الطعن رقم 111 لسنة 35 ق – جلسة 26 /06 /1969
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 1075
جلسة 26 من يونيه سنة 1969
برياسة السيد المستشار/ محمود توفيق إسماعيل نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد حافظ هريدي، والسيد عبد المنعم الصراف، وسليم راشد أبو زيد، وعلي عبد الرحمن.
الطعن رقم 111 لسنة 35 القضائية
( أ ) مسئولية. "مسئولية عقدية". "مسئولية الطبيب". التزام. "التزام
بعناية".
مسئولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه. ماهيتها. مسئولية عقدية. التزام
الطبيب. التزام بعناية.
(ب) إثبات. "عبء الإثبات". التزام. مسئولية.
اعتبار التزام الطبيب التزاماً يبذل عناية. مقتضاه. عبء إثبات عدم بذل العناية الواجبة
يقع على المريض. إثبات المريض واقعة ترجح إهمال الطبيب. انتقال عبء الإثبات إلى الطبيب.
1 – مسئولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه هي مسئولية عقدية. والطبيب
وإن كان لا يلتزم بمقتضى العقد الذي ينعقد بينه وبين مريضه بشفائه أو بنجاح العملية
التي يجريها له، لأن التزام الطبيب ليس التزاماً بتحقيق نتيجة وإنما هو التزام ببذل
عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهوداً صادقة يقظة تنفق –
في غير الظروف الاستثنائية – مع الأصول المستقرة في علم الطب، فيسأل الطبيب عن كل تقصير
في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في نفس الظروف الخارجية التي
أحاطت بالطبيب المسئول. وجراح التجميل وإن كان كغيره من الأطيان لا يضمن نجاح العملية
التي يجريها إلا أن العناية المطلوبة منه أكثر في أحوال الجراحة الأخرى اعتباراً بأن
جراحة التجميل لا يقصد منها شفاء المريض من علة في جسمه وإنما إصلاح تشويه لا يعرض
حياته لأي خطر.
2 – لئن كان مقتضى اعتبار التزام الطبيب التزاماً ببذل عناية خاصة، أن المريض إذا أنكر
على الطبيب بذل العناية الواجبة، فإن عبء إثبات ذلك يقع على المريض، إلا أنه إذا أثبت
هذا المريض واقعة ترجح إهمال الطبيب كما إذا أثبت أن التوقيع الذي أجراه له جراح التجميل
في موضع الجرح والذي نتج عنه تشويه ظاهر بجسمه لم يكن يقتضيه السير العادي لعملية التجميل
وفقاً للأصول الطبية المستقرة، فإن المريض يكون بذلك قد أقام قرينة قضائية على عدم
تنفيذ الطبيب لالتزامه فينتقل عبء الإثبات بمقتضاها إلى الطبيب ويتعين عليه لكي يدرأ
المسئولية عن نفسه أن يثبت قيام حالة الضرورة التي اقتضت إجراء التوقيع والتي من شأنها
أن تنفي عنه وصف الإهمال.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن الطاعنة
أقامت على المطعون ضده الدعوى رقم 5 سنة 1963 كلي القاهرة تطلب الحكم بإلزامه بأن يدفع
لها مبلغ عشرة آلاف جنيه على سبيل التعويض. وقالت في بيان دعواها إنها قصدت إلى عيادة
الطبيب المطعون ضده وعرضت عليه حالة ترهل بجلد ذراعيها فأكد لها إمكان إزالته بإجراء
عملية جراحية في مكان غير ظاهر من الذراعين بحيث لا تترك أثراً، وبعد أن تم الاتفاق
بينهما أجريت العملية فعلاً في 9/ 6/ 1962 بمستشفى العجوزة، إلا أنها أتت بنتيجة عكسية
وأسفرت عن تشويه الذراعين بسبب خطأ المطعون ضده الممثل في إجرائه العملية رغم عدم تأكده
من نتيجتها وفي عدم مراعاته أصول جراحة التجميل، ولهذا فقد رفعت الدعوى بطلب تعويضها
عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقتها بسبب هذا الخطأ وقدرت التعويض بالمبلغ المطالب،
به دفع المطعون ضده الدعوى بأنه اتبع الأصول الفنية الصحيحة في إجراء العملية وعلل
اتساع الجرح في الذراع الأيمن واضطراره إلى توقيعه بدلاً من قفل حافتيه كالمعتاد بأنه
اكتشف لدى إجراء العملية وجود ورم في هذا الذراع اشتبه في أن يكون ورماً خبيثاً فقام
باستئصاله استئصالاً كاملاً. وفي 24/ 3/ 1963 حكمت المحكمة بندب الدكتور جمال البحيري
أستاذ الجراحة وأخصائي التجميل بكلية طب جامعة القاهرة للاطلاع على ملف الدعوى وتوقيع
الكشف الطبي على الطاعنة وبيان حالة ذراعيها وما عسى أن يكون بهما من مرض سابق على
تاريخ العملية الجراحية التي أجراها المطعون ضده وحالتهما بعد إجرائها، ومعرفة ما إذا
كان المطعون ضده قد أخطأ في إجراء العملية المذكورة أو لا وما هو خطؤه، ثم بيان ما
إذا كان المطعون ضده قد راعى عند إجراء العملية الفنية وأصول المهنة واتفاق الطرفين
أم لا، ومدى ما قام به من علاج في هذا الخصوص وتقدير مداه، فباشر الخبير هذه المأمورية
وقدم تقريراً أثبت فيه أن الطاعنة كان عندها ترهل شحمي بالذراعين وأن المطعون ضده أجرى
لها عملية تجميل راعى فيها القواعد الفنية الصحيحة وأصول المهنة ولم يخطئ فيها وأنه
وجد تورماً اشتبه في نوعه وشك في كونه سرطانياً فأجرى ما يجب إجراؤه في مثل هذه الحالات
من استئصال الورم استئصالاً كاملاً مع ما حوله من الأنسجة السليمة مما استدعى عمل رقعة
جلدية لقفل الجرح. وفي 21/ 12/ 1963 قضت المحكمة برفض الدعوى استناداً إلى ما ورد بتقرير
هذا الخبير وإلى أن الطاعنة لم تقدم تقريراً استشارياً يناقضه. فاستأنفت الطاعنة هذا
القضاء لدى محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 235 سنة 81 ق طالبة إلغاءه والحكم
لها بالتعويض المطالب به، وقدمت تقريراً استشارياً من الدكتور يحيى شريف عدد فيه الأخطار
الفنية التي وقعت من المطعون ضده وانتهى إلى أن العملية لم تجر وفق الأصول الفنية الصحيحة
وأنه تخلف لدى الطاعنة تشويه جسيم بالذراعين يؤثر في جمال أنوثتها وهنائها ونفسيتها
بنسبة 15%. وفي 20/ 6/ 1964 قضت تلك المحكمة بندب الدكتور عبد الله علي أستاذ الجراحة
السابق لأداء المأمورية التي سبق تكليف الخبير الأول بها والإجابة على الأسئلة الواردة
في منطوق حكمها، فقدم تقريراً انتهى فيه إلى أنه لا يمكن أن يسند أي عيب للمطعون ضده
في إجراء عملية التجميل التي أجراها للطاعنة وأن ما حصل من بروز واتساع في أثر لالتئام
في الذراعين إنما يرجع إلى طبيعة جلد الطاعنة "الكلويدي" وهو أمر لا يمكن للطبيب التنبؤ
به قبل إجراء العملية وأن استئصال الورم هو الذي حتم عمل الترقيع بالذراع الأيمن لتغطية
الجزء الذي نزع منه الجلد، فعادت الطاعنة وقدمت رداً على هذا التقرير تقريرين استشاريين
أحدهما من الدكتور يحيى شريف أصر فيه على رأيه السابق بعد أن فند الحجج التي استند
إليها الدكتور عبد الله علي في نفي الخطأ عن المطعون ضده، والتقرير الآخر من الدكتور
محمد توفيق أوضح به أن إثرتي الالتحام المشاهدتين بالطاعنة حدثتا نتيجة شقين جراحيين
لعملية تجميل بالعضدين من ترهل بهما، وهما بحالتهما الحاضرة لا تتفقان مع شروط عملية
التجميل التي يشترط فيها أن تخفي عيوب الجسم لا أن تحدث به تشوهات، وأن هاتين الإثرتين
عملتا في وضع غير مناسب تماماً لمثل هذه العملية وليس لطبيعة جلد الطاعنة دخل في حصول
هذه الحالة وأن التعلل بوجود ورم سرطاني أدى إلى إزالة جزء من الجلد لا يوجد ما يبرره
ما لم يثبت وجود مثل هذا الورم من الطبيب المحلل. وفي 26/ 12/ 1964 حكمت محكمة الاستئناف
بتأييد الحكم المستأنف فطعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 22/ 2/ 1965
وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن وبالجلسة المحددة لنظره تمسكت النيابة
بهذا الرأي.
وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والخطأ في تطبيق
القانون، وفي بيان ذلك تقول إنها أثبتت أمام محكمة الموضوع أن الرقعة الجلدية التي
وضعها المطعون ضده بذراعها الأيمن والتي نتج عنها تشويه ظاهر بجسمها لم تكن تستلزمها
عملية التجميل التي اتفقت معه على أن يجريها لها، وأنه لذلك يكون الخطأ ثابتاً في جانبه،
وقد برر المطعون ضده عمل هذه الرقعة بأنه فوجئ أثناء إجرائه للعملية بوجود ورم بهذا
الذراع اشتبه في أن يكون سرطانياً فاضطر لتوسيع الجرح حتى يتمكن من استئصال هذا الورم
وكان لا بد بعد ذلك من عمل الترقيع، ومؤدى هذا الدفاع أنه كان في حالة ضرورة من شأنها
أن تدرأ عنه المسئولية فيما أجراه من توسيع في الجرح ومن ترقيع له وإذ كانت الطاعنة
قد أنكرت وجود الورم الذي ادعى المطعون ضده أنه وجده بذراعها واستأصله، وذكرت أنه يستحيل
طبقاً للأصول العلمية الثابتة في المجال الطبي وجود ورم يمكن أن يشتبه فيه في الوضع
الذي أجريت فيه العملية، واستندت في ذلك إلى مراجع علمية وإلى رأي الدكتور يحيى شريف
الذي قدمت تقريراً استشارياً منه، فإنه كان يجب على محكمة الموضوع أن تطلب من المطعون
ضده إثبات حالة الضرورة التي يستند إليها في تبرير النتيجة السيئة التي انتهت إليها
العملية أي إثبات وجود الورم، ولكن المحكمة لم تفعل واكتفت في الرد على دفاع الطاعنة
في هذا الخصوص بقولها في حكمها المطعون فيه، إنه يكفي أن يشتبه المطعون ضده في نوع
الورم حتى يكون من واجبه أن يستأصله هو وما حوله من الأنسجة، وهذا الرد لا يواجه دفاع
الطاعنة المتضمن إنكارها وجود ورم من أي نوع إذ أنه مع التسليم بصحة ما قرره المطعون
ضده وسايره فيه الحكم المطعون فيه من أن الشك في أمر الورم يبيح له ما فعل، فإنه لا
بد من ثبوت وجود الورم أياً كان نوعه ووصفه، وعبء هذا الإثبات يقع على عاتق المطعون
ضده. وإذ كان لم يقدم دليلاً على وجود الورم ولم يثبته في أوراق المستشفى التي أجريت
فيها العملية ولا يقدم نتيجة تحليل عينة الورم الذي ادعى أنه أجراه في معامل مستشفى
القصر العيني، كما أن الطبيبين اللذين استند الحكم المطعون فيه إلى تقريريهما في نفي
الخطأ عن المطعون ضده ذكرا أنه لا يمكنهما الجزم بوجود الورم، وأقاما رأيهما بنفي الخطأ
على أساس التسليم بصحة قول المطعون ضده بوجود هذا الورم فإن الحكم المطعون فيه إذ لم
يتحقق من وجود الورم، ولم يقم الدليل على ذلك يكون قاصر البيان، كما أن ما قرره من
أن ما حدث بذراعي الطاعنة من آثار الالتئام بسبب طبيعة جلدها هو الذي استدعى عمل الرقعة
الجلدية لقفل الجرح يدل على أن المحكمة لم تدرك وقائع الدعوى ولم تفهم ما ورد في تقريري
الخبيرين المعينين فيها على وجهه الصحيح، فقد ظنت أن عمل الرقعة الجلدية يرجع إلى طبيعة
جلد الطاعنة التي قال عنها الدكتور عبد الله علي إنها "كلويدية" أي أن لديها استعداداً
طبيعياً للتليف والبروز في مكان التئام الجروح مع أنه لا علاقة لطبيعة الجلد بواقعة
الترقيع فلا المطعون ضده ولا الدكتور عبد الله علي قد ادعى أن طبيعة جلد الطاعنة هي
التي استدعت عمل الرقعة الجلدية، بل هما استندا إلى هذا الأمر في تبرير وجود البروز
في مكان التئام الجروح لا في تبرير عمل الرقعة الجلدية، وبذلك تكون محكمة الاستئناف
قد أقامت قضاءها بنفي مسئولية المطعون ضده عن إجراء التوقيع الذي أحدث تشويهاً ظاهراً
بجسم الطاعنة على فهم خاطئ لعناصر الدعوى ومخالف لما ورد في تقريري الخبيرين اللذين
أخذت بهما المحكمة. وتضيف الطاعنة في السبب الأخير من أسباب الطعن ما مفاده أن مسئولية
الطبيب الجراح هي مسئولية تعاقدية وأن هذه المسئولية تختلف باختلاف مستوى الطبيب العادي
فمسئولية الطبيب الأخصائي أشد من مسئولية الطبيب العادي، وأن التزام الطبيب في جراحة
التجميل هو التزام بنتيجة فإذا لم تؤد العملية إلى تجميل بل أدت إلى تشويه فإن الطبيب
يكون قد أخل بالتزامه التعاقدي وحقت عليه المسئولية. وتنتهي الطاعنة إلى أن الحكم المطعون
فيه إذ لم يطبق هذه القواعد القانونية يكون مخالفاً للقانون علاوة على ما شابه من قصور
على النحو السالف بيانه.
وحيث إن مسئولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه هي مسئولية عقدية. والطبيب
وإن كان لا يلتزم بمقتضى العقد الذي ينعقد بينه وبين مريضه بشفائه أو بنجاح العملية
التي يجريها له، لأن التزام الطبيب ليس التزاماً بتحقيق نتيجة وإنما هو التزام ببذل
عناية، إلا أن العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهوداً صادقة يقظة تنفق –
في غير الظروف الاستثنائية – مع الأصول المستقرة في علم الطب، فيسأل الطبيب عن كل تقصير
في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في نفس الظروف الخارجية التي
أحاطت بالطبيب المسئول، وجراح التجميل وإن كان كغيره من الأطيان لا يضمن نجاح العملية
التي يجريها، إلا أن العناية المطلوبة منه أكثر منها في أحوال الجراحة الأخرى، اعتباراً
بأن جراحة التجميل لا يقصد منها شفاء المريض من علة في جسمه وإنما إصلاح تشويه لا يعرض
حياته لأي خطر، ولئن كان مقتضى اعتبار التزام الطبيب التزاماً يبذل عناية خاصة، أن
المريض إذ أنكر على الطبيب بذل العناية الواجبة فإن عبء إثبات ذلك يقع على المريض،
إلا أنه إذا أثبت هذا المريض واقعة ترجح إهمال الطبيب كما إذا أثبت أن الترقيع الذي
أجراه له جراح التجميل في موضع الجرح والذي نتج عنه تشويه ظاهر بجسمه لم يكن يقتضيه
السير العادي لعملية التجميل وفقاً للأصول الطبية المستقرة، فإن المريض يكون بذلك قد
أقام قرينة قضائية على عدم تنفيذ الطبيب لالتزامه، فينتقل عبء الإثبات بمقتضاها إلى
الطبيب، ويتعين عليه لكي يدرأ المسئولية عن نفسه أن يثبت قيام حالة الضرورة التي اقتضت
إجراء الترقيع والتي من شأنها أن تنفي عنه وصف الإهمال، لما كان ذلك وكان الثابت أن
الطاعنة تمسكت أمام محكمة الموضوع بدرجتيها أن المطعون ضده أخطأ خطأً جسيماً لوضعه
رقعة جلدية بذراعها الأيمن نتج عنها تشويه ظاهر بهذا الذراع، ودللت على هذا الخطأ بأن
عملية التجميل التي اتفقت مع المطعون ضده على أن يجريها لها لم تكن تستلزم عمل هذه
الرقعة، ولم ينازع المطعون ضده والخبيران اللذان أخذ الحكم المطعون فيه بتقريريهما
في أن عملية التجميل المتفق عليها لم تكن تستلزم بحسب سيرها الطبيعي عمل الرقعة الجلدية،
وإنما برر المطعون ضده إجراء الترقيع بأنه فوجئ بعد شق جلد الذراع الأيمن بوجود ورم
اشتبه في أن يكون خبيثاً فاضطر لتوسيع الجرح ليتمكن من استئصال هذا الورم، وكان لا
بد بعد ذلك من عمل الرقعة لتغطية الجزء الذي نزع منه الجلد، وكانت الطاعنة قد أنكرت
وجود الورم الذي ادعى المطعون ضده أنه استأصله وطالبته بتقديم الدليل على وجوده، وقد
رد الحكم المطعون فيه على دفاع الطاعنة في هذا الخصوص بقوله "إن هذا الذي تقوله المستأنفة
(الطاعنة) لا يفيدها بشيء فقد اتفق خبيرا الدعوى – وهما الدكتور جمال البحيري والدكتور
عبد الله علي – على أنه إذا اشتبه الطبيب الجراح في نوع الورم فيجب عليه استئصاله استئصالاً
كاملاً على أوسع نطاق سواء ظهر بعد ذلك أن الأورام كانت خبيثة أو حميدة وعلى هذا الأساس
فإنه يكفي أن يشتبه المستأنف عليه في نوع الورم بذراعي المستأنف حتى يكون من واجبه
أن يستأصل هذا الورم وما حوله من أنسجة سليمة، وهذا ما فعله المستأنف عليه وأقره عليه
خبيرا الدعوى… وحيث إنه استبان ما تقدم ومن تقريري خبيري الدعوى أن المستأنف عليه
لم يرتكب خطأ في عملية التحميل التي أجراها للمستأنفة وأنه راعى في إجرائها القواعد
الفنية الصحيحة وأصول المهنة، فإن ما حدث بذراعي المستأنفة من آثار الالتئام كان بسبب
طبيعة الجلد مما استدعى عمل رقعة جلدية لقفل الجرح وهذا لا يمكن للطبيب معرفته قبل
إجراء العملية". وهذا الذي قرره الحكم المطعون فيه وأقام عليه قضاءه بنفي الخطأ عن
المطعون ضده بالنسبة لعمل الرقعة بالذراع الأيمن للطاعنة، ينطوي على قصور في التسبيب
والخطأ في الإسناد ومخالفة للثابت في الأوراق، ذلك بأنه وقد قام دفاع الطاعنة على أنه
لم يكن بذراعها الأيمن أي ورم وطالبت المطعون ضده بتقديم الدليل على ما ادعاه من وجود
هذا الورم، فإن ما قاله الحكم من أنه يكفي أن يشتبه المطعون ضده في نوع الورم في ذراع
الطاعنة حتى يكون من واجبه أن يستأصله هو وما حوله من أنسجة، لا يواجه دفاع الطاعنة
في هذا الخصوص بما يقتضيه، لأنه يجب لاستقامة قول الحكم أن يثبت أولاً وجود ورم من
أي نوع حتى يصح أن يقوم الاشتباه في أمره، وإذ خلا الحكم من إيراد الدليل على ذلك وكان
ما أسنده إلى تقريري الخبيرين الدكتور جمال البحيري والدكتور عبد الله علي من أن طبيعة
جلد الطاعنة هي التي استدعت عمل الرقعة الجلدية، لا أصل له في هذين التقريرين ولا في
أوراق الدعوى الأخرى، ذلك أنه لا أحداً من الخبيرين ولا المطعون ضده نفسه ذكر أن طبيعة
جلد الطاعنة كان لها دخل في عمل الرقعة، وإنما استند المطعون ضده والدكتور عبد الله
علي إلى هذا الأمر في تبرير حصول البروز والاتساع في أثر الالتئام بالذراعين لا في
تبرير عمل الرقعة أما هذه الرقعة فقد ذكر المطعون ضده والخبيران في تبريرها أن استئصال
الورم استلزم توسيع الجرح بالذراع الأيمن وأن اتساع الجرح هو الذي اقتضى عمل الترقيع
لتغطية الجزء الكبير الذي نزع منه الجلد حتى يلتئم الجرح. ولما كان ذلك وكان تقريرا
الخبيرين اللذين اعتمد عليهما الحكم المطعون فيه في نفي الخطأ عن المطعون ضده لا ينفي
بهما خطؤه عن عمل الرقعة الجلدية بالذراع الأيمن للطاعنة إلا إذا ثبت وجوده، الورم
الذي ادعى وجوده، وكان الدكتور البحيري وإن ضمن تقريره أنه لا يمكن الجزم بصحة أو عدم
صحة ادعاء المطعون ضده بوجود الورم، وأنه لو كان المطعون ضده قد قدم التقرير الخاص
بنتيجة تحليل الورم لكان في ذلك الدليل القاطع على صحة قوله، لكنه لم يقدم هذا التقرير
إلا أن الدكتور البحيري مع ذلك قد نفى عن المطعون ضده الخطأ بالنسبة لعمل الرقعة الجلدية
على أساس مجرد افتراض بأنه قد اتبع في إجراء العملية ما تقضي به الأصول الفنية من قياس
للجرح بعد تشريح الشحم من الأنسجة وقبل أن يقطع الشحم والجلد لإزالته، وهذا الافتراض
لا يصلح أساساً لنفي المسئولية ما دامت الطاعنة تنكر على المطعون ضده اتباعه تلك الأصول
الفنية، وطالما أن الحكم المطعون فيه لم يقم الدليل على صحة هذا الافتراض أو على وجود
الورم الذي بدونه لا يكون إجراء التوقيع مبرراً من الوجهة الطبية حسبما جاء بتقريري
الخبيرين اللذين أخذ بهما الحكم المطعون فيه. لما كان ذلك وكان خطأ محكمة الاستئناف
في فهم السبب الحقيقي لعمل الرقعة الجلدية حسبما ورد بأقوال المطعون ضده وفي تقريري
الخبيرين المعينين في الدعوى، قد حجب المحكمة عن التحقيق من قيام حالة الضرورة التي
يستند إليها المطعون ضده والخبيران في تبرير عمل الرقعة الجلدية، فإن الحكم المطعون
فيه يكون مشوباً بالقصور، بما يستوجب نقضه دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن.
