الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1778 لسنة 2 ق – جلسة 30 /11 /1957 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 165


جلسة 30 من نوفمبر سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل والدكتور ضياء الدين صالح المستشارين.

القضية رقم 1778 لسنة 2 القضائية

كادر العمال – امتناع تطبيق التسويات الواردة به متى كانت المزايا المقررة بمقتضى قواعد الإنصاف السابقة تعادل تلك التي تضمنها هذا الكادر أو تزيد عليها – ليس لصاحب الشأن خيار في الجمع بين النظامين أو الانتفاع بأحكام أيهما شاء؛ إذ زيادة الأجر للقدر المحدد بالكادر مقصورة على من منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق كادر العمال – البند السادس من كتاب المالية الدوري في 16/ 10/ 1945 – المقصود بالأشخاص الوارد ذكرهم بالفقرة الأخيرة من ذلك البند.
إن التسويات الواردة بكادر العمال – وهي ضرب من الإنصاف قرره المشرع لعمال اليومية الحكوميين أسوة بما فعله بالنسبة إلى بعض طوائف الموظفين والمستخدمين من حملة الشهادات الدراسية لإقامة المساواة بين مختلف الطوائف – إنما قصد به تحقيق الإنصاف بالنسبة إلى من لم ينل من أرباب اليومية إنصافاً سابقاً، أو من نال في الإنصاف السابق حقاً غير كامل، أي أدنى مما يستحقه بتطبيق هذا الكادر، ومن ثم قصر سريانها على هؤلاء العمال فلا يفيد منها من شملهم الإنصاف السابق الصادر به كتاب المالية الدوري رقم ف 234 – 1/ 302 المؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1944 والكتب الدورية المكملة له، وهو الخاص بتنفيذ قواعد الإنصاف بالنسبة إلى بعض طوائف الموظفين والمستخدمين والخدمة الخارجين عن هيئة العمال وعمال اليومية من ذوي المؤهلات الدراسية تطبيقاً لقرارات مجلس الوزراء الصادر في 30 من يناير و12 و29 من أغسطس سنة 1944؛ وعلة ذلك منع ازدواج الإنصاف. أما من منح في الإنصاف السابق أقل مما يستحقه بتطبيق القواعد التي تضمنها الكادر المشار إليه فيزاد أجره إلى الحد الذي تخوله له هذه القواعد، وذلك لإزالة التفاوت في المزايا المالية بين أفراد الفئة الواحدة من أرباب اليومية المعاملين بقاعدتي إنصاف مختلفتين. وإذ كانت تلك هي حكمة هذا النص فإنه يمتنع تطبيق الأحكام الواردة بكادر العمال، متى كانت المزايا المقررة بمقتضى قواعد الإنصاف السابقة تعادل تلك التي تضمنها هذا الكادر أو تربو عليها. ومن ثم إذا ثبت أن المدعي معين باليومية وحامل لشهادة إتمام الدراسة الابتدائية وقد زيد أجره بما يوازي الماهية المقررة لمؤهله الدراسي وفقاً لأحكام البند من كتاب وزارة المالية الدوري رقم 234 – 1/ 302 الصادر في 6 من سبتمبر سنة 1944 بشأن تنفيذ قواعد الإنصاف، بما يجاوز الأجر المقرر لأمثاله في الدرجة المخصصة للعمال الكتبة بمقتضى قواعد التسويات الواردة بالبند من كادر العمال حسبما جاء بكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 بشأن كادر عمال اليومية، فإن الجهة الإدارية – إذ أنصفته على هذا النحو – تكون قد أصابت فيما عاملته به من عدم تطبيق أحكام كادر العمال على حالته؛ لكون أجرته التي رفعتها له وفقاً لقواعد الإنصاف تزيد على تلك المقررة لأمثاله بمقتضى أحكام التسويات الواردة في الكادر المذكور. ولا خيار للمدعي – والحالة هذه – في الجمع بين النظامين أو الانتفاع بأحكام أيهما شاء؛ إذ أن زيادة الأجر إلى القدر المحدد في كادر العمال مقصورة على من منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق قواعد هذا الكادر، وذلك طبقاً لما نص عليه البند السادس من كتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 آنف الذكر، والمدعي ليس من هؤلاء. أما ما ورد في الفقرة الأخيرة من البند المشار إليه من إعداد بيان مستقل يوضح فيه مقدار الزيادة التي تستحق لذوي المؤهلات بتطبيق كادر العمال عليهم، فالمعنى به – كما جاء في ختام هذه الفقرة – هو من يرغب في تطبيق كادر العمال عليه ممن خولوا هذا الحق وأبدوا رغبتهم في استعماله.


إجراءات الطعن

في 21 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة الطعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1778 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لمصالح الحكومة بالإسكندرية بجلسة 26 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 1258 لسنة 2 القضائية المقامة من محمد البوريني ضد مصلحة المواني والمنائر، القاضي "باستحقاق المدعي لدرجة عامل كتابي بأجر 200 م من 9 من يناير سنة 1943، وما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق من خمس سنوات سابقة على 7 من يناير سنة 1953، والحكم باستحقاقه لأجر عن أيام العمل الزائدة عن 25 يوماً شهرياً في المدة من أول مايو سنة 1945 إلى آخر يونيه سنة 1951، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف المناسبة ومبلغ 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه – "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض دعوى المدعي، مع إلزامه بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى الجهة الإدارية في 3 من سبتمبر سنة 1956، وإلى المطعون عليه في 6 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 22 من يونيه سنة 1957. وقد أودع المطعون عليه مذكرة بملاحظاته انتهى فيها إلى طلب رفض الطعن، ولم تقدم الحكومة مذكرة ما بملاحظاتها في الميعاد القانوني المقرر. وفي 4 من يونيه سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، ثم أجل نظر الطعن لجلسة 2 من نوفمبر سنة 1957، وبعد أن سمعت المحكمة إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 1258 لسنة 2 القضائية ضد مصلحة المواني والمنائر أمام المحكمة الإدارية لمصالح الحكومة بالإسكندرية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 17 من سبتمبر سنة 1955 ذكر فيها أنه حصل على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية في عام 1937، وعين بمصلحة المواني والمنائر في وظيفة مساعد كاتب اعتباراً من 9 من يناير سنة 1943 بأجر يومي مقداره 90 م، ومنح آخر علاوة في أول مايو سنة 1947، وتدرج أجره حتى بلغ 220 م في اليوم، ثم ترك الخدمة في أول أكتوبر سنة 1953، وأن المصلحة طبقت في حقه قواعد الإنصاف الصادرة في سنة 1944 فتقرر له أجر يومي مقداره 200 م من بدء التعيين. وفي سنة 1945 جرت المصلحة على استقطاع الأيام الزائدة عن 25 يوماً في كل شهر من جملة الأيام التي اشتغلها فعلاً وذلك حتى آخر يونيه سنة 1951. وفي سنة 1948 أوقفت علاواته الدورية بحجة افتراض تطبيق كادر العمال في حدود الدرجة من (160 – 240 م) أي بأجر أقل من الأجر المقرر له من قبل بمقتضى قواعد الإنصاف؛ ومن أجل هذا فإنه يطلب: 1 – منحه الأجر والعلاوات المقررة لمؤهله الدراسي في حدود قواعد الإنصاف في كادر العمال في الدرجة (200 – 360 م). 2 – تسوية حالته على أساس منحه أجراً قدره 200 م من بدء التعيين وتدرجه في العلاوات طول مدة خدمته بالمصلحة طبقاً لما نصت عليه قواعد الإنصاف من تحديد بداية المربوط في كادر العمال. 3 – صرف فرق الأيام المستقطعة منه بدون وجه حق في المدة من أول مايو سنة 1945 حتى آخر يونيه سنة 1951 لكونه مياوماً يتقاضى الأجر عن يوم العمل، مع ما يترتب ذلك من آثار، وإلزام الحكومة بالمصروفات وبمقابل أتعاب المحاماة. وقد ردت مصلحة المواني والمنائر على هذه الدعوى بأن المدعي التحق بخدمتها من 9 من يناير سنة 1943 – بمهنة مساعد كاتب بأجر يومي قدره 90 م، وعند تطبيق قواعد الإنصاف رفع أجره حتى خروجه من الخدمة إلى 240 م يومياً لكونه حاصلاً على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية. أما عدم صرف الأيام الفعلية إليه في المدة من أول مايو سنة 1945 حتى آخر يونيه سنة 1951 على أساس أيام العمل الفعلية بدلاً من25 يوماً في الشهر فمرجعه إلى أن كادر العمال لم يطبق عليه حينذاك؛ لأن أجره بالإنصاف يزيد على المقرر له بكادر العمال في الدرجة (160 – 240 م) المخصصة للعمال الكتبة. وقد كانت أجرته تصرف له مشاهرة بما لا يزيد على الأجرة المقررة لمؤهله الدراسي طبقاً لقواعد الإنصاف وذلك اعتباراً من أول يوليه سنة 1945 طبقاً لتعليمات المالية لا من أول مايو سنة 1945 كما يقرر في دعواه. وقد ظل عاملاً باليومية حتى تاريخ استقالته، ولم يعمل أيام جمع بدون أجر خلال الفترة من أول مايو سنة 1945 حتى 30 من يونيه سنة 1951. وأضافت المصلحة أنها تدفع، من باب الاحتياط الكلي، بسقوط الحق الذي يطالب به المدعي بالتقادم الخمسي طبقاً لحكم المادة 375 من القانون المدني. وبجلسة 26 من يونيه سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية "باستحقاق المدعي لدرجة عامل كتابي بأجر 200 م من 9 من يناير سنة 1943، وما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق من خمس سنوات سابقة على 7 من يناير سنة 1953، والحكم باستحقاقه لأجر عن أيام العمل الزائدة عن 25 يوماً شهرياً في المدة من أول مايو سنة 1945 إلى آخر يونيه سنة 1951، مع إلزام الجهة الإدارية المصاريف المناسبة ومبلغ 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفض ما عدا ذلك من الطلبات". وأقامت قضاءها على أنه يستفاد من قواعد كادر العمال أنه ليس ثمة تعارض بين تطبيق قواعد الإنصاف وكادر العمال؛ إذ ينبغي تطبيق النظام الأصلح للعامل، فتسري تسويات كادر العمال على من لم يشملهم الإنصاف السابق، أما الذين طبقت عليهم قواعد الإنصاف فإنهم يفيدون من أحكام كادر العمال متى كان ذلك أصلح لهم فتزاد أجورهم إلى ما يخوله لهم كادر العمال على الرغم من سبق إنصافهم. أما الذين بلغت أجورهم بالإنصاف ما يساوي أحكام الكادر أو يزيد عليه، فأولئك وإن لم يتعرض لهم النص إلا أن المستفاد من مفهوم المخالفة أنه لا يجوز إنقاص أجورهم التي وصلوا إليها بمقتضى الإنصاف، فضلاً عن أنهم كسبوا حقوقاً ذاتية في تلك الأجور التي تتدرج إما في حدود قواعد الإنصاف وإما في حدود كادر العمال. وقد ترك المشرع في كتاب وزارة المالية الدوري رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 الخيار للعامل في الانتفاع بأحكام أي النظامين، ومتى ثبت أن الجهة الإدارية قد طبقت أحكام كادر العمال في حق المدعي فإن حجتها في عدم صرف أيام العمل الفعلية استناداً إلى قواعد الإنصاف تكون داحضة؛ إذ أنه يستحق في هذه الحالة أيام العمل التي زاول فيها العمل فعلاً، دون التقيد بقواعد الإنصاف التي تقضي بألا يجاوز أجر العامل اليومي – مضروباً في 25 يوماً – الأجر المقرر لذوي المرتبات بمقتضى تلك القواعد؛ ومن ثم فإن المدعي يستحق أجر أيام العمل الفعلية في المدة من أول مايو سنة 1945 حتى آخر يونيه سنة 1951، أما فروق التسوية الخاصة بأصل الأجر فإنه يستحقها ابتداءً من الخمس السنوات السابقة على 7 من يناير سنة 1953، تاريخ كتاب وكيل وزارة المواصلات إلى مدير عام المصلحة تعقيباً على الشكوى الجماعية المقدمة في 24 من فبراير سنة 1948 من المدعي وزملائه تظلماً من عدم صرف أيام العمل الفعلية إليهم وعدم مراعاة قواعد الإنصاف عند تطبيق كادر العمال عليهم، وهو آخر إجراء قاطع للتقادم الخمسي الذي دفعت به المصلحة. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 21 من أغسطس سنة 1956 طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض دعوى المدعي، مع إلزامه بالمصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أنه ثابت من ملف خدمة المدعي أنه طبقت عليه قواعد الإنصاف باعتباره حاصلاً على الشهادة الابتدائية، وأن أحكام التسويات الواردة بكادر العمال إنما يقتصر سريانها على من لم يشملهم الإنصاف السابق الصادر به كتاب وزارة المالية رقم ف 234 – 1/ 302 المؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1944 والكتب الدورية المتممة له. ولا يجوز للذين شملهم الإنصاف السابق الإفادة من أحكام التسويات الواردة بكادر العمال إلا إذا كانوا قد منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق أحكام التسويات الواردة بالكادر المذكور. والمدعي قد شمله الإنصاف السابق فأصبح أجره 200 م وهو لا يستحق بالتطبيق لقواعد التسويات الواردة بكادر العمال سوى أجر قدره 120 م يومياً في درجة عامل كتابي اعتباراً من 9 من يناير سنة 1943 تاريخ تعيينه؛ وعلى ذلك فإن أجرته تطبيقاً لقواعد الإنصاف تزيد عن المقرر له بالتطبيق لأحكام التسويات الواردة بكادر العمال؛ ومن ثم فإنه لا تسري عليه أحكام هذه التسويات، ولا خيار له في الانتفاع بأحكام أي النظامين؛ لأن هذا الخيار مقصور على الذين منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق أحكام التسويات الواردة بكادر العمال، والمدعي ليس منهم؛ وعلى هذا فإن دعواه تكون على غير أساس سليم من القانون. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد وقع مخالفاً للقانون متعيناً الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا. وقد أودع المدعي سكرتيرية هذه المحكمة مذكرة بملاحظاته ردد فيها ما جاء بحكم المحكمة الإدارية المطعون فيه من أسباب واختتمها بطلب رفض الطعن.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق وبخاصة من ملف خدمة المدعي وكشف مدة خدمته أنه حاصل على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية في عام 1937، وأنه التحق بخدمة مصلحة المواني والمنائر اعتباراً من 9 من يناير سنة 1943 بوظيفة "عداد" بإدارة المخازن بأجر يومي قدره 90 م، ثم بوظيفة "مرتب" بأجر يومي قدره 110 م من أول أكتوبر سنة 1943، وطبقت عليه قواعد الإنصاف فعين في وظيفة "كاتب" بإدارة الهندسة الميكانيكية ورفع أجره اليومي إلى 200 م وذلك اعتباراً من تاريخ صدور هذه القواعد في 30 من يناير سنة 1944، ثم تدرجت أجرته إلى 220 م يومياً من أول مايو سنة 1946، وإلى 240 م يومياً من أول مايو سنة 1953. وفي 29 من سبتمبر سنة 1953، قدم استقالته من الخدمة اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1953 لاشتغاله بالأعمال الحرة.
ومن حيث إن قرار مجلس الوزراء الصادر في 23 من نوفمبر سنة 1944 بالموافقة على كادر عمال اليومية تناول بيان كيفية تطبيق القواعد التي تضمنها هذا الكادر، ونص في هذا الصدد على أن "التسوية المتقدمة تسري على من لم يشملهم الإنصاف – والذين منحوا فيه أقل مما يستحق بتطبيق القواعد المتقدمة تزاد أجورهم إلى الحد الذي تخوله لهم هذه القواعد". وقد ردد هذا المعنى كتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 19 من ديسمبر سنة 1944 بشأن إنصاف عمال اليومية في البند (ثانياً) منه الخاص بكيفية تطبيق كادر العمال، وكذا كتابها الدوري بذات الرقم الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 بشأن كادر عمال اليومية في البند (سادساً) منه الخاص بمن تسري عليهم التسويات الواردة به؛ وذلك بإيضاح أن "التسويات المتقدمة تسري على من لم يشملهم الإنصاف السابق الصادر به كتاب المالية الدوري رقم ف 234 – 1/ 302 المؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1944، والكتب الدورية المتممة له. والذين منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق القواعد المتقدمة تزاد أجورهم إلى الحد الذي تخوله لهم هذه القواعد".
ومن حيث إن مفاد ما تقدم أن التسويات الواردة بكادر العمال – وهي ضرب من الإنصاف قرره المشرع لعمال اليومية الحكوميين أسوة بما فعله بالنسبة إلى بعض طوائف الموظفين والمستخدمين من حملة الشهادات الدراسية لإقامة المساواة بين مختلف الطوائف – إنما قصد به تحقيق الإنصاف بالنسبة إلى من لم ينل من أرباب اليومية إنصافاً سابقاً، أو من نال في الإنصاف السابق حقاً غير كامل، أي أدنى مما يستحقه بتطبيق هذا الكادر؛ ومن ثم قصر سريانها على هؤلاء العمال، فلا يفيد منها من شملهم الإنصاف السابق الصادر به كتاب وزارة المالية الدوري رقم ف 234 – 1/ 302 المؤرخ 6 من سبتمبر سنة 1944 والكتب الدورية المكملة له، وهو الخاص بتنفيذ قواعد الإنصاف بالنسبة إلى بعض طوائف الموظفين والمستخدمين والخدمة الخارجين عن هيئة العمال وعمال اليومية من ذوي المؤهلات الدراسية تطبيقاً لقرارات مجلس الوزراء الصادر في 30 من يناير و12 و29 من أغسطس سنة 1944؛ وعلة ذلك منع ازدواج الإنصاف. أما من منح في الإنصاف السابق أقل مما يستحقه بتطبيق القواعد التي تضمنها الكادر المشار إليه فيزاد أجره إلى الحد الذي تخوله له هذه القواعد؛ وذلك لإزالة التفاوت في المزايا المالية بين أفراد الفئة الواحدة من أرباب اليومية المعاملين بقاعدتي إنصاف مختلفتين. وإذ كانت تلك هي حكمة هذا النص فإنه يمتنع تطبيق الأحكام الواردة بكادر العمال متى كانت المزايا المقررة بمقتضى قواعد الإنصاف السابقة تعادل تلك التي تضمنها هذا الكادر أو تربو عليها. وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأنه يتضح من اتجاه المشرع في تنظيم قواعد خاصة لإنصاف كل طائفة على حدة من طوائف الموظفين والمستخدمين المدنيين والعسكريين والعمال، أنه توخى بهذه المغايرة إفراد أحكام خاصة لكل فئة من هؤلاء بمراعاة حالتهم وما يلائم طبيعة وظائفهم وظروف عملهم بما يحقق لكل منهم بوجه عام مزايا متعادلة. وبناءً على الحكمة التي تغياها من هذه الأوضاع، وتفريعاً على مبدأ تخصيص الإنصاف، لا يجوز كأصل عام ازدواج الإفادة من قواعد الإنصاف. وينبني على هذا أن من نال إنصافاً سابقاً في ظل سلك معين لا يكون له حق في إنصاف جديد تقرر لأفراد سلك آخر؛ ذلك أن كل إنصاف يجرى إعماله في مجاله ويقتصر أثره على الأشخاص الذين قصد أن يسري عليهم حكمه، والذين اقتضت الأوضاع الخاصة بهم صدوره لتنظيم حالتهم دون سواهم، فلا يتعدى هذا الأثر إلى غير هؤلاء الأشخاص، ومن باب أولى إلى من سبق إنصافه في السلك الذي ينتمي إليه بحسب قواعد الإنصاف المقررة لأمثاله في هذا السلك [(1)].
ومن حيث إن قواعد الإنصاف الصادر بها قرار مجلس الوزراء في 30 من يناير سنة 1944 تناولت أرباب اليومية وشملتهم بميزاتها؛ إذ نص كتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234 – 1/ 302 الصادر في 13 من فبراير سنة 1944 بشأن إنصاف بعض طوائف الموظفين والمستخدمين وعمال اليومية والخدمة الخارجين عن هيئة العمال في البند منه على ما يأتي "المعينون باليومية من حملة الدرجات العلمية والشهادات المبينة فيما تقدم (ومنها شهادة الدراسة الابتدائية الواردة في البند 4) تزاد أجورهم على أساس أنهم دخلوا الخدمة بأجور توازي الماهيات المقررة لشهاداتهم، ثم منحوا زيادة في الأجر توازي العلاوات التي منحها المعينون في درجات وفقاً للقواعد المبينة في البنود السابقة". كما نص في البند منه على أن "القواعد المتقدمة تسري على كل من عين في وظيفة دائمة أو مؤقتة أو على اعتمادات أو بالمياومة….". وقد طبقت هذه القواعد في حق المدعي كما سلف البيان، فسبق أن كان يشغل وظيفة مساعد كاتب بأجر يومي قدره تسعون مليماً، ورفع أجره إلى مائتي مليم بوصفه من المعينين باليومية وحاملاً لشهادة إتمام الدراسة الابتدائية. وقد زيد هذا الأجر بما يوازي الماهية المقررة لمؤهله الدراسي وفقاً لأحكام البند من كتاب وزارة المالية الدوري رقم 234 – 1/ 302 الصادر في 6 من سبتمبر سنة 1944 بشأن تنفيذ قواعد الإنصاف، ولما كان الأجر المذكور يزيد على الأجر المقرر لأمثال المدعي في الدرجة المخصصة للعمال الكتبة بمقتضى قواعد التسويات الواردة بالبند من كادر العمال حسبما جاء بكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 بشأن كادر عمال اليومية، فإن مصلحة المواني والمنائر إذ أنصفت المدعي على هذا النحو تكون قد أصابت فيما عاملته به من عدم تطبيق أحكام كادر العمال على حالته؛ لكون أجرته التي رفعتها له وفقاً لقواعد الإنصاف تزيد على تلك المقررة لأمثاله بمقتضى أحكام التسويات الواردة في الكادر المذكور. ولا خيار للمدعي – والحالة هذه – في الجمع بين النظامين أو الانتفاع بأحكام أيهما شاء؛ إذ أن زيادة الأجر إلى القدر المحدد في كادر العمال مقصورة على من منحوا في الإنصاف السابق أقل مما يستحقونه بتطبيق قواعد هذا الكادر، وذلك طبقاً لما نص عليه البند السادس من كتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 الصادر في 16 من أكتوبر سنة 1945 آنف الذكر، والمدعي ليس من هؤلاء. أما ما ورد في الفقرة الأخيرة من البند المشار إليه من إعداد بيان مستقل يوضح فيه مقدار الزيادة التي تستحق لذوي المؤهلات بتطبيق كادر العمال عليهم، فالمعنى به – كما جاء في ختام هذه الفقرة – هو من يرغب في تطبيق كادر العمال عليه ممن خولوا هذا الحق وأبدوا رغبتهم في استعماله، وهذا لا يصدق على المدعي.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بصرف الأجر الذي يطالب به المدعي عن أيام العمل التي اشتغلها فعلاً بدلاً من 25 يوماً في الشهر خلال المدة من أول مايو سنة 1945 حتى آخر يونيه سنة 1951، فإنه لما كان المذكور لم يطبق عليه كادر العمال بسبب زيادة الأجر الذي منحه بمقتضى قواعد الإنصاف عن الأجر المقرر بالكادر المشار إليه، وكانت هذه القواعد التي طبقت في حقه تقضي بالنسبة إلى المعينين باليومية من حملة المؤهلات الدراسية بأن تحدد أجورهم بما يوازي الماهية المقررة لشهاداتهم للمعينين في درجات، وكانت أجرته تصرف له مشاهرة على هذا الأساس، فليس ثمة وجه حق له فيما يطالب به في هذا الخصوص.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في محله، ويكون الحكم المطعون فيه قد جانب الصواب وأخطأ في تأويل القانون وتطبيقه فيما قضى به، ويتعين القضاء بإلغائه، وبرفض الدعوى، مع إلزام المدعي بالمصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.


[(1)] راجع الحكم المنشور بالسنة الأولى من هذه المجموعة، بند 56، صفحة 458.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات