الطعن رقم 1116 لسنة 2 ق – جلسة 23 /11 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1957 إلى آخر يناير سنة 1958) صـ 96
جلسة 23 من نوفمبر سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1116 لسنة 2 القضائية
دعوى – إقرار الإدارة للمدعي بوضع مخالف للقوانين أو اللوائح لا
يمنع المحكمة من إنزال حكم القانون الصحيح في المنازعة المطروحة – تعلق الأمر بأوضاع
إدارية تحكمها القوانين واللوائح ولا تخضع لإرادة الخصوم أو اتفاقهم.
إذا ثبت أن جهة الإدارة قد اعترفت في عريضة استئنافها أو في كتاب مرسل منها إلى المستأنف
ضده بأن كادر سنة 1931 يلزم الإدارة بتعيين الحاصلين على شهادة البكالوريا أو التجارة
المتوسطة في وظائف الدرجة الثامنة بماهية سبعة جنيهات ونصف شهرياً، وأن من عين في ظل
الكادر المذكور من حملة هذين المؤهلين في وظائف الدرجة الثامنة الكتابية ولكن بمرتب
يقل عن المقرر لشهاداتهم وهو سبعة جنيهات ونصف يكون له الحق في فرق المرتب، وأن قرار
مجلس الوزراء الصادر في 8 من يوليه سنة 1943 يعتبر قراراً كاشفاً لهذا الحق وليس منشئاً
له – إذا ثبت ما تقدم، فإن صدور مثل هذا الاعتراف، سواء في صحيفة الاستئناف أو في الكتاب
المشار إليه لا يمنع المحكمة من إنزال حكم القانون في المنازعة المطروحة أمامها على
الوجه الصحيح؛ لتعلق الأمر بأوضاع إدارية تحكمها القوانين واللوائح، ولا تخضع لإرادة
ذوي الشأن أو اتفاقاتهم أو إقراراتهم المخالفة لها.
إجراءات الطعن
في 11 من إبريل سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1116 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "ب") بجلسة 13 من فبراير سنة 1956 في الدعوى رقم 299 لسنة 2 القضائية المقامة من وزارة المالية ضد جورج دميان جرجس نصري، القاضي "بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف، وألزمت المستأنف ضده المصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من رفض الدفع بعدم جواز الاستئناف، والقضاء بعدم قبول الاستئناف، وإلزام الحكومة بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة المالية في 2 من يوليه سنة 1956 وإلى المطعون لصالحه في 8 منه، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة أول يونيه سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 20 من مايو سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة التي عينت لنظر الطعن الذي أجل إلى جلسة 26 من أكتوبر سنة 1957. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم. وبعد حجز الطعن للحكم قدم المطعون لصالحه مذكرة بملاحظاته انتهى فيها إلى طلب "قبول الطعن شكلاً، وإلغاء حكم محكمة القضاء الإداري، والحكم بعدم جواز الاستئناف، مع إلزام الحكومة بالمصروفات والأتعاب".
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
( أ ) عن الدفع بعدم قبول الاستئناف في حكم المحكمة الإدارية أمام محكمة القضاء الإداري:
من حيث إنه يبين من أوراق الطعن أن المدعي أقام الدعوى رقم 20 لسنة 1 القضائية ضد مصلحة
الجمارك المصرية أمام المحكمة الإدارية لجميع الوزارات بالإسكندرية بعريضة أودعها سكرتيرية
المحكمة في 25 من إبريل سنة 1954، ذكر فيها أنه حصل على دبلوم التجارة المتوسطة في
سنة 1932، والتحق بخدمة مصلحة الجمارك بماهية قدرها ثلاثة جنيهات شهرياً اعتباراً من
10 من إبريل سنة 1933، ثم عين بالدرجة الثامنة بماهية قدرها ستة جنيهات شهرياً من أول
يوليه سنة 1935، في حين أنه كان ينبغي تعيينه بماهية قدرها سبعة جنيهات شهرياً بحسب
مؤهله الدراسي طبقاً لأحكام كادر سنة 1931 الذي عين في ظله. وقد صدر قراران من مجلس
الوزراء أحدهما في 8 من يوليه سنة 1943 والآخر في 24 من نوفمبر سنة 1943 بجعل ماهيته
سبعة جنيهات شهرياً من تاريخ التحاقه بالخدمة، وسويت ماهيته على هذا الأساس، دون صرف
فروق عن الماضي، مع أن مجلس الوزراء لا يملك هذا المنع ولا المساس بالحقوق المكتسبة
المقررة بمقتضى قواعد كادر سنة 1931. ومن أجل هذا فإنه يطلب الحكم بصرف فروق الماهية
وإعانة غلاء المعيشة المترتبة على جعل ماهيته سبعة جنيهات من تاريخ التحاقه بالخدمة
لغاية تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء في 24 من نوفمبر سنة 1943، وما يترتب على ذلك من
آثار. وبجلسة 5 من أكتوبر سنة 1954 قضت المحكمة الإدارية في هذه الدعوى "أولاً – باستحقاق
المدعي تسوية حالته على أساس مرتب 7 ج شهرياً المقرر لمؤهله بكادر سنة 1931 من تاريخ
دخوله الخدمة، وما يترتب على ذلك من آثار، وصرف الفروق. ثانياً – استحقاق المدعي لأن
يعامل طبقاً لقراري مجلس الوزراء الصادرين في 11 من يوليه سنة 1944 و23 من نوفمبر سنة
1944 على أساس أنه لم ينل إنصافاً، وصرف الفروق، مع إلزام المدعى عليها المصاريف".
وقد طعنت وزارة المالية في هذا الحكم أمام محكمة القضاء الإداري بالدعوى رقم 299 لسنة
2 القضائية (استئناف) بعريضة أودعتها سكرتيرية المحكمة في 12 من ديسمبر سنة 1954 طلبت
فيها "الحكم بقبول هذا الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء حكم المحكمة الإدارية لوزارة
المالية في القضية المقدمة من المستأنف ضده والمقيدة تحت رقم 20 لسنة 1 قضائية، مع
إلزامه بالمصاريف ومقابل الأتعاب". وقد عقب المدعي على ذلك بمذكرات طلب فيها رفض الاستئناف،
وتأييد الحكم المستأنف، مع إلزام المستأنف بالمصروفات والأتعاب. وبجلسة 13 من فبراير
سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "ب") "بقبول الاستئناف شكلاً، وفي
الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف، وألزمت المستأنف ضده المصروفات". وأقامت قضاءها فيما
يتعلق بقبول الاستئناف شكلاً على أن الطلب الثاني من طلبات المدعي، وهو الخاص باستحقاقه
كافة الآثار المترتبة على كونه لم ينل إنصافاً، هو طلب غير قابل للتقدير؛ لآن آثاره
المالية لا تقف عند الماضي المعلوم، وإنما تمتد إلى المستقبل. ولما كان طلبا المدعي
ناشئين عن سبب قانوني واحد، فإنه يتعين تقدير قيمة الدعوى باعتبارها جملة، طبقاً لحكم
المادة 41 من قانون المرافعات، وإذ كان أحد الطلبين مجهول القيمة على هذا النحو، فإن
الدعوى تكون قابلة للاستئناف طبقاً لنص المادة 44 من القانون المذكور، ويتعين لذلك
قبول الاستئناف شكلاً. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها
سكرتيرية هذه المحكمة في 11 من إبريل سنة 1956 طلب فيها "قبول هذا الطعن شكلاً، وفي
الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من رفض الدفع بعدم جواز الاستئناف، والقضاء
بعدم قبول الاستئناف، وإلزام الحكومة بالمصروفات". واستند في أسباب طعنه إلى أن الحكم
المطعون فيه قد فصل في طلبين مختلفين في سببهما أو مصدرهما القانوني، وهما فرق المرتب
ومصدره القاعدة المنظمة لأجر المؤهل الحاصل عليه المدعي، وفرق إعانة غلاء المعيشة ومصدره
القاعدة المنظمة لهذه الإعانة، وهو مصدر آخر قائم بذاته، وكلاهما مستقل عن الآخر لا
يتبع ثانيهما الأول، وتتحدد انتهائية الحكم في كل منهما على حدة، وفقاً لنص المادة
التاسعة من القانون رقم 147 لسنة 1954 بإنشاء وتنظيم المحاكم الإدارية. وكلا الطلبين
يمكن بحسب الظروف المحيطة به تقديره من تاريخ التعيين حتى صدور قرار مجلس الوزراء في
24 من نوفمبر سنة 1943 بالنسبة للأول منهما، ومن أول يوليه سنة 1944 و23 من نوفمبر
سنة 1944 حتى أول مارس سنة 1950 تاريخ رفع القيد الخاص بتثبيت إعانة غلاء المعيشة بالنسبة
للثاني. ولما كان كل من الطلبين لا تجاوز قيمته على حدة 250 جنيهاً، فإن قضاء المحكمة
الإدارية يكون في حدود النصاب النهائي، وكان يتعين – والحالة هذه – على محكمة القضاء
الإداري أن تقضي بعدم قبول الاستئناف شكلاً، أما وقد قضت بقبوله، فإن حكمها يكون قد
صدر مخالفاً للقانون، وتكون قد قامت به حالة من حالات الطعن في الأحكام أمام المحكمة
الإدارية العليا. وقد أودع المدعي بعد حجز الطعن للحكم مذكرة بملاحظاته طلب فيها "قبول
الطعن شكلاً، وإلغاء حكم محكمة القضاء الإداري، والحكم بعدم جواز الاستئناف، مع إلزام
الحكومة بالمصروفات والأتعاب". واستند في ذلك إلى أن كلاً من طلبيه قابل للتقدير بطبيعته
وقيمته أقل من 250 جنيهاً، وأن السبب القانوني لكل من هذين الطلبين مستقل تمام الاستقلال
عن سبب الآخر.
ومن حيث إنه لما كان الثابت أن المدعي يطالب باستحقاقه لفرق المرتب وإعانة غلاء المعيشة
المترتبة على جعل ماهيته سبعة جنيهات شهرياً من تاريخ التحاقه بالخدمة لغاية تاريخ
صدور قرار مجلس الوزراء في 24 من نوفمبر سنة 1943 وما يترتب على ذلك من آثار، فلا حجة
في القول بأن قيمة هذا النزاع قد تحددت نهائياً بفرق نقدي لا يجاوز 250 جنيهاً بالنسبة
إلى كل طلب على حدة في فترة زمنية لم يعد الراتب أو علاوة غلاء المعيشة بعدها محل منازعة؛
إذ أن هذا النظر مردود بما سبق أن قضت به هذه المحكمة [(1)] من أن
قيمة النزاع الحقيقي لا تنحصر فقط في مقدار الرقم الناتج من حساب المتجمد النقدي من
فرق المرتب أو علاوة الغلاء في الفترة المتنازع عليها – كما يبدو للرأي البادي – بل
تترتب على شمول النزاع لأصل الاستحقاق، أي لسببه وأساسه القانوني، وسواء شملت المنازعة
قيام الاستحقاق أو حدوده ومداه فإنه تترتب على ذلك نتائج أبعد مدى لا يمكن التكهن بها
أو تقديرها مقدماً؛ ذلك أن فرق المرتب إذا استحق للموظف أصبح جزءاً من المرتب يضاف
إليه ويندمج فيه. ولما كان يترتب على مقدار هذا المرتب آثار عدة في شتى الروابط القانونية
التي تقوم بين الموظف والحكومة، سواء في تحديد المرتبات الإضافية التي تقدر بفئات معينة
تنسب إلى المرتب الأصلي، كإعانة غلاء المعيشة والعلاوة الاجتماعية وسائر الإعانات والعلاوات
بمختلف أنواعها، وكبدل التخصص وبدل التفرغ وبدل الانتقال وبدل السفر وبدل التمثيل،
وكالمكافآت عن الأعمال الإضافية، أو من حيث تدرج المرتب، أو استقطاع احتياطي المعاش
وربطه، أو تقدير المكافآت عن مدة الخدمة، أو الخصم من الراتب عند التأديب، وغير ذلك
مما لا سبيل إلى معرفة مداه أو مقداره سلفاً، لتوقفه على ظروف مستقبلة واحتمالات ليس
في الوسع التنبؤ بها؛ ولما كان تحديد مقدار إعانة غلاء المعيشة يرتبط بجملة المرتب
بما يكمله من فروق ارتباطاً لا يقبل التجزئة بحكم اللزوم؛ لتوقف استحقاق فرق الإعانة
المطالب به على ثبوت أصل استحقاق فرق المرتب المتنازع عليه لكونه يتبعه وجوداً وعدماً
باعتباره فرعاً من ذلك الأصل يجري مجراه ويأخذ حكمه، ولما كانت حجية الحكم في أصل النزاع
ستشمل ذلك كله ولا تقتصر على القدر من فرق المرتب أو الإعانة موضوع المنازعة، فإن النزاع
في أصل الاستحقاق، كما هو الشأن في خصوصية هذه الدعوى، يجعلها بطبيعتها غير قابلة للتقدير
مقدماً في كلا شطريها المرتبطين ببعضهما على حد سواء. ومن ثم فإن ما ذهب إليه طعن السيد
رئيس هيئة مفوضي الدولة من عدم قبول الاستئناف يكون في غير محله، ويكون الحكم المطعون
فيه قد أصاب الحق فيما قضى به من قبول الاستئناف شكلاً.
(ب) عن الموضوع:
من حيث إن مصلحة الجمارك المصرية أوضحت بمذكراتها، رداً على دعوى المدعي، أن المذكور
حصل على دبلوم التجارة المتوسطة في عام 1932، والتحق بخدمتها في وظيفة نشانجي درجة
ثالثة خارج الهيئة بماهية قدرها ثلاثة جنيهات شهرياً اعتباراً من 10 من إبريل سنة 1933،
ثم عين في وظيفة معاون مؤقت من الدرجة الثامنة ذات المربوط الثابت بعقد لمدة عام واحد
قابل للتجديد وبماهية قدرها ستة جنيهات شهرياً من أول يوليه سنة 1935، ونقل إلى الدرجة
الثامنة بالسلك الدائم بماهية قدرها 500 م و5 ج في الشهر من أول مايو سنة 1937، وحصل
أثناء وجوده في الخدمة على شهادة تكميلية التجارة المتوسطة عام 1946 وعلى دبلوم الدراسات
التكميلية التجارية دور ثانٍ عام 1948، ورقي إلى الدرجة السابعة من أول مايو سنة 1946،
ثم منح الدرجة السادسة بصفة شخصية من 11 من أكتوبر سنة 1948 طبقاً للقانون رقم 371
لسنة 1953 الخاص بالمعادلات الدراسية. وقد طبق عليه قرار مجلس الوزراء الصادر في 24
من نوفمبر سنة 1943 فسويت حالته باعتباره في الدرجة الثامنة بماهية شهرية قدرها سبعة
جنيهات من بدء تعيينه في 10 من إبريل سنة 1933، وتدرجت ماهيته تبعاً لذلك مع عدم صرف
الفروق إلا من 24 من نوفمبر سنة 1943 وفقاً للنص الصريح الذي جاء في هذا القرار. ولما
كان كادر سنة 1931 لم يتضمن قاعدة ملزمة تحتم على الإدارة تعيين الموظفين من حملة مؤهله
في درجة معينة أو بمرتب معين، فإن الإدارة تترخص في ذلك بمراعاة الدرجات الشاغرة وأوضاع
الميزانية في ضوء المصلحة العامة، ويكون قرار مجلس الوزراء المشار إليه منشئاً لحق
جديد لا كاشفاً عن حق سابق بأثر رجعي، وبهذه المثابة لا يجوز تجزئته بعدم إعمال شقه
الثاني الخاص بعدم صرف فروق عن الماضي، وقد جاء قانون المعادلات الدراسية رقم 371 لسنة
1953 ناسخاً لكل ما تعارض معه من أحكام وردت في قرارات سابقة ومنسحباً على الماضي بأثر
رجعي، وبذلك يكون هو الواجب التطبيق على حالة المدعي لورود مؤهله بالجدول المرافق له،
وقد طبق عليه فعلاً.
ومن حيث إن حكم المحكمة الإدارية بني على أن القانون رقم 371 لسنة 1953 الخاص بالمعادلات
الدراسية لم يلغ ضمناً أحكام كادر سنة 1931، وما كان ليمس الحقوق المكتسبة التي ثبتت
لأربابها، إلا بنص صريح خاص يقضي بذلك، وقد خلا من أي نص من هذا القبيل. أما ما ورد
في المادة الثالثة من هذا القانون من عدم صرف فروق مالية عن الماضي، فلا ينصرف إلا
إلى الفروق المستحقة نتيجة لتطبيق أحكامه دون ما يستحق منها تنفيذاً لقواعد تنظيمية
أخرى سابقة. وقد جاء قرار مجلس الوزراء الصادر في 8 من يوليه سنة 1943 مردداً للقاعدة
التنظيمية العامة التي وردت في كادر سنة 1931، والتي ولدت لمن عين في ظلها مركزاً قانونياً
عاماً لا يجوز المساس به؛ ومن ثم فإن القرار المشار إليه يكون قد جاء كاشف الأثر وقضى
برد الفروق المستحقة إلى ذويها، وبذلك لم يتضمن لا هو ولا قرار مجلس الوزراء الصادر
في 24 من نوفمبر سنة 1943 أي تحسين في مرتب المدعي، بل الحال لا يعدو أن يكون تصحيحاً
لوضع خاطئ بالنسبة إليه. وعلى فإن طلبيه يكونان قد قاما على أساس سليم من القانون ويكون
حقه في اقتضاء الفروق لا يزال قائماً لم يسقط بمضي المدة القانونية.
ومن حيث إن استئناف الحكومة لحكم المحكمة الإدارية المتقدم ذكره قام على أن المدعي
ليس له حق نشأ وتعلق بكادر سنة 1931؛ إذ أن النص الوارد في هذا الكادر هو نص جوازي
لا إلزامي. كما أنه يتعين على الجهة الإدارية أن تراعي أحكام قانون الميزانية، فلا
تعين في الدرجة الثامنة إلا في حدود العدد المقرر بميزانيتها. وعلى هذا الأساس يكون
قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 من نوفمبر سنة 1943 ليس بمثابة اعتراف بحق متعلق بأحكام
كادر سنة 1931، بل هو إنشاء لحق مستحدث لهذه الطائفة من الموظفين الذين يصدق عليهم.
وقد نص هذا القرار على عدم صرف فروق الراتب عن الماضي، ويتعين النزول على هذا الحكم.
ولما كان المدعي حاصلاً على مؤهل دراسي مدرج بالجدول المرافق للقانون رقم 371 لسنة
1953 الخاص بالمعادلات الدراسية، فإن هذا القانون يكون واجب التطبيق في حقه، وتقضي
المادة الثالثة منه بعدم صرف الفروق المالية إلا من تاريخ تنفيذه في 22 من يوليه سنة
1953، على أن الفروق التي يطالب بها المدعي قد سقط حقه في المطالبة بها بالتقادم الخمسي
طبقا لحكم المادة 375 من القانون المدني.
ومن حيث إن المدعي انتهى في مذكراته المقدمة إلى محكمة القضاء الإداري إلى طلب رفض
الاستئناف، وتأييد الحكم المستأنف مع إلزام المستأنف بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة،
وأورد في هذه المذكرات وفي مذكرته المقدمة إلى المحكمة الإدارية أن أحكام كادر سنة
1931 كانت ملزمة لا جوازية، وأنه اكتسب في ظلها حقاً لا يجوز المساس به، وأن قراري
مجلس الوزراء الصادرين في 8 من يوليه سنة 1943 و24 من نوفمبر سنة 1943 جاءا كاشفين
لحق ثابت من قبل، لا منشئين لحق مستحدث، كما قصد بهما تصحيح أوضاع خاطئة؛ وبهذه المثابة
ما كان لهما أن يمسا بالحقوق المكتسبة. أما قانون المعادلات الدراسية رقم 371 لسنة
1953 فلم يغير شيئاً من الأوضاع التي قررها كادر سنة 1931، ولم يتضمن أي نص على إلغاء
قراري مجلس الوزراء المشار إليهما؛ ومن ثم فلا علاقة له بموضوع هذه الدعوى، ولا وجه
للتمسك بالتقادم الخمسي استناداً إلى المادة 375 من القانون المدني؛ لعدم توافر شروط
تطبيق هذه المادة في خصوص فروق الراتب المطالب بها.
ومن حيث إن حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه أقام قضاءه برفض الدعوى موضوعاً على
أن أحكام كادر سنة 1931 المعدل بقرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر سنة 1935
لم تكن تلزم الإدارة بتعيين حملة شهادة البكالوريا أو التجارة المتوسطة عند التحاقهم
بالخدمة في الدرجة الثامنة الكتابية ببداية مربوطها، بل جعلت ذلك أمراً جوازياً لها
متروكاً لتقديرها، وأن تسوية حالة المدعي التي تمت بالتطبيق لقرار مجلس الوزراء الصادر
في 24 من نوفمبر سنة 1943 هي إنصاف فعلي ناله.
ومن حيث إن المدعي ذهب في مذكرته التي قدمها بعد حجز الطعن للحكم إلى أن مصلحة الجمارك
اعترفت له بما يطلبه فيما سجلته وزارة المالية في عريضة استئنافها من أن كادر سنة 1931
يلزم الإدارة بتعيين الحاصلين على شهادة البكالوريا أو التجارة المتوسطة في وظائف الدرجة
الثامنة بماهية سبعة جنيهات ونصف شهرياً…. وأن من عين في ظل الكادر المذكور من حملة
هذين المؤهلين في وظائف الدرجة الثامنة الكتابية ولكن بمرتب يقل عن المقرر لشهاداتهم،
وهو سبعة جنيهات ونصف، يكون له الحق في فرق المرتب؛ إذ أن العلاقة بين الحكومة والموظف
هي علاقة لائحية لا يجوز مخالفتها ولا مناص من النزول على أحكامها، وأن قرار مجلس الوزراء
الصادر في 8 من يوليه سنة 1943 يعتبر قراراً كاشفاً. وكذا فيما ورد في كتاب المصلحة
رقم 957، الصادر في 2 من سبتمبر سنة 1953، إلى المراقبة العامة لمستخدمي الحكومة من
أنه التحق هو وبعض زملائه في وظائف خارج الهيئة وكانوا حاصلين وقتئذٍ على مؤهلات مقرر
لحاملها التعيين في الدرجة الثامنة، وأن الإدارة أساءت استعمال سلطتها إذ تركته بماهيته
المخفضة واستخدمت من الخارج موظفين يحملون مثل مؤهله بمرتبات تزيد على المرتب الذي
كان يتقاضاه هو.
ومن حيث إن ما جاء على لسان إدارة قضايا الحكومة في عريضة استئنافها لحكم المحكمة الإدارية
أمام محكمة القضاء الإداري في معرض سرد أسانيد هذا الاستئناف لا يعد إقراراً، بل هو
من قبيل الدفاع الذي أريد به تفنيد دعوى المدعي، فضلاً عن أنه ليس صادراً من الجهة
الإدارية صاحبة الشأن، ولا يلزم هذه الجهة أو يقيدها في شيء. كما أن ما ورد بكتاب مصلحة
الجمارك إلى المراقبة العامة لمستخدمي الحكومة لم يتضمن الاعتراف الذي يريد المدعي
انتزاعه منه. ولو صح صدور مثل هذا الاعتراف، سواء في صحيفة الاستئناف أو في الكتاب
المشار إليه، فإنه لا يمنع هذه المحكمة من إنزال حكم القانون في المنازعة المطروحة
أمامها على الوجه الصحيح لتعلق الأمر بأوضاع إدارية تحكمها القوانين واللوائح، ولا
تخضع لإرادة ذوي الشأن أو اتفاقاتهم أو إقراراتهم المخالفة لها.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن علاقة الموظف بالحكومة هي علاقة تنظيمية تحكمها
القوانين واللوائح، وأن مركز الموظف هو مركز قانوني عام يجوز تعديله وفقاً لمقتضيات
المصلحة العامة بقرار تنظيمي جديد يسري بأثر حال مباشر من تاريخ العمل به، وإذا تضمن
التنظيم الجديد مزايا جديدة للوظيفة ترتب أعباء مالية على الخزانة العامة، فالأصل أنها
تسري من تاريخ نفاذه، إلا إذا نص على الإفادة منها من تاريخ أسبق، وأن كادر سنة 1931
الذي أقره مجلس الوزراء في 25 من فبراير سنة 1931 حدد للدرجة الثامنة مربوطاً يبدأ
بستة جنيهات وينتهي بخمسة عشر جنيهاً، ثم أورد بالبند الثاني عشر استثناءً من هذه القاعدة؛
إذ نص في الفقرة الثانية من هذا البند على أن "المرشح للتعيين في الدرجة الثامنة من
حملة شهادة الدراسة الثانوية (قسم ثانٍ) أو شهادة مدرسة التجارة المتوسطة يجوز منحه
ماهية أولية سنوية قدرها تسعون جنيهاً في السنة للأول وأربعة وثمانون جنيهاً للثاني
تزاد تبعاً لنظام العلاوات في هذه الدرجة". وفي 18 من سبتمبر سنة 1935 أصدر مجلس الوزراء
قراراً بتخفيض مرتبات المرشحين للتعيين في وظائف الدرجة الثامنة الكتابية بمقدار 500
م و1 ج في الشهر عن القيم المالية المحددة لمؤهلاتهم الدراسية. وفي 7 من يوليه سنة
1943 رفعت اللجنة المالية مذكرة إلى مجلس الوزراء حاصلها أن بعض حملة الشهادات العالية
وشهادة الدراسة الثانوية قسم ثانٍ وشهادة التجارة المتوسطة عينوا قبل 18 من سبتمبر
سنة 1935 في الدرجة الثامنة بمرتبات تقل عن المقرر لمؤهلاتهم وذلك لعدم كفاية الاعتمادات
المالية، واقترحت إنصافاً لهم أن يمنحوا المرتبات المقررة لمؤهلاتهم مع عدم صرف فروق
عن الماضي. وقد وافق مجلس الوزراء على هذه المذكرة في 8 من يوليه سنة 1943، كما وافق
في 24 من نوفمبر سنة 1943 على مذكرة أخرى رفعتها إليه اللجنة المالية بشأن تطبيق هذا
المبدأ على الموظفين الحاصلين على المؤهلات المشار إليها الذين عينوا باليومية أو في
وظائف خارج هيئة العمال أو بمكافأة أو بمربوط ثابت، وذلك قبل 18 من سبتمبر سنة 1935،
ولم ينقلوا إلى وظائف من الدرجة الثامنة الكتابية إلا بعد ذلك، مع عدم صرف فروق عن
الماضي. ويبين مما تقدم أن أحكام كادر سنة 1931 معدلة بقرار مجلس الوزراء الصادر في
18 من سبتمبر سنة 1935 لم تكن تلزم الإدارة بتعيين هذه الفئة من الموظفين عند الالتحاق
بالخدمة في الدرجة الثامنة الكتابية ببداية مربوطها، ولا بمنحهم عند تعيينهم في تلك
الدرجة راتباً مقداره تسعون أو أربعة وثمانون جنيهاً في السنة بحسب المؤهل، بل جعلت
ذلك أمراً جوازياً للإدارة متروكاً لتقديرها تترخص فيه وفق مقتضيات المصلحة العامة
وحالة الاعتمادات المالية بالميزانية [(2)]، فلا تثريب عليها إذا
كانت قد عينت المدعي عند بدء خدمته بمصلحة الجمارك المصرية في وظيفة نشانجي درجة ثالثة
خارج الهيئة بماهية شهرية قدرها ثلاثة جنيهات اعتباراً من 10 من إبريل سنة 1933، وهو
حاصل على دبلوم التجارة المتوسطة في سنة 1932، ثم في وظيفة معاون مؤقت من الدرجة الثامنة
ذات المربوط الثابت بعقد براتب قدره ستة جنيهات في الشهر من أول يوليه سنة 1935، ونقلت
تعيينه بعد ذلك إلى الدرجة الثامنة بالسلك الدائم بمرتب قدره 500 م و5 ج في الشهر من
أول مايو سنة 1937. ولما كان تعيينه قد تم ابتداءً في وظيفة خارجة عن هيئة العمال قبل
18 من سبتمبر سنة 1935، فإنه طبقاً لكتاب وزارة المالية الدوري رقم ف 234 – 3/ 8 (مستخدمي
الحكومة) الصادر في 9 من يناير سنة 1944 في شأن موافقة مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة
في 24 من نوفمبر سنة 1943 على تعديل ماهيات المستخدمين الحاصلين على شهادة الدراسة
الثانوية قسم ثانٍ أو ما يعادلها أو شهادة التجارة المتوسطة الذين التحقوا بخدمة الحكومة
في وظائف خارجة عن هيئة العمال أو باليومية أو بمكافأة أو بمربوط ثابت وذلك قبل 18
من سبتمبر سنة 1935 ثم نقلوا إلى وظائف من الدرجة الثامنة الكتابية قبل التاريخ المذكور
أو بعده ومنحوا فيها الماهيات التي كانت مقررة لهذه الوظائف، يستوي أن يكون قد نقل
إلى وظيفة الدرجة الثامنة قبل التاريخ المشار إليه أو بعده؛ إذ تجري في حقه في كلتا
الحالتين أحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 من نوفمبر سنة 1943، وبذلك لا يستحق
سوى مرتب تلك الوظيفة بحكم مركزه القانوني وقتذاك دون أية فروق؛ ذلك أن قرار مجلس الوزراء
هذا قد استحدث له مركزاً قانونياً جديداً يسري في حقه من تاريخ نفاذه لا من تاريخ أسبق،
وقد سويت حالته بالفعل على هذا الأساس. أما ما نص عليه القرار المذكور من عدم صرف فروق
عن الماضي، فلا يعدو أن يكون ترديداً للأصل العام الذي يقضي بسريان التنظيمات الجديدة
التي ترتب أعباءً مالية على الخزانة العامة من تاريخ نفاذها، إلا إذا نص على الإفادة
منها من تاريخ أسبق. ولما كان قرار مجلس الوزراء آنف الذكر إنما قصد به إنصاف الموظفين
الذين تصدق عليهم أحكامه بزيادة مرتباتهم تحسيناً لحالهم بناءً على قاعدة منشئة لا
كاشفة، فإن المدعي لا يستحق فرق الراتب الذي يطالب به، وبالتالي لا يستحق الآثار المترتبة
على دعواه أنه لم ينل إنصافاًً ومنها فرق إعانة غلاء المعيشة منعاً من ازدواج الإنصاف.
ومن ثم فإن حكم المحكمة الإدارية يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويكون حكم
محكمة القضاء الإداري المطعون فيه صادف الصواب فيما قضى به من إلغاء هذا الحكم.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.
[(1)] راجع فيما بعد الحكم المنشور بهذه المجموعة
بند 13، صفحة 108.
[(2)] راجع الحكم المنشور بهذه المجموعة بند 11، صفحة 85.
