الطعن رقم 521 لسنة 34 ق – جلسة 14 /01 /1969
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 20 – صـ 95
جلسة 14 من يناير سنة 1969
برياسة السيد المستشار/ بطرس زغلول، وعضوية السادة المستشارين: أحمد حسن هيكل، ومحمد صادق الرشيدي، وإبراهيم الديواني، وعبد العليم الدهشان.
الطعن رقم 521 لسنة 34 القضائية
( أ ) استئناف. "الحكم في الاستئناف". "تسبيبه".
القضاء بإلغاء الحكم المستأنف. أثره. إحالة الحكم الاستئنافي في بيان الواقع إلى ما
ورد بالحكم الابتدائي الملغي. جائز.
(ب) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير عمل الخبير". خبرة.
استقلال محكمة الموضوع بالأخذ برأي خبير دون آخر.
(ج) استئناف. "الحكم في الاستئناف". "تسبيبه".
عدم التزام محكمة الاستئناف بالرد على أسباب الحكم المستأنف الذي ألغته. حسبها قيام
حكمها على أسباب كافية لحمله.
(د) محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير القرائن".
محكمة الموضوع. لها أن تستدل على وقوع التزوير بما تستخلصه من قرائن. استقلالها بتقدير
قوة القرائن في الإثبات. مناقشة كل قرينة على حدة. غير جائز.
(هـ) حكم. "عيوب التدليل". "التناقص".
التناقض الذي يعيب الحكم هو ما تتماحى به أسبابه أو التناقض الواقع في أساس الحكم.
1 – القضاء بإلغاء الحكم المستأنف يزيل الحكم بجميع آثاره بما يسقط عنه حجيته. ولئن
كانت لا تجوز الإحالة إلى ما ألغي من الحكم إلا أنه يعيب الحكم الاستئنافي – وعلى ما
جرى به قضاء محكمة النقض – أن يحيل في بيان الوقائع إلى ما ورد بالحكم الابتدائي وإن
قضى بإلغائه [(1)].
2 – المقرر في قضاء محكمة النقض أن الأخذ برأي خبير أو بآخر من آراء الخبراء مما تستقل
به محكمة الموضوع وأن مؤدى الأخذ برأي أحد الخبراء دون غيره أن المحكمة لم تر في آراء
من لم تأخذ برأيهم ما يفيد اقتناعها في الدعوى.
3 – لا تلتزم محكمة الاستئناف متى ألغت الحكم الابتدائي الصادر في الدعوى ببحث وتفنيد
أسباب هذا الحكم ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب تكفي لحمله.
4 – للمحكمة في مواد التزوير أن تستدل على وقوعه بما تستخلصه من القرائن المقدمة في
الدعوى. وتقدير قوة القرائن في الإثبات هو مما تستقل به محكمة الموضوع متى قام قضاءها
على أسباب مقبولة. ولا يجوز مناقشة كل قرينة على حدة لإثبات عدم كفاية كل منها في ذاتها
للإثبات [(2)].
5 – التناقض الذي يعيب الحكم هو ما تتماحى به أسبابه بحيث لا يبقى بعدها ما يكمن حمل
الحكم عليه أو أن يكون التناقض واقعاً في أساس الحكم بحيث لا يمكن أن يفهم معه على
أي أساس قضت المحكمة بما قضت به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في أن
الطاعن تقدم إلى رئيس محكمة الإسكندرية الابتدائية بتاريخ 17/ 8/ 1959 يطلب إصدار أمر
أداء ضد عبده عبده زغلول بمبلغ 3500 ج وقال الطاعن بياناً لطلبه إنه يداين هذا الشخص
بالمبلغ المطالب به وهو الباقي له من سند مؤرخ 1/ 9/ 1944 بمبلغ 5009 ج و 500 م يستحق
الوفاء وقت الطلب. رفض رئيس المحكمة إصدار الأمر وحدد جلسة لنظر الدعوى التي قيدت برقم
1225 سنة 1959 مدني كلي الإسكندرية. واستصدر الطاعن أمراً من قاضي الأمور الوقتية بتقدير
دينه بالمبلغ المذكور والإذن بتوقيع الحجز تحت يد المطعون عليهم الثلاثة الأخيرين وطلب
الحكم بصحة إجراءات الحجز أثناء نظر الدعوى تقدمت نوال عبده عبده زغلول بطلب الحكم
بقبول تدخلها في الدعوى تأسيساً على أن والدها عبده زغلول – المدعى عليه – غائب غيبة
منقطعة قبل رفع الدعوى وأن الإجراءات في شأن إثبات غيبته وتعيين وكيل عنه مطروحة أمام
محكمة الأحوال الشخصية ثم انسحبت طالبة التدخل من الدعوى وطلب المطعون عليه الأول باعتباره
وكيل الغائب عبده عبده زغلول قبول تدخله فيها ووجه إليه الطاعن الطلبات سالفة البيان.
وقرر المطعون عليه الأول بالطعن في السند موضوع الدعوى بالتزوير، وبتاريخ 29 يناير
سنة 1961 حكمت المحكمة بقبول الشاهد الأول من شواهد التزوير وبندب قسم أبحاث التزييف
والتزوير بمصلحة الطب الشرعي لفحص السند موضوع الطعن لبيان ما إذا كان فيه كشط وإضافة
في صلبه وبياناته المحررة بالمداد الأخضر تدل على أن أصله كان مبلغ 500 قرش ثم أضيف
إليه 950 بحيث أصبح 500590 قرش. قدم قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية تقريراً
انتهى فيه إلى أن السند المطعون فيه بالتزوير كان محرراً أصلاً بمبلغ 500 قرش ثم عدل
إلى المبلغ الوارد به حالياً هو 500950 قرش على النحو المبين بصلب التقرير. قدم الطاعن
تقريراً استشارياً من أحد خبراء الخطوط انتهى فيه إلى أن السند "لم يستجد فيه جديد
على العبارات الثابتة في حالياً". وبتاريخ 16 يونيه سنة 1962 حكمت المحكمة بندب قسم
أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي بالقاهرة للاطلاع على ملف الدعوى والسند
المطعون فيه بالتزوير وبيان ما إذا كان السند صحيحاً والمبلغ المدون به لم يحدث فيه
أي تعديل أم أن به تعديلاً وإضافات جديدة وبيان أوجه الخلاف بين التقريرين المقدمين
في الدعوى وترجيح أحدهما على الآخر من الناحية الفنية. وقدم الخبير تقريره وانتهى فيه
إلى أن كافة بيانات السند المطعون فيه بالتزوير محررة بمداد واحد وبخط واحد وبريشة
واحدة وأن هذا السند حرر من الأصل بمبلغ 500950 قرش دون أن يتناول أحد بياناته بعد
ذلك التعديل. وبتاريخ 5 يناير سنة 1963 قضت المحكمة برفض الادعاء بتزوير السند وبإلزام
المطعون عليه الأول بصفته بأن يدفع للطاعن مبلغ 3500 ج وبصحة إجراءات الحجز تحت يد
المطعون عليهم الثلاثة الأخيرين. استأنف المطعون عليه الأول هذا الحكم أمام محكمة استئناف
الإسكندرية وقيد الاستئناف برقم 170 سنة 19 ق. وبتاريخ 3 فبراير سنة 1964 حكمت محكمة
الاستئناف باستجواب طرفي الخصومة وبعد أن تم الاستجواب قضت بتاريخ 22/ 6/ 1964 بإلغاء
الحكم المستأنف وبرد وبطلان السند للمطعون عليه بالتزوير المنسوب صدوره من الغائب عبده
عبده زغلول وبرفض الدعوى موضوعاً. قرر الطاعن بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت
النيابة العامة مذكرة دفعت فيها ببطلان الطعن بالنسبة للمطعون عليهم الثلاثة الأخيرين
لعدم إعلانهم بتقرير الطعن وأبدت الرأي بنقض الحكم بالنسبة للمطعون عليه الأول وبالجلسة
المحددة لنظر الطعن التزمت النيابة رأيها السابق.
وحيث إن هذا الدفع صحيح ذلك أنه يبين من الاطلاع على أصل ورقة إعلان الطعن أن هذا الطعن
قد إدراكه القانون رقم 43 سنة 1965 قبل أن يعرض على دائرة فحص الطعون ولما كانت أوراق
الطعن قد خلت مما يثبت قيام الطاعن بإعلان المطعون عليهم الثلاثة الأخيرين بتقرير الطعن
طبقاً للمادة الثالثة من القانون المشار إليه وخلال الميعاد المقرر بالمادة 431 من
قانون المرافعات قبل تعديلها بالقانون رقم 401 سنة 1955 أو خلال الميعاد الذي منحه
له القانون رقم 4 بالقانون 401 سنة 1955 أو خلال الميعاد الذي منحه له القانون رقم
4 سنة 1967، فإنه يتعين – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – إعمال الجزاء المنصوص
عليه في المادة 431 المشار إليها والقضاء ببطلان الطعن بالنسبة للمطعون عليهم الثلاثة
الأخيرين.
وحيث إن الطعن بالنسبة لمن عدا المطعون عليهم الثلاثة الأخيرين قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الطعن أقيم على أربعة أسباب ينعى الطاعن بالسبب الأول والسبب الرابع علب الحكم
المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقول إن الحكم
المطعون فيه أحال فيما يتعلق ببيان وقائع الدعوى إلى حكم محكمة أول درجة وإلى التقرير
الأول والذي قدمه قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي بالإسكندرية، مع أنه
حدث في الدعوى وقائع تالية وهي ندب قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي
بالقاهرة لتقديم تقرير يرجح بين تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية وبين
التقرير الاستشاري الذي قدمه الطاعن، وقد قدم قسم أبحاث التزييف والتزوير بالقاهرة
تقريراً انتهى فيه إلى صحة السند، لذلك فقد ادعى المطعون عليه الأول أن التزوير لم
يحصل فعلاً بتغيير قيمة السند بل أيضاً بتغيير اسم الدائن إلا أن الحكم المطعون فيه
لم يحصل وقائع الدعوى هذه مما يبطله، كذلك اعتمد الحكم في القضاء بتزوير السند المطعون
فيه على تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية ولم يعرض إلى التقرير الاستشاري
وتقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالقاهرة فيما أورداه من صحة السند المطعون فيه
واللذين اعتمدهما الحكم الابتدائي ولم يرد عليه في هذا الخصوص ولم يقم بالموازنة بين
هذين التقريرين وبين التقرير الذي اعتمده مما يعيبه بالقصور في التسبيب.
وحيث إن النعي في شقه الأول مردود ذلك وأنه وإن كان القضاء بإلغاء الحكم المستأنف يزيل
الحكم بجميع آثاره بما يسقط عنه حجيته، ولئن كانت لا تجوز الإحالة إلى ما ألغى من الحكم
إلا أنه لا يعيب الحكم الاستئنافي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن يحيل في
بيان الوقائع إلى ما ورد بالحكم الابتدائي وإن قضى بإلغائه. لما كان ذلك وكان البين
من الحكم المطعون فيه أنه وإن قضى بإلغاء الحكم الابتدائي إلا أنه ورد في خصوص وقائع
الدعوى أنها مبينة تفصيلاً بالحكم المستأنف ولا يرى الحكم ما يبرر إعادة تفصيلها، وإذ
أورد الحكم الابتدائي المنضم للأوراق جميع الوقائع المتعلقة بالدعوى والتي أشار إليها
الطاعن بهذا الشق من الطعن، فإن النعي على الحكم بالبطلان في هذا الخصوص يكون على غير
أساس. والنعي في شقه الثاني مردود، ذلك أن الحكم المطعون فيه انتهى إلى القضاء بتزوير
السند المطعون فيه استناداً إلى قوله "يبين من مطالعة السند المطعون عليه أنه محرر
بمديونية عبده عبده زغلول – الذي يمثله المطعون عليه الأول – إلى عبد المنعم حسن الشيخ
(الطاعن) في مبلغ خمسة آلاف جنيه وتسعة جنيهات ونصف جنيه إنما قد صيغت كتابة هذا المبلغ
بالقروش أرقاماً وحروفاً. وهذا السند موضوع لتحريره تاريخ أول سبتمبر سنة 1944 أما
موعد وفائه فقد ذكر عنه أنه (تحت الطلب). وحيث إن قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية
انتهى من فحص ذلك السند إلى ما أثبته في تقريره… وهو أن السند كان محرراً أصلاً بمبلغ
خمسمائة قرش ثم عدل إلى القيمة المدونة به حالياًَ أي مبلغ 500950 قرش وذلك بكشط لفظة
(قرش) التالية للفظة (خمسمائة) لكل من تفقيطتي المبلغ ثم أضيفت العبارة الآتية (ألف
وتسعمائة وخمسين قرشاً) كما أضيف إلى يمين العدد الأصلي الأرقام الآتية: (9 و5
و0) حتى أصبح . وحيث إن المحكمة تطمئن إلى الأخذ بما رآه ذلك الخبير للأسباب
التي أقيم عليها وتعتمدها هذه المحكمة غير آخذة بما ذهب إليه خبير قسم أبحاث التزييف
بالقاهرة ولا بما ذهب إليه الخبير الاستشاري الذي اصطفاه المطعون ضده (الطاعن). وإنما
ينبعث اطمئنان المحكمة من القرائن الآتية وهي المستخلصة من استجوابها لهذا الأخير بجلسة
8 مارس سنة 1964 ومن باقي ظروف الدعوى (أولاً) أنه من غير المألوف أن يحرر سند بالقروش
عن هذا المبلغ المقدر بألوف الجنيهات (ثانياً). أنه من غير المألوف كذلك أن يكون الدين
بآلاف الجنيهات ومعها خمسون قرشاً وتسعة جنيهات (ثالثاً) أنه من غير المعقول عقلاً
أن يجرؤ مدرس إلزامي سنة 1944 على دفع خمسة آلاف وتسعة جنيهات ونصف عربوناً (كما زعم
في استجوابه) لأرض موقوفة على أمل خيالي هو حل الوقف أو استبداله، ووقتئذ كان المرسوم
بقانون 180 سنة 1952 الذي انتهى به الوقف الأهلي في عالم الغيب ومرتب مثل هذا المدرس
المستأنف ضده الأول (الطاعن) لا يتجاوز بضعة جنيهات.
(رابعاً) وكان من المعقول لو أن واقعة شرائه لتلك الأرض صحيحة وكان حقاً يدفع لبائعه
مبالغ متتالية أن يقف إعطاءه النقد عندما وصلت في مجموعها بضع مئات لكن هذا على حد
قوله لم يحصل. (خامساً) أنه لم يستطع أن يبين للمحكمة مصدر تلك الألوف وإنما ادعى أنه
ورث عن أبيه مبلغاً لم يستطع تحديد مقداره وإنما قصر قوله على أنه مبلغ كبير (سادساً)
أنه قال عن صناعة والده أنه كان تاجراً بالجملة والقطاعي لكنه لم يستطع تحديد نوع تجارته
(سابعاً) ومن غير المقبول أن يقدم مثله على شراء خمسين فداناً صفقة واحدة وهو يكدح
طوال الشهر لقاء بضعة جنيهات. (ثامناً) أنه أجاب على سؤال للمحكمة بأن أصغر مبلغ دفعه
لمدينه كان خمسين جنيهاً ولم ينتبه إلى الجنيهات التسعة والنصف الواردة في السند إلا
لما سألته المحكمة بعد ذلك عما إذا كان لم يدفع لمدينة أقل من خمسين جنيهاً في أي مرة
فعندئذ… استدرك فقال تسعة جنيهات ونصف. (تاسعاً) أنه عندما قرر أن المدين رد إليه
بعض الدين قال إن ذلك الرد كان على دفعات فلما سئل عن مقدارها قال أنها بين المائة
والمائتين فلما ووجه بالجنيهات التسعة والنصف لم يستطع أن يجيب إجابة شافية. (عاشراً)
إن السند خال من توقيع أي شاهد. (حادي عشر) إن المطعون ضده لم يدلل على واقعة الشراء
المزعومة وإنما ادعى أنه مزق عقد البيع مع بالغ أهمية الاحتفاظ به. (ثاني عشر) إنه
لم يستطع تعليل صبره عن التقاضي منذ سنة 1944 (تاريخ السند) حتى سنة 1959 (تاريخ رفع
الدعوى) وهي مدة تقرب من الخمسة عشر عاماً مع أن المعقول أنه كان يتلهف على استصدار
حكم بالدين في سنة 1952 بمجرد صدور تشريع انتهاء الوقف الأهلي والأبلغ من هذا تعليله
ذلك الانتظار بأنه أنفق سبعة آلاف أخرى من الجنيهات في تشييد منزل له في سنة 1949 ثم
تزوج في سنة 1956 فكلفه ذلك الزواج ستمائة جنيه ومع أن إنفاق هذين المبلغين لم يكن
يحول دون المطالبة بالدين الكبير. (ثالث عشر) إن المستأنف ضده الأول لما أحس بالحرج
بادر بإلصاق الاتهام بغيره فنسبه إلى مجهول زعم أنه عبث بالسند وهو مودع ملف الدعوى
لدى قلم الكتاب، ولقد فاته ما بان لخبير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية وهو
ما استبانته أيضاً هذه المحكمة بالنظر المجرد، ذلك هو وجود نشع للمداد على ظهر السند
عند الثقوب التي حدثت عند تغيير الحقيقة وإعادة الكتابة على بعض الكلمات فلو كانت الثقوب
محدثة في السند وهو في قلم الكتاب أي بعد تحريره بعدة سنوات لما ظهر أي نشع على ظهر
الورقة". وهذا الذي أورده الحكم مفاده أنه أخذ بتقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية
وبالقرائن التي أوردها واستقاها من استجواب الطاعن ومن أوراق الدعوى للقضاء بتزوير
السند المطعون فيه وترجيح الحكم هذا التقرير على التقريرين الأخيرين. ولما كان من المقرر
في قضاء هذه المحكمة أن الأخذ برأي خبير أو بآخر من آراء الخبراء مما تستقل به محكمة
الموضوع وأن مؤدى الأخذ برأي أحد الخبراء دون غيره أن المحكمة لم تر في آراء من لم
تأخذ برأيهم ما يفيد اقتناعها في الدعوى، وإذ لا تلتزم محكمة الاستئناف متى ألغت الحكم
الابتدائي الصادر في الدعوى ببحث وتفنيد أسباب هذا الحكم ما دامت قد أقامت قضاءها على
أسباب تكفي لحمله، وكان الحكم المطعون فيه على ما سلف بيانه قد انتهى في أسباب مقبولة
استخلصها من تقرير الخبير الذي اعتد برأيه وأحال إليه ومن القرائن المستمدة من الاستجواب
وأوراق الدعوى إلى ترجيح التقرير الأول على التقريرين الآخرين، وإذ تكفي هذه الأسباب
لحمل الحكم فيما انتهى إليه من أن السند مزور فإن النعي على الحكم بالقصور في التسبيب
يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه التناقض ويقول في بيان ذلك
إن المطعون عليه الأول تمسك أمام محكمة أول درجة وأمام محكمة الاستئناف بأن التزوير
في السند لم يحصل بتغيير قيمة الدين وحده بل وبتغيير اسم الدائن وقد أخذ الحكم المطعون
فيه بنتيجة تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية الذي انتهى إلى حصول التزوير
بتغيير قيمة المبلغ الوارد بالسند المطعون فيه دون أن يعرض التقرير إلى حصول تغيير
في اسم الدائن مما يعيب الحكم بالتناقض.
وحيث إن هذا النعي مردود ذلك أن الحكم المطعون فيه قد اعتد بتقرير الخبير الأول الذي
ندبته المحكمة لفحص ما إذا كان قد حصل تغيير في قيمة الدين الوارد في السند المطعون
فيه، وقد انتهى هذا الخبير إلى أن السند كان محرراً أصلاً بمبلغ 500 قرش ثم عدل إلى
القيمة المدونة به حالياًَ وهي 500950 قرش ولما كان التناقض الذي يعيب الحكم هو ما
تتماحى به أسبابه بحيث لا يبقى بعدها ما يمكن حمل الحكم عليه أو أن يكون التناقض واقعاً
في أساس الحكم بحيث لا يمكن أن يفهم معه على أي أساس قضت المحكمة بما قضت به، وكان
الحكم قد اعتبر أن التزوير حصل بتغيير قيمة الدين الواردة في السند على النحو الذي
أورده الخبير في تقريره وهو ما يكفي للقضاء برد وبطلان السند فإن النعي على الحكم بهذا
السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثالث وباقي السبب الرابع على الحكم المطعون فيه الفساد
في الاستدلال والقصور في التسبيب، وفي بيان ذلك يقول إن الحكم أقام قضاءه بتزوير السند
على مجرد الشك والظن استناداً إلى أنه من غير المألوف أن يحرر السند بالقروش والدين
الوارد فيه بآلاف الجنيهات كما ذهب الحكم إلى أنه من غير المألوف أن يحرر السند بآلاف
الجنيهات ويرد ضمنه مبلغ 950 قرش وأنه من غير المقبول أن يدفع الطاعن وهو مدرس إلزامي
مثل هذا المبلغ سنة 1944 ولم يستطع بيان مصدره، وهذه القرائن كلها من الحكم قائمة على
الظن دون اليقين الذي يجب أن تبنى عليه الأحكام، كما أنه ما كان يجوز القضاء بتزوير
السند عن طريق التشكك في أمره.
وحيث إن هذا النعي مردود بأن الحكم أقام قضاءه بتزوير السند على ما سلف بيانه في الرد
على السبب الأول استناداً إلى تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بالإسكندرية وإلى القرائن
الأخرى التي ساقها. ولما كان للمحكمة في مواد التزوير أن تستدل على وقوعه بما تستخلصه
من القرائن المقدمة في الدعوى، وكان تقدير قوة القرائن في الإثبات هو مما تستقل به
محكمة الموضوع متى قام قضاءها على أسباب مقبولة، وإذ لا يجوز مناقشة كل قرينة على حدة
لإثبات عدم كفاية كل منها في ذاتها للإثبات، وكان الحكم المطعون فيه لم يقض بتزوير
السند إلا بعد أن أجرت المحكمة تحقيقه بندب خبيرين في الدعوى واستنادها إلى القرائن
فيها وهي قرائن متساندة وتؤدي إلى ما انتهى إليه الحكم فإن النعي عليه بالفساد في الاستدلال
والقصور في التسبيب يكون على غير أساس.
وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.
[(1)] نقض 23/ 1/ 1936 مجموعة القواعد القانونية لمحكمة النقض في
ربع قرن جـ 1 رقم 190 ص 565.
[(2)] نقض 28/ 2/ 1952 طعن 68 لسنة 20 ق مجموعة القواعد السابقة رقم 24 ص 546.
