الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 181 لسنة 35 ق – جلسة 20 /03 /1969 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 20 – صـ 458

جلسة 20 من مارس سنة 1969

برياسة السيد المستشار/ محمود توفيق إسماعيل نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد حافظ هريدي، وعثمان زكريا، وسليم راشد أبو زيد، وعلي عبد الرحمن.


الطعن رقم 181 لسنة 35 القضائية

( أ ) قوة الأمر المقضي. حكم. "حجية الحكم". أحوال شخصية.
قوة الأمر المقضي لا تلحق إلا منطوق الحكم وما يكون متصلاً بهذا المنطوق من الأسباب اتصالاً وثيقاً بحيث لا تكون له قائمة إلا بها. بحث الحكم كيدية طلب الحجر غير لازم لقضائه في الطلب.
(ب) حق. "التعسف في استعمال الحق".
حق الالتجاء إلى القضاء هو من الحقوق المشروعة. عدم مسئولية من يستعمل هذا الحق إلا إذا انحرف به عما وضع له ابتغاء مضارة الغير.
1 – ما يلزم محكمة الأحوال الشخصية عند الفصل في طلب حجر للسفه هو التحقق من قيام حالة السفه التي تعتري الإنسان فتحمله على تبذير ماله وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع، وإذ كانت كيدية طلب الحجر وعدم كيديته لا أثر لها في قيام هذه الحالة، فإن بحث المحكمة لهذه الكيدية يكون بحثاً غير لازم لقضائها وبالتالي يكون زائداً على حاجة الدعوى التي فصل فيها ذلك الحكم وغير متصل بمنطوقه لأنه يقوم بدون هذه الأسباب الزائدة. ومن ثم فإنها لا تحوز قوة الأمر المقضي لأن هذه القوة لا تلحق إلا منطوق الحكم وما يكون متصلاً بهذا المنطوق من الأسباب اتصالاً وثيقاً وحتمياً بحيث لا تكون له قائمة إلا بها.
2 – حق الالتجاء إلى القضاء هو من الحقوق التي تثبت للكافة فلا يكون من استعمله مسئولاً عما ينشأ عن استعماله من ضرر للغير إلا إذا انحرف بهذا الحق عما وضع له واستعمله استعمالاً كيدياً ابتغاء مضارة الغير [(1)].


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن الطاعن أقام الدعوى 314 سنة 63 كلي بني سويف على شقيقته وزوجها المطعون ضدهما بطلب الحكم بإلزامهما متضامنين بأن يدفعا له ألف جنيه على سبيل التعويض مؤسساً طلبه على أن المطعون ضدها الأولى تقدمت بالطلب 231 سنة 1960 كلي أحوال شخصية بني سويف للحجر عليه للسفه وأسندت إليه وقائع تمس سمعته وتهدد كرامته كما أنكرت عليه أبوته لابنته الوحيدة التي توفيت سنة 1958 وعاونها زوجها المطعون ضده الثاني في ادعائهما بأن أدلى بأقواله في التحقيقات مؤيداً لها ومصوراً الطاعن بالمظهر الذي لا يشرفه وقد انضمت النيابة العامة إلى الطاعن في طلب رفض طلب الحجر لعدم صحته كما قضت محكمة الأحوال الشخصية في 29 نوفمبر سنة 1962 برفض ذلك الطلب تأسيساً على أنه طلب كيدي دفع إليه الحقد، ونفي الحكم عن الطاعن ما نسبه إليه المطعون ضدهما من علاقاته بالنساء واتخذ الحكم من مرض الطاعن ومرض ابنته عذراً له في بيع ممتلكاته، وأضاف الطاعن بأن انشغاله بإجراءات طلب الحجر الكيدي قد صرفه عن متابعة علاج عينيه وقرحة معدته حتى فقد إبصاره وفشل علاج القرحة فأثر ذلك عليه نفسياً وصحياً كما كلفه الدفاع نفقات كبيرة ولهذا فقد رفع الدعوى بطلب تعويضه عن جميع هذه الأضرار بالمبلغ المطالب به. وبتاريخ 20 إبريل سنة 1964 قضت محكمة أول درجة بإلزام المطعون ضدهما متضامنين بأن يدفعا للطاعن أربعمائة جنيه. استأنف المطعون ضدهما هذا الحكم لدى محكمة استئناف بني سويف برقم 171 سنة 2 قضائية التي قضت في 10 من يناير سنة 1965 بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعوى. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن بالجلسة المحددة لنظره أصرت النيابة على هذا الرأي.
وحيث إن الطعن بني على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه بالسببين الأولين منها وبالوجه الأول من السبب الثالث مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، وفي بيان ذلك يقول إن محكمة الأحوال الشخصية قضت في الدعوى 231 سنة 1960 أحوال شخصية بني سويف برفض طلب الحجر على أساس أنه كيدي تقدمت به صاحبته (المطعون ضدها الأولى) بدافع الحقد، لأنه لا يستساغ أن يكون المطلوب الحجر عليه مريضاً بعينيه وبلغ السبعين عاماً وينشئ علاقات بالنساء وينفق عليهن أمواله وأن تصرفه في هذه الأموال لم يكن سفهاً وإنما أملته ظروفه الصحية ومرض ابنته التي أقر الجميع أبوته لها من زواج شرعي وأنه رغم أن هذا القضاء أصبح نهائياً وحائزاً قوة الشيء المحكوم فيه بما يمتنع معه الجدل فيه وأن الحكم المطعون فيه سلم بذلك في أسبابه إلا أن هذا الحكم عاد وتناقض مع نفسه إذ وصف الطاعن بأنه صورة صارخة لسوء التصرف والتبذير وأنه يبدو إنساناً بالغ الاستهتار غير حريص على ماله ولا على ذات نفسه وأخذ عليه أنه لم يقدم أية ورقة تدل على أنه كان رجلاً يعيش في أسرة ويحيا حياة شريفة تتفق مع ما يقتضيه العقل والشرع، وهذا الذي قرره الحكم المطعون فيه وانتهى به إلى القضاء بإلغاء حكم محكمة أول درجة وبرفض دعوى التعويض المرفوعة منه يتضمن التصدي لموضوع دعوى الحجر ومناقشة أسباب الحكم الصادر فيها ومخالفة ما انتهى إليه ذلك الحكم الحائز لقوة الأمر المقضي، وقد جرته هذه المخالفة إلى فهم خاطئ لواقع دعوى التعويض المطروحة فخرج عن نطاقها وأخطأ في تطبيق القانون عليها وجاء قضاؤه مخالفاً لقضاء سابق صدر بين الخصوم أنفسهم وحائزاً لقوة الشيء المحكوم فيه.
وحيث إن النعي بهذه الأوجه مردود بأن ما يلزم محكمة الأحوال الشخصية عند الفصل في طلب حجر للسفه هو التحقق من قيام حالة السفه التي تعتري الإنسان فتحمله على تبذير ماله وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع وإذ كان كيدية طلب الحجر وعدم كيديته لا أثر له في قيام هذه الحالة فإن بحث المحكمة لهذه الكيدية يكون بحثاً غير لازم لقضائها، وبالتالي فإن ما ورد بأسباب الحكم الصادر في الدعوى 231 سنة 1960 أحوال شخصية بني سويف الذي قضى برفض الحجر على الطاعن للسفه من أن طلب الحجر قدم من المطعون ضدها بقصد الكيد بالطاعن وبدافع الحقد منها وبقصد الإضرار به يكون زائداً على حاجة الدعوى التي فصل فيها ذلك الحكم وغير متصل بمنطوقه لأنه يقوم بدون هذه الأسباب الزائدة ومن ثم فإنها لا تحوز قوة الأمر المقضي لأن هذه القوة لا تلحق إلا منطوق الحكم وما يكون متصلاً بهذا المنطوق من أسباب اتصالاً وثيقاً وحتمياً بحيث لا تكون له قائمة إلا بها. لما كان ما تقدم فإن الحكم المطعون فيه إذ لم يعتد بما قرره الحكم الصادر من محكمة الأحوال الشخصية في دعوى الحجر عن كيدية طلب الحجر الدافع إليه وخالفه فيه، فإنه لا يكون مخطئاً في القانون. كما لا يصح النعي عليه بمخالفته الحكم الصادر من محكمة الأحوال الشخصية فيما سرده عن تصرفات الطاعن وسلوكه لأن الحكم المطعون فيه لم يقصد من هذا السرد إثبات أن هذه التصرفات تمت على خلاف مقتضى العقل والشرع مما كان يستوجب الحجر وإنما مجرد إثبات أن المطعون ضدها كانت معذورة حين قدمت طلب الحجر بعد أن رأت أخاها قد باع جل أملاكه وشرع في بيع الباقي منها. ولما كان حق الالتجاء إلى القضاء هو من الحقوق المشروعة التي تثبت للكافة فلا يكون من استعمله مسئولاً عما ينشأ عن استعماله من ضرر للغير إلا إذا انحرف بهذا الحق عما وضع له واستعمله استعمالاً كيدياً ابتغاء مضارة الغير وكان الحكم المطعون فيه قد نفي بأسباب سائغة عن المطعون ضدها هذا الانحراف وقصد الإضرار بالطاعن وأثبت أنها كانت تبغي دفع الضرر عنه بغل يده عما بقي له من ماله رعاية لمصلحته وحفاظاً على هذا المال وصيانة له، فإن النعي بهذين السببين يكون في جميع وجوهه على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثالث على الحكم المطعون فيه البطلان، ذلك أنه اعتمد في قضائه على واقعة لا سند لها في الأوراق إذ قرر في أسبابه – ودون أن تكون قضية الحجر تحت نظره – أن نيابة الأحوال الشخصية طلبت تعيين المطعون ضدها الأولى مديرة مؤقتة لإدارة أموال الطاعن ولكن هذا الأخير أطال أمد التقاضي في هذا الطلب حتى تمكن المشتري للقدر الباقي من أطيان الطاعن من الحصول على حكم بصحة التعاقد عن عقد البيع، وتوصل الطاعن بذلك إلى القضاء برفض هذا الطلب المؤقت بعد أن أصبح ولا مال له ولم يعد هناك حاجة لتعيين المطعون ضدها الأولى أو غيرها مديراً لأمواله التي تجرد منها، هذا في حين أن طلب تعيين المدير المؤقت لم ينظر إلا في جلسة واحدة وتقرر رفضه لانتفاء أسباب الحجر دون الأسباب التي ذكرها الحكم المطعون فيه. كما أن الحكم المذكور أخذ على الطاعن أنه لم تقدم أي دليل ينفي تصرفه في جميع أطيانه أو ما يثبت أنه كان رجلاً يعيش في أسرة حياة شريفة تتفق مع ما يقتضيه العقل والشرع، مع أن الطاعن لم ينكر بيعه أطيانه بل أقر بذلك وعلله بظروفه المرضية وظروف ابنته الصحية الأمر الذي أيدته فيه محكمة الأحوال الشخصية، وبالتالي تكون المقدمة التي رتب عليها الحكم النتيجة التي انتهى إليها تخالف الثابت في الأوراق وتناقضها بما تنهار معه هذه النتيجة وهو ما يبطل الحكم.
وحيث إن هذا النعي في جميع وجوهه غير منتج، ذلك أنه لما كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه برفض دعوى الطاعن بتعويضه عن الضرر الذي لحقه من تقديم طلب الحجر عليه للسفه، على أن ذلك الطلب لم يقصد بتقديمه الإضرار به بل استهدف صالحه والإبقاء على ما تبقى من ماله هو ما يكفي لحمل قضاء الحكم، فإن الأسباب الوارد عليها النعي بهذا السبب تكون زائدة على حاجة الدعوى ويستقيم الحكم بدونها، وبالتالي يكون النعي عليه للخطأ الوارد فيها – بفرض صحته – غير منتج.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.


[(1)] الطعن رقم 310 سنة 34 ق جلسة 28/ 12/ 1967 ص 1943 السنة 18.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات