الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1697 لسنة 2 ق – جلسة 14 /12 /1957 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 310


جلسة 14 من ديسمبر سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 1697 لسنة 2 القضائية

( أ ) كادر العمال – من يخضعون لأحكامه لا ينطبق عليهم قانون نظام موظفي الدولة ولا قانون عقد العمل الفردي.
(ب) كادر العمال – ورود نص به على أن فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي يتم بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي لجنة فنية معينة – عدم انطباق هذا النص على الفصل غير التأديبي – اعتبار العامل تاركاً الخدمة بسبب انقطاعه عن العمل مدة ما بدون إذن أو عذر، هو فصل غير تأديبي.
(ج) كادر العمال – القاعدة التنظيمية التي تحكم الفصل غير التأديبي للعامل بسبب انقطاعه عن العمل هي الفقرة 14 من تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 – انتهاء صلة العامل بالحكومة إذا انقطع بدون إذن أكثر من عشرة أيام، ما لم يثبت القوة القاهرة – المختص بتقدير العذر المبرر للغياب هو رئيس العامل – لا ضرورة للرجوع في هذا الشأن إلى وكيل الوزارة، أو إلى اللجنة الفنية المشار إليها في صدد الفصل التأديبي.
1 – متى ثبت أن المدعي معين على إحدى درجات كادر العمال، ومعامل بأحكام هذا الكادر الذي وردت وظيفته بأحد الكشوف الملحقة به، وهو المطبق عليه بالفعل، فإن القواعد الواردة في الكادر المشار إليه هي التي تسري في حقه وتحكم حالته، دون أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، الذي لا يسري إلا على الموظفين المدنيين الداخلين في الهيئة، سواء أكانوا مثبتين أم غير مثبتين، وكذا على المستخدمين الخارجين عن الهيئة دون عمال اليومية الحكوميين، كما أن كادر العمال هو الذي ينطبق على حالة المذكور دون أحكام المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 في شأن عقد العمل الفردي؛ لأن مجال تطبيق قانون عقد العمل الفردي لا يكون إلا إذا كانت العلاقة قائمة على أساس عقد عمل رضائي بالمعنى المفهوم في فقه القانون الخاص، وليست خاضعة لتنظيم لائحي.
2 – إن كادر العمال الصادر به قرار مجلس الوزراء في 23 من نوفمبر سنة 1944 وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 19 من ديسمبر سنة 1944 تناول النص على حالة فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي؛ فقضى بأنه "لا يجوز فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي اللجنة الفنية المشار إليها فيما تقدم"، وأغفل حالة إنهاء خدمة العامل بسبب غير تأديبي بما يعد في حكم الاستقالة وهو تغيبه وانقطاعه عن عمله بدون إذن أو عذر قهري لمدة تجاوز قدراً معيناً؛ ذلك أن الفصل التأديبي يفترض ارتكاب العامل ذنباً إدارياً يستوجب هذا الجزاء، أما اعتبار العامل تاركاً الخدمة بسبب انقطاعه عن العمل مدة ما بدون إذن أو عذر فيفترق عن ذلك بأنه ليس من قبيل الفصل التأديبي؛ إذ يقوم على قرينة الاستقالة التي تقتصر الإدارة على تسجيلها بشطب قيد العامل من سجلاتها. وإذا كان كادر العمال قد أوجب ألا يكون فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة المختص بعد أخذ رأي اللجنة الفنية التي نظم الكادر المذكور طريقة تشكيلها، فإن هذا الحكم لا ينسحب على حالة الفصل غير التأديبي بسبب الانقطاع عن العمل، الذي يتعين الرجوع في شأنه إلى القواعد التنظيمية الأخرى التي عالجت أمره والتي تكمل أحكام كادر العمال في هذا الخصوص؛ لامتناع القياس بينه وبين الفصل التأديبي.
3 – إن القاعدة التنظيمية التي تحكم حالة الفصل غير التأديبي للعامل بسبب انقطاعه عن العمل هي تلك التي تضمنتها الفقرة 14 من تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يوليه سنة 1922، التي نصت على أن "كل عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذن أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد بما يقنع رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين. وإذا أعيد استخدامه في أي تاريخ تال فلا يكون له حق في أي إجازة متجمعة لحسابه عن أية مدة خدمة سابقة لتاريخ إعادته في الخدمة". ومفاد هذا أن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذن سابق من رئيسه، وإذا تغيب بدون إذن فلا يجاوز غيابه عشرة أيام، فإذا زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف عمله بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة القاهرة، وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه، متى تجرد من إساءة استعمال السلطة، فإذا عجز العامل عن إقامة الدليل على أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة، أو لم يقتنع رئيسه بذلك، فإن البت في مصيره يكون بيد هذا الرئيس دون تطلب الرجوع في ذلك إلى وكيل الوزارة أو إلى اللجنة الفنية، كما هو الشأن في حالة الفصل التأديبي، وبمجرد هذا ينقطع قيد العامل في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين، وتنتهي صلته بالحكومة، وإذا أعيد استخدامه بعد ذلك في أي تاريخ لاحق فإنه يعد معيناً من جديد.


إجراءات الطعن

في 28 من يوليه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1697 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بجلسة 28 من مايو سنة 1956 في الدعوى رقم 487 لسنة 2 القضائية المقامة من محسن مصطفى خميس ضد مصلحة التلغرافات والتليفونات، القاضي "بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها مجدداً". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة المواصلات في 15 من أغسطس سنة 1956، وإلى المطعون لصالحه في 18 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 22 من يونيه سنة 1957، وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 5 من يونيه سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها وفي جلسة 9 من نوفمبر سنة 1957 التي أجل إليها نظر الطعن لضم المفردات وتقديم مذكرات سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم. وبعد حجز الطعن للحكم أودع المطعون لصالحه سكرتيرية هذه المحكمة مذكرة بملاحظاته انتهى فيها إلى طلب "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه بكامل أجزائه، وإلغاء القرار الصادر في 17 من مايو سنة 1954 بفصل المدعي من وظيفته وما ترتب عليه من آثار، مع إلزام المصلحة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة مع النفاذ المعجل بلا كفالة".


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن عدم قبول الدعوى:
من حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي كان يعمل بمصلحة تلغرافات وتليفونات الحكومة المصرية بوظيفة كاتب أجرية مؤقت، وفي 17 من مايو سنة 1954 صدر قرار مدير عام المصلحة بفصله تأديبياً من عمله، فتظلم من هذا القرار إلى وزير المواصلات في 6 من يوليه سنة 1954، ولما لم يصله رد على هذا التظلم تقدم في 12 من سبتمبر سنة 1954 إلى لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بطلب المعافاة الذي قيد برقم 6285 لسنة 2 القضائية لإعفائه من رسوم الدعوى الحالية. وبجلسة 23 من أغسطس سنة 1955 قررت اللجنة قبول الطلب. وبناءً على هذا القرار أقام المدعي الدعوى رقم 487 لسنة 2 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 15 من سبتمبر سنة 1955، طلب فيها "الحكم بإلغاء القرار التأديبي الصادر في 17 من مايو سنة 1954 بفصل الطالب من الخدمة، وما ترتب عليه من آثار، مع إلزام المدعى عليهما (وزارة المواصلات ومصلحة التلغرافات والتليفونات) بصفتهما المصروفات ومقابل الأتعاب والنفاذ المعجل وبلا كفالة". وبجلسة 28 من مايو سنة 1956 قضت المحكمة "بعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي المصروفات"، وأقامت قضاءها على أنه ليس لطلب المعافاة من الرسوم القضائية من أثر في قطع مدة سقوط دعوى الإلغاء؛ لأن ميعاد الستين يوماً المحدد لقبول دعوى الإلغاء إنما هو من مواعيد السقوط فهو لا يجرى عليه حكم الوقف والانقطاع المقررين في القانون المدني؛ ومن ثم كان يتعين على المدعي أن يقيم دعواه خلال أجل غايته 6 من يناير سنة 1955، ولما كان لم يرفعها إلا في 15 من سبتمبر سنة 1955 فإنها تكون غير مقبولة لرفعها بعد الميعاد القانوني. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 28 من يوليه سنة 1956 طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإعادة القضية إلى المحكمة الإدارية للفصل فيها مجدداً". واستند في أسباب طعنه إلى أن المحكمة لم تعتد بطلب المعافاة كإجراء قاطع لميعاد رفع الدعوى نتيجة لتطبيق النصوص المدنية على المنازعة المطروحة عليها، مع أنه ليس ثمة ما يوجب تطبيق هذه النصوص حتماً على المنازعة الإدارية التي تختلف في طبيعتها عن المنازعة الخاصة التي يحكمها القانون الخاص. ولما كانت النصوص الإدارية قد سكتت عن بيان أثر طلب المعافاة على المواعيد المقررة بها، فلا مندوحة للقضاء الإداري بحكم طبيعة وظيفته من استكمال تلك النصوص بما يحقق الغرض الذي استهدفه المشرع من تقرير هذه الوسيلة كشرط يقوم مقام الرسوم في رفع الدعوى. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون، ويتعين الطعن فيه.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأنه بقطع النظر عما نصت عليه المادة 383 من القانون المدني وعما عليه الرأي الغالب في مجال القانون الخاص من أن الطلب الذي يقدم إلى لجنة المساعدة القضائية للإعفاء من رسوم الدعوى ولتعيين محام لا يرقى إلى مرتبة الإجراء القاطع للتقادم، فإن روابط القانون العام تختلف في طبيعتها عن روابط القانون الخاص. وأن قواعد القانون المدني إنما وضعت لتحكم روابط القانون الخاص، فلا تطبق وجوباً على روابط القانون العام إلا إذا وجد نص يقضي بذلك، فإن لم يوجد فلا يلتزم القضاء الإداري بتطبيق القواعد المدنية حتماً وكما هي. وأن مقتضيات النظام الإداري قد انتهت بهذا القضاء إلى تقرير أنه يقوم مقام المطالبة القضائية في قطع التقادم الطلب أو التظلم الذي يوجهه الموظف إلى السلطة المختصة متمسكاً فيه بحقه طالباً أداءه. وليس من شك في أن هذا يصدق من باب أولى على طلب المساعدة القضائية للدعوى التي يزمع صاحب الشأن رفعها على الإدارة؛ إذ هو أقوى في معنى الاستمساك بالحق والمطالبة بأدائه، وأمعن في طلب الانتصاف من مجرد الطلب أو التظلم الذي يقدمه الموظف إلى الجهة الإدارية، بل هو يجمع بين طبيعة التظلم الإداري وبين طبيعة التظلم القضائي، فلا أقل – والحالة هذه – من أن يترتب عليه ذات الأثر المترتب على مجرد الطلب أو التظلم الإداري من حيث قطع التقادم أو قطع ميعاد رفع دعوى الإلغاء، ويظل هذا الأثر قائماً لحين صدور القرار في طلب المساعدة القضائية سواء بالقبول أو الرفض؛ إذ أن نظر الطلب قد يستغرق زمناً يطول أو يقصر فينقطع التقادم أو يقف سريان الميعاد، طالما كان الأمر بيد الجهة القضائية المختصة بنظره، حتى إذا ما صدر القرار وجب رفع الدعوى خلال الميعاد القانوني محسوباً من تاريخ صدوره، فإن كانت دعوى إلغاء تعين أن يتم ذلك خلال الستين يوماً التالية.
ومن حيث إنه يتضح من الأوراق أن القرار التأديبي المطعون فيه القاضي بفصل المدعي من الخدمة اعتباراً من 6 من إبريل سنة 1954 صدر من مدير عام مصلحة التلغرافات والتليفونات في 17 من مايو سنة 1954، وأن المدعي تظلم منه إدارياً في 7 من يوليه سنة 1954، أي في الميعاد القانوني في ظل نفاذ أحكام القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة، وذلك بشكوى قدمها إلى السيد وزير المواصلات الذي حولها بدوره إلى مدير عام المصلحة. وأنه تقدم بعد ذلك، وقبل انقضاء أربعة أشهر على تاريخ تقديم هذا التظلم الإداري، إلى لجنة المساعدة القضائية بمحكمة القضاء الإداري في 12 من سبتمبر سنة 1954، بطلب المعافاة رقم 1475 لسنة 8 القضائية الذي قررت اللجنة بجلسة 26 من إبريل سنة 1955 إحالته إلى المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات للاختصاص بالتطبيق لأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة حيث قيد برقم 6285 لسنة 2 القضائية. وبجلسة 23 من أغسطس سنة 1955 أصدرت فيه لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة المذكورة قرارها بقبوله. وبناءً على هذا القرار أقام الدعوى الحالية رقم 487 لسنة 2 القضائية ضد كل من وزارة المواصلات ومصلحة التلغرافات والتليفونات أمام المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 15 من سبتمبر سنة 1955، أي خلال الستين يوماً التالية لصدور القرار المشار إليه، طالباً إلغاء القرار التأديبي الصادر بفصله من الخدمة، وما ترتب عليه من آثار؛ ومن ثم تكون دعواه مقبولة لرفعها في الميعاد المقرر قانوناً، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم قبولها لرفعها بعد الميعاد قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه.
(ب) عن الموضوع:
من حيث إن الدعوى صالحة للفصل في موضوعها.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي يطلب بدعواه رقم 487 لسنة 2 القضائية المرفوعة منه ضد كل من وزارة المواصلات ومصلحة التلغرافات والتليفونات أمام المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات ومصلحة السكك الحديدية بعريضة مودعة سكرتيرية المحكمة في 15 من سبتمبر سنة 1955 الحكم بإلغاء القرار التأديبي الصادر في 17 من مايو سنة 1954 بفصله من الخدمة، وما ترتب عليه من آثار، مع إلزام المدعى عليهما بالمصروفات وبمقابل أتعاب المحاماة. ويستند في ذلك إلى أنه التحق بخدمة مصلحة التلغرافات والتليفونات في 26 من مارس سنة 1949 بوظيفة كاتب أجرية مؤقت، وظل يؤدي عمله بهمة وأمانة حتى أنه لم يتعرض طوال مدة خدمته لجزاء واحد. ونظراً لإرهاقه بالعمل وتضحيته براحته أخذ يشكو في شهر مارس سنة 1954 من مرض ألم به، وطلب من المصلحة "أورنيكا" لعرض نفسه على الطبيب، ولكن وطأة المرض اشتدت به وغلبت العلة على أمره فلم يتمكن من عرض نفسه على طبيب المصلحة وأشرف على علاجه بمنزله طبيبان. وفي 20 من إبريل سنة 1954 أرسل للمصلحة خطاباً عادياً يخطرها فيه بعجزه عن عرض نفسه على طبيبها طالباً حضور الطبيب إلى منزله، كما أبلغت زوجته رئيسه المباشر تليفونياً هذه الرغبة، إلا أن الرئيس لم يكترث بها ولم يعرها التفاتاً؛ لأمر يضمره في نفسه بسبب خصومة سابقة بينه وبين المدعي الذي رفض مسايرته في أهوائه بتفضيل بعض العمال على البعض الآخر دون مبرر سوى الرغبة في مجاملة المحاسيب والأصدقاء. وقد ظل المدعي ينتظر في منزله حضور طبيب المصلحة دون جدوى إلى أن شفي من مرضه وتوجه إلى المصلحة في 10 من مايو سنة 1954 لتسلم عمله فمنعه رئيسه المباشر من ذلك، مما حدا به إلى إرسال شكوى من هذا التصرف إلى مدير عام المصلحة بالبريد الموصى عليه في اليوم التالي، بيد أن هذا الأخير أصدر في 17 من مايو سنة 1954 قراراً بفصله من الخدمة تأديبياً بالاستناد إلى القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة. وقد جاء هذا القرار مجحفاً ومخالفاً للقانون وباطلاً؛ إذ أنه بني على القانون المشار إليه، في حين أن أحكام هذا القانون، وفقاً لنص المادة 26 منه، لا تنطبق على الموظفين المؤقتين الذين هو منهم، وقد أحالت هذه المادة إلى قرار يصدر من مجلس الوزراء، ولما كان هذا القرار لم يصدر بعد، فإن وضعه يكون خاضعاً إما لقرار مجلس الوزراء الصادر في 23 من نوفمبر سنة 1944 في شأن كادر العمال، وإما للمرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 بشأن عقد العمل الفردي. أما كادر العمال فيقضي بأنه "لا يجوز فصل العامل من الخدمة بسبب إلا بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي اللجنة الفنية التي تحدد وظيفة ودرجة العامل عند التعيين"، والأسباب التي تبرر الفصل وتجعله مشروعاً هي تلك التي ورد ذكرها في المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952، لا في القانون رقم 210 لسنة 1951، في حين أن قرار الفصل المطعون فيه قد صدر من وكيل المصلحة نائباً عن المدير العام، وكلاهما لا يملك حق الفصل بل يملكه وكيل الوزارة وحده. وأما قانون عقد العمل الفردي فإن المادة 29 منه لم تخول صاحب العمل الحق في فصل العامل تأديبياً، وكل ما منحته إياه من سلطة في هذا الشأن هو الوقف لمدة عشرة أيام فقط. كما أن المادة 40 فقرة خامسة منه الخاصة بالانقطاع بدون إذن تستوجب إنذار العامل كتابة في الميعاد المنصوص عليه فيها ومراعاة ما ورد بها من شروط وأوضاع وأن يكون الانقطاع بدون سبب مشروع. وقد كان يتعين على المصلحة إعمالاً لحكم هذه المادة أن توجه إلى المدعي إنذاراً كتابياً الأمر الذي لم تفعله. وليس ثمة شك في أن القانون المذكور، بإجماع الفقه والقضاء، ينطبق على موظفي ومستخدمي الدولة الخارجين عن هيئة العمال، كما أكدت ذلك مذكرته الإيضاحية. وإذا فرض جدلاً أن القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة هو الواجب التطبيق، فإن المادة 112 منه تقضي بأن الموظف الذي ينقطع عن عمله بدون إذن خمسة عشر يوماً متتالية وبدون عذر مقبول لا يفصل بقرار تأديبي وإنما يعتبر مستقيلاً، وفرق بين الوضعين. على أن المدعي إنما انقطع عن عمله بسبب عذر مقبول له مبرر قانوني، وهو مرضه الثابت بالشهادات الطبية المقدمة منه بحافظة مستنداته والصادرة من أطباء حكوميين في تواريخ مختلفة معاصرة لفترة تغيبه. وعلى أية حال فقد كان ينبغي على المصلحة وفقاً لنصوص اللائحة التنفيذية للقانون رقم 210 لسنة 1951 أن تجري معه تحقيقاً كتابياً قبل إصدار قرارها المطعون فيه، ولكنها أغفلت هذا الإجراء الجوهري مما يجعل القرار المذكور باطلاً من جميع الوجوه لمخالفته لأحكام كل من قانون عقد العمل الفردي وقانون نظام موظفي الدولة.
ومن حيث إن مصلحة التلغرافات والتليفونات ردت على هذه الدعوى بأن المدعي التحق بخدمتها في 26 من مارس سنة 1949 بوظيفة كاتب أجرية مؤقت، وهو حاصل على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، وفي 6 من إبريل سنة 1954 طلب استخراج تقرير مرض لعرض نفسه على طبيب المصلحة، وظل متغيباً عن عمله حتى 17 من إبريل سنة 1954، ثم تسلم العمل في 18 من إبريل سنة 1954، وفي اليوم ذاته طلب عرض نفسه على الطبيب مرة أخرى فأجيب إلى طلبه وصرف له تقرير مرض آخر. وبسؤال القسم الطبي بمصلحة السكك الحديدية عن مقدار الإجازات المرضية التي رخص له فيها اتضح أنه لم يعرض نفسه على الطبيب في الحالتين، وبالتالي لم يمنح إجازة مطلقاً. وقد ظل منقطعاً عن العمل حتى يوم 9 من مايو سنة 1954؛ وبذلك يكون قد تجاوز غيابه بدون إذن أكثر من عشرة أيام، فوجب فصله من الخدمة طبقاً للوائح المعمول بها، وصدر قرار فصله في 17 من مايو سنة 1954، وقد كان المذكور طوال فترة عمله مثالاً سيئاً، سواء في أداء عمله أو في معاملته لزملائه ورؤسائه، دائباً على طلب إجازات لأتفه الأسباب: منها أنه في يوم 9 من مارس سنة 1954 قدم طلباً لمنحه إجازة اعتيادية من 10 من مارس سنة 1954 إلى 30 منه، وذلك عقب منحه إجازة مرضية قدرها عشرة أيام انتهت في 9 من مارس سنة 1954، ولما كانت حالة العمل لا تسمح بمنحه الإجازة المطلوبة فقد تقرر منحه إياها بعد الانتهاء من إعداد الكشوف الخاصة بالمرتبات. وفي 31 من مارس سنة 1954 طلب إليه إنهاء عمل موكول إليه، فما كان منه إلا أن طلب نقله متذرعاً بأن كرامته وصحته لا تمكنانه من القيام بهذا العمل. وقد قرر رئيسه المباشر أنه دأب على رفض إطاعة الأوامر التي تصدر إليه لإنجاز عمله، مستعملاً ألفاظاً نابية على الرغم من أنه غير مرهق بالنسبة إلى زملائه الذين يعودون من تلقاء أنفسهم بعد الظهر لأداء أعمالهم. وفي 13 من إبريل سنة 1954 جوزي بخصم يومين من أجره لأنه دخل المكتب يوم 3 من إبريل سنة 1954 في الساعة الثامنة وخمس وخمسين دقيقة بدلاً من الساعة الثامنة، علاوة على تبجحه وخلقه المتاعب والمشاغبات بالمكتب. وفي 9 من مايو سنة 1954، وكان منقطعاً عن العمل، حضر إلى المكتب فوجد زميلاً له يؤدي العمل على مكتبه فاستعمل معه القوة لإبعاده عنه، وطفق يهين كرامة المكتب بالألفاظ النابية حتى غادره ليكتب استقالته، كما ادعى وقتذاك.
ومن حيث إن القرار المطعون فيه جاء به ما يلي "بعد الاطلاع على مذكرة السيد رئيس قسم استحقاقات منطقة القاهرة المتضمنة أنه قد استخرج للسيد/ محسن مصطفى خميس كاتب أجرية مؤقت باستحقاقات القاهرة تقرير مرض رقم 7196 في 6 من إبريل سنة 1954، وانقطع عن العمل حتى يوم 18 من إبريل سنة 1954، حيث عاد واستلم العمل. وفي 19 من إبريل سنة 1954 طلب المذكور تقرير مرض آخر فاستخرج له التقرير وانقطع عن العمل بعد ذلك" "وعلى كتاب التلغرافات والتليفونات رقم 1230/ 24 – 4 بتاريخ 9 من مايو سنة 1954، برسم السيد مدير القسم الطبي للإفادة عن مقدار الإجازة التي تصرح بها للمذكور"، "وعلى كتاب القسم الطبي رقم 112/ 1 بتاريخ 15 من مايو سنة 1954، المتضمن أن المذكور لم يعرض نفسه بتاتاً بتقريري المرض المستخرجين له وبالتالي لم يصرح له القسم الطبي بأي إجازة"، "وعلى القانون رقم 210 لسنة 1951"، "أولاً: يفصل من خدمة مصلحة التلغرافات والتليفونات – محسن مصطفى خميس، كاتب أجرية مؤقت اعتباراً من 6 من إبريل سنة 1954، تاريخ انقطاعه عن العمل بدون إذن متجاوزاً المدة القانونية ويشطب اسمه من سجلات العمال المؤقتين…".
ومن حيث إنه يبين من استظهار حالة المدعي من واقع ملف خدمته أنه عين بمصلحة التلغرافات والتليفونات اعتباراً من 26 من مارس سنة 1949، وهو حاصل على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية بوظيفة كاتب أجرية مؤقت في الدرجة (160 – 240 م) بأجر يومي قدره 160 م، وهو أول مربوط هذه الدرجة، وذلك طبقاً لقواعد كادر العمال على المقايسة رقم 42 ت ت جزءً التي كانت تسمح بهذا التعيين لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد، وألحق بقسم مستخدمي تلغرافات وتليفونات منطقة القاهرة. ولما كان المذكور معيناً على إحدى درجات كادر العمال ومعاملاً بأحكام هذا الكادر الذي وردت وظيفته وهي كاتب أجرية بالكشف رقم 3 الملحق به والخاص بالعمال الكتبة ودرجتها (160 – 240 م) وهو المطبق عليه بالفعل، فإن القواعد الواردة في الكادر المشار إليه هي التي تسري في حقه وتحكم حالته، دون أحكام القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة الذي لا يسري إلا على الموظفين المدنيين الداخلين في الهيئة، سواء أكانوا مثبتين أم غير مثبتين وكذا على المستخدمين الخارجين عن الهيئة دون عمال اليومية الحكوميين الذين منهم المدعي. كما أن كادر العمال هو الذي ينطبق على حالة المذكور دون أحكام المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952 في شأن عقد العمل الفردي؛ إذ سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن مجال تطبيق قانون عقد العمل الفردي لا يكون إلا إذا كانت العلاقة قائمة على أساس عقد عمل رضائي بالمعنى المفهوم في فقه القانون الخاص وليست خاضعة لتنظيم لائحي، وذلك بصريح نص المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 317 لسنة 1952، التي قضت بأن "تسري أحكام هذا القانون على العقد الذي يتعهد بمقتضاه عامل بأن يشتغل تحت إدارة صاحب العمل أو إشرافه في مقابل أجر…"، وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون عن هذا العقد أنه "يشترط لانعقاده ما اشترط توافره في جميع العقود الرضائية من رضا ومحل وسبب"، أما ما ورد بهذه المذكرة من أن من بين الطوائف التي لا تسري عليها أحكام القانون المذكور "موظفو ومستخدمو الحكومة ومجالس المديريات والمجالس البلدية والقروية الداخلون في الهيئة، لأنهم يخضعون لأحكام القوانين واللوائح التي تنظم ما بينهم وبين الحكومة"، فإنما هو تأكيد للأصل المسلم من أن علة إخراج هؤلاء من أحكامه هي أن الرابطة التي تقوم بينهم وبين الحكومة أو الأشخاص الإدارية الأخرى والمراكز التي تنشأ لهم بسبب هذه الرابطة إنما تخضع لتنظيم لائحي؛ لانفرادها بطبيعة متميزة نظمتها الدولة تنظيماً خاصاً يتسق مع المصلحة العامة بما يكفل حسن سير المرافق، وهو تنظيم لا يتلاءم مع طبيعة عقد العمل الفردي؛ ذلك أن المرافق العامة لا يتسنى لها أن تحقق الغرض المنشود منها إذا كانت خاضعة لقواعد القانون الخاص؛ ومن ثم كان الأصل فيها هو التنظيم اللائحي، وكان عقد العمل الفردي هو الاستثناء. ويبين من استظهار نصوص قانون عقد العمل الفردي أن قصد الشارع فيه لم ينصرف إلى أن يخضع لأحكامه مستخدمي الحكومة وعمالها الذين تحكم علاقتهم بها قواعد تنظيمية عامة، وإنما استهدف المشرع به تنظيم شئون العمال من غير هؤلاء وبيان حقوقهم وواجباتهم ورعاية مصالحهم وحمايتهم صحياً ومالياً ودرء الحيف والاستغلال عنهم من أرباب الأعمال، وأسند رقابة هذا كله إلى وزارة الشئون الاجتماعية التي نصبها قوامة على تنفيذه. وهذه الحكمة ليست قائمة بالنسبة إلى المستخدمين والعمال الحكوميين ممن يخضعون لأحكام القوانين واللوائح التي تنظم العلاقة بينهم وبين الحكومة وتكفل لهم الرعاية والحماية التي إنما وضع تشريع عقد العمل الفردي من أجل ضمانها لمن لا تشملهم هذه القوانين. وقد فرضت في هذا التشريع رقابة الحكومة تأكيداً لاحترام نصوصه، الأمر الذي لا محل له في علاقة الحكومة بمستخدميها وعمالها؛ ومن ثم فإن مجال تطبيق أحكام قانون عقد العمل الفردي يتحدد بالحكمة التي قام عليها هذا القانون والهدف الذي تغياه، وهما تنظيم شئون العمال – عدا من استثناهم صراحة – ممن لا تحكم علاقتهم برب العمل قواعد لائحية، ولو كان رب العمل هو الحكومة في الحالات التي تكون طبيعة العلاقة القائمة فيها بين العامل والحكومة عقدية وليست لائحية وكذا حماية من لم تشمله من هؤلاء العمال حماية القوانين واللوائح المنظمة لعلاقتهم بالحكومة. ولو طبق قانون عقد العمل الفردي على العلاقات التنظيمية العامة بالنسبة إلى العمال والصناع الحكوميين الذين تنظم توظيفهم قواعد لائحية لاضطرب دولاب العمل الحكومي، وتزعزعت المراكز القانونية، وانقلبت الأوضاع بما يفضي إلى الإضرار بحسن سير العمل بالمرافق العامة، الأمر الذي يجب تنزيه الشارع عنه [(1)].
ومن حيث إنه بالرجوع إلى كادر العمال الواجب التطبيق في حق المدعي والصادر به قرار مجلس الوزراء في 23 من نوفمبر سنة 1944 وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 في 19 من ديسمبر سنة 1944، يبين أنه تناول النص على حالة فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي، فقضى بأنه "لا يجوز فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي اللجنة الفنية المشار إليها فيما تقدم"، وأغفل حالة إنهاء خدمة العامل بسبب غير تأديبي بما يعد في حكم الاستقالة، وهو تغيبه وانقطاعه عن عمله بدون إذن أو عذر قهري لمدة تجاوز قدراً معيناً؛ ذلك أن الفصل التأديبي يفترض ارتكاب العامل ذنباً إدارياً يستوجب هذا الجزاء، أما اعتبار العامل تاركاً الخدمة بسبب انقطاعه عن العمل مدة ما بدون إذن أو عذر فيفترق عن ذلك بأنه ليس من قبيل الفصل التأديبي؛ إذ يقوم على قرينة الاستقالة التي تقتصر الإدارة على تسجيلها بشطب قيد العامل من سجلاتها. وإذا كان كادر العمال قد أوجب ألا يكون فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة المختص بعد أخذ رأي اللجنة الفنية التي نظم الكادر المذكور طريقة تشكيلها، فإن هذا الحكم لا ينسحب على حالة الفصل غير التأديبي بسبب الانقطاع عن العمل، الذي يتعين الرجوع في شأنه إلى القواعد التنظيمية الأخرى التي عالجت أمره والتي تكمل أحكام كادر العمال في هذا الخصوص، لامتناع القياس بينه وبين الفصل التأديبي.
ومن حيث إن القاعدة التنظيمية التي تحكم هذه الحالة هي تلك التي تضمنتها الفقرة 14 من تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يوليه سنة 1922، التي نصت على أن "كل عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذن أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد بما يقنع رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة، ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين، وإذا أعيد استخدامه في أي تاريخ تالٍ فلا يكون له حق في أي إجازة متجمعة لحسابه عن أية مدة خدمة سابقة لتاريخ إعادته في الخدمة". ومفاد هذا أن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذن سابق من رئيسه، وإذا تغيب بدون إذن فلا يجاوز غيابه عشرة أيام، فإذا زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف عمله بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة القاهرة، وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه، متى تجرد من إساءة استعمال السلطة. فإذا عجز العامل عن إقامة الدليل على أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة أو لم يقتنع رئيسه بذلك، فإن البت في مصيره يكون بيد هذا الرئيس، دون تطلب الرجوع في ذلك إلى وكيل الوزارة أو إلى اللجنة الفنية، كما هو الشأن في حالة الفصل التأديبي، وبمجرد هذا ينقطع قيد العامل في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين، وتنتهي صلته بالحكومة، وإذا أعيد استخدامه بعد ذلك في أي تاريخ لاحق فإنه يعد معيناً من جديد.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق أن المدعي – وهو من عمال اليومية – انقطع عن عمله بوصفه كاتب أجرية مؤقت بمصلحة التلغرافات والتليفونات بقسم استحقاقات منطقة القاهرة فترتين متتاليتين من 6 من إبريل سنة 1954 إلى 18 منه، ومن 19 من الشهر ذاته حتى 9 من مايو سنة 1954، وكلتاهما تجاوز المدة القانونية، وهي عشرة أيام، ومع أنه حصل في كل مرة على تقرير مرض رقم 7196 في 6 من إبريل سنة 1954، ورقم 7335 في 19 من إبريل سنة 1954 لعرض نفسه على طبيب المصلحة، وكان في وسعه – خلافاً لما يزعمه – أن يتوجه لعرض نفسه على هذا الطبيب عندما حضر إلى المصلحة وتسلم عمله بها في يوم 18 من إبريل سنة 1954، إلا أنه لم يفعل شيئاً من ذلك؛ حيث جاء بكتاب القسم الطبي رقم 112 المؤرخ 15 من مايو سنة 1954، أنه لم يعرض نفسه على القسم لا بتقرير المرض الأول ولا بالتقرير الثاني، وأن القسم لم يصرح له بالتالي بأية إجازة. ولما كان غيابه في هذه الحالة هو غياب بدون إذن وبدون عذر كذلك؛ إذ أن ما تذرع به – من عجزه عن التوجه إلى طبيب المصلحة لعرض نفسه عليه استناداً إلى شهادات طبية تفيد مرضه وحاجته إلى العلاج والراحة لا عجزه عن الانتقال والحركة – هو زعم داحض ينفيه حضوره إلى المصلحة وتسلمه عمله بها في يوم 18 من إبريل سنة 1954، فإن رئيسه يكون على حق في عدم اقتناعه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة، وهو ينفرد بتقدير هذا السبب، وفي تقريره فصله بناءً على ذلك. وقد صدر القرار المطعون فيه في 17 من مايو سنة 1954، تنفيذاً للقانون وطبقاً لأحكامه ممن يملك إصداره، وهو مدير عام المصلحة، بناءً على مذكرة رئيس قسم استحقاقات منطقة القاهرة الذي يتبعه المدعي، وقام على وقائع صحيحة ثابتة في الأوراق ومؤدية إلى النتيجة التي انتهى إليها.
ومن حيث إنه لما تقدم تكون الدعوى بطلب إلغاء قرار فصل المدعي من الخدمة آنف الذكر وما ترتب عليه من آثار على غير أساس سليم من القانون، حقيقة بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبقبول الدعوى، وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] يراجع الحكم المنشور بالسنة الثانية من هذه المجموعة، ببند 45، صفحة 384.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات