الطعن رقم 79 سنة 25 ق – جلسة 13 /06 /1955
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 6 – صـ 1111
جلسة 13 من يونيه سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ مصطفى فاضل المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: حسن داود، ومحمود ابراهيم اسماعيل، ومصطفى كامل، واسحق عبد السيد المستشارين.
القضية رقم 79 سنة 25 القضائية
(أ) عمل. تعويض. حق العامل فى الحصول على تعويض عن إصابات العمل
طبقا للمادة الثالثة من القانون رقم 89 لسنة 1950. مناطه.
(ب) عمل. حوادث العمل المنوه عنها فى المادة الرابعة من القانون رقم 89 لسنة 1950.
المقصود بها.
1- إن مناط الحق الذى نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم 89 لسنة 1950 فى الحصول
من صاحب العمل على تعويض عن إصابة العامل طبقا للقواعد المقررة فى البابين الثالث والرابع
من هذا القانون هو أن يكون العامل قد أصيب "بسبب العمل وفى أثناء تأديته" مما مفاده
أن يكون العمل هو مصدر الإصابة سواء من ناحية الأخطار التى تصاحبه أو التى قد تنشأ
عنه وقت القيام به وهو ما يتحقق به قصد الشارع من تقرير نظام لتعويض العمال يرتكز على
مسئولية رب العمل عن مخاطر العمل دون أن يراعى فى قيام هذه المسئولية عنصر "الفعل غير
المشروع" الذى تستند إليه المسئولية المقررة فى القانون المدنى.
2- إن المقصود بما نصت عليه المادة الرابعة من القانون رقم 89 لسنة 1950 من أنه "لا
يجوز للعامل فيما يتعلق بحوادث العمل أن يتمسك ضد رب العمل بأحكام أى قانون آخر ما
لم يكن الحادث قد نشأ عن خطأ جسيم من جانب رب العمل" هو تلك "الحوادث" التى هى من صميم
مخاطر العمل أو التى تنشأ عنه قضاء وقدرا ولا تصل إلى درجة الحوادث الواقعة تحت طائلة
قانون العقوبات سواء كانت عن عمد أو عن خطأ وإهمال أما هذه فتخرج عن نطاق النص سالف
الذكر كما تخرج عن نطاقه نفس حوادث العمل بمعناها المتقدم متى كانت ناشئة عن "خطأ جسيم
من جانب رب العمل" ولو كانت لا ترتبط بهذا الخطأ برابطة السببية بالمعنى الذى يستلزمه
قانون العقوبات للإصابة الخطأ أو القتل الخطأ.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة علي عبد الحميد أحمد في قضية الجنحة رقم 2768 سنة 1950 بأنه: تسبب من غير قصد ولا تعمد فى قتل جبران جرجس وكان ذلك ناشئا عن إهماله وعدم احتياطه بأن قاد سيارة بسرعة ولم يتخذ الحيطة فى قيادتها حتى سقطت السيارة فى الترعة فأصيب المجنى عليه بالإصابات المبينة بتقرير الصفة التشريحية والتى نشأ عنها وفاته من إسفكسيا الغرق. وطلبت النيابة عقابه بالمادة 238 من قانون العقوبات وقد ادعى بحق مدنى كل من حنا وفريد وجورجى وميشيل وأوجينى ومارى وجبران قسطندى وفيوليت دكران قبل المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية "أرمناك جوجاتيان" وطلبوا أن يحكم لهم بمبلغ عشرة آلاف جنيه تعويضا. وبعد أن نظرت محكمة سمنود الجزئية هذه الدعوى قضت فيها حضوريا بتاريخ 20 من نوفمبر سنة 1951 – عملا بمادة الاتهام – بحبس المتهم ستة أشهر مع الشغل وكفالة عشرة جنيهات لوقف التنفيذ وإلزامه هو والخواجه أرمناك جوجانيان بصفته المسئول عن الحقوق المدنية متضامنين بأن يدفعا للمدعين بالحق المدنى مبلغ ألف جنيه: السيدة فيوليت جورج بحق خمسمائة جنيه والباقون بحق خمسمائة جنيه والمصاريف المدنية المناسبة وعشرة جنيهات أتعاب محاماة بلا مصاريف. فاستأنف المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية وورثة المجنى عليه "المدعون بالحق المدنى" هذا الحكم. نظرت محكمة طنطا الابتدائية هذا الاستئناف وأمامها طلب المدعون بالحقوق المدنية تعديل التعويض وإلزام المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية متضامنين بدفع مبلغ 12000 جنيه منها ستة آلاف جنيه للزوجة فيوليت دكران أرملة القتيل وستة آلاف جنيه لباقى الورثة وبعد أن أتمت المحكمة نظره قضت بقبول الاستئناف من المتهم والمسئول بالحقوق المدنية والمدعى المدنى شكلا وفى الموضوع بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة للحبس وبتعديله بالنسبة للتعويض المدنى والحكم بإلزام المتهم والخواجه أرمنياك جوجاجيان وشركاه بصفته مسئولا عن الحقوق المدنية متضامنين بأن يدفعا للمدعين بالحق المدنى مبلغ ألف وخمسمائة جنيه والمصاريف المدنية المناسبة عن الدرجتين وعشرة جنيهات أتعابا للمحاماة بلا مصروفات جنائية. فطعن الأستاذ شمس الدين حموده المحامى نائبا عن الأستاذين حسن فريد وعبد المنعم أبو زيد المحاميين الوكيلين عن الطاعنين فى هذا الحكم بطريق النقض فى 25 و27 من مايو سنة 1952 وقدم الأستاذ حسن فريد المحامي عن الطاعن الثاني تقريراً بالأسباب في الميعاد القانوني أما الأستاذ عبد المنعم أبو زيد المحامى عن الطاعن الأول فقدم تقريرا بالأسباب فى 27 من نفس الشهر (بعد الميعاد)…. الخ.
المحكمة
وحيث إن الطعن المقدم من الثانى قد استوفى الشكل المقرر بالقانون.
وحيث إن مبنى الوجه الأول من الطعن هو أن الحكم المطعون فيه أخطأ فى تطبيق القانون
إذ ارتكن فى قضائه بالتعويض إلى أحكام القانون المدنى الخاصة بمسئولية المتبوع عن فعل
تابعه الضار غير المشروع فى حين أن القانون الواجب التطبيق هو القانون رقم 89 لسنة
1950 الخاص بإصابات العمل يؤيد ذلك أن المجنى عليه كان مستخدما لدى الشركة التى يمثلها
الطاعن، وكان وقت وقوع الحادث منتقلا فى سيارة الشركة لأداء عمل من الأعمال المنوطة
به كمندوب عنها فى استلام العطاءات الخاصة بمقاولات الشركة مع الحكومة والشركات والأفراد،
فتكون وفاته قد حدثت بسبب عمله وفى أثناء تأديته.
وحيث إنه لما كانت واقعة الدعوى كما أثبتها الحكم المطعون فيه هى "أن المتهم – الطاعن
الأول – كان يقود سيارة تابعة لشركة جوجانيان التى يمثلها المسئول بالحق المدنى – الطاعن
الثانى – وكانت تقل المجنى عليه (مورث المدعين بالحق المدنى) ومنير أبو الفتوح المهندس
بالبلديات، متوجهين بها لمباشرة عمل يتعلق بالشركة سالفة الذكر إلى طنطا فالمحلة الكبرى
فدمياط وبعد أن أدوا هذه المأمورية عادوا من نفس الطريق الذى سلكوه فى ذهابهم، وعند
سمنود انقلبت السيارة وسقطت فى الترعة وغرق المجنى عليه المرحوم جبران جرجس ونجا السائق
والمهندس… وأن المتهم تسبب فى وقوع هذا الحادث بخطئه وعدم حذره واحتياطه" ولما كان
مناط الحق الذى نصت عليه المادة الثالثة من القانون رقم 89 سنة 1950 فى الحصول من صاحب
العمل على تعويض عن إصابة العامل طبقا للقواعد المقررة فى البابين الثالث والرابع من
هذا القانون هو أن يكون العامل قد أصيب "بسبب العمل وفى أثناء تأديته" مما مفاده أن
يكون العمل هو مصدر الإصابة سواء من ناحية الأخطار التى تصاحبه أو التى قد تنشأ عنه
وقت القيام به وهو ما يتحقق به قصد الشارع من تقرير نظام لتعويض العمال يرتكز على مسئولية
رب العمل عن مخاطر العمل دون أن يراعى فى قيام هذه المسئولية عنصر "الفعل غير المشروع"
الذى تستند عليه المسئولية المقررة فى القانون المدنى، وكان المقصود بما نصت عليه المادة
الرابعة من القانون رقم 89 سنة 1950 من أنه. "لا يجوز للعامل فيما يتعلق بحوادث العمل
أن يتمسك ضد رب العمل بأحكام أى قانون آخر ما لم يكن الحادث قد نشأ عن خطأ جسيم ضد
رب العمل" هو تلك "الحوادث" التى هى من صميم مخاطر العمل أو التى تنشأ عنه قضاء وقدرا
ولا تصل إلى درجة الحوادث الواقعة تحت طائلة قانون العقوبات سواء كانت عن عمد أو عن
خطأ وإهمال، أما هذه فتخرج عن نطاق النص سالف الذكر كما تخرج عن نطاقه نفس حوادث العمل
بمعناها المتقدم متى كانت ناشئة عن "خطأ جسيم من جانب رب العمل" ولو كانت لا ترتبط
بهذا الخطأ برابطة السببية بالمعنى الذى يستلزمه قانون العقوبات للإصابة الخطأ أو القتل
الخطأ. لما كان ذلك فإن الحكم المطعون فيه يكون سديدا إذ أقام قضاءه بالتعويض على أساس
مسئولية المتبوع عن فعل تابعه الضار غير المشروع المقررة فى القانون المدنى.
وحيث إن مبنى الوجه الثانى من الطعن أن الحكم شابه القصور إذ أغفل بيان وقائع هامة
مؤثرة على تقدير مسئولية سائق السيارة عن وقوع الحادث، ذلك بأنه لم يلتفت إلى أن سرعة
السيارة فى الطرق الزراعية غير محددة بالقانون وأنه لو فرض وكان السائق يسير بسرعة
60 ستين كيلو مترا ورأى منحنى الطريق على بعد عشرين مترا لما أمكنه تفادى الخطر على
هذه المسافة وفى مثل هذا الطريق الخالى من الإشارات الدالة على خطورة المنحنى كما كانت
تدل عليه المعاينة التى لم تستجب المحكمة لطلبها، ويضيف الطاعن إلى ذلك أن المحكمة
قد أخلت بحقه فى الدفاع إذ قبلت مذكرة خصومه المقدمة بعد الميعاد وأمهلته أسبوعا واحدا
للرد عليها ولم تستجب إلى طلبه مدّ أجل الحكم لاعداد هذا الرد.
وحيث إنه لما كان الحكم قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية لجريمة
القتل الخطأ التى دان بها سائق سيارة الطاعن وأورد على ثبوتها فى حقه أدلة من شأنها
أن تؤدى إلى النتيجة التى انتهى إليها، وكان قد عرض لدفاع السائق والمسئول بالحق المدنى
عن طبيعة الطريق وعن السرعة وخطورة المنحنى ورد عليه ردا سائغا بقوله "إن مثل هذا الدفاع
لا يؤدى إلى إخلاء المتهم من المسئولية لأنه إذا كان عليه أن يكون حريصا متيقظا حذرا
لكل طريق يسلكه لأن هذا من مستلزمات عمله ومقتضيات مهنته كما أن المتهم اعترف فى أقواله
عند استجوابه فى النيابة أنه رأى المنحنى على مسافة قدرها بحوالى 20 مترا ولا شك أن
هذه المسافة الطويلة فيها الكفاية لملافاة الحادث لو كان المتهم يقود السيارة بسرعة
معتدلة وفضلا عن ذلك فإن المتهم قد سلك ذات الطريق عند ذهابه فى نهار ذات اليوم الذى
وقع فيه الحادث فكان على علم بما فيه من منحنيات وممرات… خصوصا والثابت من أقوال
منير أبو الفتوح أن ضوء السيارة كان سليما، فكان على المتهم أن يكشف الطريق بواسطة
استعمال ضوء السيارة… وأن استناد المتهم والمسئول بالحق المدنى على ما جاء بتقرير
المهندس الفنى للسيارات من أن المنحنى الذى سقطت عنده السيارة قاس وخطر، فمردود عليه
بأن ما يشوب الطريق من عيوب لا يمكن أن يخلى قائد السيارة من وجوب احتياطه وحذره" وكان
الحكم قد رد على طلب معاينة مكان الحادث بما هو سائغ فى العقل والمنطق بقوله: "وحيث
إنه عن طلب معاينة مكان الحادث لإثبات خلوه من وجود أى علامات مادية تلفت نظر السائق
إلى وجود المنحنيات فمردود عليه بأنه مع فرض التسليم بعدم وجود أى علامة عند المنحنى
الذى وقع عنده الحادث فإن ثبوت ذلك لا ينفى مسئولية المتهم المترتبة على سرعته فى قيادة
السيارة وإهماله الجسيم فى عدم إيقافها عند حصول الخطر وهو الذى أقر فى استجوابه أمام
النيابة أنه اكتشف المنحنى على بعد عشرين مترا، وهى مسافة تكفى كفاية تامة لإيقاف السيارة
لو أن المتهم كان يقودها بسرعة معتدلة…".
لما كان ذلك، وكان يبين من الاطلاع على محاضر جلسات المحكمة الاستئنافية أن المحكمة
استمعت إلى مرافعة المتهم والمسئول بالحق المدنى الشفوية ثم قررت النطق بالحكم لثلاثة
أسابيع وصرحت بتقديم مذكرات لمن يشاء فى الأسبوعين الأولين، ثم مدت أجل الحكم أسبوعا
آخر ليوم 8/ 5/ 1952 لإتمام المداولة، وكان الحكم قد رد على طلب المتهم والمسئول بالحق
المدنى تأجيل الحكم بأن البرقيتين المرسلتين منهما "وردتا للمحكمة يوم 8/ 5/ 1952 بعد
أن كانت قد تداولت فى الدعوى وأصدرت حكمها فيها وبعد أن أعطت للخصوم المدة الكافية
لابداء دفاعهم فى مذكرات بعد مرافعتهم الشفوية" لما كان ذلك، فإن ما ينعاه الطاعن من
قصور الحكم وإخلاله بحقه فى الدفاع لا يكون له محل.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن المقدم من الطاعن الثانى على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.
