 في شأن الوظائف المدنية القيادية في الجهاز الإداري للدولة والقطاع العام تنص
على أن "يكون شغل الوظائف المدنية القيادية في الحكومة و……….. لمدة لا تجاوز
ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدة أو لمدد أخرى طبقاً لأحكام هذا القانون, وذلك كله مع
عدم الإخلال بأحكام القوانين واللوائح فيما يتعلق بباقي الشروط اللازمة لشغل الوظائف
المذكورة, ويقصد بهذه الوظائف تلك التي يتولى شاغلوها الإدارة القيادية بأنشطة الإنتاج
أو الخدمات أو تصريف شئون الجهات التي يعملون فيها من درجة مدير عام, أو الدرجة العالية
أو الدرجة الممتازة أو الدرجة الأعلى وما يعادلها, في حين تنص المادة 4 من ذات القانون
على أن "تقوم نتائج أعمال شاغلي الوظائف القيادية الخاضعة لأحكام هذا القانون الموجودين
في الخدمة في تاريخ العمل بأحكامه عن الفترة السابقة طبقاً للقواعد والإجراءات التي
تنص عليها اللائحة التنفيذية لهذا القانون وذلك خلال سنة من تاريخ العمل به. ويستمر
هؤلاء العاملون خلال هذه السنة في شغل الوظائف المدنية القيادية وذلك حتى يتم تجديد
مدة خدمتهم في هذه الوظائف أو تحديد أوضاعهم طبقاً لأحكام هذا القانون". وتنص المادة
5 على أن "تصدر اللائحة التنفيذية لهذا القانون بقرار من مجلس الوزراء خلال ثلاثة أشهر
من تاريخ نشره متضمنة قواعد الاختبار والإعداد والتأهيل والتقويم". ونفاذاً لذلك صدر
قرار رئيس الوزراء رقم 1596 لسنة 1991 باللائحة التنفيذية للقانون المشار إليه ونص
في المادة منه على أن "تعلن كل جهة عن شغل الوظائف القيادية الخالية بها أو المتوقع
خلوها بين العاملين بها أو من غيرهم في صحيفتين يوميتين واسعتي الانتشار, ويجوز بقرار
من السلطة المختصة بالتعيين أن يكون الإعلان عن شغل الوظائف المشار إليها بين العاملين
بالوحدة ……..".
وفي مجال التمييز بين القرار الإداري المعيب الذي يتحصن بعدم سحبه ولا الطعن عليه خلال
المدة القانونية المعينة, وبين القرار الإداري المعدوم الذي لا يتحصن مهما طال عليه
الزمن, في هذا المجال عرضت الجمعية العمومية لبحث حد الجسامة الذي يفرق بين القرار
المعيب القابل للتحصن وبين القرار المنعدم غير القابل للتحصن, واستعرضت سوابق الأحكام
والإفتاء وتداولت في تبين ملامح حد الجسامة, من أجل أن يدق ميزان التفرقة وينضبط دون
جمود.
والحاصل أن القرارات الإدارية التي تولد حقاً أو تنشئ مركزاً ذاتياً لا يجوز سحبها
متى صدرت صحيحة, وذلك استجابة لدواعي المشروعية بحسبان صحة القرار, واستقراراً للأوضاع
بحسبان ما أنشأ القرار من مراكز قانونية وما ولد من حقوق. أما القرار المعيب فيجوز
الطعن عليه من ذي مصلحة في هذا الطعن خلال الموعد الذي رسمه القانون, ويجوز سحبه من
الجهة التي أصدرته طوال مدة بقاء القرار المعيب قلقاً مهدداً بالإلغاء, سواء لانفتاح
موعد الطعن فيه, أو لإقامة الطعن فعلاً حتى يفصل فيه, فإن انتهى ذلك بغير قضاء بالإلغاء
صار القرار حصيناً من الإلغاء والسحب معاً, ويترتب عليه ما يترتب على القرار الصحيح
غير المشوب بأي عيب وذلك إقراراً بما ولد من حقوق فردية, وإقراراً لما أنشأ من مراكز
ذاتية.
والقانون في كل فروعه يمازج بين الشرعية والاستقرار, ويجدل منهما هياكل الحقوق والمراكز
القانونية, بما تترابط به وشائج العلل والمعلولات بين الشرعية والاستقرار. والقرار
المعيب تشوبه مخالفة القانون أو مخالفة الشكل القانوني أو مخالفة الاختصاص أو الانحراف
في استعمال السلطة, وإذا اعترته هذه العيوب جميعاً أمكن أن يتحصن بانقضاء مواعيد الطعن
القضائي عليه بغير طعن فيه ولا سحب له, وذلك ألا أن يكون القرار منعدماً فلا يلحقه
تحصن.
وأن عيوب القرار الإداري يمكن أن ترد كلها إلى عيب مخالفة القانون, من حيث أن القانون
هو من يرسم الاختصاصات والإجراءات وشروط منح الحق أو شغل المركز القانوني ولكن يظل
من العيوب ما يتعلق بأركان القرار بوصفه تصرفاً قانونياً, ومن هنا يرد ركن السبب وركن
المحل وركن الغاية من حيث كونها المصلحة العامة الواجب تغييها. والقرار الإداري بموجب
إفصاحاً عن إرادة ملزمة هو مما يدخل في عموم التصرفات القانونية التي يضبط بها فقه
القانون ملامحها أوضاعاً وأثاراً..
والقرار الإداري بهذه المثابة هو من أعمال الولايات العامة, من حيث كونه تصرفاً قانونياً
يرد من مصدره لا في شأن نفسه ولا في ملك نفسه, إنما هو تصرف يصدر من صاحبه بموجب ما
نيط به من ولاية إمضاء القول على الغير, فلا يكفي مصدره توافر أهلية إصدار الإرادة,
وإنما يلزم فيه تظافر ولاية إمضاء القول في مجال معين على الغير في شأن محدد, فهي ولاية
بموجب كونها تمكن صاحب القرار من إلزام غيره من التصرف في شأن الغير, وهي ولاية عامة
بموجب أنها بأصل شرعيتها تتعلق بإمضاء قول على غير لبس محصوراً ولا معيناً بذاته تعييناً
مسبقاً عند إناطة الولاية به, وهي ليست كشأن الولاية الخاصة والتي تقوم بأصل شرعيتها
متعلقة بإمضاء قول على محصور سلفاً عند إناطة الولاية به كما في الوكيل والوصي.
وإذا كان الأصل هو الإباحة بالنسبة لتصرف الشخص في شأن نفسه, فإن الأصل هو المنع أو
عدم النفاذ بالنسبة لتصرف الشخص في شأن غيره, والولاية بوصفها تجيز التصرف في شأن الغير
لا تكون إلا بمستند شرعي قانوناً كان أو حكماً قضائياً أو اتفاقاً رضائياً, وبالنسبة
للولاية العامة فهي لا ترد إلا بمستند شرعي يرد بقانون أو بمقتضى قانون, لأنها إنما
تنحدر من أصل الشرعية العامة التي تربط الجماعة وتقيم هيئاتها الجامعة والحاكمة.
من هذا التصور الفقهي والنظر القانوني العام تتسلسل أركان القرار الإداري وأوضاعه القانونية,
وأركانه هي الإفصاح عن الإرادة الملزمة للغير بموجب الولاية العامة, عن محل موجود ومشروع
ولسبب مشروع. والولاية تصح بشروطها المحددة في سندها, فيجرى إعمالها في المجال المرسوم
لها بما يعبر عنه بالاختصاص, وتجري بشروطها التي تشرطها القوانين لصحة إعمالها وبالإجراءات
التي توجبها القوانين فالاختصاص يعتبر نوع ولاية منوط بمن يشغل وظيفة معينة, والشروط
القانونية تفيد قيد إعمال الولاية إلا بشرطها, والإجراءات تفيد ما أوجبه مصدر الولاية
العامة من شكل محدد ينبغي أن يجري الإفصاح عن إرادة ذي الولاية العامة من خلاله, وكل
ذلك يندرج فيما يمكن القول بأنه شروط إعمال الولاية العامة وضوابطها ومحدداتها. ثم
هي من حيث كونها ولاية عامة منوط إعمالها بما يرتبط بأصل شرعة الولاية العامة وهو ابتغاء
تحقيق المصلحة العامة للجماعة في تصورها القانوني والشرعي.
وإذا كان فقه القانون يمزج بين الشرعية والاستقرار في تبين الحقوق والمراكز القانونية,
فإن الإفساح من الانعدام من شأنه تغليب عنصر الشرعية والتضييق فيه يغلب عنصر الاستقرار
والحال أن قانون مجلس الدولة منذ نشأته في 1946, أكد على ما يشوب القرار من عيوب تمس
ولاية مصدره من حيث نطاق الولاية وضوابطها وأشكال إعمالها, ومن حيث مدى المساس بركن
الغاية المتمثل في مراعاة المصلحة العامة مما يظهر في حالة الانحراف في استعمال السلطة
العامة, وأكد القانون أن هذه العيوب إن شابت القرار منفردة أو مجتمعة كان القرار محلاً
للطعن فيه خلال المدة المحددة لرفع الدعوى في ستين يوماً, وذلك يفيد أن أحد عناصر استخدام
الولاية العامة من هذه الجوانب المحددة بالقانون لا تفيد بذاتها انعدام القرار ولا
عدم نفاذه مطلقاً.
وإذا كان مقتضى القياس المنطقي أن الخروج عن أطر الولاية العامة مجالاً أو ضوابط مشروطاً,
هو مما يجنح بالتصرف إلى مشارف العدم لمساسه بصالح الجماعة وتعديه إلى الغير وعدم لزومه
صاحبه مصدر القرار, إلا أن القانون غلب عنصر الاستقرار, لأن التصرف المعيب في مجال
الولايات العامة لا يتعلق أثره بوضع فردي يسهل رده إلى ما كان عليه ويسهل حصر أثاره
المتعاقبة كبيع أو إجارة أو نحوه, إنما هذا التصرف المعيب في مجال الولاية العامة يتعلق
دائماً بأعمال متتابعة وآثار متعاقبة ويتداخل بعضها في بعض, بموجب النظام المؤسسي الذي
تقوم عليه الأجهزة التي تمارس تلك الولايات العامة وما تتفرع إليه من تفريعات بعضها
يترتب على بعض بأصول متداخلة وبفروع متشابكة, والتصرف الإداري إن بطل أو ألغي إنما
تترتب عليه من التفريعات والآثار ما قد يصعب حصره ومتابعته. ومن ثم رجح القانون عنصر
الاستقرار بتحديد الأجل الذي يمكن فيه الطعن على القرار من ذي مصلحة, وجعل السحب فرعاً
من الطعن ميعاداً أو أسباباً.
وإن أفسح ما اتسع له النظر الإفتائي القضائي في شأن انعدام القرار الإداري, إنما يرد
في حالات غصب السلطة الذي يبلغ عدم الاختصاص فيها حدا يفقد مصدر القرار في أي من مجالات
النظر القانوني حالات الغش الذي يفسد كل التصرفات في أي من مجالات النظر القانوني وحد
الجسامة هو ما تسقط به شبهة قيام الولاية العامة لدى مصدر القرار غصباً للسلطة أو ما
هو في حكم الغصب من الخطأ الشبيه بالعدوان من حيث الفظاظة, والذي يعني الوقوف عن درئه
اضطراب توزيع الولاية العامة هيئات ومؤسسات, وحد الجسامة أيضاً هو ما تفتقد النية في
إصدار القرار بشأنه نتيجة استخدام الغش, وهو أيضاً ما يصل في شأنه الانحراف في استخدام
السلطة إلى حد تجريد القرار من ظلال مراعاة المصلحة العامة التي ما تقررت الولايات
العامة المتعدية إلى الغير غير المحصورة إلا بمراعاتها وصيانتها وحراستها, مما قد يلتبس
به قصد مخالفة القانون أو قصد تحقيق النفع الذاتي أو الجنوح عن مصلحة عامة بواح غير
ملتبسة.
ومن حالات الانعدام إفتاء وقضاء كذلك, حالة فقدان ركن المحل كتعيين موظف على غير وظيفة
أو تعيين من هو فاقد أصل الشرط المهيئ للعمل والمؤهل لشغل الوظيفة, وفي هذا المجال
يمكن إعمال الاجتهاد في التمييز بين الجوهري وغير الجوهري من خواص ما يرد عليه القرار
الإداري, بالتفرقة بين أركان قيام المحل مما ينبني به أصل التأهيل اللازم لقيام الوضع
القانوني, وبين ما يعتبر من شروط كمال في التهيؤ للوضع القانوني طبقاً للأنسب والأصلح
كشروط الأفضلية وتمييز الفاضل عن المفضول سواء في شغل الوظائف أو الالتحاق بمعاهد التدريس
أو غيرها, وهي من عناصر اختيار وتقدير للأنسب استقرت واطرد الأخذ بها بما جعلها من
شروط التهيؤ للوضع القانوني.
واستظهرت الجمعية العمومية من النصوص المتقدمة ومن التوجهات القانونية السابقة, أن
المشرع استحدث أحكاماً جديدة لشغل الوظائف المدنية القيادية في الحكومة ووحدات الإدارة
المحلية وغيرها من الجهات المنصوص عليها في المادة من القانون رقم لسنة 1991,
المشار إليها, وبمقتضى هذه الأحكام وكذلك الأحكام التي تضمنتها اللائحة التنفيذية لهذا
القانون أضحى من الجائز قانوناً أن يجري شغل أي من هذه الوظائف من بين العاملين بالوحدة
أو من غيرهم بالجهات الأخرى متى استوفوا الشروط المقررة قانوناً لشغلها, ما لم تقرر
السلطة المختصة بالتعيين قصر شغلها على العاملين بالوحدة ذاتها دون غيرها, كما أورد
المشرع حكماً انتقالياً بالنسبة إلى شاغلي الوظائف القيادية الموجودين بالخدمة في تاريخ
العمل به في 7/ 3/ 1991 من مقتضاه أن تقيم أعمالهم عن الفترة السابقة طبقاً للقواعد
والإجراءات التي تنص عليها اللائحة التنفيذية لهذا القانون وذلك خلال سنة من تاريخ
العمل به على أن يستمروا في شغل وظائفهم حتى يتقرر تحديد أوضاعهم طبقاً لأحكام هذا
القانون.
وواضح من ذلك أن مناط إجراء التقييم وفقاً لأحكام القانون رقم لسنة 1991 المشار
إليه أن يكون العامل شاغلاً وظيفة قيادية في تاريخ العمل به في 7/ 3/ 1991.
وخلصت الجمعية العمومية إلى أنه ولئن كان السيد/ ……. من الموجودين بالخدمة في تاريخ
العمل بالقانون رقم 5 لسنة 1991 حيث نقل إلى وزارة السياحة في 7/ 3/ 1991 إلا أنه وبالنظر
إلى أن قرار نقله لم يعين له الوظيفة التي يشغلها فإنه لا يكون من الشاغلين لوظيفة
قيادية في هذا التاريخ ومن ثم فما كان يجوز تقييم أعماله في وظيفته كأمين عام للوزارة
والتي صدر قرار وزير السياحة بتعيينه عليها في 19/ 3/ 1991 وفي تاريخ لاحق على تاريخ
العمل بهذا القانون طبقاً للمادة منه وتبعاً لذلك ما كان يجوز صدور قرار رئيس الوزراء
رقم 1960 لسنة 1992 بتجديد مدة شغله لهذه الوظيفة وهو ما من شأنه أن يصم هذا القرار
بالبطلان. إلا أن هذا البطلان لا يهوي به إلى درك الانعدام وإنما يصمه بعيب مخالفة
القانون, ومن ثم فإن انقضاء المواعيد الموجبة لسحبه تكسبه حصانة تعصمه من السحب والإلغاء
استجابة لدواعي الاستقرار التي تفرض متى صدر قرار إداري معيب من شأنه أن يولد حقاً
ضرورة استقرار هذا القرار عقب فترة معينة من الزمن بحيث يسري عليه ما يسري على القرار
الصحيح.
لذلك
انتهت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع إلى تحصن قرار مجلس الوزراء رقم 1960 لسنة 1992 فيما تضمنه من تجديد تعيين السيد/ …….. أميناً عاماً لوزارة السياحة لمدة ثلاث سنوات.
