الطعن رقم 1823 لسنة 2 ق – جلسة 07 /12 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 235
جلسة 7 من ديسمبر سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1823 لسنة 2 القضائية
( أ ) لجنة شئون الموظفين – حقها في التعقيب على تقديرات الرؤساء
لكفايات الموظفين – صيرورة تقديرها نهائياً ملزماً للسنة التي تم بشأنها التقدير –
اختصاصها في شأن ترقية الموظفين لغاية الدرجة الأولى – التزامها، عند مباشرة هذا الاختصاص،
بالتقدير النهائي لكفاية الموظف إذا كانت قد أعملت سلطتها في التعقيب عليه، وذلك عن
السنة التي حصل فيها ذلك التقدير.
(ب) موظف – تخطيه في الترقية بحجة عدم تقدير كفايته أو بحجة إرجاء النظر في هذا التقدير
– مخالفته للقانون – تقدير الكفاية لازم كأساس للنظر في الترقية ما دام من الممكن إجراؤه
قبل النظر فيها – دليل ذلك.
1 – للجنة شئون الموظفين حق التعقيب على تقديرات الرؤساء في كفايات الموظفين، ويكون
تقديرها نهائياً ملزماً للسنة التي تم بشأنها التقدير، وذلك طبقاً للمادة 31 من القانون
رقم 210 لسنة 1951 الخاص بنظام موظفي الدولة، كما لها بمقتضى المادة 28 من هذا القانون
النظر في ترقيات الموظفين لغاية الدرجة الأولى بما في ذلك الترقية بالاختيار على الوجه
والشروط والأوضاع المبينة في تلك المادة. وهي إذ تباشر هذا الاختصاص تكون ملزمة بالتقدير
النهائي لكفاية الموظف إذا كانت قد أعملت سلطتها في التعقيب على هذا التقدير، وذلك
عن السنة التي حصل فيها التقدير المذكور.
2 – إن القانون قد ضبط تقدير كفاية الموظف على سنن معين في الحدود والأوضاع التي بينها،
وجعل لهذا التقدير أثره الحاسم في ترقية الموظف، سواء بالأقدمية أو بالاختيار. والمفروض
– بحسب روح القانون – أن تتم هذه التقديرات بالنسبة للموظفين المرشحين عند النظر في
الترقية، فلا يجوز – والحالة هذه – إبعاد مرشح حل عليه الدور في الترشيح للترقية بحجة
عدم تقدير كفايته أو إرجاء النظر فيها؛ ما دام هذا التقدير لازماًً كأساس للنظر في
الترقية، وما دام من الممكن إجراؤه، وهو عن السنة الأخيرة، قبل النظر في الترقية؛ إذ
يترتب على ذلك فوات فرصة الترقية بالنسبة إليه، وقد يظهر عند تقدير كفايته صلاحيته
لها، فتفوته الترقية بسبب لا دخل لإرادته فيه، بل الواجب عندئذٍ أن تستوفى لجنة شئون
الموظفين عملها أولاً بتقدير كفايته نهائياً عن السنة الأخيرة، ما دام ذلك متاحاً،
ولو اقتضى الأمر إرجاء النظر في الترشيح للترقية؛ حتى لا يضار موظف بدون وجه حق بفوات
الترقية في أوانها وما يترتب على ذلك من تأخير أقدميته بالنسبة إلى أقرانه وما يضيع
عليه من فروق مالية. هذا هو الواجب على مقتضى نصوص القانون وروحه؛ يؤكد ذلك ما يستفاد
من نصوص المواد من 103 إلى 106 من قانون نظام موظفي الدولة في شأن الموظفين الذين صدرت
في شأنهم جزاءات تأديبية أو المحالين إلى التأديب ولما يفصل في أمرهم، فقد راعى المشرع
عدم إلحاق الضرر بهؤلاء؛ إذ احتجز الدرجة للموظف لمدة سنة في حالة الخصم من مرتبه لغاية
خمسة عشر يوماً وفي حالة تأجيل العلاوة لذنب اقترفه، كما احتجز الدرجة للمحالين إلى
التأديب لمدة سنة إلى أن تتم المحاكمة، فإن استطالت لأكثر من ذلك وثبتت عدم إدانة الموظف
وجب عند ترقيته حساب أقدميته في الدرجة المرقى إليها من التاريخ الذي كانت تتم فيه
لو لم يحل إلى المحاكمة التأديبية. فالأولى – بحسب نصوص القانون وروحه – أن لا يضار
الموظف بفوات الترقية عليه في حينها بسبب عدم قيام لجنة شئون الموظفين بإتمام التقديرات
النهائية قبل النظر في الترقية، الأمر الذي لا دخل لإرادة الموظف فيه؛ فيكون ترك الموظف
في الترقية لمثل هذا السبب مخالفاً للقانون، متعيناً إلغاء القرار بتخطيه في الترقية
حتى يعاد النظر فيها بعد إتمام تقديرات المرشحين جميعاً، فإذا كان قد تم تقديره بعد
ذلك وثبتت صلاحيته للترقية ورقي بقرار لاحق، تعين إلغاء تخطيه الأول إلغاءً جزئياً،
وذلك بإرجاع أقدميته في الترقية إلى تاريخ هذا القرار.
إجراءات الطعن
في 25 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بجلسة 28 من يونيه سنة 1956 في القضية رقم 6961 لسنة 8 ق المرفوعة من الأستاذ خليل جمال الدين ضد وزارة الخارجية، القاضي برفض دعوى المدعي، وإلزامه بالمصروفات. وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – للأسباب الواردة في عريضة الطعن – الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بإرجاع أقدمية المدعي في وظيفة مستشار من الدرجة الأولى إلى تاريخ القرار المطعون فيه وفي دوره بالأقدمية بين المرقين بهذا القرار، وما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الحكومة بالمصروفات. وقد أعلن الطعن للحكومة في 5 من سبتمبر سنة 1956، وللمدعي في 10 منه، وعين لنظره جلسة 25 من مايو سنة 1957، وتأجلت لجلسة 12 من أكتوبر سنة 1957 للسبب الوارد في محضر الجلسة، وفيها سمعت الإيضاحات على الوجه المبين بالمحضر، وأرجئ النطق بالحكم لجلسة اليوم مع الترخيص في تقديم مذكرات.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى
رقم 6961 لسنة 8 ق أمام محكمة القضاء الإداري طلب فيها الحكم بصفة أصلية بإلغاء المرسوم
الصادر في 10 من إبريل سنة 1954 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى وظيفة مستشار من
الدرجة الأولى، وإلغاء ما ترتب على ذلك من آثار. واحتياطياً بإلغاء الأمر الجمهوري
رقم 5 الصادر في 5 من فبراير سنة 1954 فيما تضمنه من تخطيه في الندب إلى وظيفة مستشار،
مع الحكم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال شرحاً لدعواه إنه حصل على ليسانس
الحقوق في عام 1936، وعلى دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي سنة 1937، وعلى
دبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1938، وعلى دبلوم المعهد الجنائي سنة 1940،
وشغل مناصب قضائية في القضاءين الوطني والمختلط زهاء ثلاثة عشر عاماً، منها منصب رئيس
نيابة في القضاء المختلط في 20 من سبتمبر سنة 1948، ورئيس نيابة في القضاء الوطني،
ثم عين وكيلاً لإدارة التشريع بوزارة العدل في يناير سنة 1952، ولما قرر مجلس الوزراء
في فبراير سنة 1954 إنشاء مكتب الشكاوى والتظلمات تلحق برياسة المجلس المذكور ندب للعمل
به، فأخذ يمارس عمله بكفاية وإخلاص أكسباه ثناء رؤساء الوزارات الذين عمل تحت إشرافهم.
وفي ديسمبر سنة 1952 علم أن وزارة الخارجية في سبيل إجراء حركة كبيرة في السلك السياسي،
وأنها تسعى إلى تدعيمه ببعض العناصر الممتازة من رجال القضاء، فتقدم إلى رئيس مجلس
الوزراء مبدياً رغبته في الالتحاق بهذا السلك، فأحال طلبه إلى وزير العدل مذيلاً بالعبارة
الآتية "لحضرة وزير العدل. حتى إذا وافق أحال الطلب لوزارة الخارجية؛ لأني لاحظت أن
مؤهلات حضرته وما يلم به من لغات ودبلومات ومظهره كلها قد تفيد وزارة الخارجية في حالة
موافقتكم وموافقتها". وفي 2 من إبريل سنة 1953 صدر الأمر الملكي بتعيينه في وظيفة سكرتير
أول التي عدلت تسميتها بالقانون رقم 166 لسنة 1954 إلى مستشار من الدرجة الثانية، ولما
تسلم عمله بوزارة الخارجية بعث إليها رئيس مجلس الوزراء خطاباً أشار فيه إلى كفايته
واستقامته وما بذله من جهد في العمل بمكتب الشكاوى والتظلمات. وقد ألحق بأهم إدارة
في وزارة الخارجية وهي إدارة المؤتمرات والهيئات الدولية والمعاهدات والشئون القانونية،
وكان ترتيبه الأول في كشف أقدمية السكرتيرين الأول، وسرعان ما برزت مواهبه وتجلت كفايته
الممتازة في كل عمل يعهد به إليه، فأثنى عليه رئيساه المباشران (الأستاذ عبد المنعم
مصطفى الوزير المفوض والسفير عمر لطفي) ثناءً كبيراً بكفايته، أورد نص كل منهما، أولهما
في 31 من ديسمبر سنة 1953 والثاني في 19 من يناير سنة 1954، أشادا فيهما بكفايته وامتيازه
ودماثة خلقه وكياسته وحسن سمعته وروح الإخلاص والتعاون في أداء عمله. وأوصى السفير
عمر لطفي بترقيته على أساس الاختيار للكفاية الممتازة، كما أوصى بذلك في تقرير آخر
تاريخه 6 من إبريل سنة 1954. ولم يقتصر هذا التقدير من رئيسيه المباشرين فحسب، بل إن
وكيل الوزارة نفسه لمس كفايته الممتازة، فندبه ممثلاً لوزارة الخارجية في اللجان الهامة
التي تدعى الوزارة إلى إيفاد من يمثلها فيها، فندب لتمثيل الوزارة في اللجنة القانونية
لجامعة الدول العربية وفي لجنة تنسيق التزامات الوزارة المترتبة على اتفاقيات جنيف
الأربع الخاصة بحماية ضحايا الحرب وفي اللجنة التي نيط بها وضع القواعد التي يجرى عليها
العمل لتحديد أقدميات أعضاء السلكين الدبلوماسي والقنصلي وفي اللجنة التي عهد إليها
بدراسة مشروع قانون أعضاء هذين السلكين. وقد سجل وكيل الوزارة على تقرير اللجنة التي
قامت بدراسة مشروع هذا القانون وإعداده تقديره للمجهود الذي بذله في إعداد هذا القانون
وإصداره. ثم إن كفايته الممتازة لم تعرف في المحيط الذي كان يعمل به في القضاء وإدارة
التشريع برياسة مجلس الوزراء ووزارة الخارجية فحسب، بل عرفت أيضاً في المحيط الجامعي؛
فندبته كليتا الحقوق بجامعتي القاهرة وعين شمس لتدريس القانون باللغة الفرنسية؛ ومن
ثم فقد كان مطمئناً كل الاطمئنان إلى أنه سيكون أول المرقين في أول حركة تجريها الوزارة،
خصوصاً وأن ترتيبه الأول في كشف الأقدمية، ولكن الوزارة استصدرت الأمر الجمهوري رقم
5 الصادر في 15 من فبراير سنة 1954 بندب السادة حسن سليمان الحكيم وأنور نيازي وسيف
النصر أحمد حمدي وأمين محمد فتوح ومحمد رشاد مراد ورؤوف قلدس ومحمود شمس الدين عبد
الغفار وصالح خليل ومحمد كمال الدين صلاح إلى وظائف مستشارين متخطية إياه، مع أنهم
جميعاً يلونه في ترتيب الأقدمية ولم يكن قد مضى على سبعة منهم أحد عشر شهراً في وظائف
السكرتيرين الأول، بينما كان قد مضى عليه ما يزيد على خمس سنوات في الدرجة المالية
التي تعادل درجة سكرتير أول، وزعمت الوزارة أنها تخطته لأنه لم يمض بها وقتاً يكفي
للحكم على كفايته، مع أنه كان قد مضى عليه في خدمتها حتى ذلك الحين سنة إلا بضعة أسابيع
برزت فيها كفايته الممتازة الثابتة من التقارير التي يزخر بها ملف خدمته وهي المقياس
الصحيح للحكم على كفايته. ولما علم بصدور هذا الأمر تقدم بتظلم إلى السيد رئيس مجلس
الوزراء في 21 من فبراير سنة 1954 وبتظلم آخر إلى السيد وزير الخارجية في 10 من إبريل
سنة 1954، وهو وإن كان يرى أن قرار الندب المشار إليه لا يعتبر قراراً إدارياً نهائياً
بدليل أن الوزارة استصدرت المرسوم المؤرخ 10 من إبريل سنة 1954 المنشور في الجريدة
الرسمية في 15 من إبريل سنة 1954 بتعديل حكم الأمر الجمهوري المذكور الصادر بندب الذين
تخطوه إلى تعيينهم في وظائف مستشارين من الدرجة الأولى، إلا أنه رأى من باب الحيطة
أن يتظلم من هذا الأمر ليقطع به مدة سقوط حقه في رفع الدعوى؛ حتى يكون له حق في طلب
إلغائه إذا لم تصح وجهة نظره، ولكن الوزارة لم تأبه لتظلمه، مع أنها كانت لديها الفرصة
لتدارك الأمر قبل إصدار مرسوم 10 من إبريل سالف الذكر؛ إذ كان أمام الوزارة التقرير
المقدم عنه في 6 من إبريل سنة 1954، على الرغم من أن وكيل الوزارة، وهو الذي يرأس لجنة
شئون أعضاء السلكين الدبلوماسي والقنصلي التي تقترح الترقيات وتعرضها على الوزير لاعتمادها،
قد أشر على هذا التقرير في اليوم التالي بأنه يؤيد ما جاء به، ونوه بالجهد الذي بذله
في إعداد مشروع قانون السلكين الدبلوماسي والقنصلي. واستطرد المدعي إلى القول بأنه
لما كان في إقدام الوزارة على ترقية تسعة من السكرتيرين الأول يلونه في الأقدمية مع
أنه أكثرهم كفاية مخالفة للقانون وإساءة لاستعمال السلطة؛ ذلك لأن اختيار الموظفين
لشغل الدرجات العليا لم يقصد به إلا تمكين الرؤساء من اختيار خير الموظفين وأقدرهم
على شغل الوظائف الكبرى؛ خدمة للمصلحة العامة؛ فهو بهذه المثابة تكليف يؤدونه للصالح
العام وليس ميزة يتمتعون بها، فالخطأ الذي يقع في إجراء هذا الاختيار يندرج تحت مخالفة
القانون. ولما كان الثابت أنه الأول في ترتيب الأقدمية وظاهر الامتياز في عمله وحاصل
على مؤهلات علمية تفضل الحاصل عليها من يلونه في كشف الأقدمية، فما كان يجوز تخطيه
في الترقية، وإلا استهدف الاختيار للريبة والشك، وكان أقرب إلى التحكم والهوى منه إلى
الاختيار الحسن، مما يجعله مشوباً بإساءة استعمال السلطة. وانتهى المدعي إلى طلب الحكم
بإلغاء المرسوم الصادر في 10 من إبريل سنة 1954 فيما تضمنه من تخطيه في الترقية إلى
وظيفة مستشار من الدرجة الأولى، وإلغاء ما ترتب على ذلك من آثار، واحتياطياًً بإلغاء
الأمر الجمهوري رقم 5 الصادر في 5 من فبراير سنة 1954، مع الحكم بالمصروفات ومقابل
أتعاب المحاماة. وعلى أثر ترقية المدعي إلى وظيفة مستشار من الدرجة الأولى في أبريل
سنة 1955 عدل طلباته وقصرها على المطالبة بإلغاء ما ترتب على مرسوم 10 من إبريل سنة
1954 من آثار؛ وذلك لتحفظ له أقدميته بالنسبة لمن تخطوه بلا مبرر في حركة الترقيات
التي تمت بمقتضى ذلك المرسوم. وقد ردت الحكومة على ذلك بأن المدعي عين في وظيفة سكرتير
أول بوزارة الخارجية في 2 من إبريل سنة 1953، وظل يعمل بها إلى أن شرعت الوزارة في
إجراء حركة دبلوماسية كبيرة وذلك في شهر فبراير سنة 1954، فتبين للجنة شئون الموظفين
أن المدعي ولو أنه أقدم السكرتيرين الأول في كشف الأقدمية إلا أنه لم يمض عليه في العمل
بالوزارة إلا قرابة عشرة أشهر، وناقشت اللجنة حالته، وانتهت إلى رأي أجمعت عليه، وهو
أن هذه المدة غير كافية للحكم على مقدار صلاحيته لشغل منصب مستشار، ولذلك تخطته في
الترقية في هذه الحركة لأنه لم تمض عليه المدة التي تؤهله لشغل هذا المنصب، كما أرجأت
تقدير كفايته بالنسبة لهذه الحركة. واستطردت الحكومة فقالت إن الترقية من وظيفة سكرتير
أول إلى الدرجات التي تعلوها تكون بالاختيار، وإن الاختيار سلطة تقديرية للوزارة خولها
القانون إياها في حدود الصالح العام؛ ومن ثم فلا رقابة للقضاء عليها في هذا الشأن إلا
إذا أثبت المدعي الانحراف في استعمال تلك السلطة، وطريق إثبات ذلك لا يكفي فيه إثبات
المدعي صلاحيته للترقية، وإنما عليه أن يقيم الدليل على أن تركه في الترقية كان بسبب
المحاباة لشخص آخر، أو لضغينة شخصية بينه وبين أحد القائمين بالأمر أو لهوى جامح في
نفس مصدر القرار المطعون فيه. وبتاريخ 28 من يونيه سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري
برفض الدعوى، وإلزام المدعي بالمصروفات. وأسست قضاءها على أن الترقية لوظيفة مستشار
من الدرجة الأولى من الوظائف التي تكون الترقية إليها بطريق الاختيار وتجريها الجهة
الإدارية بمقتضى سلطتها التقديرية دون معقب عليها، ما دام قرارها قد خلا من سوء استعمال
السلطة، وأن منح الجهة الإدارية حق الاختيار في هذه الحالة إنما مفاده عدم التقيد بالأقدمية،
وفي هذه الحدود تملك أن تضع للاختيار من الضوابط والمعايير ما تراه محققاً للمصلحة
العامة، وأنه متى كان الثابت من تقدير لجنة شئون الموظفين لكفاية المدعي الذي أجرته
عند بحث حركة الترقيات بجلستها المنعقدة في أول فبراير سنة 1954 أن مدى اطلاعه متوسط
وأنه متوسط الأخلاق والسلوك وضعيف الشخصية، ولما كان للشخصية والأخلاق أهمية في الوظائف
الدبلوماسية، فإن من حق اللجنة في هذه الحالة أن تتخطاه في الترقية؛ حتى يبين مدى صلاحيته
الدبلوماسية وحتى يمكن التحقق من كفايته وجدارته؛ إذ لم يكن قد مضى عليه في الوزارة
وقتئذٍ سوى عشرة أشهر.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه وإن كان الشارع قد أطلق لجهة الإدارة – في حالة جعله
ولاية الترقية اختيارية لها – السلطة في تقدير ملاءمتها ووزن مناسباتها بلا معقب عليها
في هذا كله ما دام خلا تصرفها من إساءة استعمال السلطة، إلا أن ذلك شرطه أنه عند التساوي
في درجة الكفاية بين المرشحين تكون الترقية بينهم بالأقدمية، كما وأن تقدير لجنة شئون
الموظفين لكفاية الموظفين الذين لا يخضعون لنظام التقارير السنوية ينبغي أن يعتمد على
المعلومات الصحيحة التي يبديها أعضاؤها على مسئوليتهم ويدونونها كتابة وذلك إلى جانب
ما هو ثابت بملف الخدمة. فإذا كان الثابت من ملف خدمة المدعي أنه لم يقع الاختيار عليه
للعمل بوزارة الخارجية إلا لكفايته وللرغبة وقتئذٍ في تدعيم الوزارة بعناصر قضائية،
وأنه في خلال العام الذي قضاه في خدمتها أظهر إخلاصاً ونشاطاً في العمل ودقة وكفاية
ممتازة كانت موضع إشادة وتقدير خاص من رؤسائه، كما وأن ترتيبه في الأقدمية بين المرقين
لوظيفة مستشار من الدرجة الأولى في القرار المطعون فيه كان الأول – إذا كان الثابت
هو ما تقدم، فما كان يجوز تقدير كفايته بما قدرته به لجنة شئون الموظفين وتخطيه في
الترقية في القرار المطعون فيه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه وقع
مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه، وإرجاع أقدمية المدعي في وظيفة مستشار من الدرجة الأولى
إلى تاريخ القرار المطعون فيه وفي دوره في الأقدمية بين المرقين بهذا القرار.
ومن حيث إنه ولئن كان للجنة شئون الموظفين حق التعقيب على تقديرات الرؤساء في كفايات
الموظفين، ويكون تقديرها نهائياً ملزماً للسنة التي تم بشأنها التقدير، وذلك طبقاً
للمادة 31 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، كما لها بمقتضى المادة
28 من هذا القانون النظر في ترقيات الموظفين لغاية الدرجة الأولى بما في ذلك الترقية
بالاختيار على الوجه والشروط والأوضاع المبينة في تلك المادة. وأنها إذ تباشر هذا الاختصاص
تكون ملزمة بالتقدير النهائي لكفاية الموظف إذا كانت قد أعملت سلطتها في التعقيب على
هذا التقدير وذلك عن السنة التي حصل فيها التقدير المذكور، إلا أنه ما دام القانون
قد ضبط تقدير الكفاية على سنن معين في الحدود والأوضاع التي بينها وجعل لهذا التقدير
أثره الحاسم في ترقية الموظف سواء بالأقدمية أو بالاختيار وكان المفروض بحسب روح القانون
أن تتم هذه التقديرات بالنسبة للموظفين المرشحين عند النظر في الترقية، فلا يجوز –
والحالة هذه – إبعاد مرشح حل عليه الدور في الترشيح للترقية بحجة عدم تقدير كفايته
أو إرجاء النظر فيها ما دام هذا التقدير لازماً كأساس للنظر في الترقية وما دام من
الممكن إجراؤه، وهو عن السنة الأخيرة، قبل النظر في الترقية؛ إذ يترتب على ذلك فوات
فرصة الترقية بالنسبة إليه، وقد يظهر عند تقدير كفايته صلاحيته لها، فتفوته الترقية
بسبب لا دخل لإرادته فيه، بل الواجب عندئذٍ أن تستوفى اللجنة عملها أولاً بتقدير كفايته
نهائياً عن السنة الأخيرة، ما دام ذلك متاحاً، ولو اقتضى الأمر إرجاء النظر في الترشيح
للترقية؛ حتى لا يضار موظف بدون وجه حق بفوات الترقية في أوانها وما يترتب على ذلك
من تأخير أقدميته بالنسبة إلى أقرانه وما يضيع عليه من فروق مالية. هذا هو الواجب على
مقتضى نصوص القانون وروحه؛ يؤكد ذلك ما يستفاد من نصوص المواد من 103 إلى 106 من قانون
نظام موظفي الدولة في شأن الموظفين الذين صدرت في شأنهم جزاءات تأديبية أو المحالين
إلى التأديب ولما يفصل في أمرهم؛ فقد راعى المشرع عدم لحوق الضرر بهؤلاء؛ إذ احتجز
الدرجة للموظف لمدة سنة في حالة الخصم من مرتبه لغاية خمسة عشر يوماً وفي حالة تأجيل
العلاوة لذنب اقترفه، كما احتجز الدرجة للمحالين إلى التأديب لمدة سنة إلى أن تتم المحاكمة،
فإن استطالت لأكثر من ذلك وثبتت عدم إدانة الموظف وجب عند ترقيته حساب أقدميته في الدرجة
المرقى إليها من التاريخ الذي كانت تتم فيه لو لم يحل إلى المحاكمة التأديبية. فالأولى
بحسب نصوص القانون وروحه أن لا يضار الموظف بفوات الترقية عليه في حينها بسبب عدم قيام
لجنة شئون الموظفين بإتمام التقديرات النهائية قبل النظر في الترقية، الأمر الذي لا
دخل لإرادة الموظف فيه؛ فيكون ترك الموظف في الترقية لمثل هذا السبب مخالفاً للقانون
متعيناً إلغاء القرار بتخطيه في الترقية حتى يعاد النظر فيها بعد إتمام تقدير المرشحين
جميعاً. فإذا كان قد تم تقديره بعد ذلك وثبتت صلاحيته للترقية ورقي بقرار لاحق، تعين
إلغاء قرار تخطيه الأول إلغاءً جزئياًًً وذلك بإرجاع أقدميته في الترقية إلى تاريخ
هذا القرار.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن لجنة شئون الموظفين اجتمعت في أول فبراير سنة 1954
برياسة السيد وكيل الوزارة، وقررت وضع مقاييس لتقدير درجة كفاية موظفي السلكين الدبلوماسي
والقنصلي من الدرجة الثانية فما دونها فيما يتعلق بمدى الاطلاع والإنتاج وكيفية معالجة
الأمور وتقدير المسئولية والخلق والسلوك والسمعة والشخصية والمظهر وذلك بالإضافة إلى
الصلاحية الدبلوماسية، وقد وضعت اللجنة بياناً بحالة المدعي ذكرت فيه أن مدى اطلاعه
متوسط وأن إنتاجه جيد وأن معالجته للأمور وتقديره للمسئولية سليمة وأن خلقه وسلوكه
وسمعته متوسطة وأنه حسن المظهر وضعيف الشخصية، أما فيما يختص بتقدير درجة كفايته وصلاحيته
الدبلوماسية فقد قررت إرجاء ذلك إلى ما بعد مرانه في السلك الدبلوماسي فترة كافية،
ثم انتهت إلى إرجاء تقدير كفايته بصفة عامة كما هو واضح من الكشف المرفق بمحضر جلستها
المؤرخ أول يناير سنة 1954 الذي يشمل موظفي الوزارة من درجة سكرتير أول فما دونها.
وعلى هذا الأساس صدر القرار المطعون فيه بتعيين تسعة من زملائه يلونه جميعاً في ترتيب
الأقدمية إلى وظيفة مستشار من الدرجة الأولى، ومن بينهم من كان تقديره بدرجة متوسط
وهو الأستاذ رءوف قلدس. ولما أعادت اللجنة في 24 من نوفمبر سنة 1954 تقدير درجة كفاية
المدعي كان مجموع درجات التقدير ستة وسبعين درجة من مائة ورقي على أساس ذلك، فيتعين
– والحالة هذه – إلغاء القرار الأول بتخطي المدعي في الترقية إلغاءً جزئياً، واعتبار
أقدميته في الترقية لوظيفة مستشار من الدرجة الأولى راجعة إلى 10 من إبريل سنة 1954،
ويكون الحكم المطعون فيه – إذ ذهب غير هذا المذهب – مخالفاً للقانون، متعيناً إلغاؤه،
والقضاء في الدعوى على الوجه المبين في المنطوق.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار أقدمية المدعي في وظيفة مستشار من الدرجة الأولى بالسلك الدبلوماسي راجعة إلى 10 من إبريل سنة 1954 وهو تاريخ القرار المطعون فيه، وألزمت الحكومة بالمصروفات.
