الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 756 لسنة 2 ق – جلسة 14 /12 /1957 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 272


جلسة 14 من ديسمبر سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف والدكتور ضياء الدين صالح المستشارين.

القضية رقم 756 لسنة 2 القضائية

اختصاص – المناط في تحديد دائرة اختصاص كل محكمة إدارية هو اتصال الجهة الإدارية بالمنازعة موضوعاً، لا مجرد تبعية الموظف لهذه الجهة عند رفع الدعوى، ولو كان لا شأن لها بموضوع المنازعة أصلاً – اعتبار هذا المناط من النظام العام – سريانه على اختصاص اللجان القضائية.
إن تعيين عدد المحاكم الإدارية وتحديد دائرة اختصاص كل منها، على مقتضى المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة وقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 29 من مارس سنة 1955، يقوم على اختصاص الجهة الإدارية بالمنازعة، أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية الموظف لها عند إقامة الدعوى إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة، وأن هذا الضابط هو الذي يتفق مع طبائع الأشياء ومع حسن سير المصلحة العامة؛ إذ الجهة الإدارية المختصة بالنزاع، أي المتصلة بها موضوعاً، هي بطبيعة الحال التي تستطيع الرد على الدعوى؛ بإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها وكذلك بتسوية المنازعة صلحاً أو بتنفيذ الحكم في ميزانيتها عند الاقتضاء، وأن تلك الجهة هي وحدها التي تستطيع نظر التظلمات الإدارية الوجوبية تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 17 من القانون المشار إليه. وغني عن البيان أنه لما كان مناط هذا التحديد في الاختصاص مرتبطاً بحسن سير المصلحة العامة، فإن للقضاء الإداري أن يحكم فيه من تلقاء نفسه. وينطبق هذا الوضع أيضاً بالنسبة للجان القضائية؛ إذ نصت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 160 لسنة 1952 بإنشاء وتنظيم لجان قضائية في الوزارات للنظر في المنازعات الخاصة بموظفي الدولة على أن "تنشأ في كل وزارة لجنة قضائية"، ونصت المادة الثانية على أن "تختص اللجنة في حدود الوزارة المشكلة فيها"، ومن ثم إذا ثبت أن المدعي مستخدم بوظيفة خفير نظامي تابع لقسم الخفر بإدارة عموم الأمن العام الملحقة بوزارة الداخلية، وأن هذه الوزارة هي المتصلة بالمنازعة موضوعاً، وبالتالي هي الجهة الإدارية المختصة به؛ فتكون اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية، وقد أصدرت قرارها بالفصل في موضوع التظلم المقدم إليها من المدعي، قد أخطأت في تطبيق القانون؛ إذ قضت في دعوى هي غير مختصة بالفصل فيها وفقاً لما نصت عليه المادتان الأولى والثانية من المرسوم بقانون رقم 160 لسنة 1952 بإنشاء وتنظيم لجان قضائية في الوزارات للنظر في المنازعات الخاصة بموظفي الدولة، وهو خطأ من النظام العام، ويجوز أن تتصدى له المحكمة من تلقاء نفسها، فيتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية بنظر الدعوى، وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.


إجراءات الطعن

في 8 من مارس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (هيئة ثانية) بجلسة 11 من يناير سنة 1956 في الدعوى رقم 1263 لسنة 8 القضائية المرفوعة من وزارة الصحة العمومية ضد محمد حنفي عطوة، والذي يقضي "بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، ورفض التظلم، وألزمت المدعى عليه بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن – الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وتعديل قرار اللجنة القضائية بتطبيق قواعد الإنصاف على المتظلم من تاريخ العمل بها حتى تاريخ العمل بالقانون رقم 234 لسنة 1955، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وقد أعلن الطعن إلى وزارة الصحة في أول يوليه سنة 1956، وإلى المدعي 9 منه، ثم عين لنظر الطعن جلسة أول يونيه سنة 1957، ومن بعدها تداول نظره بالجلسات، إلى أن نظر بجلسة 9 من نوفمبر سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي قدم في 13 من مايو سنة 1953 تظلماً إلى اللجنة القضائية بوزارة الصحة العمومية قال فيه إنه يعمل خفيراً نظامياً ببندر بني سويف، وعهد إليه بحراسة مستشفى الإنكلستوما ليلاً وذلك من 15 من سبتمبر سنة 1926، وأنه يتقاضى من ذلك التاريخ مبلغ 2 ج شهرياً على حساب وزارة الصحة، وطلب تطبيق قواعد الإنصاف عليه برفع مرتبه إلى مبلغ ثلاثة جنيهات شهرياً أسوة بزملائه في المصالح الأخرى. وفي 25 من يونيه سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قرارها بإجابة المدعي إلى طلبه بأحقيته في أن يعامل بالتطبيق لقواعد الإنصاف الصادرة في 30 من يناير سنة 1944 اعتباراً من تاريخ تعيينه مع ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية. وبصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 3 من ديسمبر سنة 1953 طعنت وزارة الصحة العمومية في قرار اللجنة القضائية بوزارة الصحة تأسيساً على أن المطعون ضده معين خفيراً نظامياً، والخفراء تحكمهم قواعد تنظيمية خاصة بهم، ولا تطبق عليهم قواعد الإنصاف الصادر في 30 من يناير سنة 1944. وبجلسة 11 من يناير سنة 1956 حكمت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) "بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، ورفض التظلم، وألزمت المدعى عليه بالمصروفات". وأسست قضاءها فيما يتعلق بمنح المدعي راتباً قدره ثلاثة جنيهات على أنه عندما وضع القانون رقم 140 لسنة 1944 الخاص بنظام هيئات البوليس واختصاصاتها نص في المادة 39 منه على ما يأتي "يكون تعيين الخفراء النظاميين بطريق التطوع لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد وتكون الأولوية في التعيين للأشخاص المتطوعين وغير المطلوبين للخدمة العسكرية". وجاء في المادة 40 منه ما يأتي "يحدد وزير الداخلية عدد الخفراء النظاميين ويصدر قرار من مجلس الوزراء بتحديد نظام مرتباتهم". ولما صدر القانون رقم 234 لسنة 1955 الخاص بنظام هيئة البوليس، وهو الذي ألغى القانون السابق، نص في مادته الأولى على ما يأتي "البوليس هيئة مدنية نظامية تابعة لوزارة الداخلية. وتؤلف من: ضباط البوليس، والكونستبلات، والصولات، وضباط الصف، وعساكر البوليس، ورجال الخفر النظاميين". وقد بان لمحكمة القضاء الإداري من استقراء النصوص المتقدمة أن المشرع قد عنى بوضع قواعد خاصة بتعيين وترقية رجال البوليس والخفراء النظاميين، وبوضع كادر خاص لهم مستقل عن الكادر العام؛ وهو يشمل مرتبات مقابلة لوظائفهم ورتبهم – في حين أن قواعد الإنصاف تستهدف إنصاف بعض الموظفين من حملة المؤهلات الدراسية بمنحهم درجات مدنية معينة من الدرجات المدنية المبينة بالكادر العام؛ وهي بهذه المثابة لا تنصب على العسكريين والخفراء النظاميين، وقد انفردوا بكادر خاص بهم خلا من الدرجات المدنية. وقد استمر اتجاه المشرع طبقاً لما تقدم ملحوظاً ومعمولاً به، إذ أن المادة 131 من القانون رقم 210 لسنة 1951 نصت على أنه "لا تسري أحكامه على عساكر البوليس والخفراء"، ثم جاء القانون رقم 371 لسنة 1953 الخاص بالمعادلات الدراسية ونص على أحكام متعلقة بحملة المؤهلات من الموظفين الذين ينطبق عليهم قانون نظام الموظفين المذكور، وليس رجال البوليس والخفر منهم. وخلصت محكمة القضاء الإداري إلى أن قواعد الإنصاف الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944 لا تنطبق على الخفراء النظاميين أسوة برجال البوليس؛ ولذلك لا يجوز للمتظلم أن يطلب تسوية حالته وفقاً لقواعد الإنصاف.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن البند رقم 19 من كتاب وزارة المالية الدوري والمؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1944 رقم ف 234 – 1/ 302 الخاص بتنفيذ قواعد الإنصاف الصادر بها قرارات مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944 و17 و29 من أغسطس سنة 1944 ينص على أن الخفراء ومشايخ الحارات الذين يتقاضون ماهيات تقل عن ثلاثة جنيهات شهرياً تزاد ماهياتهم بواقع ربع الماهية الحالية بحيث لا تتجاوز الماهية بالزيادة ثلاثة جنيهات مصرية. فالقول بأن قواعد الإنصاف لا تسري على الخفراء بحجة أنها لا تسري على رجال البوليس قول مردود، ما دام أن قواعد الإنصاف ذاتها قد نصت صراحة على إنصاف الخفراء دون سائر رجال البوليس. والمتظلم، باعتباره خفيراً معيناً قبل العمل بقواعد الإنصاف، يكون قد نشأ له المركز القانوني الذي يخوله الإفادة من إنصاف الخفراء بمقتضى قواعد الإنصاف؛ وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد بني على مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن تعيين عدد المحاكم الإدارية وتحديد دائرة اختصاص كل منها، على مقتضى المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة وقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 29 من مارس سنة 1955، يقوم على اختصاص الجهة الإدارية بالمنازعة، أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية الموظف لها عند إقامة الدعوى، إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة، وأن هذا الضابط هو الذي يتفق مع طبائع الأشياء ومع حسن سير المصلحة العامة؛ إذ الجهة الإدارية المختصة بالنزاع، أي المتصلة بها موضوعاً، هي بطبيعة الحال التي تستطيع الرد على الدعوى؛ بإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها وكذلك بتسوية المنازعة صلحاً أو بتنفيذ الحكم في ميزانيتها عند الاقتضاء، وأن تلك الجهة هي وحدها التي تستطيع نظر التظلمات الإدارية الوجوبية، تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 12 من القانون المشار إليه. وغني عن البيان أنه لما كان مناط هذا التحديد في الاختصاص مرتبطاً بحسن سير المصلحة العامة، فإن للقضاء الإداري أن يحكم فيه من تلقاء نفسه.
ومن حيث إن الثابت من ملف خدمة المدعي، رقم 29 خفر إدارة عموم الأمن العام بوزارة الداخلية، أنه عين في 7 من ديسمبر سنة 1925 خفيراً بماهية شهرية قدرها 250 قرشاً، وألحق بحراسة مستشفى الإنكلستوما ليلاً بالكوم الأحمر مركز بني سويف. وفي 29 من ديسمبر سنة 1928 وافق وكيل وزارة الداخلية على تتبع الخفراء غير النظاميين الموجودين بخدمة مصلحة الصحة العمومية لوزارة الداخلية، على أن تصرف لهم ماهياتهم بمعرفة المديريات والمحافظات الموجودين بدائرتها بالخصم على حساب مصلحة الصحة اعتباراً من أول يناير سنة 1929، وقد طبق هذا القرار على المدعي. وفي 6 من فبراير سنة 1929 أعادت مصلحة الصحة أورنيك الجزاء المطلوب توقيعه على المدعي، ونبهت مستشفى الإنكلستوما رقم 2 بني سويف بضرورة مخابرة المركز بشأن هذا الجزاء؛ إذ أن الخفير المشار إليه قد أصبح ضمن الخفراء النظاميين. وثابت من كشف مدة خدمة المدعي الصادر في 3 من إبريل سنة 1929 من رئيس مصلحة الصحة العمومية بأن المدعي تقرر نقله إلى وزارة الداخلية من آخر ديسمبر سنة 1928، واعتمد قلم الخفر بقسم الإدارة ببني سويف تعيين المدعي خفيراً نظامياً اعتباراً من أول يناير سنة 1929، وأن جميع الجزاءات الإدارية التي وقعت عليه روعي فيها تعليمات البوليس والخفر بقسم المستخدمين بوزارة الداخلية، فلا جدال إذن في أن المدعي مستخدم بوظيفة خفير نظامي تابع لقسم الخفر بإدارة عموم الأمن العام الملحقة بوزارة الداخلية، وأن هذه الوزارة هي المتصلة بالمنازعة موضوعاً، وبالتالي هي الجهة الإدارية المختصة به؛ ومن ثم تكون المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية هي وحدها المختصة بالفصل في هذه الدعوى وتكون اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية، وقد أصدرت قرارها بجلسة 25 من يونيه سنة 1953 بالفصل في موضوع التظلم المقدم إليها من المدعي في 13 من مايو سنة 1953، قد أخطأت في تطبيق القانون؛ إذ قضت في دعوى هي غير مختصة بالفصل فيها وفقاً لما نصت عليه المادتان الأولى والثانية من المرسوم بقانون رقم 160 لسنة 1952 بإنشاء وتنظيم لجان قضائية في الوزارات للنظر في المنازعات الخاصة بموظفي الدولة، وقد جاء في المادة الأولى "تنشأ في كل وزارة لجنة قضائية"، وفي المادة الثانية "تختص اللجنة في حدود الوزارة المشكلة فيها…". ولما كان هذا الخطأ في تطبيق القانون هو من النظام العام، ويجوز أن تتصدى له المحكمة من تلقاء نفسها، حسبما سلف البيان، فيتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية بنظر الدعوى، وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية بنظر الدعوى، وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات