الطعن رقم 569 لسنة 34 ق – جلسة 12 /06 /1969
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 957
جلسة 12 من يونيه سنة 1969
برياسة السيد المستشار/ محمود توفيق إسماعيل نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد حافظ هريدي، والسيد عبد المنعم الصراف، ومحمد سيد أحمد حماد، وعلي عبد الرحمن.
الطعن رقم 569 لسنة 34 القضائية
( أ ) عقد. "أركان العقد". مزاد. "تقديم العطاءات".
تقديم عطاء يزيد على العطاء السابق عليه. ماهيته. إيجاب من صاحب هذا العطاء. أثره سقوط
العطاء الأقل. لا يترتب عليه انعقاد العقد بين مقدم العطاء الأعلى وبين الداعي للمزايدة.
لا بد لانعقاد العقد من أن يصادفه قبول بإرساء المزاد عليه ممن يملكه. المادة 99 مدني.
(ب) عقد. "شروط المزايدة". حق "التعسف في استعمال الحق". مزاد.
النص في قائمة شروط المزايدة على تخويل الداعي للمزايدة الحق في قبول أو رفض أي عرض
دون إبداء الأسباب. هذا النص يخوله مطلق الحرية في رفض العطاء الأخير. عدم جواز الرجوع
في هذه الحالة إلى الأحكام العامة في القانون المدني والتي تعتبر من القواعد المكملة
التي لا يلجأ إليها إلا عند عدم الاتفاق على قواعد خاصة. انتفاء التعسف ولو لم يبد
سبب مشروع يبرر رفض العطاء.
(ج) عقد. "شروط المزايدة". مزاد.
قرار الداعي للمزايدة بإخطار المزايدين بإرساء المزاد خلال ثلاثة أيام. إثبات هذا القرار
في ختام محضر جلسة المزايدة الأخيرة وتوقيع المزايد على هذا المحضر بعد هذه العبارة.
واعتباره قابلاً مد الأجل المحدد أصلاً للداعي للمزايدة في قائمة شروطها لاستعمال حقه
في قبول العطاء أو رفضه.
(د) دعوى. "الطلبات في الدعوى". حراسة قضائية.
انتهاء محكمة الموضوع إلى رفض طلبات المدعي الموضوعية. لا محل في هذه الحالة لبحث طلبه
المستعجل الخاص بفرض الحراسة القضائية.
1 – إنه وإن كان تقديم عطاء يزيد على العطاء السابق عليه يترتب عليه طبقاً للمادة 99
من القانون المدني سقوط العطاء الأقل إلا أنه لا يترتب عليه انعقاد العقد بين مقدم
العطاء الأعلى وبين الداعي للمزايدة لأن التقدم بالعطاء ولو كان يزيد على غيره من العطاءات
ليس إلا إيجاباً من صاحب العطاء فلا بد لانعقاد العقد من أن يصادفه قبول بإرساء المزاد
عليه ممن يملكه، ولما كان هذا القبول لم يصدر من المطعون ضده وقام بإخطار الطاعن برفض
عطائه، فإن عقداً ما لا يكون قد انعقد بينهما.
2 – متى كان الطاعن قد قبل دخول المزايدة على أساس قائمة شروط المزايدة التي تحوي النص
على تخويل المطعون ضده الحق في قبول أو رفض أي عرض دون إبداء الأسباب، ووقع عليها بما
يفيد علمه بما تضمنته، فإنه يكون قد ارتضاه ويكون للمطعون ضده إعمالاً لهذا الشرط مطلق
الحرية في رفض أي عطاء ولو كان هو العطاء الأخير دون أن يطلب منه إبداء سبب مشروع لهذا
الرفض، ولا محل للرجوع في هذه الحالة إلى الأحكام العامة الواردة في القانون المدني
والتي يستند إليها الطاعن لأنها تعتبر من القواعد المكملة فلا يلجأ إليها إلا عند عدم
الاتفاق على قواعد خاصة، ومن ثم فلا وجه لما يسنده الطاعن إلى المطعون ضده الأول من
تعسف قوامه أنه لم يبد سبباً مشروعاً يبرر رفض عطائه وما يؤسسه على ذلك من أحقيته للتعويض.
3 – إذا كان المطعون ضده الأول قد أثبت في ختام محضر جلسة المزايدة الأخيرة أنه قرر
إخطار المزايدين بقراره خلال ثلاثة أيام بخطاب موصى عليه، ووقع الطاعن على هذا المحضر
بعد هذه العبارة فإنه يكون بذلك قد قبل مد الأجل المحدد أصلاً للمطعون ضده الأول في
قائمة شروط المزايدة لاستعمال حقه في القبول أو الرفض، ومتى كان هذا المطعون ضده قد
أخطر الطاعن برفض عطائه خلال الثلاثة أيام التي قبل الطاعن مد الأجل إليها وبخطاب موصى
عليه فإن هذا الرفض يكون قد صدر في حدود السلطة المخولة للطاعن بمقتضى شروط المزايدة
وبالتالي منتجاً لآثاره.
4 – متى كانت محكمة الموضوع قد انتهت بحق إلى رفض طلبات الطاعن الموضوعية، فإن بحث
طلبه المستعجل الخاص بغرض الحراسة القضائية – على السينما – لا يكون له محل.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن الطاعن
أقام الدعوى رقم 2074 سنة 1963 تجاري كلي القاهرة ضد المطعون ضدهما الأول والثاني وقال
شرحاً لها أن المطعون ضده الأول بصفته حارساً على تركة المرحوم سيد وهبي أعلن عن مزايدة
لتأجير أحد أعيان التركة وهي سينما وهبي بقسم الخليفة ابتداءً من 4/ 3/ 1964، وحدد
يوم 16/ 10/ 1963 موعداً للمزايدة. ونص في قائمة شروط المزاد على أن من حقه تأجيل المزاد
بعد ختام الجلسة إلى جلسة أخرى، وقد أجري المزاد يوم 16/ 10/ 1963، ثم أجل إلى يوم
15/ 11/ 1963، وتقدم الطاعن بأكبر عطاء وهو 235 ج شهرياً في حالة التأجير لمدة ثلاث
سنوات و255 ج شهرياً في حالة التأجير لمدة ست سنوات وعندئذ كف ممثل المطعون ضده الثاني
يده، وقرر الحارس إعلان رأيه للمزايدين خلال ثلاثة أيام بموجب خطاب مسجل مع احتفاظه
بالتأمين المدفوع من الطاعن ورقع على محضر المزايدة من الحاضرين. وكان المفهوم من القرار
المذكور أن مفاضلة الحارس ستقصر على اختيار إحدى المدتين لا على شخص المستأجر لأن عطاء
الطاعن كان أكبر عطاء. ولكنه تلقى في 16/ 11/ 1963 كتاباً مسجلاً من الحارس يخطره فيه
بأنه رأى فرض عطائه وإرساء مزاد تأجير السينما على المطعون ضده الثاني، وإذ كان هذا
التصرف من الحارس لا يتفق مع القانون ولا مع شروط المزايدة فقد بادر بإنذاره برفض هذا
القرار وعرض عليه رسمياً مبلغ 265 ج قيمة ما يكمل أجرة ثلاثة شهور. ومضى الطاعن يقول
إنه لا يجدي الحارس الاستناد إلى أنه احتفظ لنفسه بحق قبول أو رفض أي عطاء دون إبداء
الأسباب لأن هذا الحق مقيد باستعماله أثناء انعقاد جلسة المزاد. وإذ انتهت الجلسة دون
أن يستعمل الحارس حقه في رفض العطاء المقدم من الطاعن واحتفظ بالتأمين المدفوع منه
مما يعتبر قبولاً ضمنياً منه للعطاء المذكور، فإنه بذلك يكون قد انعقد بينه وبين الحارس
عقد إيجار صحيح توافرت له أركانه القانونية أما عقد المطعون ضده الثاني فقد وقع باطلاً
ومعدوماً وأنه يتعين لذلك على المطعون ضده الأول أن يفي بالتزاماته باعتباره مؤجراً
ومنها تمكينه من وضع يده على العين المؤجرة لاستغلالها. وانتهى الطاعن في صحيفة دعواه
إلى طلب الحكم بصفة مستعجلة بفرض الحراسة القضائية على السينما موضوع النزاع وأقامته
حارساً قضائياً عليها وفي الموضوع الحكم ببطلان العقد الصادر من الحارس (المطعون ضده
الأول) إلى المطعون ضده الثاني وبرسو مزاد تأجير السينما المذكورة على الطاعن وبانعقاد
عقد تأجير السينما بينه وبين الحارس لمدة ست سنوات ابتداءً من أول مارس سنة 1964 نظير
إيجار شهري قدره 255 ج وبالشروط المبينة بمحاضر جلستي المزاد المنعقدتين في 16/ 11/
1963، 15/ 11/ 1963 وقائمة شروط المزاد الخاصة بها والموقع عليها جميعاً من الطاعن.
