الطعن رقم 597 سنة 25 ق – جلسة 24 /10 /1955
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الرابع – السنة 6 – صـ 1244
جلسة 24 من أكتوبر سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ حسن داود المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: محمود ابراهيم اسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد، ومحمد محمد حسنين المستشارين.
القضية رقم 597 سنة 25 القضائية
(أ) تفتيش. تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الأمر بالتفتيش.
متروك لسلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع.
(ب) تفتيش. قبض. الأمر بتفتيش متهم. يستتبع القبض عليه بالقدر اللازم لتنفيذ الأمر
المذكور.
(جـ) تفتيش. الأمر به. استعانة مأمور الضبط القضائى فى تنفيذه بمرؤوسيه ولو لم يكونوا
من رجال الضبط القضائى. جائز.
1- من المقرر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الأمر بالتفتيش هو من المسائل
الموضوعية التى يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع. فمتى كانت
هذه المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التى بنى عليها أمر التفتيش وكفايتها لتسويغ
إصداره وأقرت النيابة على تصرفها فى هذا الشأن فلا معقب عليها فى ذلك لتعلقه بالموضوع
لا بالقانون.
2- الأمر بتفتيش المتهم يستتبع بطبيعته القبض عليه فى حدود القدر اللازم لتنفيذ هذا
الأمر.
3- قضاء محكمة النقض مستقر على أن لمأمور الضبط القضائى أن يستعين فى تنفيذ أمر التفتيش
الصادر إليه بمرؤوسيه ولو لم يكونوا من رجال الضبط القضائى ما داموا يعملون تحت إشرافه.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: أحرز مواد مخدرة "حشيشا وأفيونا" بقصد الاتجار فيها فى غير الأحوال المصرح بها قانونا، وطلبت من غرفة الاتهام إحالته إلى محكمة الجنايات لمحاكمته بالمواد 1 و2 و7/ 1 و33 جـ و35 من المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 وبالجدول الملحق به بندى 1 و12، فقررت الغرفة بذلك. وأمام محكمة جنايات بنى سويف التى سمعت الدعوى دفع الحاضر مع المتهم ببطلان إذن التفتيش و إجراءاته وبطلان القبض والتفتيش المترتب عليه، وبعد أن أنهت سماعها قضت حضوريا: أولا – برفض الدفع ببطلان إذن التفتيش وإجراءاته وبصحتها. وثانيا – بمعاقبة المتهم بالحبس مع الشغل لمدة سنة وتغريمه مبلغ خمسمائة جنيه ومصادرة المادة المخدرة المضبوطة وذلك عملا بالمواد 1 و2 و34 و35 من القانون رقم 351 لسنة 1952 والبندين رقمى 1 و12 من الجدول "أ" المرفق به والمادة 17 من قانون العقوبات. فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
… وحيث إن مبنى الوجه الأول هو أن الدفاع عن الطاعن دفع أمام
محكمة الجنايات ببطلان الأمر الصادر بتفتيشه لعدم استناده إلى أسباب جدية، وببطلان
القبض عليه لأن الأمر الذى أصدرته النيابة العامة مقصور على التفتيش دون القبض، ولأن
ما قاموا بالقبض عليه ليسوا من رجال الضبط القضائى اللذين ورد ذكرهم فى المادة 23 من
قانون الإجراءات الجنائية. وفى بيان ذلك يقول الطاعن إن الضابط الذى استصدر من النيابة
أمر التفتيش سئل أمام المحكمة عن مصدر تحرياته، فأجاب بأنه تلقى من مركز بنى سويف فى
شهر فبراير سنة 1954 خطابا من شأن الطاعن، فكلف أحد المخبرين بمراقبته، فظهر له أنه
يقوم بتوزيع المواد المخدرة، وهذا القول من الضابط يتجافى مع المنطق لمضى وقت طويل
يقرب من عشرة شهور بين ورود هذا الخطاب المزعوم وبين صدور الأمر بالتفتيش فى 11 من
نوفمبر سنة 1954، وفضلا عن أن المحكمة لم تطلب الاطلاع على هذا الخطاب لتستيقن من صدق
قول الضابط، فكان لزاما عليها أن تقضى ببطلان أمر التفتيش لعدم جدية التحريات التى
بنى الأمر عليها، هذا إلى أن أمر النيابة صدر لليوزباشى عبد الفتاح غنيم بتفتيش شخص
الطاعن دون القبض عليه، غير أن هذا الأمر قد خولف مخالفة صريحة تجعل الإجراءات باطلة،
لأن المخبرين أحمد مهنى ومحمد شعيب – على ما أثبته الحكم وما رواه الشهود بجلسة المحاكمة
– صعدا إلى سيارة الأوتوبيس وأمسكا بذراعى الطاعن وأنزلاه منها واقتاداه إلى مكان بعيد
هو غرفة مظلمة كامنة بظهر شركة الأوتوبيس حيث فتشه الضابط المذكور وادعى أنه عثر فى
أحد جيوب صديريته على لفافة بها أفيون، وقد جرح الطاعن هذا الإجراء أمام المحكمة، وقال
إنه عند القبض عليه فى السيارة وضع أحد المخبرين يده فى جيوبه الداخلية، فلا يستبعد
أن يكون قد دس له اللفافة المضبوطة باتفاقه مع زميله محمد شعيب بتحريض المخبر حافظ
رفاعى الذى اعتاد التردد على خصوم الطاعن الذين نقدوا هذا المخبر مبلغا من المال للعمل
على الإيقاع بالطاعن والكيد له، واستدل الطاعن بالجلسة على صدق دفاعه بمستندات رسمية
تقدم بها للمحكمة، وأشهد على واقعة وضع أحد المخبرين يده فى جيبه شهودا من ركاب السيارة
صادقوه على صحتها، ويضيف الطاعن أنه كان ينبغى على الضابط الذى صدر له أمر بالتفتيش
أن يصعد إلى السيارة ويتولى بنفسه هذا الإجراء تنفيذا للأمر الصادر له أما وهو لم يفعل،
وترك المخبرين – وهما ليسا من رجال الضبط القضائى – يقبضان على الطاعن، دون أن يكون
هناك أمر من السلطة المختصة بالقبض عليه، فإن هذا الإجراء يكون باطلا أيضا.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما محصله: "أنه فى يوم 11 من نوفمبر سنة
1954 ببندر بنى سويف قام رئيس مكتب المخدرات اليوزباشى عبد الفتاح عبد العزيز غنيم
على رأس قوة من المخبرين أحمد مهنى ومحمد شعيب وحافظ رفاعى عويس لتفتيش رشدى اسماعيل
محمد المتهم بحثا عن المخدرات، وذلك بناء على إذن صادر له من النيابة العامة بالتفتيش
على أثر تحقيق تولته وتأكدت منه جدية التحريات التى أدلى بها إليها وقد رسم خطة لتنفيذ
هذه المأمورية مضمونها أن يقف هو والمخبر حافظ رفاعى على الرصيف الغربى لمحطة بنى سويف
لمراقبة مرور المتهم بشارع الترعة الابراهيمية فى طريقه لموقف سيارات أوتوبيس شركة
المنيا والبحيرة للسفر لبلدته، وأن يكمن المخبران أحمد مهنى ومحمد شعيب فى المصلى الواقع
بالجسر الغربى لترعة الإبراهيمية فيما بين شارع المدارس وما بين موقف السيارات السابق
ذكره، وما أن مر المتهم فى ذلك الطريق قاصدا هذا الموقف وشاهده كل هؤلاء حتى انطلقوا
جميعا خلفه بأن استقل رئيس القوة والمخبر حافظ رفاعى عربة حنطور وسار المخبران أحمد
مهنى ومحمد شعيب بسرعة راجلين، وعندما وصلوا لموقف السيارات وجدوا المتهم قد صعد إلى
إحدى السيارات وجلس فى المقعد الأمامى فى الجهة اليمنى من السيارة، فأمر رئيس القوة
المخبرين أحمد مهنى ومحمد شعيب بالصعود إليه والنزول به من السيارة تمهيدا لتفتيشه،
ووقف هو أي رئيس القوة والمخبر حافظ رفاعي أمام باب السيارة يرقبان هذه الحالة وينتظران
نزوله، وصعد المخبران المذكوران للسيارة وأمسكا بيدى المتهم ونزلا به وبمجرد نزوله
اقتاده رئيس القوة بمعاونة مخبريه إلى إحدى حجرات مبنى "شركة أوتوبيسات المنيا والبحيرة"
وقام بتفتيشه على مرأى من هؤلاء المبخرين ومن كل من عزمى شحاته رئيس الحركة بالشركة
ونصيف زكى عوض ناظر محطة هذه الأوتوبيسات، فعثر فى الجيب الأيسر الكبير من صديريه على
لفافة من ورق السلوفان تحتوى على أفيون تبين من وزنها أنها 5ر37 جراما، فاقتاده إلى
مركز البوليس حيث حرر محضره وأبلغ النيابة التى تولت التحقيق، وجرى تحريز المادة المخدرة
وصديرى المتهم فى حضوره طبقا للقانون، وأرسلت الأحراز للتحليل الكيمائى، وثبت من التحليل
أن المادة المضبوطة أفيون وأنه عثر على آثار مادة الحشيش فى الجيب العلوى الأيسر والجيب
الجانبى الأيمن من الصديرى". ثم عرض الحكم لما يثيره الطاعن فى هذا الوجه فقال: "إنه
فيما يختص بالدفع ببطلان إذن التفتيش وإجراءاته وبطلان القبض والتفتيش المترتب عليه،
فهذا الدفع بشطريه على غير أساس سليم، إذ أن الإذن صدر من النيابة على أثر تحقيق قامت
به، وتأكد لديها منه جدية التحريات التى أدلى بها رئيس مكتب المخدرات وهو الشاهد الأول،
والمحكمة بما لها من الهيمنة على ذلك ترى أن النيابة كانت محقة فى إصدار هذا الإذن
لوجود المبرر مستمدا مما أدلى من تحريات جدية عن أن المتهم يحرز مخدرات دون القطع بأن
الاحراز للتعاطى أو للاتجار، وأن ما اتبع مع المتهم لم يكن يعدو ضبطه تمهيدا لتفتيشه
فور ضبطه، وأن هذا حدث بحضور رئيس القوة المأذون له بالتفتيش، وقد قام بتفتيش المتهم
فورا، ولا يقدح فى ذلك أن رئيس القوة لم يصعد هو بنفسه للسيارة ويجرى تفتيش المتهم
أثناء وجوده فيها، وأنه اقتيد لإحدى حجرات مبنى شركة الأوتوبيسات حيث جرى تفتيشه فيها،
إذ لرئيس القوة أن يستعين فى أداء المأمورية بمعاونيه تحت إشرافه، ولا مطعن على هذا
قانونا، ومع ذلك فالمخبران لم يفعلا سوى الإمساك بالمتهم والنزول به من السيارة ولم
يجريا تفتيشه ولا غضاضة فيما فعله رئيس القوة من اقتياد المتهم لتفتيشه فى إحدى حجرات
مبنى شركة الأوتوبيسات، بل بالعكس كان يفعله هذا كريما مع المتهم، لأنه آثر ألا يفتشه
على مرأى من الملأ وفى موقف السيارات أو فى السيارة التى كان بها حتى لا يجرحه فى كرامته،
ثم إنه إن كان قد أقتاده لمركز البوليس بعد تفتيشه المأذون له به، فهذا من حقه لوجود
المخدر معه، ومن ثم، ولأن ضبط المتهم أعقبه التفتيش فورا، وأن ضبطه هذا كان من مستلزمات
تفتيشه الذى تم بعده مباشرة، ولم يكن يصل إلى القبض والتحفظ عليه وإبقائه مدة من الزمن
حتى يحصل تفتيشه ولذلك كله يتعين رفض هذا الدفع بشطريه". وما قاله الحكم من ذلك، وأسس
عليه قضاءه بصحة إجراءات القبض والتفتيش وسلامتها صحيح فى القانون ويصح الاستناد إليه
فى رفض الدفع ببطلانها، إذ أنه من المقرر أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الأمر
بالتفتيش هو من المسائل الموضوعية التى يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف
محكمة الموضوع، فمتى كانت المحكمة قد اقتنعت بجدية الاستدلالات التى بنى عليها أمر
التفتيش وكفايتها لتسويغ إصداره فأقرت النيابة على تصرفها فى هذا الشأن – كما هو الحال
فى الدعوى، فلا معقب عليها فى ذلك لتعلقه بالموضوع لا بالقانون، ولما كان الأمر بتفتيش
المتهم يستتبع بطبيعته القبض عليه فى حدود القدر اللازم لتنفيذ هذا الأمر، وكانت المحكمة
قد قدرت سلامة الإجراء الذى اتخذه الضابط حين كلف المخبرين بإنزال الطاعن من السيارة
الأوتوبيس ليتمكن هو من تفتيشه بنفسه، وكان الحكم قد أثبت أن القبض على الطاعن بمعرفة
المخبرين واقتياده من السيارة إلى الغرفة التى حصل فيها التفتيش قد تم تحت نظر الضابط
المأذون له بالتفتيش وإشرافه، وكان قضاء هذه المحكمة مستقرا على أن لمأمور الضبط القضائى
أن يستعين فى تنفيذ أمر التفتيش الصادر إليه بمرءوسيه ولو لم يكونوا من رجال الضبط
القضائى – لما كان ذلك، فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الوجه لا يكون له محل. أما ما يثيره
غير ذلك فهو جدل موضوعى وارد على تقدير أدلة الدعوى وكفايتها فى الإثبات مما لا شأن
لمحكمة النقض به.
وحيث إن مبنى الوجه الثانى هو أن الحكم المطعون فيه استند فى إدانة الطاعن وفى اطراح
دفاعه إلى أسباب قاصرة، فضلا عن أن بعض أدلة الثبوت التى أوردها ليس له أصل فى أوراق
الدعوى، ذلك أن الحكم نسب إلى الطاعن أنه لم يقل شيئا عند ضبط لفافة المخدر معه إلا
أنه من أسرة كبيرة، مع أن هذه العبارة لم يرد لها ذكر على لسان الضابط فى التحقيق ولا
فى شهادته، وشهادة المخبرين أمام المحكمة، ولم ينسب أحد منهم إلى الطاعن أنه قالها،
يضاف إلى ذلك أن الطاعن دفع التهمة بوجود خصومة بينه وبين عائلة أخرى، وأن أحد المخبرين
متصل بخصومه، ولذا فقد عمل هذا المخبر على تلفيق التهمة للطاعن للإيقاع به، واستدل
على ذلك بشهادتين رسميتين تفيدان وجود قضايا جنائية ضد بعض أفراد خصومه، ورغم ذلك فإن
المحكمة أغفلت الرد على هذا الدفاع، كذلك أخطأ الحكم فى الاسناد حين نسب إلى شاهدى
الطاعن محمود مصطفى الشهير بعبود ومحمد جابر أنهما كذباه ولم يصدقاه على دفاعه بأن
أحد المبخرين وضع يده فى جيبه، ومع أنه بالرجوع إلى تحقيق النيابة لا يبين أنهما كذباه،
وإنما قررا بأنهما كانا منشغلين فلم ينتبها إلى ما حدث، وقال الحكم أيضا إن الشاهدين
الأخيرين من شهود الطاعن وهما حسن عبد المجيد وعبد الله معوض لم يكونا بالسيارة وقت
القبض على الطاعن وهو قول لا سند له من الأوراق، إذ الثابت بمحضر تحقيق النيابة أن
الشاهدين المذكورين قررا صراحة أن أحد المخبرين أمسك بيدى الطاعن بينما أدخل الآخر
يده فى ملابسه، ويضيف الطاعن إلى ما تقدم أن الحكم استند فى الإثبات إلى التجربة التى
أجراها وكيل النيابة أثناء المعاينة والتى دلت على استحالة نزول المخبرين والطاعن من
باب السيارة معا دفعة واحدة، ولم تكن هذه الاستحالة مثار جدل من الدفاع، وإنما أثار
أن أحد المخبرين أدخل يده فى جيب الطاعن، ثم أنزله هو وزميله من السيارة.
وحيث إن ما يثيره الطاعن فى هذا الوجه مردود بأن ما ينعاه على الحكم من أنه نسب إليه
أنه لم يقل عند ضبط اللفافة معه، إلا أنه من أسرة كبيرة، وأن هذه العبارة لا أصل لها
فى أقوال الشهود، فإنه على فرض صحة هذا النعى فلا تأثير له على سلامة الحكم ما دامت
المحكمة لم تتخذ من هذه العبارة عنصرا من عناصر الجريمة، ولا دليلا من بين أدلة الثبوت
على الطاعن. وأما النعى بخطأ الحكم فيما نقله عن شاهدى النفى محمد مصطفى ومحمد جابر،
فلا جدوى منه للطاعن ما دام أنه يسلم فى طعنه بأن هذين الشاهدين لم يؤيداه فى دفاعه
– لما كان ذلك، وكانت المحكمة فى حدود سلطتها التقديرية قد أطرحت أقوال شاهدى النفى
الآخرين حسن عبد المجيد وعبد الله معوض للأسباب السائغة التى أوردتها، وكانت المحكمة
غير ملزمة بالرد على ما يبديه المتهم من أوجه دفاع موضوعية، فإن ما يثيره الطاعن فى
الوجه المتقدم لا يكون له أساس، أما ما يثيره غير ذلك فليس إلا جدلا فى موضوع الدعوى
وتقدير الأدلة فيها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعينا رفضه موضوعاً.
