الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 609 سنة 25 ق – جلسة 24 /10 /1955 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الرابع – السنة 6 – صـ 1255

جلسة 24 من أكتوبر سنة 1955

برياسة السيد الأستاذ مصطفى فاضل وكيل المحكمة، وبحضور السادة الأساتذة: حسن داود، ومحمود ابراهيم اسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد المستشارين.


القضية رقم 609 سنة 25 القضائية

(أ) سبق إصرار. قتل عمد. نية القتل. ثبوتها لا يتعارض مع نفى سبق الإصرار.
(ب) قتل عمد. مسئولية جنائية. الخطأ فى شخص المجنى عليه. لا يمنع من قيام القصد الجنائي.
(جـ) نقض. طعن لا مصلحة منه. لا جدوى من إثارته. مثال فى شروع فى قتل.
1- نفى سبق الإصرار لا يتعارض فى العقل والمنطق مع ثبوت نية القتل، لأن قيام أحد هذين العنصرين المستقلين لا يلزم عنه قيام الآخر ولا تلازم بينهما إذ ليس ثمة ما يمنع من أن تتولد نية القتل فجأة عند أحد المتشاجرين أثناء المشاجرة.
2- من المقرر أن خطأ الجانى فى شخص من تعمد إطلاق العيار النارى عليه وإصابته بالعيار هو وآخر لم يكن يقصد إصابته لا تأثير له على القصد الجنائي لأنه لا ينفى عن الجانى وصف العمد كون أحد المجنى عليهما لم يكن مقصودا بإطلاق العيار ما دام المقصود به هو قتل المجنى عليه الآخر ويكون المتهم مسئولا عن الشروع فى قتل كلا المجنى عليهما.
3- لا جدوى للمتهم من القول بأن أحد المجنى عليهما لم يكن مقصودا بإطلاق العيار وان إصابته حدثت خطأ ما دامت محكمة الموضوع قد أثبتت عليه ارتكاب جناية الشروع فى قتل المجنى عليه الآخر ولم توقع عليه إلا عقوبة واحدة وهى المقررة لجريمة الشروع فى القتل تطبيقا للفقرة الثانية من المادة 32 من قانون العقوبات.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة فى دعواها: 1 – كيشار عبد الكريم حسن و2 – عاشور سالم بأنهما: أولا – المتهم الأول شرع فى قتل محمد عبد القوى عبد الله مع سبق الإصرار بأن بيت النية على قتله وتوجه إليه بزراعته يحمل سلاحا ناريا (بندقية خرطوش) وأطلق عليه عيارين قاصدا من ذلك قتله فأصابه أحدهما وأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى، وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو إسعاف المجنى عليه بالعلاج. وقد اقترنت هذه الجناية بجناية أخرى هى أنه فى الزمان والمكان سالفى الذكر شرع فى قتل جمعه عوض محمود عمدا بأن أطلق عليه عيارا ناريا قاصدا قتل محمد عبد القوى فأخطأه وأصاب المجنى عليه، وخاب أثر الجريمة لسبب لا دخل لإرادته فيه وهو إسعاف المجنى عليه بالعلاج. وثانيا – المتهم الثانى اشترك مع المتهم الأول بطريقى الاتفاق والمساعدة فى ارتكاب الجناية السابقة بأن اتفق معه على قتل المجنى عليه الأول ورافقه إلى محل الحادث يحمل بلطة لشد أزره، وكانت جناية الشروع فى قتل المجنى عليه الثانى نتيجة محتملة لهذا الاتفاق، فتمت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة. وثالثا – المتهم الأول سرق البندقية المبينة بالمحضر والمملوكة لمحمد عبد القوى حالة كونه يحمل سلاحا ظاهرا (فرد خرطوش). ورابعا – المتهم الثانى أولا ضرب حسين محمد عبد القوى عمدا فأحدث به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى والتى تقرر لعلاجها مدة تزيد على العشرين يوما وكان ذلك مع سبق الإصرار. وثانيا ضرب محمد عبد القوى عبد الله بالبلطة على رأسه وساعده الأيمن، فأحدثت به الإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى والتى تقرر لعلاجها مدة لا تزيد على عشرين يوما، وكان ذلك مع سبق الإصرار، وطلبت النيابة من غرفة الاتهام أن تحيلهما إلى محكمة جنايات الفيوم لمحاكمتهما الأول طبقا للمواد 40 و41/ 2 – 3 و43 و234/ 1 -2 و241/ 2 من قانون العقوبات، والثانى طبقا للمواد السابقة والمادتين 242/ 2 و317/ 6 من نفس القانون، فأمرت الغرفة بذلك حضوريا للأول وغيابيا للثانى بإحالتهما إلى هذه المحكمة لمعاقبتهما بالمواد المذكورة كل فيما يخصه والمحكمة المذكورة سمعت الدعوى وقضت حضوريا بمعاقبة كيشار عبد الكريم حسن بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنين وبمعاقبة عاشور سالم حسن بالحبس مع الشغل لمدة ثلاثة أشهر وبراءته من تهمة الاشتراك مع المتهم الأول فى جريمة الشروع فى القتل وذلك عملا بالمواد 45 و46 و234/ 1 و318 من قانون العقوبات للأول وبالمادتين 241/ 1 و242/ 1 من ذات القانون للثانى مع تطبيق المادة 32/ 2 عقوبات للإثنين.
فقرر المتهم الأول الطعن بطريق النقض… الخ.


المحكمة

… وحيث إن حاصل الطعن هو أن المحكمة حين بينت واقعة الدعوى واستدلت على توفر نية القتل عند الطاعن قد تناقضت وتضاربت فى بيان هذه النية، لأنها بعد أن ساقت الأدلة على ثبوتها، عقبت على ذلك بما ينفى قيام هذه النية، إذ قالت إنه ليس بين المجنى عليهما وبين الطاعن ما يدعوه إلى تبييت نية القتل، ثم مضت تقول إنه كان فى وسع الجانيين (ومن بينهما الطاعن) أن يقضيا على المجنى عليهما لأن الطاعن كان معه بندقية، فلو أراد القتل لأطلق منها مقذوفا آخر، هذا إلى أن المستفاد مما أثبته الحكم أن ما وقع بين الطاعن وبين المجنى عليه الأول لم يكن إلا شجارا حدث فى أثنائه أن خطف الطاعن البندقية من جوار المجنى عليه المذكور وأراد أن يضربها فأطلق منها عيارا من مسافة ستة أو سبعة أمتار على اعتقاد أن العيار لا يحدث القتل من هذه المسافة، وأنه ما كان ينتوى القتل، وإنما انتوى الفرار بالبندقية وعدم تمكين المجنى عليه من متابعته، مما كان يتعين معه اعتبار الواقعة جنحة إحداث جرح عمدا لا شروعا فى قتل. يضاف إلى ذلك أن الحكم المطعون فيه إذ طبق المادة 32 من قانون العقوبات اعتبر أن إصابة المجنى عليهما قد نشأت عن فعل جنائى واحد هو اطلاق عيار نارى على المجنى عليه الأول أصابه هو والمجنى عليه الثانى، ورتب على ذلك اعتبار كل من الإصابتين شروعا فى قتل، وفى ذلك خلط بين العمد والخطأ لأن الفعل الذى وقع على المجنى عليه الأول يعد إحداث جرح عمدا، وما وقع على المجنى عليه الثانى يعد إصابة خطأ، لأن نية الطاعن لم تتجه إلى إصابته عمدا، وبذا يكون الحكم قد أخطأ فى تطبيق القانون.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما محصله أنه: "حدثت مشادة بين محمد عبد القوى عبد الله المجنى عليه الأول وبين كيشار عبد الكريم حسن المتهم الأول (الطاعن) لسبب لم يكشف عنه التحقيق تماما، وقد تطورت هذه المشادة إلى شجار اشترك فيه عاشور سالم حسن المتهم الثانى وعبد الكريم حسن منضمين إلى المتهم الأول وحسين محمد عبد القوى المجنى عليه الثالث وعبد الرحمن محمد عبد القوى منضمين إلى والدهما محمد عبد القوى، واعتدى فيه المتهم الثانى بالضرب على محمد عبد القوى بآلة راضة على جبهته وساعده الأيمن فأحدث بهما إصابات رضية عولج من أجلها مدة لا تزيد على عشرين يوما، وبعدئذ أخذ المتهم الأول البندقية المملوكة لهذا المصاب وهى بندقية بخرطوش والتى كانت على مقربة منه، وأطلق منها عيارا ناريا صوبه فأصابه فى جنبه الأيسر وجدار الصدر والبطن وبعدة جروح نارية وأصاب فى الوقت نفسه الصبى الصغير جمعه عوض محمود حفيد المصاب الأول فأحدث بصدره من الجهة اليمنى عدة إصابات نارية ثم فر هاربا بالبندقية المذكورة ". وبعد أن أورد الحكم الأدلة على ثبوت الواقعة على الصورة المتقدمة استظهر نية القتل عند الطاعن فقال: "إن نية القتل لدى المتهم الأول ثابتة من استعمال آلة قاتلة بطبيعتها وهى البندقية، وأن إصابات كلا المجنى عليهما الأول والثانى فى مقتل، لأنها فى منطقة الصدر والبطن، وهذا يدل على أن هذا المتهم عندما أطلق النار صوب المجنى عليهما كان يريد إزهاق الروح، وهو وإن كان لم يقصد من إطلاق النار إلا المجنى عليه الأول، إلا أنه يتحمل أيضا مغبة إصابة المجنى عليه الثانى الذى كان على مقربة من جده المجنى عليه الأول – وهى الشروع فى القتل". ثم استطرد الحكم من ذلك إلى نفى ظرف سبق الإصرار بقوله: "إنه عن ركن سبق الإصرار الموصوف به الاعتداء بأنواعه السابقة على المجنى عليهم الثلاثة، فهذا الركن غير متوفر إزاء ما جاء ببلاغى الحادث وشهادة عويس جاب الله وعمدة الفهمية ونائب عمدة الكومى من أن الحادث كان مشاجرة اشترك فيها عديدون وذلك على ما سبق ذكره، لأن السبب الذى قال به المجنى عليهما الأول والثالث وهو سبق اتهام المجنى عليه الثالث للمتهم الأول فى سرقة ثمار حديقة كان يخفرها، فضلا عن أنه لا يدعو إلى تبييت النية على القتل لأن التهمة قد حفظت وحصل صلح بين الفريقين، فإنه لا يستقيم مع منطق الحادث وظروفه، لأنه من ناحية، كان اطلاق النار على المجنى عليه الأول ولم تطلق النار على المجنى عليه الثالث المقول بأنه هو الذى اتهم المتهم الأول بالسرقة، مع أنه كان موجودا منفردا فى مكان الحادث، ومن ناحية أخرى حصل الإعتداء أيضا بالضرب، وكان فى وسع الجانبين أن يقضيا على المجنى عليهما معا أو الثالث منهما على الأقل باطلاق النار دون أن الالتجاء إلى الضرب، ولأن تسلح المتهم الأول ببندقية أو بفرد محاطا بكل شبهة على ما تقدم الذكر، ومن ثم يتعين استبعاد ركن سبق الإصرار". ولما كان هذا الذى ساقه الحكم يكفى فى الاستدلال على نية القتل لأنه مستند إلى أدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى توفر هذه النية، وكان نفى ظرف سبق الإصرار لا يتعارض فى العقل والمنطق مع ثبوت نية القتل لأن قيام أحد هذين العنصرين المستقلين لا يلزم عنه قيام الآخر ولا تلازم بينهما، إذ ليس ثمة ما يمنع من أن تتولد نية القتل فجأة عند أحد المتشاجرين أثناء المشاجرة، ولما كان الواضح من سياق العبارة التى أوردها الحكم فى صدد التدليل على انتفاء ظرف الاصرار – من أنه كان فى وسع الطاعن القضاء على المجنى عليه باطلاق النار عليه دون الالتجاء إلى الضرب – أنها لا تفيد إلا أن قصد القتل لم يكن مصمما عليه عند الطاعن من قبل المشاجرة وأنه ما كان يحمل سلاحا ناريا عند بدئها، وإنما تولد هذا القصد عرضا أثناء وقوعها عندما تمكن الطاعن من الاستيلاء على بندقية المجنى عليه، وإلا لما كان العدوان قد بدأ فى أول الأمر باستعمال آلات راضة – لما كان ذلك، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم فيما تقدم لا يكون له محل، ويكن الحكم قد استدل على ثبوت نية القتل وانعدام ظرف سبق الاصرار استدلالا منطقيا سليما لا شائبة فيه من تناقض أو تضارب. أما ما ينعاه الطاعن من وقوع الحكم فى خطأ فى القانون فلا سند له، إذ من المقرر أن خطأ الجانى فى شخص من تعمد اطلاق العيار النارى عليه وإصابته بالعيار هو وآخر لم يكن يقصد إصابته لا تأثير له على القصد الجنائي، لأنه لا ينفى عن الجانى وصف العمد كون أحد المجنى عليهما لم يكن مقصودا باطلاق العيار ما دام المقصود به هو قتل المجنى عليه الآخر، ومن ثم فإن الطاعن يكون مسئولا عن جناية الشروع فى قتل كلا المجنى عليهما.
هذا إلى أنه لا جدوى للطاعن مما يثيره من ذلك لأن محكمة الموضوع لم توقع عليه إلا عقوبة واحدة وهى المقررة لجريمة الشروع فى القتل، وذلك تطبيقا للفقرة الثانية من المادة 32 من قانون العقوبات، فلا يفيد الطاعن أن تكون إصابة المجنى عليه الثانى جمعه عوض محمود شروعا فى قتل أو إصابة خطأ، ما دام الحكم قد أثبت عليه ارتكاب جناية الشروع فى قتل المجنى عليه الأول محمد عبد القوى عبد الله.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعينا رفضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات