الطعن رقم 267 لسنة 35 ق – جلسة 12 /06 /1969
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 914
جلسة 12 يونيه سنة 1969
برياسة السيد المستشار/ محمود توفيق إسماعيل نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: السيد عبد المنعم الصراف، وعثمان زكريا، ومحمد صدقي البشبيشي، وعلي عبد الرحمن.
الطعن رقم 267 لسنة 35 القضائية
(أ، ب) موظفون. "إخلال الموظف بالتزامات الوظيفة". مسئولية. التزام.
"مصادر الالتزام".
( أ ) علاقة الموظف بالدولة. ماهيتها. وجوب أداء الموظف عمله بعناية الرجل الحريص.
التزام الموظف بذلك مصدره القانون. خلو القانون من هذه القاعدة لا يؤثر في وجوب التزام
الموظف بها. القانون رقم 210 سنة 1951.
(ب) إخلال الموظف بالالتزامات التي تفرضها عليه وظيفته إذا أضر بالدولة. أثره. مساءلته
مدنياً طبقاً للقواعد العامة.
(ج) تقادم. "تقادم مسقط". مسئولية.
عدم سريان التقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 172 مدني على الالتزامات التي مصدرها
القانون. يسري عليها التقادم العادي المنصوص عليه في المادة 374 مدني.
(د) موظفون. "واجبات الوظيفة".
كل ما يكلف به الموظف من قبل رؤسائه من أعمال لا تتعارض مع مقتضيات وظيفته. اعتباره
من أعمال الوظيفة التي يجوز مساءلته على الإخلال بها.
1 – علاقة الموظف بالدولة هي رابطة قانونية تحكمها القوانين واللوائح المعمول بها بشأن
الوظيفة، وتمت قواعد أساسية عامة تحكم واجبات الموظف تقوم على وجوب أدائه العمل المنوط
به بعناية ودقه الرجل الحريص المتبصر، وهذه القواعد الأساسية قد ترد في القانون مع
ضوابطها وقد يخلو منها القانون دون أن يؤثر ذلك في وجوب التزام الموظف بها، ويعتبر
مصدر التزام الموظف بتلك القواعد هو القانون مباشرة فيسأل الموظف على إخلاله بهذا الالتزام،
وقد قنن المشرع هذه القواعد في القانون رقم 210 سنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة فحدد
الفصل السادس منه واجبات الموظفين والأعمال المحرمة عليهم.
2 – إخلال الموظف بالالتزامات التي تفرضها عليه وظيفته – إذا أضر بالدولة يستوجب مسئوليته
المدنية طبقاً للقواعد العامة وبغير حاجة أيضاً إلى نص خاص يقرر هذه المسئولية.
3 – التقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 172 من القانون المدني هو تقادم استثنائي
خاص بدعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع، فلا يسري على الالتزامات التي تنشأ
مباشرة من القانون وإنما يسري في شأن تقادم هذه الالتزامات التقادم العادي المنصوص
عليه في المادة 374 من القانون المدني ما لم يوجد نص خاص يقضي بتقادم آخر.
4 – من المقرر أن كل ما يكلف به الموظف من قبل رؤسائه من أعمال لا تتعارض مع مقتضيات
وظيفته يعتبر من أعمال الوظيفة التي يجوز مساءلته عن الإخلال بها.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في
أن الطاعنين كممثلين قانونيين لمصلحة المجاري أقاما بتاريخ 27 مارس سنة 1955 الدعوى
رقم 1426 سنة 1955 أمام محكمة القاهرة الابتدائية على المطعون ضده الأول والبنك الأهلي
وطلبا إلزامهما متضامنين بأن يؤديا لهما مبلغ 2763 ج و975 م وفوائده بواقع 4% سنوياً
من تاريخ المطالبة الرسمية، وقالا تبياناً لدعواهما إن مصلحة المجاري ممثلة في رؤسائها
اعتادت تكليف المطعون ضده الأول بصفته رئيساً لقسم صيانة مجاري العاصمة ببلدية القاهرة
بصرف أجور عمال هذا القسم وقد سلمته لهذا الغرض في 5 نوفمبر سنة 1951 ثلاث شيكات محررة
باسمه ومسحوبة على البنك الأهلي قيمة الأول منها 132 ج و535 م والثاني 137 و200 م وقيمة
الثالث 2494 ج و240 م ليقبض قيمتها من البنك ويصرفها للعمال أجراً عن شهر أكتوبر سنة
1951، ولما تقدم بهذه الشيكات إلى البنك الأهلي حصل من موظف البنك المختص على النحاسة
رقم 1501، وأثناء انتظاره دوره في الصرف نادى عليه مجهول من المكان المخصص لموظفي البنك
وأفهمه أن إخطارات مصلحة المجاري بصدور هذه الشيكات منها ولم ترد بعد للبنك مما يقتضي
مقابلة المدير ليأذن بالصرف وأبدى هذا المجهول استعداده لإنجاز إجراءات صرف الشيكات
وبناء على هذا الإيهام سلمه المطعون ضده الأول النحاسة وكشوف الحساب الخاصة بالمبالغ
المطلوب صرفها وبطاقته الشخصية ثم تبين للمطعون ضده الأول بعد قليل أن هذا المجهول
قد تمكن من صرف قيمة الشيكات الثلاثة بتقديمه النحاسة إلى نافذة الصرف بالبنك وهرب
بها، ولما أبلغ الأمر تولت النيابة التحقيق وانتهت إلى قيد الواقعة برقم 7174 سنة 1951
جنح عابدين وأمرت بحفظها لعدم معرفة الفاعل الذي نسبت إليه جريمة الاحتيال على المطعون
ضده الأول، وقد اضطرت مصلحة المجاري إلى صرف الأجور ذاتها بتحرير شيكات أخرى جديدة
وقيدت قيمة هذه الشيكات على حساب العهد تحت التحصيل من المطعون ضده الأول وأقامت عليه
الدعوى مطالبة إياه بها ونسبت إليه الإهمال الفاحش وسوء التصرف المقرون بالخطأ الجسيم
وأسست مسئوليته أولاً على أن مصلحة المجاري وكلته في صرف الشيكات الثلاثة التي حررتها
باسمه وأن ما فعله يكون إخلالاً بالتزامه التعاقدي برعاية مصالح موكله بعناية الرجل
المعني بشئونه الخاصة ومن ثم يلتزم بتعويض الضرر الذي أصاب وكيله نتيجة إخلاله بهذا
الالتزام. وأقامت المصلحة مسئولية البنك الأهلي بالتضامن على وقوع خطأ تقصيري منه لصرفه
هذه الشيكات لغير من حررت لأمره وانتهت المصلحة إلى طلب الحكم أيضاً بصحة الحجز الذي
أوقعته تحت يد المطعون ضده الأخير على ما يقابل ربع مرتب المطعون ضده الأول. دفع المطعون
ضده الأول بسقوط الدعوى بالتقادم الثلاثي المقرر بالمادة 172 من القانون المدني ورد
الطاعنان على هذا الدفع بأنه علاوة على أن مدة التقادم الثلاثي المقررة لسقوط دعوى
التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع لم تنقض لأنه لم تمض ثلاث سنوات من وقت علمهما
بالحادث والشخص المسئول عنه بعد قيد النيابة للواقعة ضد مجهول في 20 من نوفمبر سنة
1952 حتى رفع دعواهما في 27 مارس سنة 1955 فإن الأساس القانوني الذي يبنيان عليه مطالبتهما
للمطعون ضده الأول بالتعويض هو مسئوليته كموظف علاقته بالحكومة تنظيمية يقتضيه واجبه
القيام بعمله خير قيام وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة للوظيفة وواجباتها ومن ثم يكون
التزامه مصدره القانون لا العمل غير المشروع، وبالتالي فلا يسقط الحق في المطالبة بالتعويض
عن الإخلال بهذا الواجب إلا بمرور خمسة عشر عاماً من تاريخ الواقعة المنشئة للتعويض،
دفع البنك الأهلي بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة. وبتاريخ 30 من مارس سنة
1964 قضت المحكمة الابتدائية برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها على ذي صفة وبقبول
الدفع بالتقادم الثلاثي وبسقوط الدعوى به وبرفضها، واستندت في قضائها بقبول هذا الدفع
إلا أن أساس الدعوى هو المسئولية التقصيرية وأن الطاعنين قد علما بالضرر وبالشخص المسئول
عنه في اليوم الذي وقع فيه الحادث وهو يوم 5 نوفمبر سنة 1951. استأنف الطاعنان هذا
الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة وقيد استئنافهما برقم 1084 سنة 81 قضائية، وأسساه
على أن مسئولية المطعون ضده الأول هي مسئولية عقدية مبناها عقد الوكالة الذي بمقتضاه
عهدت إليه المصلحة بصرف الشيكات التي حررتها باسمه وأنه لذلك فلا تتقادم الدعوى إلا
بمضي خمس عشرة سنة، وأضاف الطاعنان بمذكرتهما الختامية الأساس القانوني الآخر لدعواهما
والذي سبق لهما إبداؤه أمام محكمة الدرجة الأولى وهو أن التزام الموظف مصدره القانون
وأن دعوى المسئولية عن الإخلال بهذا الالتزام لا تسقط إلا بمضي خمسة عشر عاماً. وبتاريخ
22 نوفمبر سنة 1965 قضت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف. طعن
الطاعنان بطريق النقض في هذا الحكم، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم
وبالجلسة المحددة النظر الطعن أصرت على هذا الرأي.
وحيث إن مما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه،
وفي بيان ذلك يقولان إن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية لائحية تحكمها القوانين
واللوائح وأن مركز الموظف من هذه الناحية هو مركز قانوني عام يخوله اختصاصات الوظيفة
الحكومية ومن مقتضاها نشوء مجموعة من الالتزامات المفروضة عليه ومن الحقوق المقررة
له بصفته موظفاً يقوم بأداء واجبات وظيفته، والقانون وحده بوصفه المصدر الخاص بالالتزامات
هو الذي يحكم كل الآثار القانونية المترتبة على علاقة الموظف بالحكومة وقد خصص القانون
رقم 210 سنة 1951 بشأن نظام موظفي الدول الذي وقعت الواقعة في ظله فصلاً كاملاً لواجبات
الموظفين والأعمال المحرمة عليهم في المادتين 73 و82 وحملهم كل إهمال أو تقصير يترتب
عليه ضياع أي حق من الحقوق المالية للدولة أو أحد الأشخاص العامة الأخرى كما نصت المادة
83 منه على معاقبة كل موظف يخالف الواجبات المنصوص عليها في القانون أو يخرج عن مقتضى
الواجب في أعمال وظيفته تأديبياً دون أن يخل ذلك بالحق في إقامة الدعوى المدنية أو
الجنائية عند الاقتضاء، ومؤدى ذلك أن مطالبة الدولة لأحد موظفيها بالتعويض عن الأضرار
التي لحقتها بسبب إهماله أو تقاعسه عن أداء واجبه أساسها العلاقة التنظيمية اللائحية
التي تربطهما ومصدرها القانون وحده طبقاً لما نصت عليه المادة 198 من القانون المدني
من أن الالتزامات التي تنشأ مباشرة عن القانون وحده تسري عليها النصوص القانونية التي
أنشأتها، وأنه لما كانت واقعة الإهمال والخطأ الجسيم الذي ارتكبه المطعون ضده الأول
لا تعتبر مصدر الالتزام في هذه الحالة بل القانون هو مصدرها المباشر فإنه كان يتعين
على الحكم المطعون فيه أن يطبق أحكام التقادم العادية بشأن الدعوى التي أقامها الطاعنان
دون نص المادة 172 من القانون المدني، لأن نص هذه المادة هو نص استثنائي ورد على خلاف
الأصل العام في التقادم ولا ينطبق إلا على الحقوق التي تنشأ عن العمل غير المشروع فلا
يجوز تطبيقه بالنسبة إلى الحقوق الناشئة عن مصادر أخرى للالتزام وإذ أعمل الحكم المطعون
فيه المادة 172 من القانون المدني على واقعة الدعوى وقضى بسقوط الدعوى بالتقادم المنصوص
عليه في هذه المادة فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه.
وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن الثابت من الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه
أن المطعون ضده الأول كان يشغل وظيفة رئيس قسم صيانة مجاري العاصمة وقت أن كلفته مصلحة
المجاري التي يتبعها بأن يقوم بقبض قيمة الشيكات الثلاثة من البنك لصرف أجور شهر أكتوبر
سنة 1951 إلى عمال قسم الصيانة الذي يرأسه، ولما كانت علاقة الموظف بالدولة هي رابطة
قانونية تحكمها القوانين واللوائح المعمول بها بشأن الوظيفة وكانت واجبات الموظف تحكمها
قواعد أساسية عامة تقوم على وجوب أدائه العمل المنوط به بعناية ودقة الرجل الحريص المتبصر
وهذه القواعد الأساسية قد ترد في القانون مع ضوابطها وقد يخلو منها القانون دون أن
يؤثر ذلك في وجوب التزام الموظف بها ويعتبر مصدر التزام الموظف بتلك القواعد هو القانون
مباشرة فيسأل الموظف على إخلاله بهذا الالتزام، وقد قنن المشرع هذه القواعد في القانون
رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة فحدد الفصل السادس منه واجبات الموظفين والأعمال
المحرمة عليهم ولئن كان هذا القانون لا ينطبق على واقعة الدعوى لوقوعها قبل تاريخ العمل
به إلا أن ما نص عليه هذا القانون في المادة 73 منه من وجوب قيام الموظف بالعمل المنوط
به وأن يؤديه بدقة وأمانة لا يعتبر إنشاء لواجب لم يكن الموظف مكلفاً به قبل صدور ذلك
القانون بل تقريراً لهذا الواجب الذي تفرضه الوظيفة ذاتها بغير حاجة إلى نص عليه، كما
أن إخلال الموظف بالالتزامات التي تفرضها عليه وظيفته – إذا أضر بالدولة – يستوجب مسئوليته
المدنية طبقاً للقواعد العامة وبغير حاجة أيضاً إلى نص خاص يقرر هذه المسئولية. لما
كان ذلك وكان الطاعنان قد تمسكا أمام محكمة الموضوع بدرجتيها بأن أساس مسئولية المطعون
ضده هو إخلاله بالالتزامات التي تفرضها عليه وظيفته وهي التزامات ناشئة عن القانون
مباشرة وكان التقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 172 من القانون المدني هو تقادم
استثنائي خاص بدعوى التعويض الناشئة عن العمل غير المشروع، فلا يسري على الالتزامات
التي تنشأ مباشرة من القانون وإنما يسري في شأن تقادم هذه الالتزامات التقادم العادي
المنصوص عليه في المادة 374 من القانون المدني ما لم يوجد نص خاص يقضي بتقادم آخر.
فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط الدعوى بالتقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة
172 من القانون المدني مع أن الطاعنين انتهيا في استئنافهما إلى تأسيس دعواهما على
إخلال المطعون ضده بالالتزامات التي تفرضها عليه وظيفته والتي منشؤها القانون مباشرة
مما يقتضي ألا تسقط دعوى المسئولية على هذا الأساس إلا بانقضاء خمس عشرة سنة، فإن الحكم
المطعون فيه يكون مخطئاً في القانون، ولا يجديه ما قرره من أن صرف قيمة الشيكات ليس
من مستلزمات وظيفته لأن هذا من صميم عمل الصيارف المعينين لهذا الغرض ذلك بأن المطعون
ضده ذكر في التحقيق الجنائي المرفق بأوراق الدعوى أنه اعتاد صرف قيمة الشيكات الخاصة
بأجور العمال من عشر سنوات سابقة على الحادث ومن المقرر أن كل ما يكلف به الموظف من
قبل رؤسائه من أعمال لا تتعارض مع مقتضيات وظيفته يعتبر من أعمال الوظيفة التي يجوز
مساءلته عن الإخلال بها، ومن ثم يتعين نقض الحكم المطعون فيه، وإذ كان خطؤه على النحو
السالف بيانه قد حجبه عن بحث الإهمال المسند إلى المطعون ضده وما إذا كان يعتبر إخلالاً
بواجب الحرص والتبصر الذي تفرضه عليه وظيفته مما يستوجب مسئوليته المدنية أو لا يعتبر،
فإنه يتعين إعادة القضية إلى محكمة الاستئناف لتقول كلمتها في ذلك.
