الرئيسية الاقسام القوائم البحث

أصدرت الحكم الآتيلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

الجريدة الرسمية – العدد 16 مكرر ( أ ) – السنة الحادية والخمسون
15 ربيع الآخر سنة 1429هـ، الموافق 21 إبريل سنة 2008م

باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد السادس من إبريل سنة 2008م، الموافق التاسع والعشرين من ربيع الأول سنة 1429هـ.
برئاسة السيد المستشار/ ماهر عبد الواحد – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري وعدلي محمود منصور وعلي عوض محمد صالح وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه وسعيد مرعي عمرو، وحضور السيد المستشار/ حمدان حسن فهمي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 214 لسنة 28 قضائية "دستورية". المحالة من محكمة القضاء الإداري بقنا الدائرة الثانية – تسويات – بحكمها الصادر بجلسة 5/ 3/ 2006 في الدعوى رقم 4517 لسنة 11 "قضائية".
المقامة من: السيد/ محمد عبد الله حسين.

ضد

1 – السيد رئيس مجلس إدارة بنك ناصر الاجتماعي.
2 – السيد وزير التأمينات.
3 – السيد رئيس مجلس الوزراء.


الإجراءات

بتاريخ السادس عشر من ديسمبر سنة 2006 ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 4517 لسنة 11 "قضائية"، تنفيذاً للقرار الصادر من محكمة القضاء الإداري بقنا – دائرة التسويات – بجلسة الخامس من مارس سنة 2006 بوقف الدعوى وإحالتها إلى هذه المحكمة للفصل في دستورية نص المادة من لائحة العاملين ببنك ناصر الاجتماعي فيما تضمنه من حرمان العامل من الحصول على رصيد إجازاته بالكامل فيما جاوز الأربعة الأشهر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يتبين من الاطلاع على قرار الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان يشغل وظيفة مدير بنك ناصر الاجتماعي بقنا ثم أحيل إلى المعاش في 3/ 3/ 1998 لبلوغه السن القانونية للتقاعد، وإذ قام البنك بصرف أجر أربعة أشهر مقابل رصيد إجازاته فقط، فقد أقام الدعوى رقم 4517 لسنة 11 "قضائية" أمام محكمة القضاء الإداري بقنا ضد المدعى عليهما الأول والثاني طالباً الحكم له بباقي مستحقاته عن رصيد إجازاته التي تجاوز الأربعة أشهر وبجلسة 5/ 3/ 2006 قررت تلك المحكمة وقف الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية المادة من لائحة العاملين ببنك ناصر الاجتماعي فيما تضمنه من حرمان العامل من الحصول على رصيد إجازاته بالكامل فيما يجاوز الأربعة الأشهر، وذلك لما تراءى لها من شبهة تعارض هذا النص مع الحماية التي كفلها الدستور لحقي العمل والملكية والتي نصت عليهما المواد (13 و32 و34).
وحيث إن المادة من لائحة العاملين ببنك ناصر الاجتماعي الصادرة بتاريخ 6/ 1/ 1980 كانت تنص قبل تعديلها في 21/ 2/ 2001 على أن:
"لا يجوز للعامل النزول عن الإجازة السنوية، كما لا يجوز صرف مقابل نقدي عن الإجازة السنوية التي لم يقم بها العامل إلا في حالة انتهاء خدمته بالبنك ببلوغه سن المعاش أو الوفاة أو العجز الكامل بحد أقصى أربعة أشهر".
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا بنظر الدعوى تأسيساً على أن النص المطعون عليه ورد بلائحة نظام العاملين ببنك ناصر الاجتماعي وفروعه الصادرة بقرار مجلس إدارة البنك والذي يعد من أشخاص القانون الخاص، ومن ثم تنحسر عن هذه اللائحة الصفة الإدارية ولا تعد بالتالي تشريعاً بالمعنى الموضوعي مما تمتد إليه الرقابة القضائية على الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة.
وحيث إن هذا الدفع مردود، ذلك أن بنك ناصر الاجتماعي – وفقاً لقانون إنشائه الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 66 لسنة 1971 – يعد هيئة عامة تهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي بين المواطنين ويتمتع بالشخصية الاعتبارية، ويعد بالتالي شخصاً من أشخاص القانون العام، ويعتبر العاملون به موظفين عموميين يرتبطون به بعلاقة تنظيمية تحكمها لائحة نظام العاملين بالبنك الصادرة عن مجلس إدارته في 6/ 1/ 1980، بما له من سلطة في ذلك بمقتضى المادة الثامنة من قانون إنشائه، وإذ كان النص المطعون عليه هو أحد نصوص هذه اللائحة، فإنه بهذه المثابة يعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي مما تمتد إليه الرقابة القضائية المعقودة لهذه المحكمة.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها قيام رابطة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في المسألة الدستورية المطروحة على هذه المحكمة، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، ومن ثم فإن نطاق الدعوى الدستورية الماثلة – بقدر ارتباطها بالطلبات المطروحة في النزاع الموضوعي – يتحدد بما قضى به النص المطعون عليه من وضع حد أقصى للمقابل النقدي لرصيد الإجازات السنوية للعامل مقداره أربعة أشهر.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها وأثاراً يرتبها، من بينها – في مجال حق العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها، أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها. ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها، عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
وحيث إن الدستور وإن خوَّل السلطة التشريعية بنص المادة سلطة تنظيم حق العمل، إلا أنها لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يُمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التي ينبغي – وفقاً للدستور – أن تكون إطاراً لحق العمل.
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل في إجازة سنوية بالشروط التي حددها أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية، ولا يجوز بالتالي أن ينزل عنها العامل ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة الإدارة، بل إن المشرع اعتبر حصول العامل على إجازة اعتيادية لمدة ستة أيام متصلة كل سنة أمراً لا يجوز الترخص فيه، أو التذرع دون إتمامه لدواعي مصلحة العامل، وهو ما يقطع أن الحق في الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه وينعكس بالضرورة على كيان الجماعة صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية.
وحيث إن المشرع قد دلَّ بالنص المطعون عليه من اللائحة المشار إليها، على أن العامل لا يجوز أن يتخذ من الإجازة السنوية وعاءً ادخارياً من خلال تحصيل مددها ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر، وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها أن رد على العامل سوء قصده، فلم يجز له أن يحصل على ما يساوي أجر هذا الرصيد إلا عن مدة مقدارها أربعة أشهر معتداً بأن قصرها يعتبر كافلاً للإجازة السنوية غايتها فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل وظائفها، بيد أن هذا الحكم ينبغي ألا يسري على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون لإرادة العامل دخل فيها، كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها جملة فيما جاوز ستة أيام كل سنة، إذا كان اقتضاء مع تجمع من إجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مرده إلى جهة العمل، فكان لزاماً أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
وحيث إن الحق في التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل، مما يندرج في إطار الحقوق التي كفلتها المادتان (32 و34) من الدستور اللتان صان بهما حق الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، متى كان ذلك، فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة من لائحة العاملين ببنك ناصر الاجتماعي الصادرة بقرار مجلس إدارة البنك بتاريخ 6/ 1/ 1980 – وقبل تعديلها بقرار مجلس إدارة البنك في 21/ 2/ 2001 – فيما تضمنه من وضع حد أقصى للمقابل النقدي لرصيد الإجازات السنوية لا يجاوز أجر أربعة أشهر متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب تقتضيها مصلحة العمل.

أمين السر رئيس المحكمة

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات