الطعن رقم 2612 لسنة 30 ق – جلسة 13 /03 /1961
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائى
العدد الأول – السنة 12 – صـ 330
جلسة 13 من مارس سنة 1961
برياسة السيد محمود ابراهيم اسماعيل نائب رئيس المحكمة، وبحضور السادة: محمد عطية اسماعيل، وعادل يونس، وعبد الحسيب عدى، وحسن خالد المستشارين.
الطعن رقم 2612 لسنة 30 القضائية
(أ) موانع العقاب. الضرورة.
ماهيتها. متى لا تتوافر. ليس للإنسان أن يرتكب أمرا محرما ثم يقارف جريمة فى سبيل النجاة
مما أحدثه بيده.
(ب) تفتيش.
الدفع ببطلانه. لا يقبل ممن يقع التفتيش عليه أو على مسكنه.
(جـ) ارتباط.
المادة 32 عقوبات. مثال. عرض رشوة وإخفاء مسروقات.
1 – حالة الضرورة التى تسقط المسئولية هى التى تحيط بشخص وتدفعه إلى الجريمة ضرورة
وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره، ولم يكن لإرادته
دخل فى حلوله. ومن المسلم أنه ليس للإنسان أن يرتكب أمرا محرما ثم يقارف جريمة فى سبيل
النجاة مما أحدثه بيده – ولما كان الثابت من الحكم أن الطاعن إنما قدم الرشوة ليتخلص
من جريمة الإخفاء التى ارتكبها فإن الدفاع الذى يستند إليه الطاعن من أنه كان فى حالة
ضرورة ألجأته إلى دفع الرشوة تخلصا من خطر القبض عليه هو دفاع قانونى ظاهر البطلان
لا يستأهل ردا.
2 – من المقرر أنه لا يقبل الدفع ببطلان التفتيش ممن لم يقع التفتيش عليه أو على سكنه.
3 – لما كان ما أورده الحكم المطعون فيه من بيان الواقعة يتحقق فيه معنى الارتباط الوارد
فى الفقرة الثانية من المادة 32 من قانون العقوبات لأن الجريمتين وقعتا لغرض واحد وكانتا
مرتبطتين مع بعضهما ارتباطا لا يقبل التجزئة مما يقتضى وجوب اعتبارهما جريمة واحدة
والحكم بالعقوبة المقررة لأشدهما – لما كان ذلك وكان الحكم قد قضى بعقوبة مستقلة عن
كل تهمة من التهمتين المسندتين للطاعن فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخرين بأنهم: المتهم الأول (الطاعن) عرض رشوة على مستخدم عمومى ليخل ببعض واجبات وظيفته بأن قدم مبلغ خمسين جنيها على سبيل الرشوة للبوليس الملكى… من قوة المباحث الجنائية لكى يسمح له بفتح محل المتهم الثانى وتهريب ما بداخله من مسروقات قبل ضبطها ولكن المستخدم له يقبل الرشوة منه. والمتهم الثانى: أخفى الرصاص المسروق المبين بالمحضر والمملوك لمصلحة التليفونات والمتحصل من جناية سرقة مع علمه بالسرقة وظروفها والمتهمون جميعا: أخفوا الأسلاك التليفونية المسروقة المبينة بالمحضر والمملوكة لمصلحة التليفونات والمتحصلة من جناية سرقة مع علمهم بالسرقة وظروفها. وطلبت من غرفة الإتهام إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم بالمواد 316 مكررا فقرة ثانية و 44 مكررا و 104 و 109 مكرر و 110 و 111 من قانون العقوبات. فقررت الغرفة ذلك. ومحكمة الجنايات قضت حضوريا عملا بالمواد 109/ 1 و 110 و 316 مكررا فقرة ثانية و 44 و 17 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم الأول والمواد 316 مكررا ثانية و 44/ 2 و 17 من نفس القانون للمتهم الثانى والمواد 316 مكررا فقرة ثانية و 44/ 2 مكررا و 17 من القانون المذكور للمتهم الثالث أولا بمعاقبة المتهم الأول بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وبتغريمه مبلغ خمسمائة جنيه وبمصادرة المبلغ المضبوط وذلك عن التهمة الأولى (الرشوة) وبمعاقبته بالحبس مع الشغل سنة واحدة عن التهمة الثانية المسندة إليه (الإخفاء) وثانيا: بمعاقبة كل من المتهمين الثانى والثالث بالحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة عن تهمة إخفاء الأسلاك المسندة إليهما. وثانيا ببراءة المتهم الثانى من تهمة إخفاء الرصاص المسندة إليه. وثالثا: ببراءة المتهم الرابع من التهمة المسندة إليه. فطعن المتهم الأول فى هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… حيث إن مبنى الطعن هو القصور فى التسبيب والخطأ فى تطبيق القانون
وفى بيان ذلك يقول الطاعن إنه تقدم إلى المحكمة أثناء المرافعة بأن تهمة عرض الرشوة
كان الدافع إليها حالة ضرورة ألجأته إلى ذلك للخلاص من خطر القبض عليه ولم ترد المحكمة
على ذلك كما أنه ثبت من الدعوى أن المتهم لم يتصل بالمال المسروق اتصالا ماديا، فالذى
تسلمه فى محله هو عامله المتهم الثالث فى غياب الطاعن وبغير علمه أو أمره ولم يتدخل
الطاعن إلا بعد أن دخلت الأشياء فى حيازة المتهم الثانى وبذلك ينعدم الركن المادى فى
جريمة الإخفاء. وما قاله الحكم من أن الأشياء وضعت ابتداء بمتجر الطاعن ونقلت بتعليماته
وأن المتهم الرابع لم يكن هو محضر الأشياء إلى محل الطاعن يعارضه ما قاله الحكم عند
تحدثه عن المتهم الثالث الذى دانه بالسرقة تأسيسا على أنه تسلم الأشياء المسروقة من
المتهم الرابع وفى ذلك دلالة على أن الطاعن لم يتصل بالمسروقات. وقد تمسك الدفاع عن
المتهم الثانى ببطلان التفتيش تأسيسا على عدم صدور إذن سابق من النيابة بالتفتيش ولكن
الحكم يأخذ بهذا الدفع بحجة أن المتهم الثانى اعترف فى التحقيق بضبط الأشياء فى محله
الذى جرى تفتيشه والطاعن يستفيد من هذا الدفع مادام صاحبه متمسكا به لأن الاعتراف الذى
يصح الاستدلال به هو الاعتراف بالجريمة وليس الاعتراف بمجرد الحيازة.
وحيث إن النيابة العامة اتهمت الطاعن بأنه عرض الرشوة على مستخدم عمومى ليخل ببعض واجبات
وظيفته بأن قدم له مبلغ خمسين جنيها لكى يسمح له بفتح محل المتهم الثانى وتهريب ما
بداخله من أموال مسروقة قبل ضبطها ولكن المستخدم لم يقبل الرشوة، كما اتهمته أيضا بجريمة
إخفاء المال المسروق مع علمه بسرقته وقد حصل واقعة الدعوى بقوله "إن إدارة المباحث
الجنائية فى بور سعيد أبلغت بسرقة 115 مترا من الكوابل الأرضية الخاصة بالجيش والتى
تستعمل بداخل معسكر الجولف، وأخذ رجال إدارة المباحث فى البحث والتحرى عن المسروقات
إلى أن علموا بتحرياتهم السرية أن الكوابل مخفاة بمحل المتهم الثانى فوضعوا المحل تحت
ملاحظة البوليس السرى محمود محمدين أحمد الذى وجد المحل مغلقا حوالى الساعة الثالثة
من مساء يوم 25/ 12/ 1957 حضر إلى المحل المتهم الأول وحاول إبعاده عن المحل وفى هذه
الأثناء حضر المتهم الثانى وهو صاحب المحل وحاول فتحه فمنعه من ذلك، وعندئذ أخذ المتهم
الأول فى مساومة البوليس السرى حتى يتركه والمتهم الثانى يفتحان المحل ويتمكنا من إخراج
أجولة بها أشياء مسروقة وعرض عليه الأول ثلاثين جنيها فرفض وانصرف المتهم الثانى وتبعه
المتهم الأول، وبعد لك حضر السيدان مفتش المباحث ومعاونه فأبلغهما بالأمر فكلفاه بالتظاهر
بقبول ما عرضه عليهم المتهم الأول وبعد انصرافهما عاد المتهم الأول وتابع مساومته بأن
رفع المبلغ إلى خمسين جنيها كى يسمح له بفتح المحل ويتمكن من إبعاد الأجولة السالف
ذكرها قبل حضور رجال المباحث فتظاهر البوليس السرى بالقبول وستلم من المتهم الأول ورقة
من فئة الخمسين جنيها وفى هذه الأثناء حضر المتهم الثانى وفتح المحل وعندئذ دخل رجال
إدارة المباحث الذين كانوا يراقبون الموقف عن كثب وضبطوا أربعة أجولة تحوى أسلاكا من
النحاس بعضها مملوك لمصلحة التليفونات وجوال خامس به رصاص منصهر قيل بأنه مملوك لمصلحة
التليفونات، وإذ سئل المتهم الأول بالتحقيقات قرر أن المتهم الرابع أحضر هذه الأجولة
إلى محله فى غيبته حيث تسلمها عامله المتهم الثالث ونقلها إلى محل المتهم الثانى وعلم
منه أنه عرض على البوليس السرى ثلاثين جنيها لتهريب النحاس المسروق فرفض فتوسط هو بينه
وبين البوليس السرى وعرض عليه مبلغ خمسين جنيها أنقدها إياه مقابل التصريح له بفتح
المحل وإبعاد الأجولة التى تحوى النحاس المسروق عن المحل وأضاف أنه استلم المبلغ من
المتهم الثانى والذى نفى صلته بالرشوة واعترف بضبط الأجولة بمحله مقررا بأن المتهم
الثالث أحضرها إليه وأيده فى ذلك المتهم الثالث ونفى المتهم الرابع صلته بالأجولة".
وأورد الحكم على ثبوت هذه الوقائع أدلة سائغة.
وحيث إنه كان لا يبين من الإطلاع على محضر الجلسة أن الطاعن أثار أنه كان فى حالة ضرورة
ألجأته إلى دفع الرشوة تخلصا من خطر القبض عليه، وبفرض أنه أورد هذا الدفاع فى المذكرة
التى قدمت للمحكمة إلا أنه لا يعيب الحكم المطعون فيه إغفال الإشارة إلى هذا الدفاع
وعدم الرد عليه ردا صريحا مادام الثابت فى بيان واقعة الدعوى أن الطاعن هو الذى عرض
الرشوة على الشرطى لكى يسمح بفتح المحل، وجاء فى الحكم أيضا "إن الثابت من شهادة الشاهد
الأول أن المتهم الأول هو الذى أخذ وحده فى مساومته إلى أن وصل المبلغ إلى خمسين جنيها
وأنه هو الذى سدده هذا المبلغ كى يفتح المحل ويسمح بتهريب أجولة تحوى أشياء مسروقة".
ولما كانت حالة الضرورة التى تسقط المسئولية هى التى تحيط بشخص وتدفعه إلى الجريمة
ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن
لإرادته دخل فى حلوله، ومن المسلم أنه ليس للإنسان أن يرتكب أمرا محرما ثم يقارف جريمة
فى سبيل النجاة مما أحدثه بيده، وكان الثابت من الحكم أن الطاعن إنما قدم الرشوة ليتخلص
من جريمة الإخفاء التى ارتكبها. لما كان ذلك، فإن هذا الدفاع الذى يقول الطاعن إنه
ضمنه مذكرته هو دفاع قانونى ظاهر البطلان ولا يستأهل ردا. لما كان ذلك، وكان الحكم
المطعون فيه قد دلل على توافر الركن المادى فى جريمة الإخفاء بالنسبة للطاعن بقوله
"وبما أنه لا جدال أن الأسلاك النحاسية المضبوطة كانت موجودة ابتداء بمحل المتهم الأول
ونقلت إلى محل المتهم الثانى لبيعها حسبما يقرر المتهم الأول نفسه، والمتهم الثالث
وهو عامله الذى أبلغه بذلك كما أبلغه بنقل الأسلاك إلى محل المتهم الثانى لبيعها كتعليماته
فى هذا الصدد، وهذا من شأنه اتصال المتهم الأول بهذه الأسلاك اتصالا إيجابيا مع علمه
بأنها متحصلة من جريمة سرقة كما سلف. وقد وضعت الأسلاك ابتداء بمتجره مع علمه بذلك
وتتبعه إياها ومحاولته تهريبا ودفع مبلغ كرشوة لم يقبل منه. كل هذا يقطع بصلته بحيازته
للأسلاك المسروقة من مصلحة التليفونات وبعلمه بذلك". وما قاله الحكم من ذلك هو تدليل
سائغ على حيازة الطاعن للمال المسروق حيازة مادية وإخفائه له فى متجره مع علمه بأمره
مما يتوافر معه الركنان المادى والمعنوى لجريمة إخفاء المسروقات مع العلم بسرقتها التى
دانته المحكمة بها ابتداء. لما كان ذلك، وكان ما ذكره الحكم بشأن المتهم الرابع أنه
لم يكن هو محضر الأشياء المسروقة إنما ساقه الحكم تفنيدا لقول المتهم الثالث بأن المتهم
الرابع المذكور – والذى برأته المحكمة – هو الذى أحضر تلك الأشياء وما قاله الحكم لا
يؤثر فى سلامة استدلاله على ثبوت التهمة قبل الطعن للأدلة السائغة التى أوردها.
وحيث إن ما ذكره الطاعن بشأن الدفع ببطلان التفتيش مردود قانونا لأنه من المقرر أن
لا يقبل الدفع ببطلان التفتيش ممن لم يقع التفتيش عليه أو على سكنه والثابت فى هذه
القضية أن التفتيش جرى فى محل متهم آخر غير الطاعن فلا يقبل منه هذا الدفع، ولهذا فإن
أوجه الطعن لا تستند إلى أساس ويتعين رفضها.
وحيث إن الدفاع عن الطاعن أثار بالجلسة أن المحكمة أغفلت تطبيق أحكام المادة 32 من
قانون العقوبات وهذا الدفع سديد فى القانون ذلك أن ما أورده الحكم المطعون فيه من بيان
الواقعة يتحقق فيه معنى الارتباط الوارد فى الفقرة الثانية من المادة المذكورة لأن
الجريمتين وقعتا لغرض واحد وكانتا مرتبطتين مع بعضهما ارتباطا لا يقبل التجزئة مما
يقتضى وجوب اعتبارهما جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشدهما لما كان ذلك، وكان
الحكم قد قضى بعقوبة مستقلة عن كل تهمة من التهمتين المسندتين إلى الطاعن، فإنه يكون
قد أخطأ فى تطبيق القانون ويتعين لذلك نقضه نقضا جزئيا وتصحيحه استنادا إلى المادة
35 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض مادام
ثابتا من مدوناته أنه مبنى على مخالفة القانون.
