الطعن رقم 127 سنة 14 ق – جلسة 31 /05 /1945
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع – صـ 713
جلسة 31 مايو سنة 1945
برياسة سعادة محمد زكي علي باشا وكيل المحكمة وبحضور حضرات: محمد كامل مرسي بك ونجيب مرقس بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.
القضية رقم 127 سنة 14 القضائية
إثبات. عاقد. تقرير طبيب عن حالته العقلية وقت التعاقد استخلاصاً
من العناصر الموجودة مع عدم معاينة شخص العاقد لوفاته. الاعتماد على هذا التقرير مع
إيراد الأدلة التي ترجح صحته لا مانع.
متى كانت المحكمة قد اقتنعت بما ورد في تقرير الطبيب الخبير عن حالة البائع العقلية
عند البيع، ثم استعرضت في تفصيل أقوال شهود طرفي الدعوى، الطاعنين في العقد والمتمسكين
به، ورأت أنها تؤيد الخبير، ثم أقامت حكمها ببطلان العقد على تلك الأسباب المتعلقة
بواقع الدعوى فلا تجوز المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض. ولا يقدح في حكمها أنها اعتبرت
البائع معتوهاً وقت التعاقد بناءً على ما استخلصته مما ثبت من هذا التقرير ومن أقوال
أولئك الشهود ومن ظروف الدعوى، مع كون الطبيب لم يعاين حالة البائع لأنه كان قد توفي
– لا يقدح ذلك في حكمها لأن وفاة البائع لا تمنع قانوناً من الفصل في أمر عتهه عند
التعاقد متى كانت المحكمة قد وجدت في العناصر التي بين يديها ما يكفي لتكوين عقيدتها
في هذا الشأن.
الوقائع
تتحصل وقائع هذا الطعن في أن الطاعنات رفعن على المطعون ضدهم أمام
محكمة المنصورة الابتدائية الدعوى رقم 239 سنة 1940 طلبن في صحيفتها الحكم بصحة التعاقد
الحاصل بين المرحومة نظيمة السيد عيسى وبينهن وبتاريخ 20 من أكتوبر سنة 1938 الثابت
به بيعها لهن 6 ف و23 ط و18 س وقبضها الثمن وقدره 550 جنيهاً والترخيص لهن بتسجيل الحكم
الذي يصدر في الدعوى بقلم تسجيل محكمة المنصورة المختلطة ونقل التكاليف إلى أسمائهن
بحسب التفصيل المبين بصحيفة الدعوى مع إلزام المدعى عليهم بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة
وشمول الحكم بالنفاذ المعجل بلا كفالة.
وفي 9 من يونيه سنة 1941 حكمت المحكمة بإحالة الدعوى إلى التحقيق ليثبت المطعون ضده
الأول أن العقد المتقدم ذكره صدر من مورثته وهي في حالة عنه، ورخصت للمدعيات بالنفي.
وقد سمعت المحكمة شهود الطرفين.
وفي 7 من مارس سنة 1942 حكمت المحكمة بصحة التعاقد الحاصل بين المرحومة نظيمة السيد
عيسى وبين المدعيات في 20 من أكتوبر سنة 1938 الثابت به بيعها لهن 6 ف و23 ط و18 س
المبينة الحدود والمعالم بصحيفة الدعوى وإلزام المطعون ضده الأول بالمصاريف و200 قرش
مقابل أتعاب المحاماة وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات.
استأنف المطعون ضده الأول هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر طالباً إلغاءه ورفض دعوى
الطاعنات وإلزامهن المصاريف وأتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وفي 29 من ديسمبر سنة 1943 حكمت المحكمة بندب مدير مستشفى الأمراض العقلية للاطلاع
على أوراق القضية وعلى القرار الصادر من مجلس حسبي شربين بالحجر على البائعة ومحاضر
الجلسات الخاصة به لمعرفة ما إذا كان العته الذي أصابها طارئاً أم سابقاً على تاريخ
الحجر وبيان الزمن الذي ظلت فيه معتوهة قبل صدور قرار الحجر إن كان العته غير طارئ.
وقد باشر الخبير المأمورية وقدم تقريره.
وفي 2 من مايو سنة 1944 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض دعوى المستأنف عليهن
الثلاث (الطاعنات) وألزمتهن بمصاريف الدرجتين و500 قرش أتعاب المحاماة.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعنات في 16 من يوليو سنة 1944 فطعن فيه بطريق النقض إلخ إلخ.
المحكمة
وحيث إن الطاعنات يبنين طعنهن على وجهين: الأول أن المحكمة اعتبرت
أن البائعة إلى الطاعنات معتوهة وقت صدور العقد منها استناداً إلى تقرير الطبيب الدكتور
محمد كامل الخولي الذي ندبته في الدعوى وإلى تقريري طبيبين تقدما من المطعون ضده. واستندت
أيضاً إلى أسباب أخرى لتعزيز هذه التقارير الطبية مع أن التقارير المذكورة لا تخرج
عن كونها بحوثاً علمية نظرية ما كان يصح الاعتماد عليها وحدها بل يجب أيضاً بحث حالة
المريض ذاته وتاريخ مرضه وحالته المعيشية، وهذا لا يتيسر إلا إذا كان على قيد الحياة.
على أن قول الأطباء بأن عته البائعة سببه الشيخوخة لا دليل عليه إذ ليس في ظروف الدعوى
ما يقطع بشيخوختها فقد قال أحد الشهود إن سنها ستون سنة، وقال آخر إنها بلغت الخمسين
وقال غيرهما إن سنها تزيد على ذلك، وفضلاً عن هذا فإنه لم يرد بقرار المجلس الحسبي
أن عته البائعة كان نتيجة الشيخوخة. على أن سن الشيخوخة ليست سناً معينة فمن الناس
من يهرم في الأربعين ومنهم من يبقى سليم العقل إلى ما بعد الثمانين، وخلصت الطاعنات
من هذا إلى أن الحكم المطعون فيه بني على بحث علمي خاطئ أو ناقص الأمر الذي يعيبه ويوجب
نقضه، ثم أضفن إلى ما تقدم أن الأسباب الأخرى التي أوردها الحكم لتأييد قيام عته البائعة
وقت البيع لا تكفي لإثبات العته ولا يستقيم الحكم بها وحدها. الثاني: أن الطاعنات قلن
في مذكراتهن المقدمة لمحكمة الاستئناف إن سن البائعة كانت أربعاً وخمسين سنة وإن قرار
الحجر عليها لم يرد به أن العته كان نتيجة الشيخوخة، فكان من المتعين على المحكمة إزاء
ذلك أن تبين المصدر الذي استقت منه شيخوخة البائعة لأن هذا البحث كان عماد الدعوى،
أما إذ هي لم تفعل فيكون الحكم قد شابه قصور في التسبيب يوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه استند في اعتبار البائعة إلى الطاعنات معتوهة وقت التعاقد
معهن إلى ما يأتي:
"وحيث إنه ثبت من تقرير مدير مستشفى الأمراض العقلية المنتدب في الدعوى أن العته الذي
أصيبت به البائعة وأدى إلى توقيع الحجر عليها في 31 ديسمبر سنة 1939 كان قد مضى على
وجوده عندها مدة لا تقل عن ستة أشهر سابقة لتاريخ الحجر على وجه التأكيد ومن المرجح
أن هذا العته بدأ عندها من مدة لا تقل عن سنة سابقة لنفس التاريخ، ويحتمل أن تصل هذه
المدة إلى سنتين أو أكثر كما ثبت أيضاً من الشهادتين الطبيتين المؤرختين في 12 و15
نوفمبر سنة 1933 الصادرتين بالتوالي من الدكتورين ميخائيل مقار ويوسف حلمي جنينة أن
عته البائعة يرجع إلى قبل الحجر عليها بزمن طويل وجاء "بأولاهما" أن العته يرجع إلى
ما قبل تاريخ عقد البيع العرفي. وحيث إنه مما يؤيد هذه التقارير ويرجح أن البائعة كانت
في حالة عته معلومة وقت التعاقد ما شهد به حسين العزب شيخ البلد في التحقيق الابتدائي
من أن البائعة كانت مجنونة في سنة 1938 ولم يكن هناك ما يضطرها لبيع أملاكها وأنها
لم تترك مالاً عند وفاتها بعد الحجر عليها ببضعة أشهر وأن محمد بلال زوج المستأنف عليها
الأولى كان يباشر أعمالها والمحكمة تأخذ بشهادته وترجحها لأنه لا صلة له بالطرفين ولأنه
من رجال الحفظ بالبلد، ولا عبرة بمحاولة الخصوم تجريحه بعد استدعائه للشهادة بتقديم
شكوى ضده من زوج المستأنف عليها الأولى. وحيث إن نفس شهود المستأنف عليهن شهدوا بأن
البائعة أصيبت في عقلها قبل الحجر عليها ببضعة أشهر مما يدل على أن العته لم يطرأ دفعه
واحدة بل سبقته مقدماته قبل الحجر عليها، وإذ تأخذ المحكمة بهذا الشق من شهادتهم فإنها
لا تعتمد ما شهدوا به من أنها كانت صحيحة العقل وقت تحرير العقد لما بين كل من محمد
مصطفى إسماعيل ومحمد السيد حنيفة وأحمد الفحار من شهود العقد وبين زوج المستأنف عليها
الأولى من صلة الزمالة التي تحمل على المحاباة ومن صلة باقي الشهود بالمشتريات واستئجار
أحدهم الأطيان المتنازع عليها وهي صلة تدعو للحذر في الأخذ بشهادتهم وبخاصة فإن العقد
عرفي غير ثابت التاريخ وليس هناك ما يوحي بتصديق أقوالهم في أنه صدر في التاريخ المقول
به. وحتى لو أنه كان تحرر في هذا التاريخ فإن التقارير الطبية الدالة على عته البائعة
قبل هذا التاريخ تدل على عدم صدق شهادتهم كما أن قرائن الأحوال المستفادة من عدم إظهار
المشترين العقد إلا في الجلسة التي توقع فيها الحجر على البائعة وعدم تسجيله ما يؤكد
عدم صحة شهادة شهود المستأنف عليهن في هذا الصدد". ثم أضاف الحكم إلى ذلك قوله: "وحيث
إن المحكمة لا تعول على طعن المستأنف عليهن على تقرير الخبير المنتدب بحجة أنه لم يوقع
الكشف على البائعة التي توفيت ولم يذكر شيئاً عن عقد البيع الصادر فيها في سنة 1938
لعبد الحميد سليمان لأنه لا مانع قانوناً يمنع من إثبات جنون شخص يكون طرفاً في العقد
بعد وفاته، ولأن سبق صدور عقد من البائعة في سنة 1938 لآخر لا يدل على أن عقده صحيح
في ذاته، وأنه صادر منها وهي مستمتعة بقواها العقلية. وحيث إنه مما تقدم يتضح أن التصرف
الصادر من المرحومة نظيمة السيد عيسى للمستأنف عليهن الثلاث الأوليات بالعقد العرفي
المؤرخ في 20 أكتوبر سنة 1938 ببيع ما بقى لها من أملاكها وقدره ستة أفدنة و23 قيراطاً
صدر منها وهي بحالة عته وجنون فهو تصرف باطل لعدم توفر ركن من أركان صحة العقد وهو
الأهلية. ولا يمنع من القضاء بالبطلان أن العقد صدر بتاريخ عرفي سابق على تاريخ الحجر،
ومن ثم يكون هذا العقد لا حجية له في طلب المستأنف عليهن الحكم بصحة التعاقد المذكور".
وحيث إنه يبين مما تقدم أن المحكمة اقتنعت بما ورد في تقرير الخبير ثم استعرضت في تفصيل
شهادة شهود الطرفين، ورأت أنها تؤيده، ثم أقامت حكمها على تلك الأسباب التي من شأنها
أن تؤدي إلى ما انتهت إليه. وهي أسباب متعلقة بالموضوع لا سبيل لإثارة الجدل فيها أمام
محكمة النقض، ولم تكن وفاة البائعة مانعة قانوناً من الفصل في أمر عتهها عند البيع
متى كانت المحكمة قد وجدت في العناصر التي بين يديها ما يكفي لتكوين عقيدتها في هذا
الشأن.
وحيث إن ما تنعاه الطاعنات خاصاً بعدم بيان الحكم للمصدر الذي استقى منه شيخوخة البائعة
لا محل للنظر فيه لأن الحكم لم يتعرض في أسبابه إلى شيخوخة الطاعنة.
