الطعن رقم 63 سنة 13 ق – جلسة 08 /06 /1944
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الرابع – صـ 398
جلسة 8 يونيه سنة 1944
برياسة سعادة أمين أنيس باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: نجيب مرقس بك وأحمد نشأت بك ومحمد المفتي الجزايرلي بك ومحمود فؤاد بك المستشارين.
القضية رقم 63 سنة 13 القضائية
إثبات. قرائن. اعتماد المحكمة في حكمها على القرائن لإثبات تنازل
المدعي عن أرض بعضها وقف وتزيد قيمتها على عشرة جنيهات. خطأ.
إذا كان الحكم المطعون فيه قد استند في قضائه برفض الدعوى المقامة من الطاعن ضد مجلس
محلي الجيزة بالمطالبة بمبلغ تعويضاً عما لحقه من خسارة بسبب امتناع المجلس عن تنفيذ
ما التزم به له مقابل استيلائه على جزء من ملكه وملك الوقف للانتفاع به في عمل شارعين
أو مقابل ما ضاع عليه من الكسب بسبب تصرف المجلس معه – إذا كان استند في قضائه بذلك
إلى أن الطاعن، كان بعد أن قرر المجلس – تنفيذاً لما ارتأته الوزارة – أن يكون التنازل
بلا شرط، قد سكت زمناً ولم يطالب بأي تعويض، بل هو بعد ذلك تنازل للمجلس عن أرض شارع
آخر بدون تعويض رغبة منه في تصقيع أرض الوقف، ثم إنه قبض ثمن النخيل الذي وافقت الوزارة
على دفعه له بكتابها الذي قالت فيه إن التنازل عن أرض الشارعين لا يكون معلقاً على
شرط، فإن كل هذا الذي استند إليه الحكم لا يخرج عن كونه قرائن أحوال لا تصلح قانوناً
لإثبات التنازل المذكور عن أرض الشارعين التي تزيد قيمتها على عشرة جنيهات، فضلاً عن
أن الحكم لم يتحدث عن كون الأرض أو بعضها وقفاً مما يستلزم إجراءات خاصة، فهو حكم متعين
نقضه.
الوقائع
تتلخص وقائع هذا الطعن في أن الطاعن أقام الدعوى رقم 1605 سنة 1932
كلي مصر عن نفسه وبصفته على المطعون ضده، وقال في صحيفتها إن لهذا الأخير قطعة أرض
(بركة واسعة أخذها من مصلحة الأملاك الأميرية لردمها وبيعها قطعاً لينتفع بثمنها)،
ولكي يصقعها ويرفع ثمنها رأى أن يوصلها للشارع العمومي فطلب مدير الجيزة في سنة 1927
من الطاعن الذي ناب عن إخوته أن يترك جزءاً من أرضهم ليجعل شارعاً يصل أرض البركة بشارع
المحطة العمومي وإنشاء شارع آخر على امتداده ليصل بميدان الجيزة، فقبل ذلك بشروط عينها
في كتاب أرسله إلى المدير وقرر فيه أنه مستعد لأن يسمح للمجلس بأن ينشئ الشارعين المبينين
على الرسم الذي عمل لذلك، أحدهما ضمن القطعة رقم 30 بحوض سيدي عبد الله أبي هريرة/
18 بعرض 10 أمتار من شارع المحطة بطول 125 متراً إلى البركة، والثاني ضمن القطعة 43
بحوض الأعجام/ 17 من شارع المحطة بطول 232 متراً إلى ملك ورثة النجار بالقطعة والحوض
المذكورين، على أن يدفع المجلس تعويضاً عن الزراعة والأشجار الموجودة بأرض الشارعين
المشار إليهما، وأن يترك له (أي للطاعن) الزوائد المبينة على الخريطة وأن يدخل الماء
والنور في هذين الشارعين ويرصفهما بالمكدام هما وشارعاً آخر ينفذ في البركة في مدة
لا تزيد على سنتين من تاريخ التوقيع على الاتفاق، وإلا يكون المجلس ملزماً بأن يدفع
جنيهاً مصرياً عن كل متر، وعلى أن هذا العرض يسري لغاية أول أكتوبر سنة 1927. وبكتاب
تاريخه 26 من سبتمبر سنة 1927 أجاب مدير الجيزة بأن المجلس قرر بجلسته المنعقدة في
28 من أغسطس سنة 1927 الموافقة على تنازل الطاعن للمجلس عن قطعتي الأرض المذكورتين،
ولما كانت الإجابة لم تتضمن قبول الشروط التي اشترطها الطاعن، لفت هذا المدير إليها
ثانياً، فأجاب المدير في 29 من سبتمبر سنة 1927 بأن المجلس وافق على تنازل الطاعن وإعطائه
زوائد التنظيم المتخلفة عن البركة حال استلام المجلس لها من مصلحة الأملاك وشروعه في
تقسيمها وبيعها، وأن المجلس سيعمل كذلك على تنفيذ طلب إدخال النور والمياه في أول فرصة
تسنح له. ولما كانت هذه الإجابة فيها شيء من المحاولة أرسل الطاعن كتاباً ثالثاً يفيد
سحب تنازله عن أرض الشارعين إذا لم يرد له قبول صريح بما طلب، فأرسلت إليه إجابة المجلس
بقبول التنازل مع رصف الشارعين ووضع النور فيهما في خلال ثلاث سنوات تمضي من تاريخ
استلام المجلس للشارعين. أما عن وضع مواسير المياه فقد قيل إن هذا من اختصاص مصلحة
مياه الجيزة التابعة لمصلحة التنظيم بمصر، وإن المجلس سيكتب إليها لإجراء ذلك. وأما
زوائد التنظيم فإن المجلس سيعطيها للطاعن. وطلب المجلس تحديد موعد لتسليم أرض الشارعين.
وفي 12 من نوفمبر سنة 1927 تم التسليم وقدر ثمن الأشجار وتعويض الزراعة وصرف ذلك بالفعل.
ولكن بعد ذلك توانى المجلس ولم ينفذ ما تم الاتفاق عليه بعد أن حصل على تصقيع أرضه،
وقام بعمل أحد الشوارع ظاهراً عن باقي الأرض المجاورة لارتفاعه نحو نصف متر، وغرس الأشجار
على جانبيه وأدخل فيه النور والمياه ولكنه لم يقم برصفه بالمكدام. أما باقي الشوارع
فلم ينشئها ولا أدخل فيها نوراً ولا ماء، وأهملها كل الإهمال بحيث لا يعرف لها وجود،
اللهم إلا في الخرائط والحدايد الموضوعة لإظهار التحديد. وقد شرع المجلس بعد ذلك في
نقض الاتفاق فغير موقع شارع البركة كما جاء في خرائط أخرى وامتنع عن تسليم الرخص لمشتري
قطع الأراضي المملوكة للطاعن ورخص لبعض الأشخاص بالبناء في نفس أرض الشارع المذكور.
وقد مضت مدة الثلاث السنوات دون أن يقوم المجلس بما تعهد به فلحقت الطاعن أضرار كبيرة
بسبب تعهداته لمن اشتروا منه اعتماداً على هذه الشوارع. وهذه الأضرار يقدرها بمبلغ
8000 جنيه طلب الحكم به مع ما يستجد من بدل انتفاع الأراضي التي استولى عليها المجلس
باعتبار خمسين جنيهاً شهرياً لغاية الوفاء والمصاريف مع حفظ سائر الحقوق. وبجلسة 15
من يناير سنة 1933 حكمت المحكمة بندب خبير لأداء المأمورية المبينة بأسباب ذلك الحكم
فباشر مأموريته وقدم تقريره. وبتاريخ 6 من مايو سنة 1937 حكمت المحكمة برفض الدعوى
وألزمت الطاعن بالمصاريف و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة.
استأنف الطاعن هذا الحكم أمام محكمة استئناف مصر، وبتاريخ 14 من ديسمبر سنة 1942 حكمت
المحكمة بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بتأييد الحكم القاضي برفض الدعوى فيما يختص
بالشارعين المذكورين كما قضت في 25 إبريل سنة 1943 في طلبات أخرى.
أعلن حكم 14 ديسمبر سنة 1942 إلى الطاعن في 10 من إبريل سنة 1943 فقرر الطعن فيه إلخ
إلخ.
المحكمة
وحيث إن ما ينعاه الطاعن على الحكم الصادر في 14 ديسمبر سنة 1942
أن المحكمة استندت في إثبات تنازل الطاعن عن أرض الشارعين موضوع الدعوى إلى مجلس محلي
الجيزة بغير مقابل وبلا قيد ولا شرط إلى قرائن حيث لا يصح الإثبات بالقرائن نظراً إلى
أن قيمة الحق المتنازع عليه تزيد على عشرة جنيهات، فضلاً عن أن الأرض وقف لا يمكن التنازل
عنها إلا بمقابل وباتباع إجراءات خاصة.
وحيث إن واقعة الدعوى كما بينها الحكم الابتدائي في أسبابه التي أخذ بها الحكم المطعون
فيه هي أنه في أغسطس سنة 1927 أرسل الشوربجي بك عن نفسه وبصفاته إلى مجلس محلي الجيزة
كتاباً يعرض عليه فيه استعداده للتنازل عن الشارعين في أرضه أحدهما بطول 125 متراً
بين المحطة والبركة والآخر بطول 232 متراً بين شارع المحطة وأرض ورثة النجار، واشترط
لهذا التنازل أن يأخذ ثمن النخيل المغروسة في الأرض وزوائد التنظيم المبينة على الخريطة
المرافقة لكتابه وأن يرصف المجلس الشارعين بالمكدام ويدخل فيهما المياه والنور في مدة
سنتين وإلا كان ملزماً بأن يدفع جنيهاً عن كل متر. وفي 26 سبتمبر سنة 1927 كتب المجلس
للشوربجي بك بقبول التنازل عن الشارعين مع شكره. وفي 27 سبتمبر سنة 1927 وأول أكتوبر
سنة 1927 كتب الشوربجي بك للمجلس بسحب عرضه إن لم يوافق المجلس على جميع شروطه. فقرر
المجلس في 20 من أكتوبر سنة 1927 قبول التنازل على أن يرصف الشارعين ويدخل فيهما النور
في مدة ثلاث سنوات، وأن يخطر التنظيم لمد أنابيب المياه وأن يسلم الطاعن زوائد التنظيم
المتخلفة أمام البركة مقابل استلام المجلس زوائد تنظيم أخرى، وأن يحدد الشوربجي بك
ميعاداً للتسليم ويستصدر موافقة من المحكمة الشرعية على ذلك نظراً إلى أن بعض الأرض
وقف، ووافق الشوربجي بك على ذلك في 7 نوفمبر سنة 1927 وحدد يوم 10 نوفمبر سنة 1927
لتسليم الشارعين. غير أن وزارة الداخلية لم توافق على هذا القرار وأنبأت المجلس بذلك
في خطاب وصله يوم 13 نوفمبر سنة 1927. وفي مايو سنة 1928 طلب الشوربجي بك استلام بعض
زوائد التنظيم وتقدير ثمن النخيل فقام مهندس المجلس بذلك وعرض مذكرة على المجلس في
26 مايو سنة 1928 فوافق المجلس عليها مستنداً إلى قرار 20 من أكتوبر سنة 1927. ولكن
وزارة الداخلية لم تقر المجلس على هذا أيضاً وكتبت للمجلس في 14 يوليو سنة 1928 بأنها
"ترى أن التنازل عن الشارعين ملك وقف الشوربجي لا يكون معلقاً على أي شرط بل يكون نظير
ما سيعود على ملك الوقف من التحسين"، ووافقت الوزارة في الوقت نفسه على دفع ثمن سبع
نخلات مغروسة بأرض الشارعين. فقرر المجلس بجلسة 22 سبتمبر سنة 1928 قبول تنازل الشوربجي
بك بدون قيد ولا شرط.
وحيث إن الحكم المطعون فيه استند في قضائه برفض دعوى الطاعن: أولاً – إلى أن الطاعن
قبل المفاوضة مع المجلس كان قد أجرى تقسيم أرضه على أساس إيجاد الشارعين، وأنه لا دليل
على أنه غير ذلك التقسيم بناءً على طلب المجلس أو أنه ناله ضرر بسبب ذلك التغيير. ثانياً
– أنه بعد أن قرر المجلس بجلسة 22 سبتمبر سنة 1928 تنفيذاً لما رأته الوزارة أن يكون
التنازل بلا قيد ولا شرط سكت عَلَى ذلك ولم يطالب بأي تعويض، بل إنه في 23 يونيه سنة
1929 تنازل للمجلس عن أرض شارع آخر بدون تعويض تحسيناً لأرض الوقف. وثالثاً – أنه قبض
ثمن النخلات السبع التي وافقت الوزارة على دفعه له بكتاب 14 يوليه سنة 1928 الذي قالت
فيه إن التنازل عن أرض الشارعين لا يكون معلقاً على أي شرط.
وحيث إن كل هذا لا يخرج عن كونه قرائن موضوعية لا تصلح قانوناً لإثبات التنازل عن أرضي
الشارعين، لأن قيمتهما تزيد على عشرة جنيهات، وفضلاً عن ذلك فإن الحكم لم يتحدث عن
كون الأرض أو بعضها وقفاً مما يستلزم إجراءات خاصة.
وحيث إنه لذلك يتعين نقض الحكم الصادر في 14 ديسمبر سنة 1942 فيما قضى به من تأييد
الحكم الابتدائي بغير حاجة إلى بحث أوجه الطعن الأخرى.
وحيث إنه فيما يتعلق بالطعن على الحكم الصادر في 25 من إبريل سنة 1943 فإن الطاعن قد
قرر ترك المرافعة فيه، ولم يعارض المطعون ضده في هذا الترك، ووافقت النيابة عليه فيتعين
الحكم بإثباته.
