الطعن رقم 16 سنة 14 ق – جلسة 01 /03 /1945
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع – صـ 574
جلسة أول مارس سنة 1945
برياسة سعادة محمد زكي علي باشا وكيل المحكمة وحضور حضرات: محمد كامل مرسي بك ونجيب مرقس بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك المستشارين.
القضية رقم 16 سنة 14 القضائية
تقادم. وقف:
أ – المادة 375 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية. تطبيقها بشروطها كلها أمام القضاء
المدني. غير سديد.
ب – الشريعة الإسلامية. تقر اليد الموضوعة على أعيان الوقف والمتصرفة فيها. هذا يسري
على دعوى الوقف على الوقف. قاعدة أن العين لا يصح اعتبارها موقوفة إلا إذا صدر بوقفها
إشهاد شرعي. مجال تطبيقها. عند قيام النزاع في وقف العين المدعى بها وإنكار الوقف من
جانب واضع اليد عليها.
(المادتان 137 و375 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والمادة 76 مدني)
1 – إذا دفع نظار وقف دعوى وقف آخر بطلب تثبيت ملكيته لعين تابعة له بأنهم وضعوا أيديهم
على هذه العين باعتبارها جارية في الوقف المشمول بنظرهم وتصرفوا فيها تصرفهم في باقي
أعيانه مدة تزيد على ثلاث وثلاثين سنة متوالية، فقضت المحكمة، مع تبينها صحة هذا الدفع،
برفض سماع هذه الدعوى تطبيقاً لحكم المادة 375 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وتأسيساً
على أنه يجب الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية في كل ما يتعلق بالوقف ودعواه، فحكمها
هذا وإن كان قد أخطأ في تطبيق حكم المادة 375 المذكورة بشروطها كلها إلا أنه سليم في
النتيجة التي انتهى إليها، إذ كان يكفي للحكم بعدم سماع تلك الدعوى أو رفضها ما أثبته
من ترك الدعوى ثلاثاً وثلاثين سنة كانت العين في خلالها تحت يد غاصب منكر حق ذلك الوقف
عليها، ولا حاجة بعد لتوافر باقي شروط المادة المذكورة.
2 – إنه وإن كانت الشريعة الإسلامية لا تعترف باكتساب الملك بالتقادم الطويل إلا أنها
في الوقت نفسه تقر اليد الموضوعة على أعيان الوقف المتصرفة فيها، فقد نص على منع سماع
دعوى الوقف إذا تركت ثلاثاً وثلاثين سنة بقيت فيها عين الوقف تحت يد غاصب منكر حقه
فيها، وجعل هذا المنع سارياً بالنسبة إلى دعوى الوقف على الوقف كما هو بالنسبة إلى
دعوى الوقف على الملك، إذ نص الفقهاء على عدم سماع دعوى الناظر الذي لم يسبق له وضع
يد ولا تصرف في أرض لجهة وقفه إذا قام يعارض ناظر وقف آخر في عين وضع هذا الناظر يده
عليها وتصرف فيها مدة تزيد على ثلاث وثلاثين سنة بلا معارض. وإذ كان هذا هو حكم الشريعة
الإسلامية في هذه المسألة فلا يصح أن ينعى على المحاكم المدنية تطبيق هذا الحكم الذي
لا يتعارض مع أحكام القانون المدني. أما القول بأن العين لا يصح اعتبارها موقوفة إلا
إذا صدر بوقفها إشهاد شرعي فلا محل للتحدي به إلا عند قيام النزاع في وقف العين المدعى
بها وإنكار الوقف من جانب واضع اليد عليها.
الوقائع
تتلخص وقائع هذا الطعن في أن الطاعنين بصفة كونهما ناظري وقف المرحومة
السيدة فاطمة هانم المهدي رفعا في 21 من أكتوبر سنة 1931 أمام محكمة مصر الابتدائية
الدعوى رقم 56 سنة 1940 كلي على المطعون ضدهما بصفة كونهما ناظري وقف المرحوم الشيخ
محمد عباس المهدي وقالا فيها إن من ضمن الأرض التابعة للوقف المشمول بنظرهما بجهة وراق
العرب مركز إمبابه من أعمال مديرية الجيزة قطعتين إحداهما مساحتها 1 ف و5 ط و10 س والأخرى
مساحتها 1 ف و6 ط وهاتان القطعتان مذكورتان في حجة وقف السيدة فاطمة المهدية الصادرة
في شهر ذي الحجة سنة 1271 ومكلفة إلى الآن باسم الوقف المذكور، وإن المدعى عليهما بصفة
كونهما ناظري وقف المرحوم الشيخ محمد عباس المهدي اعتديا على القطعتين المذكورتين ووضعا
يدهما عليهما بغير حق مع أنهما لا تدخلان في حجة الوقف المشمول بنظرهما، وطلب الطاعنان
في تلك الدعوى الحكم بتثبيت ملكية الوقف المشمول بنظرهما إلى القطعتين المذكورتين وبمنع
تعرض المطعون ضدهما لهما فيهما مع إلزامهما بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
وفي 11 من إبريل سنة 1940 ندبت محكمة مصر إحسان أفندي حافظ الخبير لتطبيق حجة وقف السيدة
فاطمة المهدية على الطبيعة لمعرفة ما إذا كانت القطعتان المتنازع عليهما تدخلان ضمن
أعيان هذا الوقف وبيان من واضع اليد عليهما وتاريخ وضع يده. وقد قام الخبير المذكور
بمهمته وقدم تقريراً أثبت فيه أن القطعتين المتنازع في شأنهما داخلتان ضمن أعيان وقف
السيدة فاطمة المهدية وأن ناظري وقف الشيخ محمد عباس المهدي يضعان اليد عليهما من مدة
طويلة تزيد على خمسين سنة.
وفي 27 من فبراير سنة 1941 قضت محكمة مصر الابتدائية بتثبيت ملكية الوقف المشمول بنظر
الطاعنين إلى القطعتين سالفتي الذكر وتسليمهما إليهما ومنع تعرض المطعون ضدهما بصفتهما
للطاعنين فيهما وألزمت المطعون ضدهما بالمصاريف وبمبلغ خمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة
ورفضت ما غاير ذلك من الطلبات غير آخذة بما دفع به المطعون ضدهما من أن جهة الوقف المشمول
بنظرهما قد تملكت على أي حال الأرض المتنازع عليها بمضي أكثر من ثلاث وثلاثين سنة بمقولة
إن الأعيان الموقوفة غير قابلة للتملك بالتقادم طبقاً لأحكام الشريعة الغراء.
استأنف المطعون ضدهما هذا الحكم في 19 من يونيه سنة 1941 لدى محكمة استئناف مصر، وطلبا
قبوله شكلاً وفي موضوعه إلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى الطاعنين مع إلزامهما بالمصاريف
ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وفي 6 من يونيه سنة 1943 قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئناف شكلاً وفي موضوعه بإلغاء
الحكم المستأنف وبعدم جواز سماع دعوى الطاعنين مع إلزامهما إلخ. وقد أسست محكمة الاستئناف
قضاءها على القول بوجوب تطبيق حكم المادة 375 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة
في 12 من مايو سنة 1931 التي تنص على منع سماع دعوى الوقف بعد تركها ثلاثاً وثلاثين
سنة وذلك بالشروط المنصوص عليها في المادة المذكورة.
وفي 17 من يناير سنة 1944 قرر وكيل الطاعنين الطعن في حكم محكمة الاستئناف بطريق النقض
للأسباب التي ذكرها في تقريره إلخ إلخ.
المحكمة
ومن حيث إن الطاعنين ينعيان على الحكم المطعون فيه، أولاً – أنه
أخطأ في تطبيق المادة 375 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة في 12 من مايو سنة
1939 وفي الحكم بناءً على ذلك بعدم جواز سماع الدعوى. وفي بيان ذلك يقولان إن الحكم
المطعون فيه قد استند في قضائه إلى حكم الدوائر المجتمعة لمحكمة الاستئناف الصادر في
4 من مايو سنة 1929 وإنه بالرجوع إلى الحكم المذكور يتبين أنه لم يطبق المادة 375 سالفة
الذكر بشروطها الواردة فيها كما فعل الحكم المطعون فيه ولكنه أجاز تملك الأعيان الموقوفة
بمضي ثلاث وثلاثين سنة بشروط التقادم المنصوص عليها في المادة 76 من القانون المدني
ومن بينها أن يكون وضع اليد ظاهراً بغير منازعة وبنية التملك وأن لا يكون بسبب معلوم
غير أسباب التمليك. ويضيف الطاعنان إلى ذلك أن الثابت في الدعوى هو أن نظار وقف المرحوم
الشيخ محمد عباس المهدي لم يضعوا اليد على الأرض المغتصبة كمالكين ظاهرين بأنفسهم،
بل كانوا يضعون اليد عليها بصفتهم نظاراً على الوقف المذكور، ووضع اليد بصورته هذه
لا يصح قانوناً أن يملك جهة وقف الشيخ محمد عباس المهدي الأرض المتنازع في شأنها. ثانياً
– أن الحكم المطعون فيه أجاز لجهة وقف الشيخ محمد عباس المهدي أن تتملك العين التي
اغتصبها النظار المتولون عليه بوضع اليد المدة الطويلة في حين أن وظيفة الناظر على
الوقف المذكور كما هي مبينة في كتابه لا تسمح له باغتصاب ملك الغير وإضافته لأعيان
الوقف المذكور، فما يغتصبه الناظر والحالة هذه لا يصح أن يصبح ملكاً لجهة الوقف المشمول
بنظره، يضاف إلى ذلك أن العين لا يصح اعتبارها موقوفة إلا إذا صدر بوقفها إشهاد شرعي،
هذا فضلاً عن أن تملك أعيان الوقف بالتقادم ممتنع على الأفراد لأنها في حكم المال الخارج
عن التعامل فمن باب أولى يمتنع هذا التملك على جهات الوقف.
عن الوجه الأول:
وحيث إن الحكم المطعون فيه يقول إن المطعون ضدهما قد أنكرا حق الوقف المشمول بنظر الطاعنين
وادعيا أن العين المدعى بها جارية في وقفهما من قديم الزمن ومكلفة باسمه من سنة 1900
وأنهما يتصرفان فيها لمصلحة وقفهما علانية على وجه ظاهر لا تشوبه شائبة مدة تزيد على
ثلاث وثلاثين سنة فانتقلت بذلك رقبتها أو حق الانتفاع بها إلى الوقف المشمول بنظرهما
بوضع اليد طول تلك المدة طبقاً لحكم الدوائر المجتمعة لمحكمة الاستئناف الصادر في 4
من مايو سنة 1929، وأن هذا الدفع صحيح في ذاته ولا يعترض عليه بالقول بأنه لا وقف بلا
واقف ولا إشهاد، لأن الوقف يثبت بالإقرار طبقاً للمادة 137 من لائحة ترتيب المحاكم
الشرعية والمادتين 625 و629 من قانون العدل والإنصاف ثم أضاف الحكم المطعون فيه إلى
ما تقدم قوله "وفضلاً عن ذلك فقد أقرت هذه المحكمة بحكمها المطول الصادر بتاريخ اليوم
في القضية رقم 125 سنة 58 قضائية وجوب تطبيق حكم الشريعة الإسلامية في كل ما يتعلق
بالوقف وبدعوى الوقف وخاصة حكم منع سماع الدعوى بالوقف بعد تركها ثلاثاً وثلاثين سنة
طبقاً للمادة 375 من اللائحة الشرعية الصادرة في 12 من مايو سنة 1931". ثم انتهى الحكم
بعد ذلك إلى القول بتوافر شروط منع السماع الواردة في المادة المذكورة في دعوى الطاعنين
وقضى لهذا بعدم جواز سماعها.
وحيث إنه يبين من هذا الذي ذكره الحكم المطعون فيه أنه لم يستند في تطبيق المادة 375
من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية إلى حكم الدوائر المجتمعة لمحكمة الاستئناف كما يزعم
الطاعنان بل استند إلى رأي خاص هو وجوب تطبيق حكم الشريعة الإسلامية في كل ما يتعلق
بالوقف ودعواه وإن كان قد قرر قبل ذلك صحة ما دفع به المطعون ضدهما من اعتبار العين
المتنازع في شأنها جارية في الوقف المشمول بنظرهما بوضع اليد لمدة ثلاث وثلاثين سنة
طبقاً لحكم الدوائر المجتمعة.
وحيث إنه وإن كان الحكم المطعون فيه – خلافاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – قد طبق
حكم المادة 375 من اللائحة الشرعية بشروطها كلها، إلا أنه جاء سليماً في النتيجة التي
انتهى إليها، إذ كان يكفي للحكم بعدم سماع دعوى الوقف أو رفضها ترك الدعوى ثلاثاً وثلاثين
سنة تكون عين الوقف في خلالها تحت يد غاصب منكر حق ذلك الوقف عليها بدون حاجة لتوافر
باقي شروط المادة 375 المذكورة. وقد أثبت الحكم المطعون فيه أن نظار الوقف المشمول
الآن بنظر المطعون ضدهما قد وضعوا اليد على العين المتنازع في شأنها باعتبارها جارية
في ذلك الوقف وتصرفوا فيها تصرفهم في باقي أعيانه مدة تزيد على ثلاث وثلاثين سنة متوالية،
وقال إن المطعون ضدهما كانا على حق في دفعهما باعتبار تلك العين جارية في الوقف المشمول
بنظرهما بالتقادم الطويل، وفي هذا ما يكفي لتوافر وضع اليد بنية التملك. أما كون وضع
يد النظار على تلك العين بهذه الصورة يجعلها جارية في الوقف المشمول بنظرهم أو لا يجعلها
كذلك، فهذا ما سيكون محل الكلام في الوجه الثاني.
عن الوجه الثاني:
ومن حيث إنه وإن كانت الشريعة الإسلامية لا تعترف باكتساب الملك بالتقادم الطويل، إلا
أنها في الوقت نفسه تقر اليد الموضوعة على أعيان الوقف والمتصرفة فيها، فنصت على منع
سماع دعوى الوقف إذا تركت ثلاثاً وثلاثين سنة كانت فيها عين تحت يد غاصب منكر حقه فيها،
وجعلت هذا المنع سارياً بالنسبة إلى دعوى الوقف على الوقف كما هو بالنسبة إلى دعوى
الوقف على الملك، فقد نص الفقهاء على عدم سماع دعوى ناظر وقف لم يسبق له وضع يد ولا
تصرف في أرض لجهة وقفه إذا قام يعارض ناظر وقف آخر في عين وضع يده عليها وتصرف فيها
مدة تزيد على ثلاث وثلاثين سنة بلا معارض، ولا عبرة بمجرد ذكرها في كتاب الوقف مع عدم
التصرف في ذلك. ونصوا على وجوب العمل بوضع يد الناظر بعد ثبوته في المدة الطويلة ولا
يكلف إظهار حجة احترام أو احتكار، وعلى أنه لا تسمع دعوى الوقف على الوقف إذا تركت
ثلاثاً وثلاثين سنة بلا مانع شرعي. ولا عبرة بما يستدل به الخارج المدعي بالوقفية من
صك الوقف بدون أن يسبق له وضع يد ولا تصرف (المواد 606 و625 و628 من قانون العدل والإنصاف)
وحيث إنه متى كان حكم الشريعة الإسلامية في المسألة هو ما تقدم فلا يصح أن ينعى على
المحاكم المدنية تطبيق هذا الحكم الذي لا يتعارض مع أحكام القانون المدني. أما القول
بأن العين لا يصح اعتبارها موقوفة إلا إذا صدر بوقفها إشهاد شرعي فلا محل للتحدي به
في هذه الدعوى، لأن مجال تطبيق هذه القاعدة هو قيام النزاع في وقف العين المدعى بها
وإنكار الوقف من جانب واضع اليد عليها (المادة 137 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية)،
وهذا ما ليس بحاصل في هذه الدعوى، فالناظر واضع اليد مقر بتبعية العين المتنازع في
شأنها للوقف المشمول بنظره وهذا الإقرار حجة عليه.
وحيث إنه لما تقدم يكون هذا الطعن على غير أساس ويتعين رفضه موضوعاً.