طلب المطعون ضده الأول رفض الدعوى بشقيها المستعجل والموضوعي استناداً إلى أن العقد
في المزايدات لا يتم إلا برسو المزاد الذي يعتبر قبولاً من صاحب المزاد وأنه ما دام
لم يرس المزاد على الطاعن فلا يمكن أن يعتبر العقد قد تم بينهما وأن الشركاء في السينما
قد فوضوه في 15/ 11/ 1963 في تأجير السينما للمطعون ضده الثاني لمدة ست سنوات تبدأ
من 1/ 3/ 1964 بأجرة شهرية قدرها 250 ج. ودفع المطعون ضده الثاني بأن عطاء الطاعن في
جلستي المزاد لا يعدو أن يكون إيجاباً منه لاستئجار السينما لم يصادفه قبول سواء من
الحارس أو من أصحاب السينما الذين أجروها له. وطلبت المطعون ضدهما الثالثة والرابعة
من المحكمة قبول تدخلهما منضمتين للمطعون ضده الأول (الحارس) وقررتا أنهما صاحبتا المصلحة
الحقيقية في النزاع بوصفهما شريكتين في السينما وأن الحارس تشاور معهما ومع باقي الشركاء
بعد جلسة المزاد فأجمعوا على تفضيل التأجير للمطعون ضده الثاني. وبتاريخ 4 مارس سنة
1964 قضت محكمة الدرجة الأولى بقبول تدخل المطعون ضدهما الثالثة والرابعة خصمين منضمتين
في الدعوى وبرفض الدعوى بشقيها المستعجل والموضوعي. استأنف الطاعن هذا الحكم وقيد الاستئناف
برقم 304 سنة 81 ق القاهرة. وفي 27/ 10/ 1964 قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف.
طعن الطاعن في هذا الحكم المذكور بطريق النقض وقدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها
برفض الطعن وبالجلسة المحددة لنظره صممت النيابة على رأيها.
وحيث إن الطعن بني على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن في السبب الأول منها على الحكم المطعون
فيه الخطأ في تطبيق القانون، وفي بيان ذلك يقول إن ذلك الحكم أقام قضاءه برفض طلباته
الموضوعية على أن المطعون ضده الأول كان له أن يرفض عطاءه، وأن هذا العطاء ولو أنه
يزيد عن العطاءات المقدمة من باقي المزايدين لا يتم به إرساء المزاد عليه. إذ هو لا
يعدو أن يكون مجرد إيجاب منه لم يصادفه قبول، وبالتالي فلا يكون للطاعن أن يطلب الحكم
برسو مزاد تأجير السينما عليه وبانعقاد عقد تأجيرها بينه وبين المطعون ضده الأول بصفته.
ويرى الطاعن أنه وإن كان الأصل أن الموجب له غير ملزم بقبول الإيجاب الموجه له إلا
أنه إذا كان هو الذي دعا الموجب إلى التعاقد بعد أن حدد شروطه فإن حريته في قبول الإيجاب
في هذه الحالة لا تكون مطلقة وإنما مقيدة بعدم التعسف في استعمال رخصة الرفض، وبالتالي
فلا يجوز أن يرفض الإيجاب لغير سبب مشروع، وإذ كان المطعون ضده الأول هو الذي دعا إلى
التعاقد بإعلانه عن مزايدة التأجير وكان العطاء المقدم له من الطاعن استجابة لهذه الدعوة،
فإنه لم يكن يحق للمطعون ضده أن يرفض هذا العطاء وإلا كان متعسفاً، وحق الحكم عليه
بالتعويض العيني وهو اعتبار عقد الإيجار قد تم بينه وبين الطاعن جزاءً على الرفض التعسفي
وهذا ما طلبه الطاعن في دعواه، لكن الحكم المطعون فيه أخطأ فهم هذا الطلب فاعتقد أن
المطلوب في الدعوى هو تقرير أن عقداً قد تم بين الطرفين بإيجاب وقبول وأن الدعوى هي
دعوى صحة تعاقد ولذلك قال الحكم إن الإيجاب لم يصادف قبولاً وأنه لذلك لا يمكن القول
بأن تعاقداً قد تم. ولو أن المحكمة فهمت الدعوى على حقيقتها لتعين عليها إذا لم تر
إجابة الطاعن إلى ما طلبه من اعتبار العقد قائماً أن تقضي له على الأقل بتعويض نقدي
عما فاته من كسب كان يمكن أن يحققه في حالة إتمام العقد لأن من يطلب الأكثر يطلب الأقل،
وإذ كان الحكم المطعون فيه لم يواجه عنصر التعسف في استعمال الحق ولم يناقش البواعث
التي حدت بالمطعون ضده الأول إلى رفض العطاء المقدم منه، فإن الحكم يكون قاصراً علاوة
على مخالفته للقانون. ويتحصل السبب الثالث في أن الحكم المطعون فيه مسخ شروط المزايدة
وفسرها تفسيراً لا يتفق مع حقيقة المقصود منها. ذلك أن البند السابع من هذه الشروط
صريح في أن حق المطعون ضده الأول في رفض أي عطاء مقيد بأن يتم ذلك في جلسة المزاد،
غير أن الحكم المطعون فيه حين عرض لهذا الشرط فسر كلمه "الجلسة" تفسيراً غير مستساغ
حيث قرر أن المطعون ضده الأول وقد أثبت في محضر جلسة المزايدة أنه سيحظر المزايد من
بقراره خلال ثلاثة أيام، فإن ذلك يفيد أن الجلسة لا زالت مستمرة، وهذا التفسير ينطوي
على مسخ وتشوبه لشروط المزايدة والتي على أساسها أقدم أصحاب المعطاءات على الدخول فيها.
وإذ كان الثابت أن المطعون ضده الثاني قد انسحب وكف يده عن المزايدة ولم يتقدم بعطاء
جديد بعد عطائه الذي سقط – تطبيقاً لحكم المادة 99 مدني – بتقديم عطاء أعلى منه هو
عطاء الطاعن، فإنه لم يكن لذلك ثمة عطاء قائم سوى عطاء الطاعن وأن تأجيل المطعون ضده
الأول إصدار قراره إنما كان مفهوماً منه أنه سيختار بين أن يكون التأجير للطاعن
لمدة ثلاث سنوات أو ستة وقد أدى مسخ الحكم المطعون فيه لشروط المزايدة على النحو السالف
بيانه إلى اعتبار المطعون ضده الأول لم يرتكب خطأً برفضه عطاء الطاعن، لأن استعمل رخصة
مخولة له بمقتضى تلك الشروط مع أن تفسير شروط المزايدة على أساس الإرادة الحقيقية المقصودة
منها عند وضعها، كان من شأنه اعتبار المطعون ضده الأول مخطئاً ومسئولاً عن هذا الخطأ.
وحيث إن النعي بهذين السببين غير سديد، ذلك بأن الحكم المطعون فيه على ما يبين من أسبابه
وأسباب الحكم الابتدائي التي أخذ بها أقام قضاءه برفض طلب الطاعن الحكم برسو مزاد تأجير
السينما عليه وبانعقاد عقد تأجير هذه السينما بينه بصفته مستأجراً وبين المطعون ضده
الأول بوصفه مؤجراً، على أنه طبقاً للمادة 99 من القانون المدني لا يتم العقد في المزايدات
إلا برسو المزاد وأن التقدم بالعطاء هو الإيجاب أما القبول الذي يتم به التعاقد فلا
يكون إلا بإرساء المزاد وأن مجرد تقديم عطاء بسعر أعلى لا يعتبر للمزاد وإنما الإرساء
يكون بقبول هذا العطاء، وأنه إذ كان الإيجاب الصادر من الطاعن بتقديم عطائه لم يصادفه
قبول من المطعون ضده الأول فإنه لا يمكن القول بأن تعاقداً قد تم بينهما، وأنه ليس
للطاعن أن يتحدى بسقوط عطاء المطعون ضده الثاني طالما أن المطعون ضده الأول قد رفض
عطاءه استعمالاً للرخصة المخولة في البند السابع من شروط المزايدة وأصبح بذلك في حل
من تأجير السينما لمن يشاء على النحو الذي تتحقق معه مصلحة ملاكها، وقد تم تعاقده مع
المطعون ضده الثاني بناء على تفويضه من هؤلاء الملاك بالتعاقد مع هذا المطعون ضده.
ورد الحكم المطعون فيه على ما أثاره الطاعن من أن الرخصة المخولة للمطعون ضده الأول
في البند السابع من شروط المزايدة في رفض أي عطاء مقيدة بأن يصدر الرفض منه بجلسة المزايدة،
بأن المطعون ضده الأول إذ أثبت في محضر المزايدة أنه سيخطر المزايدين بقراره خلال ثلاثة
أيام بخطاب موصى عليه فإن مفاد ذلك أن الجلسة لا زالت مستمرة طوال هذه الفترة حتى يصدر
المطعون ضده قراره ويخطر به المزايدين وأنه متى كان الثابت أنه أخطر الطاعن خلال هذه
المدة برفض عطائه فإنه يكون قد استعمل الرخصة المخولة في الحدود التي نص عليها في البند
السابع من شروط المزايدة. وأضاف الحكم المطعون فيه أن ما أثاره المستأنف (الطاعن) من
أنه لم يكن للمستأنف عليه الأول (المطعون ضده الأول) أن يرفض عطاءه بعد أن دعا إلى
التعاقد بإعلانه عن المزايدة ولم يكن أمامه عطاء قائم سوى عطائه مردود بما سبق بيانه
بشأن حق المستأنف عليه الأول (المطعون ضده الأول) المنصوص عليه في البند السابع من
شروط المزايدة في رفض أي عرض دون إبداء الأسباب. وهذا الذي انتهى إليه الحكم المطعون
فيه لا مخالفة فيه للقانون ذلك بأنه وإن كان تقديم عطاء يزيد على العطاء السابق عليه،
يترتب عليه – طبقاً للمادة 99 من القانون المدني – سقوط العطاء الأقل، إلا أنه لا يترتب
عليه انعقاد العقد بين مقدم العطاء الأعلى وبين الداعي للمزايدة، لأن التقدم بالعطاء
ولو كان يزيد على غيره من العطاءات ليس إلا إيجاباً من صاحب هذا العطاء، فلا بد لانعقاد
العقد من أن يصادفه قبول بإرساء المزاد عليه ممن يملكه. ولما كان هذا القبول لم يصدر
من المطعون ضده وقام بإخطار الطاعن برفض عطائه، فإن عقداً ما لا يكون قد انعقد بينهما
وبالتالي يكون ما طلبه الطاعن من القضاء برسو مزاد تأجير السينما عليه وبانعقاد عقد
تأجيرها بينه وبين المطعون ضده الأول على غير أساس. أما ما لجأ إليه الطاعن لأول مرة
في الاستئناف من دفاع أبداه في مذكرته المرفوعة ملف الاستئناف برقم 6 حاصله أن سنده
في طلب انعقاد العقد بينه وبين المطعون ضده هو تعسف الأخير في استعمال حقه في رفض الإيجاب
الصادر منه لأن المطعون ضده هو الذي دعا إلى التعاقد، وأن من حق المحكمة أن تقضي بأن
العقد قد تم كتعويض عيني للطاعن، فإن هذا الدفاع مردود بما قرره الحكم المطعون فيه
من أن البند السابع من شروط المزايدة صريح في تخويل المطعون ضده الحق في قبول أو رفض
أي عرض دون إبداء الأسباب، ومتى كان الطاعن قد قبل دخول المزايدة على أساس قائمة شروط
المزايدة التي تحوي هذا النص ووقع عليها بما يفيد علمه بما تضمنته، فإنه يكون قد ارتضاه
ويكون للمطعون ضده – إعمالاً لهذا الشرط – مطلق الحرية في رفض أي عطاء ولو كان هو العطاء
الأخير دون أن يطلب منه إبداء سبب مشروع لهذا الرفض. ولا محل للرجوع في هذه الحالة
إلى الأحكام العامة الواردة في القانون المدني والتي يستند إليها الطاعن لأنها تعتبر
من القواعد المكملة، فلا يلجأ إليها إلا عند عدم الاتفاق على قواعد خاصة. ومن ثم فلا
وجه لما يسنده الطاعن إلى المطعون ضده الأول من تعسف قوامه أنه لم يبد سبباً مشروعاً
يبرر رفض عطائه، وما يؤسسه على ذلك من أحقيته للتعويض عينياً كان أو نقدياً، ومتى تقرر
أنه ليس للطاعن أن يطلب اعتبار عقد الإيجار قد تم بينه وبين المطعون ضده الأول سواء
على أساس انعقاد العقد بينهما بإيجاب وقبول صحيحين، أو على أساس التعويض العيني فإنه
يضحى ولا شأن له في التحدث عن سقوط عطاء المطعون ضده الثاني لأنه ما دام العقد لم يتم
بين الطاعن والمطعون ضده الأول فقد كان لهذا أن يؤجر السينما لمن يشاء عن طريق المزايدة.
أما ما يقوله الطاعن من أن حق المطعون ضده في رفض أي عطاء بغير إبداء الأسباب مقيد
بأن يصدر الرفض منه في جلسة المزايدة وأن الحكم المطعون فيه قد مسخ الشرط المقرر لهذا
الحق حين أطلق حق المطعون ضده الأول في هذا الرفض حين اعتبر الجلسة ما زالت مستمرة
طوال المدة التي قرر المطعون ضده إصدار قراره فيها. هذا الذي يعيبه الطاعن على الحكم
المطعون فيه مردود بأنه وإن كان نص البند السابع من شروط المزايدة يفيد أن حق المطعون
ضده الأول في قبول أو رفض أي عطاء إنما يكون استعماله في جلسة المزايدة إلا أنه لما
كان المطعون ضده الأول قد أثبت في ختام محضر جلسة المزايدة الأخيرة أنه قرر إخطار المزايدين
بقراره خلال ثلاثة أيام بخطاب موصى عليه، ووقع الطاعن على هذا المحضر بعد هذه العبارة
فإنه يكون بذلك قد قبل مد الأجل المحدد أصلاً للمطعون ضده الأول في قائمة شروط المزايدة
لاستعمال حقه في القبول أو الرفض، ومتى كان هذا المطعون ضده قد أخطر الطاعن برفض عطائه
خلال الثلاثة أيام التي قبل الطاعن مد الأجل إليها وبخطاب موصى عليه، فإن هذا الرفض
يكون قد صدر في حدود السلطة المخولة للطاعن بمقتضى شروط المزايدة وبالتالي منتجاً لآثاره.
ومن ثم يكون النعي بهذين السببين في جميع ما تضمنه على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى في السبب الثاني على الحكم المطعون، فيه القصور في التسبيب لعدم
تعرضه لبطلان العطاء المقدم من المطعون ضده الثاني، ذلك أن الطاعن تمسك أمام محكمة
الموضوع بأن هذا العطاء قد سقط، وأن المطعون ضده الثاني قد كف يده عن المزايدة أي انسحب
منها، ورتب الطاعن على ذلك أن قرار المطعون ضده الأول بإرساء المزاد على المطعون ضده
الثاني يكون قد وقع على غير محل لقبوله عطاءاً ساقطاً، وبالتالي يكون القبول قد وقع
على غير إيجاب قائم وبذلك لم ينعقد العقد بين الطاعن والمطعون ضده الثاني بل جاء معدوم
الوجود قانوناً، وعلى هذا الأساس طلب الطاعن في دعواه القضاء ببطلان هذا العقد غير
أن الحكم المطعون فيه لم يحاول بحث هذا الطلب استناداً إلى ما قاله الحكم الابتدائي
الذي أحال إليه من أنه لا مصلحة للطاعن في التمسك بهذا البطلان بعد أن انتهت المحكمة
إلى أن تعاقداً لم يتم بينه وبين المطعون ضده الأول، وهذا من الحكم المطعون فيه قصور
لأن مصلحة الطاعن قائمة، فقد كان أحد أطراف المزايدة ومن حقه أن يتمسك بسقوط العطاء
السابق عليه، حتى يصل من ذلك إلى اعتبار عطائه هو العطاء الوحيد القائم، وبالتالي إلى
إثبات أن مسلك المطعون ضده الأول ينطوي على تعسف وخطأ تقصيري يوجب مساءلته عن التعويض،
وخير تعويض في هذا المقام هو اعتبار أن العقد قد تم بينه وبين المطعون ضده الأول، وقد
كان ذلك يقتضي من المحكمة على الأقل قبول الطلب المستعجل وفرض الحراسة القضائية على
السينما محل النزاع. وإذ لم تعرض المحكمة لبحث هذا الطلب أيضاً فإن حكمها يكون مشوباً
بالقصور.
وحيث إن هذا النعي مردود بما سبق الرد به على السببين الآخرين، وبأنه وقد انتهت المحكمة
بأن عقداً ما لم يتم بين الطاعن والمطعون ضده الأول، فقد كان لهذا – كما قرر بحق الحكم
المطعون فيه – أن يؤجر السينما لمن يشاء على الوجه الذي يراه محققاً لمصلحة الملاك
عن غير طريق المزايدة، فإذا هو أجرها للمطعون ضده الثاني، بعد أن اختاره الملاك فإن
هذا التأجير يكون قد تم بالطريق العادي وليس بطريق إرساء المزاد عليه، وبالتالي فلا
يكون للطاعن ثمة مصلحة في طلب بطلانه لأن القضاء بهذا البطلان لن يعود عليه بأي نفع
ما دام أنه لن يترتب عليه اعتبار عقد إيجار السينما قائماً بينه وبين المطعون ضده الأول،
إذ لا قيامة لهذا العقد طالما أن الأمر قد اقتصر على مجرد إيجاب من الطاعن لم يصادفه
قبول من الطرف الآخر، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ لم ير محلاً لبحث البطلان المدعى
به لانتفاء مصلحة الطاعن في التمسك به لا يكون مشوباً بالقصور. كما أنه وقد انتهت كانت
محكمة الموضوع بحق إلى رفض طلبات الطاعن الموضوعية، فإن بحث طلبه المستعجل الخاص بفرض
الحراسة القضائية على السينما لا يكون له محل.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس متعيناً رفضه.
