الطعن رقم 1421 لسنة 2 ق – جلسة 23 /11 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 115
جلسة 23 من نوفمبر سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1421 لسنة 2 القضائية
كادر العمال – الأصل أن يقتصر تطبيقه على عمال الحكومة المركزية
وفروعها، ما لم يصدر تشريع خاص بسريانه على غيرهم – عدم انطباقه على عمال ديوان الأوقاف
الملكية.
إن كادر العمال إنما قصد من وضعه أصلاً أن يطبق على عمال الحكومة المركزية وفروعها
دون ما سواها، ما لم يصدر تشريع خاص يقضي بسريان أحكامه على غير هؤلاء العمال الحكوميين.
وآية ذلك ما جاء في مذكرة اللجنة المالية رقم ف 234 – 1/ 302 في شأن كادر العمال التي
وافق عليها مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 23 من نوفمبر سنة 1944، من أن وزارة المالية
"رأت فيما يختص بعمال اليومية تشكيل لجنة مثلت فيها جميع الوزارات التي يعنيها الأمر
لوضع كادر يتناول كيفية اختيار العمال وتحديد درجاتهم ونظام ترقياتهم وعلاواتهم وإجازاتهم
وما إلى ذلك مما يمكن أن تنتظمه قواعد عامة في جميع وزارات الحكومة ومصالحها…."،
وأن اللجنة المالية عقدت عدة اجتماعات "استعرضت فيها طلبات العمال والقواعد المعمول
بها في المصالح التي بها أكبر عدد منهم…"، وأنه "رؤي تحقيقاً لهذا الغرض أن يوضع
كادر عام للعمال لأول مرة في تاريخ الأداة الحكومية…."، وأن هذا الكادر "يضمن للعمال
مركزاً مستقراً في أوساط الحكومة…."، وأن وزارة المالية ترى "أن تمتنع الوزارات والمصالح
عن استخدام عمال للقيام بالأعمال الكتابية…."، وأن تكاليف التسوية التي استلزمها
تنفيذ هذا الكادر قدرت في ميزانية الدولة بعد "الرجوع إلى الوزارات والمصالح المختلفة"،
وأن قواعد التعيينات تضمنت أحكاماً وضعت "تحقيقاً لمصلحة العمال الموجودين الآن في
خدمة الحكومة…"، وأنه نص في بند العلاوات على أنه يجوز "لرئيس المصلحة تأجيل العلاوة….
ولا يجوز الحرمان إلا بقرار من وكيل الوزارة…"، وفيما يتعلق بالقواعد العامة أن "تحدد
كل وزارة أو مصلحة عدد كل فئة من فئات الصناع في كل قسم حسب ما تقتضيه حالة العمل…."،
وأن "التكاليف ينبغي لحصرها الرجوع إلى وزارات الحكومة ومصالحها"، وقد ردد هذا المعنى
في عدة مواطن وأكده كل من قرار مجلس الوزراء الصادر في 28 من ديسمبر سنة 1944، وكتاب
وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 المؤرخ 16 من أكتوبر سنة 1945 – كل أولئك
قاطع في الدلالة على أن كادر العمال وما طرأ عليه من تعديلات إنما صدر مقصور الأثر
على العمال الحكوميين الذين استهدف الشارع إنصافهم بتنظيم أساليب اختيارهم وتحديد درجاتهم
وبيان قواعد ترقياتهم ونظام علاواتهم وإجازاتهم، وجعل أحكامه نافذة وملزمة فيما يتعلق
بهؤلاء العمال فحسب، دون أن يفرض هذه الأحكام على الهيئات الشبيهة بالحكومة أو التي
تطبق نظم الحكومة؛ لاستقلال كل منها بنظمها وأوضاعها الخاصة بها في حدود مواردها وميزانياتها.
ونظراً لأن ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية لم يكن هيئة حكومية ولا فرعاً من الحكومة
أو مصلحة تابعة لها، فإن كادر العمال لا يطبق في حق عماله ما دام لم يصدر تشريع خاص
بسريان أحكامه على عمال ذلك الديوان.
إجراءات الطعن
في أول مايو سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1421 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "أ") دائرة أولى بجلسة 5 من مارس سنة 1956 في الدعوى رقم 281 لسنة 8 القضائية المقامة من وزارة الأوقاف ضد محمد محمود عثمان، القاضي "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً، وبقبولها، وفي الموضوع بتعديل قرار اللجنة القضائية المطعون، ووقف تدرج ماهية المدعى عليه طبقاً للتسوية التي قررتها له اللجنة القضائية بقرارها المطعون حتى 30 من إبريل سنة 1945، وألزمته بنصف المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وقرار اللجنة القضائية، والقضاء برفض التظلم، وإلزام المتظلم المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الأوقاف في 2 من يوليه سنة 1956 وإلى المطعون عليه في 10 من نوفمبر سنة 1956، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة أول يونيه سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 20 من مايو سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء نظر الطعن إلى جلسة 26 من أكتوبر سنة 1957، وحجزته بعد ذلك للنطق بالحكم فيه إلى جلسة اليوم. وبعد حجز الطعن للحكم قدم المطعون عليه مذكرة طلب فيها "الحكم برفض الطعن، وبتعديل الحكم المطعون فيه بحيث يستحق المطعون ضده أن يدرج مرتبه لغاية 30 من إبريل سنة 1952، ولا يقف تدرجه عند الحد الذي وقف عنده الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري".
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
عن الدفع بعدم جواز الطعن:
من حيث إن مبنى هذا الدفع أن الطعن لا يجوز أن ينصب إلا على حكم صادر أصلاً من المحكمة
الإدارية لا على حكمها المتعلق بطعن في قرار صادر من اللجنة القضائية والذي أصدرته
باعتبارها المحكمة العليا التي لا معقب على أحكامها، إذ أن الطعن طريق استثنائي يستنفد
غرضه باستخدامه مرة واحدة بصدد الحكم الواحد، فلا يجوز ممارسته مرتين في قرار صادر
من لجنة قضائية، إحداهما أمام المحكمة التي كانت العليا وقت تقديم الطعن، والثانية
أمام المحكمة التي صارت هي العليا.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن المادة 15 من القانون رقم 165 لسنة 1955 الخاص
بمجلس الدولة قد خولت رئيس هيئة المفوضين، من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب ذوي الشأن،
الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري أو
المحاكم الإدارية، وذلك في الأحوال المنصوص عليها في تلك المادة، وأن نص المادة المذكورة
لم يخصص الطعن في الأحكام الصادرة من محكمة القضاء الإداري بتلك التي تصدرها تلك المحكمة
في دعاوى مرفوعة إليها ابتداءً دون الأحكام التي تصدرها في دعاوى مرفوعة إليها طعناً
في قرار لجنة قضائية أو حكم لمحكمة إدارية، بل المناط في ذلك هو كون الحكم المطعون
فيه صدر في أيهما وقامت به حالة أو أكثر من حالات الطعن المنصوص عليها في المادة المذكورة.
فالدفع – والحالة هذه – يقوم على تخصيص بغير مخصص من النص.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
عن الموضوع:
من حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون عليه
رفع إلى اللجنة القضائية لوزارة الأوقاف التظلم رقم 392 لسنة 1 القضائية بعريضة أودعها
سكرتيرية اللجنة في 22 من مارس سنة 1953، ذكر فيها أنه التحق في 9 من ديسمبر سنة 1937
بمطبعة الأوقاف الخصوصية الملكية، وأنه يتقاضى مرتباً شهرياً قدره 500 م و4 ج، وأنه
نقل إلى وزارة الأوقاف اعتباراً من أول أغسطس سنة 1952، ولما لم يكن قد طبق عليه كادر
العمال فإنه يطلب تطبيق أحكام كادر العمال على حالته بوصفه عامل تجليد، مع ما عساه
أن يكون مطبقاً على زملائه من عمال الحكومة الآخرين من قوانين ولوائح وقرارات، وصرف
متجمد الفروق المستحقة له من أول أغسطس سنة 1952 تاريخ نقله إلى وزارة الأوقاف. وقد
ردت وزارة الأوقاف على هذا التظلم بأن المتظلم من ضمن عمال مطبعة الأوقاف الملكية بسراي
عابدين الذين اتبعوا للوزارة اعتباراً من أول أغسطس سنة 1952 بمناسبة تنظرها على الأوقاف
الملكية، وأن وظائف الخدمة السائرة، ومنها وظائف عمال المطبعة، كانت مدرجة بميزانية
الأوقاف الخصوصية الملكية بلا درجات وبربط ثابت، وعند نقل هؤلاء العمال للوزارة رؤي
تحسين حالتهم برفع مرتبات من يقل مرتبه منهم عن ثلاثة جنيهات إلى هذا القدر، ونفذ ذلك
ابتداءً من 25 من ديسمبر سنة 1952، كما أدرجت لهم بميزانية سنة 1952 درجات سائرة مناسبة
لمرتباتهم، على أساس أن من كان منهم بمرتب يقل عن ثلاثة جنيهات أدرجت له درجة ثانية
سائرة (3 – 6 ج)، ومن كان بمرتب يزيد على ثلاثة جنيهات ويقل عن خمسة أدرجت له درجة
أولى سائرة (5 – 8 ج)، ومن كان مرتبه يزيد على خمسة جنيهات أدرجت له درجة عالية (7
– 9 ج)، ولم تقم الوزارة بتطبيق كادر العمال عليهم؛ لأنه يشترط لتطبيقه وجود درجات
مناسبة بميزانية الوزارة، واجتيازهم امتحاناً أمام لجنة فنية تقوم بتحديد مهنة كل عامل
ودرجته والأجر الذي يستحقه، فضلاً عن أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من يناير سنة
1952 قضى بنقل مستخدمي ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية لوزارات الحكومة ومصالحها بحالتهم
وماهياتهم التي كانوا بها بالأوقاف الملكية، وهذا هو ما اتبع في شأن عمال المطبعة المذكورة
عند نقلهم إلى الوزارة. وبجلسة 25 من يونيه سنة 1953 قررت اللجنة القضائية "استحقاق
المتظلم لتطبيق كادر العمال على حالته ليصل أجره اليومي إلى 380 م من أول مايو سنة
1952، على ألا يصرف إليه فرق إلا من أول أغسطس سنة 1952". واستندت في ذلك إلى أن كادر
العمال ينطبق على عمال ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية أسوة بعمال الحكومة، ودرجت أجر
المتظلم وترقيته بطريق الوجوب على أساس عدم التفرقة بين مركزه قبل نفاذ كادر العمال
في أول مايو سنة 1945، وبعد هذا التاريخ، وقد طعنت وزارة الأوقاف في قرار اللجنة القضائية
هذا أمام محكمة القضاء الإداري بالدعوى رقم 281 لسنة 8 القضائية بعريضة أودعتها سكرتيرية
المحكمة في 22 من أكتوبر سنة 1953، طلبت فيها "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء قرار
اللجنة القضائية المطعون فيه والقاضي بتطبيق كادر العمال على المطعون ضده من تاريخ
التحاقه بالخدمة في 9 من ديسمبر سنة 1937، مع صرف الفروق المستحقة اعتباراً من أول
أغسطس سنة 1952، وذلك كله مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
وأسست طعنها على أن العبرة في تطبيق كادر العمال هي بنوع الوظيفة المعين عليها العامل،
ووظيفة المدعى عليه مدرجة بالميزانية ضمن وظائف الخدمة السائرة بالماهية الشهرية وليست
مدرجة ضمن اعتماد أجور عمال اليومية، ولذلك فإنه لا يجوز تطبيق كادر العمال على حالته،
كما أن أحكام هذا الكادر قضت بالنسبة للصناع الفنيين المعينين بالماهية الشهرية ويوجد
لهم مثيل باليومية في نفس المصلحة بأن تدرج ماهياتهم بالعلاوات الدورية حسب قواعد الكادر
إلى الحد الذي تصل إليه في 30 من إبريل سنة 1945 فقط. ولو أن هذه القاعدة طبقت على
المدعى عليه بوجود مثيل له باليومية فإن ماهيته تدرج حتى 30 من إبريل سنة 1945 خلافاً
لما ذهبت إليه اللجنة القضائية من تدريجها حتى أول مايو سنة 1952. وقد قدم المدعى عليه
مذكرة بملاحظاته دفع فيها بعدم قبول الطعن شكلاً، وطلب في الموضوع تأييد قرار اللجنة
القضائية المطعون فيه، مع إلزام الوزارة الطاعنة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وبجلسة 5 من مارس سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "أ") الدائرة
الأولى في هذه الدعوى "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً، وبقبولها، وفي الموضوع بتعديل
قرار اللجنة القضائية المطعون، ووقف تدرج ماهية المدعى عليه طبقاً للتسوية التي قررتها
له اللجنة القضائية بقرارها المطعون حتى 30 من إبريل سنة 1945، وألزمته بنصف المصروفات".
وأقامت قضاءها في الموضوع على أن المدعى عليه يفيد من أحكام كادر العمال، ما دام الثابت
أنه كان يشتغل مجلداً بمطبعة الأوقاف الخصوصية، وأن هذا عمل فني مماثل لوظائف العمال
الواردة بالكشوف الملحقة بالكادر المذكور، وأن له مثيلاً باليومية بالوزارة ذاتها.
بيد أنه لما كان المدعى عليه لا يزال في وظيفة في سلك الخدمة الخارجين عن هيئة العمال
ولم يطلب تحويلها من سلك الدرجات إلى سلك اليومية حين صدور كادر العمال لكي تنقل من
اعتمادات الدرجات إلى اعتمادات اليومية طبقاً لما تقضي به نصوص الكادر، فإن تدرج مرتبه
يقف حتماً في 30 من إبريل سنة 1945، ولا يجوز تدرجه بعد هذا التاريخ. وقد طعن السيد
رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في أول مايو
سنة 1956 طلب فيها "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وقرار اللجنة
القضائية، والقضاء برفض التظلم، وإلزام المتظلم المصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى
أن ديوان الأوقاف الخصوصية ليس هيئة حكومية؛ لأن الحكومة لم تتدخل بأية حال في إدارة
جهاز العمل به أو توجيهه، وأن كادر العمال إنما وضع ليطبق أصلاً على عمال الحكومة المركزية
فقط، ولم يلتزم الديوان بتطبيق أحكام هذا الكادر على عماله، ولا حاجة بعد ذلك لبحث
الحكم الخاص بسريان الكادر المذكور على الخدمة السائرة الصناع بديوان الأوقاف الخصوصية،
حيث إن هذا الكادر لا يطبق بالديوان. ولما كان المطعون عليه قد عين بوزارة الأوقاف
منذ أول أغسطس سنة 1952 باعتباره مستخدماً لا عاملاً، فلا محل لبحث تطبيق كادر العمال
عليه من التاريخ المشار إليه، كما لا محل لبحث سريان قرار مجلس الوزراء الصادر في 6
من يناير سنة 1952 على حالته؛ لأن هذا القرار لا يصدق إلا على الموظفين المؤهلين المعينين
على وظائف داخل الهيئة، فضلاً عن أن العمل به قد انتهى منذ أول يوليه سنة 1952 تاريخ
نفاذ قانون التوظف. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه إلى تطبيق كادر العمال على المذكور،
مع أنه لم يكن منذ تعيينه بديوان الأوقاف الخصوصية في 6 من ديسمبر سنة 1937 حتى الآن
داخلاً في مجال تنظيمات هذا الكادر، فإنه يكون قد خالف القانون، وقامت به حالة من حالات
الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا. وقد أودع المطعون عليه بعد حجز الطعن
للحكم مذكرة بملاحظاته ردد فيها دفاعه السابق إبداؤه أمام كل من اللجنة القضائية ومحكمة
القضاء الإداري من أن كادر العمال يسري على مستخدمي ديوان الأوقاف الخصوصية الذي كان
هيئة حكومية تطبق نظم الحكومة وكادراتها وتلزم نفسها بها باعتراف وكيل الديوان والحارسين
على الأوقاف الملكية سابقاً وديوان الموظفين وتقارير مفوضي الدولة وفتوى مجلس الدولة
وإجماع قرارات اللجان القضائية ودوائر محكمة القضاء الإداري المختلفة في أحكامها الصادرة
لصالح العديدين من زملائه. وانتهى من ذلك إلى طلب "الحكم برفض الطعن، وبتعديل الحكم
المطعون فيه بحيث يستحق المطعون ضده أن يدرج مرتبه لغاية 30 من إبريل سنة 1952، ولا
يقف تدرجه عند الحد الذي وقف عنده الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري".
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت [(1)] بأن ديوان الأوقاف الخصوصية كان يتمتع بذاتية
مستقلة، وينحصر نشاطه في تولي إدارة الأوقاف الخيرية المختلفة المصادر الواقعة تحت
نظارة الخديوي ومن خلفوه من بعده، وهي التي كان يشرف عليها بفئتين من الموظفين: فئة
تقوم باستغلال الأعيان الموقوفة ويتقاضى أفرادها مرتباتهم من ريع الوقف باعتبارها جزءً
من المصروفات، وأخرى تعمل في مركز الديوان لمساعدة الناظر في إدارة هذه الأوقاف، ويستأدى
أربابها مرتباتهم من أجر النظر، وكان هذا الديوان ينفرد بميزانية خاصة مستقلة لا صلة
لها بميزانية الدولة العامة، وبهذه المثابة كان يرعى مصالح خاصة معينة، ولم تتوافر
له من المقومات والخصائص ما يجعله فرعاً من الحكومة أو مصلحة تابعة لها أو مؤسسة من
المؤسسات العامة. ولا يغير من طبيعته القانونية هذه صدور أوامر أو لوائح تقضي بأن تطبق
على موظفيه ومستخدميه النظم والقواعد المتبعة في بعض مصالح الحكومة بشأن موظفي الدولة،
أو بأن يعامل موظفوه بأحكام قانون المعاشات الملكية أو بالأحكام الخاصة بتسوية المعاشات
والمكافآت للموظفين والمستخدمين الذين لهم مدة خدمة دائمة في الحكومة، أو كون اللجنة
المالية بمجلس النواب رأت بجلستها المنعقدة في 14 من أغسطس سنة 1951 معاملة موظفي ديوان
الأوقاف الخصوصية الملكية أسوة بموظفي وزارة الأوقاف عند نقلهم لوزارات الحكومة ومصالحها،
أو كون مجلس الوزراء أصدر بجلسته المنعقدة في 6 من يناير سنة 1952 قراراً بالموافقة
على أن يكون نقل موظفي الأوقاف الخصوصية الملكية بحالتهم من حيث الدرجة والماهية مع
الاحتفاظ لهم بأقدميتهم في درجاتهم وبمواعيد علاواتهم، ومن يكون منهم مثبتاً يحتفظ
له بحالة التثبيت أسوة بموظفي وزارة الأوقاف، على أن يطبق ذلك على من سبق نقلهم من
الأوقاف الخصوصية الملكية أو من سينقلون منها إلى وزارات الحكومة ومصالحها – لا يغير
ذلك كله من حقيقة وضع الديوان المذكور؛ ذلك أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من يناير
سنة 1952 إنما صدر لحكمة معينة وفي مجال محدد نطاقه بالغاية من هذه الحكمة، واستحدث
بالنسبة إلى ماضي خدمة موظفي ديوان الأوقاف الخصوصية أقدمية اعتبارية أقامها على تشبيه
الديوان المذكور بالهيئات الحكومية في مقام ضم مدة هذه الخدمة للاعتبارات التي استند
إليها؛ ومن ثم فلا يجوز إعمال أثره إلا في خصوص ما صدر بشأنه، أي فيما يتعلق بضم مدد
الخدمة السابقة فحسب، دون مجاوزة هذا القصد إلى اعتبار الديوان هيئة حكومية.
ومن حيث إن كادر العمال إنما قصد من وضعه أصلاً أن يطبق على عمال الحكومة المركزية
وفروعها دون ما سواها، ما لم يصدر تشريع خاص يقضي بسريان أحكامه على غير هؤلاء العمال
الحكوميين [(2)]. وآية ذلك ما جاء في مذكرة اللجنة المالية رقم ف 234 – 1/ 302 في شأن
كادر العمال التي وافق عليها مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 23 من نوفمبر سنة 1944
من أن وزارة المالية "رأت فيما يختص بعمال اليومية تشكيل لجنة مثلت فيها جميع الوزارات
التي يعنيها الأمر لوضع كادر يتناول كيفية اختيار العمال وتحديد درجاتهم ونظام ترقياتهم
وعلاواتهم وإجازاتهم وما إلى ذلك مما يمكن أن تنتظمه قواعد عامة في جميع وزارات الحكومة
ومصالحها…"، وأن اللجنة المالية عقدت عدة اجتماعات "استعرضت فيها طلبات العمال والقواعد
المعمول بها في المصالح التي بها أكبر عدد منهم…"، وأنه "رؤي تحقيقاً لهذا الغرض
أن يوضع كادر عام للعمال لأول مرة في تاريخ الأداة الحكومية…"، وأن هذا الكادر "يضمن
للعمال مركزاً مستقراً في أوساط الحكومة…"، وأن وزارة المالية ترى "أن تمتنع الوزارات
والمصالح عن استخدام عمال للقيام بالأعمال الكتابية…"، وأن تكاليف التسوية التي استلزمها
تنفيذ هذا الكادر قدرت في ميزانية الدولة بعد "الرجوع إلى الوزارات والمصالح المختلفة"،
وأن قواعد التعيينات تضمنت أحكاماًً وضعت "تحقيقاً لمصلحة العمال الموجودين الآن في
خدمة الحكومة…"، وأنه نص في بند العلاوات على أنه يجوز "لرئيس المصلحة تأجيل العلاوة…
ولا يجوز الحرمان إلا بقرار من وكيل الوزارة…"، وفيما يتعلق بالقواعد العامة أن "تحدد
كل وزارة أو مصلحة عدد كل فئة من فئات الصناع في كل قسم حسب ما تقتضيه حالة العمل…."،
وأن "التكاليف ينبغي لحصرها الرجوع إلى وزارات الحكومة ومصالحها"، وقد ردد هذا المعنى
في عدة مواطن وأكده كل من قرار مجلس الوزراء الصادر في 28 من ديسمبر سنة 1944 وكتاب
وزارة المالية الدوري ملف رقم ف 234 – 9/ 53 المؤرخ 16 من أكتوبر سنة 1945 – كل أولئك
قاطع في الدلالة على أن كادر العمال وما طرأ عليه من تعديلات إنما صدر مقصور الأثر
على العمال الحكوميين الذين استهدف الشارع إنصافهم بتنظيم أساليب اختيارهم وتحديد درجاتهم
وبيان قواعد ترقياتهم ونظام علاواتهم وإجازاتهم، وجعل أحكامه نافذة وملزمة فيما يتعلق
بهؤلاء العمال فحسب، دون أن يفرض هذه الأحكام على الهيئات الشبيهة بالحكومة أو التي
تطبق نظم الحكومة، لاستقلال كل منها بنظمها وأوضاعها الخاصة بها في حدود مواردها وميزانياتها.
ومن حيث إنه وقد سلف بيان أن ديوان الأوقاف الخصوصية الملكية لم يكن هيئة حكومية ولا
فرعاً من الحكومة أو مصلحة تابعة لها، وأن كادر العمال لا يطبق إلا في حق العمال الحكوميين
ولا يسري على غيرهم إلا بنص خاص، فإن المطعون عليه وقد كان تابعاً للديوان المذكور
منذ التحاقه بخدمته في 9 من ديسمبر سنة 1937 حتى نقله إلى وزارة الأوقاف اعتباراً من
أول أغسطس سنة 1952، لا يفيد من أحكام هذا الكادر، ما دام لم يصدر تشريع خاص بسريان
هذه الأحكام على عمال الديوان المشار إليه، وما دام الديوان لم يأخذ نفسه بتطبيق هذا
الكادر على عماله؛ ومن ثم فإنه لم يتقرر للمطعون عليه فيه مركز قانوني عام متولد عن
كادر العمال يمكن استصحابه بعد نقله إلى الوزارة.
ومن حيث إن مجلس الوزراء أصدر بجلسته المنعقدة في 6 من يناير سنة 1952 قراراً بالموافقة
على أن يكون نقل موظفي الأوقاف الخصوصية الملكية بحالتهم من حيث الدرجة والماهية مع
الاحتفاظ لهم بأقدميتهم في درجاتهم ومواعيد علاواتهم، ومن يكون منهم مثبتاً يحتفظ له
بحالة التثبيت أسوة بموظفي وزارة الأوقاف، على أن يطبق ذلك على من سبق نقلهم من الأوقاف
الخصوصية الملكية أو من سينقلون منها إلى وزارات الحكومة ومصالحها. ولما كان المطعون
عليه يشغل إحدى وظائف الخدمة السائرة بديوان الأوقاف الخصوصية، فقد نفذ في حقه قرار
مجلس الوزراء المشار إليه عند نقله إلى وزارة الأوقاف، وذلك بوضعه في وظيفة من وظائف
الخدمة السائرة في الدرجة المناسبة لماهيته ضمن الدرجات التي أنشئت لذلك بميزانية الوزارة
في سنة 1952، حيث لم تعتمد له ولأمثاله في تلك الميزانية درجات سواها تسمح بمعاملتهم
بأحكام كادر العمال. وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت [(3)] بأنه ولئن ورد في أحكام كادر
العمال أنه "يمكن تحويل وظائف المستخدمين المؤقتين والخدمة الخارجين عن الهيئة من سلك
الدرجات إلى سلك اليومية بموافقتهم، وتنقل الوظائف إلى اعتمادات اليومية…"، إلا أن
هذا من الأحكام التي تطبق على العمال الموجودين بالخدمة فعلاً قبل أول مايو سنة 1945
وتحقق لهم هذا الوضع، وليس بعد هذا التاريخ. ولما كان المطعون عليه في أول مايو سنة
1945 غير معتبر من أفراد العمال الذين يطبق عليهم الكادر المذكور، ولم يؤد امتحاناً
ما، فإنه لا يترتب له أي حق حتمي يتعين على الإدارة أن تمنحه إياه بقوة القانون في
أن تحول وظيفته إلى سلك اليومية أو أن تطبق على حالته أحكام كادر العمال.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الطعن في محله، ويكون كل من قرار اللجنة القضائية والحكم
المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه، وبرفض الدعوى،
مع إلزام المدعي بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاًًً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، ورفض الدعوى، وألزمت المدعي بمصروفاتها.
[(1)] راجع الحكم المنشور بالسنة الأولى من هذه المجموعة بند 114
صفحة 937.
[(2)] راجع الحكمين المنشورين بالسنة الأولى من هذه المجموعة ببندي 27 و86 صفحتي 224
و727.
[(3)] راجع الحكم المنشور بالسنة الأولى من هذه المجموعة بند 78 صفحة 670.
