الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1752 لسنة 2 ق – جلسة 18 /01 /1958 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 601


جلسة 18 من يناير سنة 1958

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 1752 لسنة 2 القضائية

( أ ) إدارة النقل المشترك بإسكندرية – الكادر الخاص بعمالها – الدرجات التي يتدرج فيها العامل حسب هذا الكادر.
(ب) إدارة النقل المشترك بإسكندرية – الكادر الخاص بعمالها – الترقية إلى درجة ملاحظ – ترخص الإدارة فيها بسلطة تقديرية بشرط عدم إساءة استعمال السلطة.
1 – إن درجة الأسطى هي درجة أرقى من درجة صانع دقيق ومعادلة لدرجة صانع ممتاز، حسبما ورد بالمذكرة التفسيرية للكادر العام لجميع طوائف العمال بإدارة النقل المشترك لمنطقة الإسكندرية، المطبق من 14 من فبراير سنة 1951، تنفيذاً لقرار مجلس الإدارة؛ إذ يتدرج العامل في فئات الدرجات الفنية التي تحتاج إلى دقة من إشراق إلى مساعد صانع إلى صانع غير دقيق إلى صانع دقيق إلى صانع دقيق دقة ممتازة إلى صانع ممتاز ثم إلى أسطى فملاحظ.
2 – إن المادة السادسة من البند "ثالثاً" الخاص بقواعد الترقيات والتدرج الواردة بكادر عمال النقل العام لمدينة الإسكندرية تنص على أنه "لا يرقى إلى درجة ملاحظ إلا من بين الأسطوات، وتكون الترقية بالاختيار للكفاءة". ومقتضى هذا النص أن الترقية إلى الدرجة المذكورة جوازية تترخص فيها الإدارة بسلطتها التقديرية، بما لا معقب عليها في ذلك، ما دام خلا قرارها من إساءة استعمال السلطة، وأنها لا تغدو حتمية بعد قضاء العامل مدة معينة في درجته، بل تتوقف على درجة كفايته في العمل من جهة وعلى وجود درجات شاغرة في الميزانية تسمح بها من جهة أخرى.


إجراءات الطعن

في 11 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1752 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية بالإسكندرية بجلسة 12 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 1134 لسنة 2 القضائية المقامة من عبد العزيز مرسي ضد إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية، القاضي "باستحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942، طبقاً لأحكام كادر العمال وما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق من تاريخ تنفيذ أحكام هذا الكادر بمعرفة الجهة الإدارية، مع إلزامها المصاريف المناسبة ومبلغ 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من استحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام رافعها المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية في 31 من أكتوبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 10 من نوفمبر سنة 1956. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته، عين لنظره جلسة 7 من ديسمبر سنة 1957 أمام هذه المحكمة. وفي 21 من أكتوبر سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضرها، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, وسماع الإيضاحات, وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 1134 لسنة 2 القضائية ضد إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية أمام المحكمة الإدارية بالإسكندرية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 17 من أغسطس سنة 1955، ذكر فيها أنه التحق فخدمة إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية اعتباراً من 17 من يوليه سنة 1935، بوظيفة سائق أتوبيس بأجر يومي قدره 200 مليم. وفي أول مارس سنة 1938 رقي إلى وظيفة "أوسطى" قسم الكاوتشوك بعد أن أدى امتحاناً فنياً. وقد قامت الإدارة بتطبيق كادر "ب" ابتداءً من 14 من فبراير سنة 1951 على عمالها الفنيين المعينين قبل أول مايو سنة 1945، تنفيذاً لقرار مجلس الإدارة، وقد نص هذا الكادر على القواعد التي تتخذ أساساً لتحديد الأجر، واتخذ الأجر عند التعيين أساساً لتسوية المرتب، وقضي بالنسبة لمن عين بمرتب قدره 200 مليم فأكثر بعلاوة دورية قدرها 40 مليماً كل سنتين. ولما كان من حقه الإفادة من هذا الكادر لتوافر شروطه في حالته – إذ أنه عين بأجر يومي قدره 200 مليم ويشغل منذ سنة 1938 وظيفة "أوسطى" – فإنه يكون من حقه أيضاً الحصول على العلاوة الدورية بواقع 40 مليماً كل سنتين، بحيث يصبح أجره اليومي في أول مايو سنة 1954 – 70 قرشاً بدلاً من 58 قرشاً، كما يكون من حقه بعد أن أمضى في وظيفة "أوسطى" 18 سنة، أن يرقى إلى وظيفة ملاحظ فني؛ ومن ثم فإنه يطلب الحكم: أولاً – بتسوية مرتبه وجعله 70 قرشاً يومياً بدلاً من 58 قرشاً وصرف المتجمد له. وثانياً – ترقيته إلى وظيفة ملاحظ فني بما يتبعها من آثار، مع إلزام إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وبجلسة 8 من مايو سنة 1956 أضاف إلى طلباته من باب الاحتياط الكلي طلب الحكم باعتباره أوسطى لحام كاوتشوك منذ أول مارس سنة 1942 بالدرجة (360/ 800 م) مع ما يترتب على ذلك من آثار. وقد ردت إدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية على هذه الدعوى بأن المدعي التحق بخدمتها في 17 من يوليه سنة 1935 بوظيفة سائق أوتوبيس، وفي 28 من يوليه سنة 1941 وردت مذكرة من رئيس قسم صيانة السيارات بأن المذكور قائم بعمل الكاوتش بالجراج منذ مدة، وطلب الموافقة على نقله بصفة نهائية، فوافق السيد كبير المهندسين على ذلك، وأصبحت مهنته العمل بالكاوتش دون تحديد درجة له لعدم وجود كادر في ذلك الوقت. وفي 17 من سبتمبر سنة 1946، وردت مذكرة من السيد وكيل كبير المهندسين بطلب صرف التأمين المستحق للمذكور وقت أن كان سائق أوتوبيس، على أساس أنه نقل إلى الجراج بوظيفة أوسطى كاوتش في أول مارس سنة 1938؛ وعليه صرف له التأمين المستحق. وعند تطبيق كادر سنة 1945، سويت حالته على أساس أنه في درجة دقيق من بدء التعيين بأول مربوطها وقدره 300 م، وهو أول مربوط درجة سائق الأتوبيس، واستمر بهذه الحالة مع تقاضي علاوة دورية قدرها 20 مليماً كل سنتين إلى أن بلغ أجره 400 م في أول مايو سنة 1950. وعند تطبيق الكادر الصادر في 14 من فبراير سنة 1951 رأت لجنة الكادر أنه لا يمكن اعتباره في درجة أوسطى من أول مارس سنة 1938، حسب ما ورد بمذكرة وكيل كبير المهندسين؛ لأن هذه المذكرة لم تقصد إلا إلى صرف التأمين فقط، دون تحديد لدرجته بأنها درجة أوسطى من ذلك التاريخ، كما أنها لم تعتمد إطلاقاً من الإدارة، ولا سيما أنه لم يتمتع بعلاوة هذه الدرجة في أي تاريخ سابق على تطبيق كادر "ب". بيد أن اللجنة راعته رعاية خاصة إذ اعتبرته في درجة أوسطى من أول أغسطس سنة 1944، وهو تاريخ أول كادر وضع لعمال الإدارة وحددت فيه درجات فنية، فوصل أجره على هذا الأساس إلى 580 م في أول مايو سنة 1954؛ ومن ثم فلا حق له فيما يطلبه من تسوية أجره على اعتبار أنه رقي إلى درجة أوسطى في أول مارس سنة 1938؛ ذلك أن ما جاء بمذكرة وكيل كبير المهندسين من إشارة إلى نقله إلى وظيفة أوسطى كاوتش في هذا التاريخ وهي المذكرة المؤرخة 17 من سبتمبر سنة 1946، لم يكن إلا نقلاً عن مذكرة المدعي المؤرخة 9 من سبتمبر سنة 1946 التي طلب فيها رد تأمينه المودع خزانة المصلحة زاعماً أنه نقل منذ تسع سنوات للعمل بقسم الكاوتشوك، وهو زعم لا أساس له من الأوراق، بل إن وكيل كبير المهندسين نفسه لم يكن بالخدمة في أول مارس سنة 1938. هذا إلى أن قرار نقله من وظيفة سائق إلى مهنة الكاوتش حسب المذكرة المعتمدة من الإدارة في 28 من يوليه سنة 1941 لم يشر فيه إلى أنه نقل إلى أوسطى كاوتش، بل إن جميع علاواته الدورية كانت تمنح له حتى تطبيق الكادر الأخير على أساس 20 مليماً لا 40 مليماً، والإدارة تنفي صدور أي قرار بنقله إلى وظيفة أوسطى؛ إذ السلطة الإدارية التي تملك هذا النقل هي السيد المدير العام لا وكيل كبير المهندسين. أما عن طلب المدعي تسوية أجره على اعتبار أنه رقي إلى درجة أوسطى في أول مارس سنة 1942، فتنص المادة الخامسة من المذكرة التفسيرية للكادر على أنه "أما الأسطوات فتسوى حالتهم على أساس القواعد سالفة الذكر حسب الأجر عند التعيين، ويمنحون درجة الأوسطى حسب حالتهم قبل التطبيق، مع مراعاة تاريخ منحهم درجة أوسطى". وهذا النص صريح في أن الموجودين في درجة أوسطى وقت تنفيذ الكادر لا يستحقون التدرج في درجة أوسطى إلا من تاريخ منحهم إياها قبل تنفيذ الكادر. والحال أن المدعي لم يمنح درجة أوسطى في أول مارس سنة 1942، وما جاء بكشف التسوية التي أجريت له في 26 من أغسطس سنة 1951، إن هو إلا من قبيل تلقيب أي عامل بلقب أوسطى حسبما جرى عليه العرف دون أن يقصد بذلك حصوله على درجة مالية معينة بالمعنى الوارد في الكادر. وآية ذلك أن أول تنظيم لدرجات عمال إدارة النقل كان في أول أغسطس سنة 1944، وهو تاريخ ما أسمته الإدارة كادر سنة 1945؛ ومن ثم فلا صحة لما يزعمه المدعي من الحصول على درجة أوسطى أو غيرها في تاريخ سابق على هذا التنظيم. كما أن كشف التسوية الصادر في 26 من أغسطس سنة 1951 ونفس حالة المدعي قبل التسوية قاطعان في أنه كان سائق جراج حتى آخر فبراير سنة 1942، ولا يقبل القول بأنه رقي إلى درجة أوسطى في أول مارس سنة 1942؛ لأن هذه الدرجة يختار شاغلوها من بين الصناع الممتازين طبقاً للمادة الخامسة من الكادر. في حين أن وظيفة سائق أوتوبيس أو جراج تعادل درجة دقيق. وإذا فرض في الجدل أنه شغل درجة أوسطى من أول مارس سنة 1942، بينما الثابت أنه وضع في درجة صانع دقيق من أول مايو سنة 1946، فليس يعقل أن يخفض المقيد على درجة أوسطى إلى درجة دقيق دون جزاء تأديبي، الأمر الذي يقطع في أن كلمة أوسطى كاوتش لا تعني درجة مالية بالمعنى الوارد في الكادر. هذا إلى أن علاوة الأوسطى الدورية هي 40 مليماً كل سنتين، في حين أن الثابت من كشوف التسويات التي تمت للمدعي أن العلاوة التي منحها كانت 20 مليماً فقط. ولو أنه كان في درجة أوسطى في أول مارس سنة 1942، لما قبل أن تسوى حالته بالتطبيق لكادر سنة 1945 بوضعه في درجة دقيق. وأما عن طلب المدعي ترقيته إلى درجة ملاحظ، فإن المادة السادسة من قواعد الترقيات والتدرج تنص على أنه "لا يرقى إلى درجة ملاحظ إلا من بين الأسطوات وتكون الترقية بالاختيار للكفاية". وهذا النص صريح في أن هذه الترقية تدخل ضمن الاختصاص التقديري للإدارة الذي تترخص فيه بكامل سلطتها التقديرية، بلا معقب عليها في ذلك إلا في أحوال إساءة استعمال السلطة، وهو ما لم يدفع به المدعي؛ ومن ثم فإنها ترقية جوازية لا وجوبية بالأقدمية بعد قضاء العامل مدة معينة في درجته، هذا فضلاً عن أن المدعي لم يقض في وظيفة أوسطى سوى 11 سنة حسب التسوية التي أجريت له، خلافاً لما يدعيه من أنه قد أمضى في هذه الوظيفة 18 سنة. وقد اعتبرته الإدارة باختبارها مرقى إلى درجة أوسطى كاوتش ثالثة من أول أغسطس سنة 1944، ولولا ذلك لما وجد بالكادر ما يلزمها بشيء في هذا الشأن؛ وبذا يكون قد نال أكثر من استحقاقه على سبيل الاستثناء. وخلصت الإدارة من هذا إلى طلب رفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقد عقب المدعي في مذكرتيه اللتين قدمهما للمحكمة الإدارية بأنه يؤخذ من المذكرة التفسيرية لكادر عمال النقل المشترك الصادر في 14 من فبراير سنة 1951، أن ثمة شروطاً إذا توافرت كان من حق العامل الحصول على علاوة دورية قدرها أربعون مليماً يومياً كل سنتين، وهي أن يكون فنياً معيناً قبل أول مايو سنة 1945، وأن يكون أجره عند التعيين هو 200 م، وأن تختاره الإدارة لوظيفة صانع. وهذه الشروط متوافرة في حالته؛ إذ أنه عين عاملاً فنياً في 17 من يوليه سنة 1935، وكان أجره عند التعيين 200 م، اختير لوظيفة أوسطى وهي أعلى من وظيفة صانع ممتاز في أول مارس سنة 1938، كما يبين من المذكرة المرسلة من كبير المهندسين إلى رئيس قسم المستخدمين. هذا إلى أنه يعمل في وظيفة أوسطى لقسم الكاوتش منذ 18 سنة، وكفايته ثابتة بملف خدمته بشهادة رؤسائه، والدليل على ذلك أنه يشرف على أكبر الأقسام في المصلحة، الأمر الذي يوجب ترقيته بالاختيار للكفاية طبقاً لأحكام الكادر، مع مراعاة أنه عند ترقيته إلى درجة أعلى يمنح علاوة ترقية تعادل علاوة الدرجة المرقى إليها، وعلى هذا الأساس يكون من حقه بخلاف العلاوة الدورية وقدرها 40 مليماً أن يحصل على علاوة ترقية قدرها 40 مليماً أخرى. وبجلسة 12 من يونيه سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية في هذه الدعوى "باستحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942 طبقاً لأحكام كادر العمال وما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق من تاريخ تنفيذ أحكام هذا الكادر بمعرفة الجهة الإدارية، مع إلزامها المصاريف المناسبة ومبلغ 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وأقامت قضاءها على أنه استبان لها من الأوراق أن المدعي كان يشغل بالفعل وظيفة سائق سيارة حتى أول مارس سنة 1942، وأنه نقل إلى وظيفة أوسطى كاوتش منذ ذلك التاريخ، وأن استناد جهة الإدارة إلى تحديد اعتباره أوسطى من أول أغسطس سنة 1944 لا يجد سنداً من الواقع، وما ذكرته الإدارة من أنها راعت ظروفه في تحديد هذا التاريخ لمنحه درجة أوسطى ليس مقياساً قانونياً سليماً يمكن الأخذ به في تحديد مركزه؛ ومن ثم فإن طلبه الاحتياطي باعتباره في درجة أوسطى من أول مارس سنة 1942 يكون في محله. أما بالنسبة إلى طلبه الخاص بترقيته إلى وظيفة ملاحظ فإن المستفاد من أحكام كادر العمال أن الترقية إلى هذه الدرجة جوازية تترخص فيها الإدارة، فضلاً عن ضرورة وجود هذه الدرجة شاغرة حتى يمكن الترقية إليها؛ ولذا فإن هذا الطلب يكون حقيقاً بالرفض. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 11 من أغسطس سنة 1956 طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من استحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942، والقضاء برفض الدعوى، وإلزام رافعها المصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أن المستفاد من نصوص كادر عمال الإدارة التابع لها المدعي أن المناط في استحقاق التسويات المقررة به، هو ثبوت الحصول على الدرجة بالفعل لا الوظيفة، وأن الثابت الذي لا ينازع فيه المدعي هو أنه لم يحصل على درجة الأوسطى قبل تطبيق الكادر، بدليل أنه لم يكن يتقاضى علاواته بالفئة المقررة لها؛ فمن ثم يكون طلبه تسوية حالته على أساس اعتباره في درجة أوسطى اعتماداً على قيامه بأعمال الوظيفة في تاريخ معين – بفرض ثبوت ذلك – لا سند له من القانون، بل إن الإدارة إذ اعتبرته في هذه الدرجة من أول أغسطس سنة 1944، مراعاة لحالته تكون قد منحته أكثر مما يستحق في الأصل، مما يتعين معه رفض طلبه في هذا الخصوص؛ وإذ ذهب الحكم المطعون فيه مذهباً مخالفاً فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون ويتعين الطعن فيه.
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن مثار المنازعة ينحصر في تعيين التاريخ الذي حصل فيه المدعي على درجة أوسطى أو الذي استحق فيه هذه الدرجة، وهل مرجع ذلك إلى قيامه بالفعل بعمل وظيفة أوسطى كاوتش، أم إلى منحه الدرجة المخصصة لهذه الوظيفة، وكذا بيان الآثار التي تترتب على تحديد وضعه في الدرجة المذكورة، سواء من حيث العلاوات الدورية أو من حيث ترقيته إلى وظيفة ملاحظ فني.
ومن حيث إن المدعي يستند في التدليل على أنه يشغل وظيفة أوسطى كاوتش منذ أول مارس سنة 1938 إلى مذكرة كبير المهندسين بإدارة النقل المشترك بالرمل – قسم الصيانة – رقم 366 المؤرخة 17 من سبتمبر سنة 1946، بمقولة إن هذه المذكرة تتضمن إقراراً من الإدارة بتعيينه في الوظيفة المذكورة منذ ذلك التاريخ، ويرتب على هذا القول الآثار التي يطالب بها.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على المذكرة المشار إليها، وهي الموجهة من كبير المهندسين إلى رئيس قسم المستخدمين بالإدارة، أنها تضمنت في أعلاها بياناً بموضوعها وهو "صرف تأمين السائق عبد العزيز مرسي رقم 659 سابقاً". وأنه جاء في صلبها "نخطركم بأن السائق عبد العزيز مرسي رقم 659 سابقاً نقل إلى الجراج بوظيفة أوسطى كاوتش بتاريخ أول مارس سنة 1938، وبما أن المذكور قد قام بتسليم العهدة المصلحية الموجودة طرفه وأصبح لا يوجد لديه أي عهدة مصلحية، فنرجو عمل اللازم نحو صرف تأمينه الموجود بخزينة المصلحة". وظاهر من هذه المذكرة أنها لم تحرر لتحديد المركز القانوني للمدعي أو بيان درجته وتاريخ حصوله عليها، ولم تتضمن قراراً إدارياً بهذا التحديد، أو ترديداً لقرار سابق من هذا القبيل، بل ولم تصدر من رئيس مختص بإصدار مثل هذا القرار، وإنما قصد بها غرض آخر هو صرف التأمين المودع من المدعي بخزانة المصلحة. كما أنها ليست في ذاتها أداة تعيين قانونية، ولا تنهض دليلاً قاطعاً في إثبات تعيين المدعي في وظيفة أوسطى كاوتش في أول مارس سنة 1938. وقد خلت الأوراق المقدمة في الدعوى من أي قرار يؤيد حصول هذا التعيين، بل إن الإدارة نفت صدور مثل هذا القرار في أي وقت من الأوقات، ولو أنه صدر بحق لمنح المدعي العلاوة المقررة لدرجة أوسطى في حينها وقدرها 40 م لا 20 م التي كان يتقاضها بالفعل. هذا إلى أن بملف خدمة المذكور مذكرتين من رئيس القسم مؤرختين 28 و29 من يوليه سنة 1941، أولاهما موجهة إلى كبير المهندسين بطلب نقل المدعي السائق رقم 659 من قسم السائقين إلى قسم عمال الجراج؛ نظراً إلى قيامه بعمل الكاوتش بالجراج، والثانية موجهة إلى رئيس المستخدمين بأن المدعي السائق رقم 659 تقرر نقله إلى وظيفة عامل بالجراج وأصبحت "نمرته" الآن 366، وما ورد بهاتين المذكرتين من أن المدعي سائق وأنه نقل إلى وظيفة عامل بالجراج في سنة 1941 يدحض ادعاءه بأنه كان أوسطى كاوتش منذ أول مارس سنة 1938. كذلك جاء بكتاب المدعي نفسه المؤرخ 24 من مارس سنة 1939 الخاص بطلب علاج أسنانه قوله "أتعهد أنا عبد العزيز مرسي سائق أوتوبيس رقم 659 أن أقوم بدفع…"، وبكتاب الإدارة المرسل إلى طبيب الأسنان في ذات التاريخ أن المذكور "سائق أوتوبيس رقم 659"، وكذا بكتاب رئيس قسم المستخدمين إلى مفتش قلم المرور في 6 من أكتوبر سنة 1941 أن "سائق الأوتوبيس المدعو عبد العزيز مرسي رقم 659 يعمل بمصلحة النقل المشترك…"، وبكتاب المدعي إلى مدير الإدارة في 9 من فبراير سنة 1942 بصدد علاج أسنانه أن مقدمه "عبد العزيز مرسي عامل كاوتش رقم 366….."، وبكتابي الإدارة إلى طبيب الأسنان المعالج المؤرخين 18 من فبراير سنة 1942 و11 من أغسطس سنة 1943 وصف المذكور بأنه "عامل كاوتش"، وأخيراً بتظلمات المدعي المؤرخة 15 من نوفمبر سنة 1951 و29 من سبتمبر سنة 1952 و10 من أكتوبر سنة 1953، أنه بإقراره لم يكن يعمل في وظيفة أوسطى بقسم الكاوتش في تاريخ سابق على أول مارس سنة 1942. ويتضح من كل ما تقدم أنه لا وجه للاعتداد بما جاء بمذكرة كبير مهندسي الإدارة رقم 366 المؤرخة 17 من سبتمبر سنة 1946 في اعتبار المدعي شاغلاً لدرجة أوسطى منذ أول مارس سنة 1938 كما يزعم في طلبه الأصلي، وأنه يتعين استبعاد هذا الدليل كما ذهب إلى ذلك بحق الحكم المطعون فيه، وكذا ما يراد ترتيبه عليه من آثار.
ومن حيث فيما يتعلق بالطلب الاحتياطي للمدعي، وهو اعتباره أوسطى لحام كاوتشوك منذ أول مارس سنة 1942 الذي أجابه إليه الحكم المطعون فيه، فإنه ظاهر من الأوراق أن الإدارة أجرت له ثلاث تسويات: أولاها في سنة 1945، وقد ذكر فيها أن وظيفته هي أوسطى كاوتشوك وأن تاريخ حصوله عليها هو أول أغسطس سنة 1944، وأنه معتبر قبل ذلك التاريخ في درجة دقيق. والثانية في 26 من أغسطس سنة 1951، وقد جاء فيها عن الحالة قبل التسوية أن وظيفته هي أوسطى كاوتش في أول مارس سنة 1942، وصانع دقيق في أول أغسطس سنة 1944، وعن الحالة بعد التسوية أنه أوسطى عمال لحام كاوتش من أول مارس سنة 1942، وأوسطى كاوتش (ثانية) من أول مايو سنة 1950. والثالثة في 22 من نوفمبر سنة 1953، وقد ردد فيها عن "الحالة حسب التسوية" ما ورد بالتسوية السابقة من تحديد لوضعه بعد إجراء تلك التسوية؛ ومن ثم فإن حجته تنحصر فيما جاء بالتسوية الثانية من أن وظيفته هي أوسطى كاوتش من أول مارس سنة 1942، وهي حجة داحضة بما تضمنته هذه التسوية ذاتها من أن وظيفته أصبحت صانعاً دقيقاً في أول أغسطس سنة 1944؛ ذلك أن درجة الأوسطى هي درجة أرقى من درجة صانع دقيق ومعادلة لدرجة صانع ممتاز، حسبما ورد بالمذكرة التفسيرية للكادر العام لجميع طوائف العمال بإدارة النقل المشترك لمنطقة الإسكندرية المطبق من 14 من فبراير سنة 1951 تنفيذاً لقرار مجلس الإدارة؛ إذ يتدرج العامل في فئات الدرجات الفنية التي تحتاج إلى دقة من إشراق إلى مساعد صانع إلى صانع غير دقيق إلى صانع دقيق إلى صانع دقيق دقة ممتازة إلى صانع ممتاز ثم إلى أوسطى فملاحظ. فلو صح أن المدعي كان يشغل درجة أوسطى بمعناها المقصود في عرف هذا التدرج في أول مارس سنة 1942 لما جاز أن يتقهقر به الوضع إلى درجة أدنى منها، وهي درجة صانع دقيق بعد ذلك في أول أغسطس سنة 1944، كما جاء بالتسوية المشار إليها، دون جزاء تأديبي، الأمر الذي يدل على أن تلقيبه بلقب أوسطى في التسوية المذكورة، لا يعني حصوله على درجة مالية معينة بالمعنى الفني المراد في الكادر، ولا سيما أن أول تنظيم لدرجات طائفة الصناع بإدارة النقل العام لمنطقة الإسكندرية إنما وضع في أول أغسطس سنة 1944، وتضمن لأول مرة تحديداً قانونياً لدرجة الأوسطى وتقسيماً لفئاتها وبياناً لأجور كل فئة منها؛ ومن ثم فلا حجة في القول بالحصول على هذه الدرجة بمعناها المحدد المقصود في تاريخ سابق على صدور الكادر المشار إليه. هذا إلى أن العلاوات الدورية المقررة للأوسطى في كل من كادري سنة 1945 وسنة 1951 هي أربعون مليماً يومياً كل سنتين، بينما الثابت من كشوف التسويات الثلاث التي أجريت للمدعي أن علاواته فيها كانت عشرين مليماً فقط.
ومن حيث إن المركز القانوني للعامل يتقرر تبعاً لوصف الحرفة المسندة إليه في القرار الصادر بتعيينه أو بترقيته؛ إذ أن هذا القرار هو الذي يحدد نوع العمل المنوط به وكذا درجته وأجره، ولا يغير من هذا المركز قيام العامل فعلاً بعمل وظيفة من طبيعة أخرى؛ إذ أنه لا ينال الدرجة المخصصة لهذه الوظيفة إلا بالقرار الصادر بمنحه إياها وفقاً للقواعد التنظيمية المقررة في هذا الشأن. وتأسيساً على هذا فإنه متى كانت الأوراق خالية من مثل هذا القرار، وكان ما ورد بإحدى التسويات التي أجريت للمدعي مما سبق تفسير مفهومه لا يعد قراراً بوضعه في درجة أوسطى في تاريخ معين، ولا يقوم مقام هذا القرار أو يغني عنه، فإن اعتبار لجنة الكادر إياه في درجة أوسطى كاوتش ثالثة من أول أغسطس سنة 1944 – تاريخ أول كادر وضع لعمال الإدارة وحددت لهم فيه درجات فنية، وحساب أجره وعلاواته على هذا الأساس رعاية لحالته – يكون صحيحاً؛ ومن ثم فإنه لا يكون له أي حق في علاوة الترقية من التاريخ الذي عينه، وهو أول مارس سنة 1942، كما لا يكون له أي حق في العلاوة الدورية بالفئة التي يطالب بها منذ ذلك التاريخ. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه في هذا الشق منه وبرفض الدعوى.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق فيما قضى به من رفض طلب المدعي ترقيته إلى وظيفة ملاحظ فني بما يتبعها من آثار؛ ذلك أن المادة السادسة من البند (ثالثاً) الخاص بقواعد الترقيات والتدرج الواردة بكادر عمال النقل العام لمدينة الإسكندرية تنص على أنه "لا يرقى إلى درجة ملاحظ إلا من بين الأسطوات، وتكون الترقية بالاختيار للكفاءة". ومقتضى هذا النص أن الترقية إلى الدرجة المذكورة جوازية تترخص فيها الإدارة بسلطتها التقديرية بما لا معقب عليها في ذلك ما دام خلا قرارها من إساءة استعمال السلطة، الأمر الذي لم يدفع به المدعي, وأنها لا تغدو حتمية بعد قضاء العامل مدة معينة في درجته، بل تتوقف على درجة كفايته في العمل من جهة وعلى وجود درجات شاغرة في الميزانية تسمح بها من جهة أخرى.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في محله، ويتعين القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من استحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942 وما يترتب على ذلك من آثار وفروق، وبرفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيما قضى به من استحقاق المدعي لدرجة أوسطى من أول مارس سنة 1942، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات