الطعن رقم 142/ 138 سنة 16 ق – جلسة 22 /06 /1950
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
السنة الأولى – من 27 أكتوبر سنة 1949 لغاية 22 يونيه سنة 1950 – صـ 619
جلسة 22 من يونيه سنة 1950
برياسة حضرة صاحب العزة أحمد حلمي بك وكيل المحكمة وحضور حضرات أصحاب العزة: عبد المعطي خيال بك وعبد الحميد وشاحي بك وسليمان ثابت بك ومصطفى فاضل بك المستشارين.
القضية رقم 142/ 138 سنة 16 القضائية
ا – نقض. بيان أسباب الطعن. إبهام بعض الأسباب لا يبطل الطعن.
مثال. طعنان في حكم واحد. بعض أسباب كل منهما مبهم لا يفهم إلا بضمه إلى غيره. لا يترتب
عليه بطلان صحيفة كل من الطعنين جملة.
ب – نقض. ولاية المجالس الملية في وصايا غير المسلمين. قصرها على الحالة التي يتراضى
فيها ورثة الموصي على حسب الشريعة الإسلامية على الاحتكام إليها. النعي على الحكم بأنه
أخذ بهذا المذهب على خلاف ما كان مستقراً عليه القضاء وقت صدوره. لا يصح. ذلك المذهب
يعتبر أنه مقصود الشارع منذ تنظيم اختصاص المجالس الملية. التراضي الذي يصح التحدي
به.
جـ – اختصاص. المودع لديه لا يعتبر خصماً حقيقياً في دعوى النزاع على ملكية الأموال
المودعة.
د – اختصاص. دعوى مرفوعة إلى المحكمة المختلطة بطلب صرف أموال مودعة لدى بنك. فصلها
في ملكية هذه الأموال المتنازع عليها بين وطنيين. مجاوزة لحدود اختصاصها. الحكم الذي
تصدره لا حجية له.
هـ – قوة الشيء المحكوم فيه. حكم صادر من محكمة خارج ولايتها. قبوله أو تنفيذه. لا
يسبغ عليه قوه الأمر المقضي. هو يعتبر كأنه لم يكن. للمحكمة ذات الولاية أن تنظر في
النزاع الذي فصل فيه كأنه لم يسبق عرضه على القضاء.
و – نقض. وجه طعن مبهم. مثال.
ز – اختصاص. الاتفاق على ما يخالف قواعد الاختصاص المتعلقة بالنظام العام. لا يجوز
اتفاق الخصوم على اختصاص المحاكم المختلطة أو تدخلهم في دعوى أمامها ليست من اختصاصها.
لا يترتب عليه اختصاصها.
1 – متى كان من أسباب الطعن ما هو مبين وفق القانون بحيث يتحدد به مقصود الطاعن فيما
يعيبه على الحكم، فإن الطعن لا يكون باطلاً ولو كان بعض أسبابه قد جاء مبهماً. وإذن
فإذا قدم طعنان في حكم واحد وطلبت النيابة الحكم ببطلان صحيفة كل منهما استناداً إلى
أن أسباب كل منهما لم تبين في التقرير على صورة تكشف عن المقصود منها وتحدد ما يعاب
به الحكم، وقررت المحكمة ضم الطعنين أحدهما إلى الآخر، وكان بعض أسباب كل من الطعنين
قد جاء مبهماً بحيث لا يفهم المقصود منه إلا بضمه إلى بعض الأسباب الأخرى، فذلك لا
يترتب عليه بطلان صحيفة كل من الطعنين جملة.
2 – إن قصر ولاية المجالس الملية في مسائل وصايا غير المسلمين على الحالة التي يتراضى
فيها ورثة الموصي على حسب الشريعة الإسلامية على الاحتكام إليها هو المذهب السليم قانوناً.
ومتى كان الأمر كذلك فإن هذا المذهب يعتبر أنه هو مقصود الشارع منذ أن نظلم اختصاص
المجالس الملية بالنسبة إلى وصايا غير المسلمين. وإذن فلا يصح النعي على الحكم بمقولة
إنه إذ أخذ بهذا المذهب قد خالف ما كان القضاء مستقراً عليه وقت صدوره.
ولا يجدي في الاحتجاج بتراضي ورثة الموصي على الاحتكام إلى المجلس الملي أن يكون فريق
المتنازعين من الورثة قد تدخلوا في الدعوى أمام المجلس متى كان تدخلهم لا بقصد موافقتهم
على الاحتكام إليه في شأن الوصية بل للدفع بعدم اختصاصه.
3 – ما دام قضاء المحاكم المختلطة كان يجري على أن ذمة المودع لديه تبرأ بإيداعه الأموال
المتنازع عليها خزانة المحكمة، كما له أن يتربص حتى يفصل في النزاع القائم على تلك
الأموال من الجهة المختصة بالفصل، فإن المودع لديه لا يكون خصماً حقيقياً في الدعوى
التي تقوم على ملكية الأموال المتنازع عليها.
وبما أن اختصاص المحاكم المختلطة كان مقصوراً على المنازعات التي يكون فيها أحد الخصمين
أجنبياً، والمادة 33 من لائحة التنظيم القضائي كانت تنص على أن اختصاص هذه المحاكم
يتحدد بجنسية الخصوم الذين تقوم الدعوى بينهم فعلاً، والمقصود بعبارة الدعوى في هذا
الخصوص هو الخصومة القائمة على المنازعة في حق من الحقوق – فإن القضاء بأن المودع لديه
الذي لم يكن مطلوباً منه إلا أن يوفى وفاء صحيحاً إلى من يثبت لدى المحكمة المختصة
أنه صاحب الحق في الأموال المتنازع عليها، لم يكن خصماً حقيقياً في الدعوى يكون موافقاً
لحكم القانون.
4 – إذا كانت المحكمة المختلطة قد تعدت حدود الدعوى التي كانت مرفوعة إليها بطلب صرف
أموال مودعة لدى بنك إلى الفصل في ملكية الأموال المتنازع عليها بين وطنيين فإن حكمها
يكون قد صدر خارج ولايتها فلا تكن له أية حجية.
5 – متى كان الحكم صادراً من محكمة خارج حدود ولايتها فإن قبوله أو تنفيذه ليس من شأن
أيهما أن يسبغ عليه قوة الأمر المقضي، بل إن هذا الحكم يعتبر كأنه لم يكن بحيث يكون
للمحكمة ذات الولاية إذا ما رفع إليها النزاع أن تنظر فيه كأنه لم يسبق عرضه على القضاء.
6 – إذا كانت عبارة وجه الطعن في الحكم هي أنه "خالف أحكام القانون ببحث موضوع الدعوى
تمهيداً للحكم في الدفع بعدم جواز سماعها لسبق الفصل فيها على أساس هذا البحث"، فإنه
يكون سبباً مبهماً لا يتحدد به ما يعيبه الطاعن على الحكم فلا يكون مقبولاً.
7 – إن تدخل الخصوم في دعوى أمام المحكمة المختلطة ليست من اختصاصها بل إن اتفاقهم
على اختصاصها لا يمكن أن يترتب عليه اختصاصها بنظرها، لأن الاتفاق على ما يخالف قواعد
الاختصاص المتعلقة بالنظام العام غير جائز، ولأن تحديد اختصاص المحاكم المختلطة إنما
قصد به قصر ولايتها على منازعات معينة لا يجوز لها مجاوزتها بأية حال، فإذا هي فعلت
كان حكمها في ذلك كأنه غير موجود.
الوقائع
في يوم 29 من سبتمبر سنة 1946 طعن صليب سامي باشا والسيدة منيرة
صليب بطريق النقض في حكم محكمة استئناف مصر الصادر في 7 من أبريل 1946 في الاستئنافات
رقم 549 و550 و551 و552 س ق 62، وذلك بتقرير طلب فيه الطاعنان الحكم بقبول الطعن شكلاً
وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم بعدم جواز سماع الدعوى لسبق الفصل فيها
بشأن جميع التركة وبالنسبة إلى جميع المطعون عليهم مع إلزامهم بالمصروفات وأتعاب المحاماة
مع حفظ كافة الحقوق.
وفي 6 و8 و9 من أكتوبر سنة 1946 أعلن المطعون عليهم بتقرير الطعن. وفي 14 منه أودع
الطاعنان أصل ورقة إعلان المطعون عليهم بالطعن وصورتين مطابقتين للأصل من الحكم المطعون
فيه ومذكرة بشرح أسباب الطعن وحافظة بمستنداتهما. وفي 19 منه أودع المطعون عليه الأول
مذكرة بدفاعه طلب فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة
عن درجات التقاضي الثلاث، وفي 30 منه أودعت المطعون عليها السادسة مذكرة بدفاعها مشفوعة
بمستنداتها طلبت فيها عدم قبول الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات وأتعاب المحاماة،
وفي 31 منه أودعت المطعون عليهن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة مذكرة بدفاعهن
مشفوعة بمستنداتهن طلبن فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنين بالمصروفات وأتعاب المحاماة
مع حفظ كافة الحقوق الأخرى من أي نوع كانت.
وفي 27 من نوفمبر سنة 1947 وضعت النيابة العامة مذكرتها طلبت فيها الحكم أصلياً بقبول
الدفع المقدم منها الخاص ببطلان صحيفة الطعن وذلك بالنسبة إلى جميع الأوجه المدونة
فيها إذ أنها ليست مفصلة واعتبارها كأن لم تكن، واحتياطياً رفض الطعن، وفي جميع الأحوال
إلزام الطاعنين بالمصروفات ومصادرة الكفالة.
وفي يوم 2 من أكتوبر سنة 1946 طعنت السيدة سيسيل جبران جريس بطريق النقض في نفس الحكم،
وذلك بتقرير طلبت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه
وعدم جواز نظر دعوى المطعون عليهم برمتها لسبق الفصل فيها مع إلزامهم متضامنين بالمصروفات
عن جميع مراحل التقاضي وأتعاب المحاماة عنها.
وفي 2 و6 من أكتوبر سنة 1946 أعلن المطعون عليهم بتقرير الطعن، وفي 17 منه أودعت الطاعنة
أصل ورقة إعلان المطعون عليهم بالطعن وصورتين مطابقتين للأصل من الحكم المطعون فيه
ومذكرة بشرح أسباب الطعن وحوافظ بمستنداتها، وفي 19 منه أودع المطعون عليه الأول مذكرة
بدفاعه طلب فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنة بالمصروفات وأتعاب المحاماة عن درجات التقاضي
الثلاث، وفي 30 منه أودعت المطعون عليها السادسة مذكرة بدفاعها مشفوعة بمستنداتها طلبت
فيها رفض الطعن وإلزام الطاعنة بالمصروفات وأتعاب المحاماة، وفي 21 منه أودعت المطعون
عليهن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة مذكرة بدفاعهن طلبن فيها رفض الطعن وإلزام
الطاعنة بالمصروفات وأتعاب المحاماة مع حفظ كافة الحقوق الأخرى من أي نوع كانت، وفي
18 من نوفمبر سنة 1946 أودعت الطاعنة مذكرة بالرد، وفي 4 من ديسمبر سنة 1946 أودعت
المطعون عليهن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة مذكرة بملحظاتهن على الرد مشفوعة
بمستنداتهن.
وفي 27 من نوفمبر سنة 1947 وضعت النيابة العامة مذكرتها وطلبت فيها أصلياً الحكم ببطلان
صحيفة الطعن واعتبارها كأن لم تكن واحتياطياً برفضه وفي جميع الأحوال بإلزام الطاعنة
بالمصروفات ومصادرة الكفالة.
وفي جلسة 26 من يناير سنة 1950 قررت المحكمة ضم الطعن الثاني إلى الطعن الأول لارتباطهما
وحددت لنظرهما جلسة 2 من مارس سنة 1950 وفيها سمعت المرافعة ونزل محامي الطاعنين عن
مخاصمة السيدة إيزابيل واصف جريس وأثبتت المحكمة ذلك ثم استمرت المرافعة في عدة جلسات
وسمعت حسب ما هو مدون بمحضر الجلسة حيث صمم محامو الطرفين في النهاية بجلسة 6 من أبريل
سنة 1950 والنيابة العامة على ما جاء بمذكراتهم، والمحكمة أرجأت إصدار الحكم أخيراً
إلى جلسة اليوم.
المحكمة
من حيث إن النيابة العمومية دفعت ببطلان صحيفة كل من الطعنين واعتبارها
كأن لم تكن استناداً إلى أن أسباب كل منهما لم تبين في تقرير الطعن على صورة تكشف عن
المقصود منها وتحدد ما يعاب به الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إن هذا الدفع مردود بأنه وإن كان بعض أسباب كل من الطعنين قد جاء مبهماً بحيث
لا يفهم المقصود منه إلا بضمه إلى بعض الأسباب الأخرى، إلا أنه لا يترتب على ذلك بطلان
صحيفة كل من الطعنين جملة؛ ذلك أنه متى كان من أسباب الطعن ما هو مبين وفقاً للقانون
بحيث يتحدد به مقصود الطاعن فيما يعيبه على الحكم فإن الطعن لا يكون باطلاً، ومن ثم
يتعين رفضه هذا الدفع.
ومن حيث إن كلا من الطعنين قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الطعن رقم 142 سنة 16 ق المرفوع من السيدة سيسيل جبران جريس بني على تسعة
أسباب حاصل الأول والثاني والرابع منها هو مخالفة الحكم للقانون إذ قرر أن القضاء الوطني
مستقر على أن ولاية المجالس الملية بالنظر في وصايا غير المسلمين مقصورة على الحالة
التي يتراضى فيها ورثة الموصي، على حسب الشريعة الإسلامية على طرح أمر هذه الوصايا
على تلك المجالس. ذلك أن الذي كان مستقراً هو الرأي العكسي القائل باختصاص هذه المجالس
دون غيرها بنظر تلك الوصايا، حتى في الحالة التي لا يتفق فيها ذوو الشأن على الاحتكام
إليها، ولم يتبدل هذا الرأي إلا بعد أن أصدرت محكمة النقض حكميها في هذا الخصوص في
أول أبريل سنة 1943 بعد الفصل في الدعوى الحالية من القضاء المختلط. ولما كان الخطأ
الذي وقعت فيه المحكمة قد أثر في حكمها فإن هذا الحكم يكون قد خالف القانون، كما خالفه
كذلك، تبعاً لما تقدم، إذ أهدر حجية الحكم الصادر من المجلس الملي والقاضي بصحة ونفاذ
الوصية على اعتبار أنه صدر من هيئة لا ولاية لها، مع أن المطعون عليهم قد تدخلوا في
الدعوى أمام المجلس المذكور.
ومن حيث إن هذه الأسباب مردودة بأنه متى كان المذهب الذي أخذ به الحكم من قصر ولاية
المجالس الملية في مسائل وصايا غير المسلمين على الحالة التي يتراضى فيها ورثة الموصي
على حسب الشريعة الإسلامية على الاحتكام إليها، هو المذهب السليم قانوناً، فإن تطبيقه
على واقعة الدعوى لا يكون هو الصحيح قانوناً فحسب، بل إن النكول عنه بدعوى أن القضاء
قد جرى على خلافه يكون خطأ في القانون؛ ذلك أن المذهب السليم يعتبر أنه مقصود الشارع
منذ أن نظم اختصاص المجالس الملية بالنسبة إلى وصايا غير المسلمين، ومتى كان الأمر
كذلك فإنه لا يعيب الحكم أن يكون قضاء المحاكم قد جرى على خلاف المذهب الذي أقام عليه
قضاءه على فرض صحة هذا الزعم، كما أنه ليس مما يبرر نعي الطاعنة على الحكم في هذا الخصوص
استنادها إلى تدخل المطعون عليهم أمام المجلس الملي. ذلك أن هذا التدخل لم يكن بقصد
موافقتهم على الاحتكام إليه في شأن الوصية بل كان للدفع بعدم اختصاصه بالنظر فيها،
كما هو ثابت بحكم المجلس المذكور.
ومن حيث إن حاصل الوجه الأول من السبب الثالث هو خطأ الحكم في تفسير المادة 33 من لائحة
التنظيم القضائي للمحاكم المختلطة إذ ذهب إلى أن الدعوى التي رفعها الموصي لهما أمام
القضاء المختلط على البنكين المودع لديهما بعض الأموال الموصي بها لم يكن فيها البنكان
هما الخصمان فعلاً، بل كان الخصوم فيها هم المطعون عليهم، ووجه الخطأ هو أن الدعوى
إنما رفعت على البنكين لكي يقضي عليهما بتسليم الوديعة لصاحبتي الحق فيها، فكانا هما
الخصمين فعلاً في الدعوى.
ومن حيث إن هذا الوجه مردود أولاً بما أورده الحكم من أن قضاء المحاكم المختلطة قد
جرى على أن ذمة المودع لديه تبرأ بإيداعه الأموال المتنازع عليها خزانة المحكمة، كما
أن له أن يتربص حتى يفصل في النزاع القائم على تلك الأموال من الجهة المختصة بالفصل
فيه، ومن كان هذا وضعه فإنه لا يكون خصماً حقيقياً في الدعوى التي تقوم على ملكية الأموال
المتنازع عليها، ومردود ثانياً بما أثبته الحكم المطعون فيه نقلاً عن الحكم المختلط
المتمسك به من أنه لم تكن للبنكين مصلحة خاصة في النزاع المطروح على المحكمة المختلطة،
إذ كل ما كان مطلوباً منهما هو أن يوفيا وفاء صحيحاً إلى من يثبت لدى المحكمة المختصة
أنه صاحب الحق في الأموال المتنازع عليها، وهو مردود أخيراً بما أثبته الحكم نقلاً
عن الحكم الصادر في 10 من يونية سنة 1940 من محكمة مصر المختلطة، وقد تأيد استئنافياً،
من أن الدعوى نظرت بجلسة 27 من مايو سنة 1940 فطلب الحاضر عن الموصي لهما الحكم "بإلزام"
البنكين بتسليمهما ما تحت أيديهما من تركة المرحوم جبران جريس وطلب الحاضر عن بنك باركليز
أولاً إثبات استعداده لتسليم ما تحت يده إلى من تعينهم المحكمة بقرار نهائي منها، وثانياً
رفض طلب الموصي لهما الحكم "بإلزامه" بأن يدفع ما تحت يده مع الفوائد القانونية من
يوم المطالبة الرسمية، وثالثاً رفض طلب الموصي لهما الحكم بإلزامه بمصروفات الدعوى،
وطلب الحاضر عن البنك الأهلي كذلك إثبات أنه لا يقبل الحكم "بإلزامه" بتسليم ما تحت
يده ويطلب مجرد الترخيص له في تسليم ما تحت يده إلى من تعينهم المحكمة بقرار نهائي
منها.
وقد وافق الحاضر عن الموصي لهما على ذلك وصدر الحكم فعلاً على هذا الأساس وهو "يأمر"
البنكين بتسليم ما تحت أيديهما إلى الموصي لهما "ويلزم" المدعى عليهم بمصروفات الدعوى.
وقد تأيد هذا الحكم من محكمة الاستئناف المختلطة. ويبين مما تقدم أن ما ذهب إليه الحكم
المطعون فيه من أنه لم تكن ثمة منازعة بين الموصي لهما والبنكين كان صواباً، ولما كان
اختصاص المحكمة المختلطة مقصوراً على المنازعات التي يكون فيها أحد الخصمين أجنبياً،
وكانت المادة 33 من لائحة التنظيم القضائي قد نصت على أن اختصاص هذه المحاكم يتحدد
بجنسية الخصوم الذين تقوم بينهم الدعوى فعلاً. ولما كان المقصود بعبارة الدعوى في هذا
الخصوص هو الخصومة القائمة على المنازعة في حق من الحقوق، بدليل ما جاء في المادة 40
من لائحة التنظيم القضائي من أنه لا يترتب على تحويل حق إلى سأجنبي أو إدخال أجنبي
في الدعوى أو تسخير أجنبي فيها جعل المحاكم المختلطة مختصة بالفصل في منازعات من اختصاص
المحاكم الوطنية متى كانت الحوالة أو الإدخال في الدعوى أو التسخير قد قصد به انتزاع
تلك الدعاوى من اختصاص المحاكم الوطنية – لما كان ذلك كذلك فإن ما قضى به الحكم المطعون
فيه من أن البنكين لم يكونا خصمين حقيقيين في الدعوى يكون موافقاً لحكم القانون ويكون
النعي عليه على غير أساس.
ومن حيث إن الوجه الثاني من هذا السبب يتحصل في أن المحكمة أخطأت في تفسير المادة 37
من لائحة التنظيم القضائي إذ تصورت وجود دعويين إحداهما أصلية والأخرى تبعية في حين
أن الدعوى التي رفعت إلى المحكمة المختلطة لم تكن إلا دعوى أصلية في مجموعها ولم يكن
الاستناد إلى حكم المجلس الملي إلا ليكون دعامة لرد الوديعة.
ومن حيث إن هذا الوجه مردود بأنه غير منتج؛ لأنه ما قرره الحكم في هذا الخصوص إنما
كان من قبيل تعقب دفاع الطاعنين وتفنيده وكان بحسبه أن يقيم قضاءه على أن الحكم الصادر
من المحكمة المختلطة ليس له أية حجية لصدوره منها خارج حدود ولايتها دون حاجة إلى البحث
فيما إذا كانت الدعوى التي رفعت إلى المحكمة المختلطة تعتبر دعوى أصلية أو تبعية بالنسبة
إلى الدعوى التي رفعت إلى المحكمة الوطنية.
ومن حيث إن حاصل السببين الخامس والسادس هو خطأ الحكم فيما قضى به من عدم حجية القضاء
المختلط، مع أن هذا القضاء ذو اختصاص عام، وهو صنو القضاء الوطني وصاحب النظرية القائلة
بحق القضاء العام في الرقابة على المحاكم الاستثنائية. ولازم ذلك أنه إذا ما تعرض القضاء
المختلط وهو ينظر في نزاع مطروح عليه لتقدير حكم صادر من المجلس الملي فإن القضاء الوطني
لا يملك الإشراف على تقديره، فإن هو فعل ذلك وأهدر حجية الحكم المختلط فإنه يكون قد
خالف القانون.
ومن حيث إن هذين السببين مردودان بأنه إذا صحت دعوى الطاعنين بأن القضاء المختلط صنو
القضاء الوطني فلازم ذلك أن يلتزم كل منهما حدود ولايته على ما رسمتها القوانين والمعاهدات،
فإذا ما تخطى القضاء المختلط هذه الحدود وتعدى على ولاية القضاء الوطني كان عمله حابطاً
وحكمه عديم الحجية، وكان للقضاء الوطني، بل كان عليه أن ينظر في الخصومة المرفوعة إليه
مطرحاً الحكم المختلط كأنه لم يكن، وهو ما جرى به فعلاً قضاء هذه المحكمة، إذ قررت
أن "المحاكم الوطنية هي محاكم القانون العام، إلا ما استثنى منها بنص صريح، وأنه إذا
كانت قواعد الاختصاص من النظام العام فإنه لا يصح الاتفاق على ما يخالفها، والحكم الذي
يخرج عن نطاق ولاية المحكمة التي أصدرته يكون باطلاً فلا يجوز تنفيذه".
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قرر أن القضاء المختلط قد جرى على أن الدعوى التي يطلب
بها بصفة أصلية تنفيذ وصية متنازع عليها لا تكون من اختصاص القضاء المختلط متى كان
الخصوم الذين تقوم بينهم المنازعة فعلاً غير تابعين له. وقد وكدت عبارة الفقرة الأولى
من المادة 37 من لائحة التنظيم القضائي هذا المعنى إذ جاء في وثائق مونترو (ص 204)
أن المقصود منها هو أن يخصص لكل شخص قاضية الطبيعي، ولما كانت المنازعة في صحة الوصية
لا تقوم إلا بين مصريين فإن القضاء الوطني يكون هو وحده المختص بالفصل فيها، وليس من
شأن الدعوى التي رفعت على البنكين أمام القضاء المختلط تخويل هذا القضاء حق النظر في
المنازعة المذكورة – لما كان ذلك كذلك فإن المحكمة المختلطة، وقد تعدت حدود الدعوى
التي كانت مرفوعة إليها بطلب صرف الأموال المودعة لدى البنكين إلى الفصل في ملكية الأموال
المتنازع عليها وبين وطنيين فإن حكمها يكون قد صدر منها خارج حدود ولايتها ومن ثم فإنه
يكون معدوم الحجية، وتبعاً يكون ما قرره الحكم المطعون فيه في هذا المعنى هو الصواب
قانوناً.
ومن حيث إن حاصل السبب السابع هو مخالفة الحكم للقانون إذ ذهب إلى أن الحالة الواردة
بالمادة 479 من قانون المرافعات المختلط، وإن لم تكن هي حالة الدعوى الحالية، إلا أنها
من أقرب الأحوال إليها. ووجه الخطأ هو أن الموصي لهما إنما كانا يطالبان بمالهما، أما
ما تحدثت عنه المادة 479 المذكورة فهو الحجز التحفظي على مال الغير لاستيفاء الحق منه
مما ينعدم وجه الشبه بين الحالتين.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن ما قرره الحكم في هذا الخصوص لا مخالفة فيه للقانون،
إذ قال إن المادة 479 من قانون المرافعات المختلط عدلت منذ سنة 1900 تعديلاً يقضي بأنه
إذا أوقع وطني حجزاً تحت يد أجنبي على دين له قبل وطني آخر فإن المحاكم المختلطة تختص
فقط بالنسبة إلى الفصل في صحة الحجز، أما النزاع على صحة الدين فإنه يكون خاضعاً لقضاء
المحاكم الوطنية. وهذه الحالة وإن لم تكن هي حالة الدعوى الحالية تماماً إلا أنها من
أقرب الأحوال إليها؛ إذ يدل هذا التعديل على أن الدول وافقت مصر منذ سنة 1900 على أن
يترك الفصل في كل نزاع لقاضيه الطبيعي، ولما كان كل ما استخلصه الحكم من تعديل نص المادة
479 المذكورة هو موافقة الدول صاحبات الامتيازات منذ سنة 1900 على أن يترك كل نزاع
لقاضيه الطبيعي وكان هذا الاستخلاص صحيحاً فإن النعي عليه يكون على غير أساس من القانون.
ومن حيث إن حاصل السبب الثامن هو خطأ الحكم فيما استنتجه من أن رفع الموصي لهما الدعوى
على البنكين أمام القضاء المختلط كان من قبيل التحايل والهرب من القضاء الوطني الذي
هو القضاء الطبيعي للنزاع، في حين أن امتناع البنكين عن تنفيذ حكم المجلس الملي القاضي
بصحة ونفاذ الوصية هو الذي لم يجعل للموصي لهما مناصاً من مخاصمتهما أمام القضاء المختلط.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن الحكم المطعون فيه وقد أقام قضاءه على أن البنكين لم
يكونا خصمين حقيقيين في الدعوى وأن الخصومة الحقيقية فيها كانت قائمة بين الموصي لهما
وورثة الموصي وهم جميعاً وطنيون لم تكن به بعد حاجة إلى هذا التزيد، ولما كان ما ذكره
في هذا الشأن لا يمس سلامة الأسباب التي بني عليها فإن النعي عليه في هذا الخصوص يكون
غير منتج.
ومن حيث إن حاصل السبب التاسع هو مسخ الحكم الأوراق والمستندات المقدمة من الطاعنة
والتي تدل دلالة واضحة على قبول المطعون عليهم حكم القضاء المختلط وتنفيذه دون أقل
تحفظ وإجازتهم الوصية، في حين أن الحكم لم ير فيها ما يؤدي إلى هذا المعنى.
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأنه وإن كان طرفا النزاع قد تعرضا لمضمونه أمام محكمة
الموضوع إثباتاً ونفياً إلا أنه في الواقع خارج عن نطاق الدفع بعدم جواز نظر الدعوى
لسبق الفصل فيها، وما كانت المحكمة في حاجة إلى بحث ما حواه هذا السبب إذ اقتصر حكمها
على رفض الدفع المذكور وليس من شأن قبول الحكم المختلط أو تنفيذه أن يسبغ عليه قوة
الأمر المقضي متى كان صادراً من محكمة خارج حدود ولايتها.
ومن حيث إن الطعن رقم 138 سنة 16 ق المرفوع من سعادة صليب سامي باشا والسيدة منيرة
صليب بني على سبعة أسباب وقد ورد السبب الأول منها في تقرير الطعن بالعبارة الآتية
"مخالفة الحكم المطعون فيه لأحكام القانون ببحث موضوع الدعوى تمهيداً للحكم في الدفع
بعدم جواز سماعها لسبق الفصل فيها، على أساس هذا البحث".
ومن حيث إن هذا السبب، على هذه الصورة، مبهم لا يتحدد به ما يعيبه الطاعنان على الحكم
المطعون فيه، فهو غير مقبول.
ومن حيث إن حاصل السبب الثاني هو مخالفة الحكم لأحكام القانون في تقدير أدلة الدعوى
بشأن حضور السيدة إيزابيل الدعوى الملية، مع اختلاف قوة هذه الأدلة في الإثبات بحكم
القانون.
ومن حيث إن هذا السبب أصبح غير ذي موضوع بنزول الطاعنين عن مخاصمة السيدة إيزابيل واصف
جريس.
ومن حيث إن السبب الثالث ورد في التقرير بالطعن بالعبارة الآتية "مخالفة الحكم المطعون
فيه لأحكام القانون العام بقبول دعوى الخصوم عدم اختصاص المحكمة المختلطة بنظر الدعوى،
تنصلاً من حجية الحكم الصادر فيها عليهم"، وقال الطاعنان في شرحه إن المطعون عليهم
ادعوا في دفاعهم أن حكم المحكمة لا يكتسب أي حجية عليهم لصدوره من جهة غير مختصة بنظر
الدعوى التي رفعت إليها. وهذا الدفاع منهم مردود (أولاً) بأنهم تدخلوا في الدعوى المختلطة
باختيارهم، ومن ثم فإنه لا يجوز لهم الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى لأن المتدخل
بدخوله اختياراً في الدعوى قد ارتبط بالعقد القضائي الذي قام بين المدعي والمدعى عليه
في مسألة الاختصاص، فلا يجوز له الدفع بعدم الاختصاص مستقلاً، ومردود (ثانياً) بأن
القانون لم يجعل مسألة اختصاص المحكمة بنظر النزاع شرطاً لحجية الأحكام.
ومن حيث إن هذا السبب مردود (أولاً) بما قرره الحكم من أن تدخل الخصوم في الدعوى المختلطة
بل إن اتفاقهم على اختصاص المحكمة المختلطة لا يمكن أن يترتب عليه اختصاصها بنظر الدعوى،
لأن الاتفاق على ما يخالف قواعد الاختصاص المتعلقة بالنظام العام غير جائز، ولأن تحديد
اختصاص المحاكم المختلطة إنما قصد به قصر ولايتها على منازعات معينة لا يجوز لها مجاوزتها
بأية حال فإذا هي فعلت كان حكمها في ذلك كأنه غير موجود، وهو ما جرى به قضاء هذه المحكمة
على ما سبقت الإشارة إليه، ومردود (ثانياً) بأن القول بأنه لا يشترط صدور الحكم من
محكمة مختصة بنظر النزاع حتى تكون له حجيته هو قول غير سديد؛ إذ الصحيح قانوناً أن
الحكم الصادر من محكمة لا ولاية لها بالنظر في النزاع يعتبر كأنه لم يكن بحيث يكون
للمحكمة ذات الولاية إذا ما رفع إليها النزاع أن تنظر فيه كأنه لم يسبق عرضه على القضاء.
ومن حيث إن السبب الرابع يطابق السبب الخامس من طعن السيدة سيسيل كما أن السبب الخامس
يطابق السبب الثالث من الطعن المذكور. وكذلك السببان السادس والسابع مطابقان للسببين
السادس والثامن من الطعن سالف الذكر وجميع هذه الأسباب مردودة لذات الاعتبارات السابق
بيانها.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الطعنان على غير أساس ويتعين رفضهما.
