الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 415 لسنة 25 ق – جلسة 07 /02 /1984 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة والعشرون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1983 إلى آخر فبراير سنة 1984) – صـ 613


جلسة 7 من فبراير سنة 1984

برئاسة السيد الأستاذ المستشار عبد الفتاح صالح الدهري نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد أنور محفوظ وعبد الرؤوف محمد محيي الدين وطارق عبد الفتاح البشري والدكتور وليم سليمان قلادة – المستشارين.

الطعن رقم 415 لسنة 25 القضائية

عامل بالقطاع العام – تأديب – الجزاءات التأديبية – الفصل من الخدمة.
ملاءمة تقدير الجزاء – عدم التناسب البين بين المخالفة والجزاء الموقع من شأنه أن يعيب الجزاء بعدم المشروعية – جزاء الفصل أقصى جزاء يمكن أن يوقع على العامل مرتكب المخالفة – تحري المحكمة لعدم التناسب يتعلق بتقدير حجم المخالفة – تحري المحكمة حجم المخالفة بالنظر إلى الفعل المؤثم من سياق الأحداث الملابسة التي أنتجته وتحدد حقيقة حجمه ومدى ما ينم عنه من تعمد ومن استهتار أو استخفاف أو ما يتداخل فيه من ردود فعل ملابسة من تلقائيات الموقف وضغوطه – للمحكمة تقدير الظروف جميعها من ملابسات الواقعة – إلغاء قرار الجزاء لما اعتوره من عيب الغلو وعدم التناسب الكبير بين الخطأ غير العمدي وقسوة الجزاء الموقع – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الاثنين الموافق 26 من مارس سنة 1979 أودع الأستاذ محيي الدين محمد راغب المحامي بصفته وكيلاً عن شركة السيوف للغزل والنسيج بالإسكندرية، قلم كتاب هذه المحكمة تقرير الطعن المقيد بسجلاتها برقم 415 لسنة 25 القضائية، ضد السيد/ …… وذلك في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية بالإسكندرية بجلسة 3 من فبراير سنة 1979 في الطعن رقم 145 لسنة 19 القضائية والذي قضت فيه المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من رئيس مجلس إدارة الشركة المطعون ضدها برقم 48 لسنة 1976 بتاريخ 14/ 9/ 1976 بفصل الطاعن من الخدمة.
وطلبت الشركة الطاعنة في تقرير الطعن الأمر بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إلى أن يفصل في الطعن، والحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه رفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقدم مفوض الدولة تقريراً انتهى رأيه فيه إلى قبول الطعن شكلاً ورفض طلب وقف تنفيذ الحكم المطعون فيه مع رفضه موضوعاً.
وبعد اتخاذ الإجراءات القانونية، نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون التي قررت بجلسة 9 من فبراير سنة 1983 إحالته إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة) لنظره بجلسة 5 من مارس سنة 1983. وبجلسة أول أكتوبر سنة 1983 قررت المحكمة إحالة الطعن إلى الدائرة الثالثة، حيث نظر وتدوول على النحو الموضح بمحاضر الجلسات وقررت بجلسة 13 من ديسمبر سنة 1983 حجز الطعن للحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن وقائع الموضوع حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن أقام السيد/ …….. دعواه برقم 467 لسنة 1976 أمام محكمة العمال الجزئية بالإسكندرية في 30 من سبتمبر سنة 1976، طالباً وقف تنفيذ قرار الفصل التعسفي الصادر ضده من الشركة وذكر أنه التحق بالشركة في 20 من يوليه سنة 1960 في وظيفة عامل فحص بالفئة الثانية ونسبت إليه الشركة إتلافه أقمشة من إنتاجها واعتداءه على رئيس مجلس الإدارة ووقعت عليه عقوبة الخصم يومين من أجره ثم طلبت إلى اللجنة الثلاثية الموافقة على فصله فقررت اللجنة في 29 من أغسطس سنة 1976 أن فصله لا يتفق مع القانون، فأصدرت الشركة قرارها بفصله وبجلسة 27 من نوفمبر سنة 1976 قضت المحكمة العمالية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى المحكمة التأديبية بالإسكندرية حيث قيدت طعناً برقم 145 لسنة 19 القضائية، وبجلسة 3 من فبراير سنة 1979 أصدرت المحكمة حكمها بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر بفصل الطاعن برقم 48 لسنة 1976 في 14 من سبتمبر سنة 1976 من رئيس مجلس إدارة الشركة وأسندت قضاءها على أنه وإن كان المستفاد من تحقيقات الشرطة والتحقيقات الإدارية في 18 من يوليه 1976 أن المخالفة المنسوبة إلى الطاعن وهي اعتراضه طريق رئيس مجلس الإدارة واعتدائه عليه بالسب والتهجم، ثابتة في حقه من قوله ومن أقوال الخفيرين محمد معتمد السيد ومحمود محمد الكبير اللذين شهدا بمحضر الشرطة الأمر الذي يشكل ذنباً إدارياً مستوجب مساءلته تأديبياً، إن كان ذلك كذلك فإن توقيع جزاء الفصل وهو أقصى الجزاءات المنصوص عليها في المادة 48 من نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون 61 لسنة 1971، يكشف عن انعدام التناسب الظاهر بين الجزاء الموقع والذنب المرتكب، خاصة وأن لرئيس اللجنة الثلاثية وممثل العمال رأياً أن الواقعة لا تستحق جزاء الفصل وأن ظروف الحال توحي أنه كان في مكنة رئيس مجلس الإدارة أن يمنع تردي الطاعن فيما تردى فيه لو اتسع صدره لسماع شكواه. ورأت المحكمة أن في غير جزاء الفصل ما يعتبر رادعاً كافياً عما ارتكب الطاعن، وأن التفاوت بين الذنب والجزاء مما يخرج به الجزاء عن نطاق المشروعية.
واستندت الشركة الطاعنة في تقريرها بالطعن في هذا الحكم أن ثمة واقعتين منفصلتين جوزي الطاعن عن كل منهما جزاء مستقلاً وكانت واقعة التعدي هي ما تم فصل الطاعن بسببها بعد عرض الأمر على اللجنة الثلاثية طبقاً للقانون، ونعى التقرير على الحكم المطعون عليه المخالفة للقانون والخطأ في تطبيقه وتفسيره، لأن الاعتداء على قمة الرئاسات بالشركة بالسب والتهجم الذي من شأنه الإطاحة بهيبة العمل يوجب أخذ المعتدي بالشدة مما لا يستقيم معه القول بعدم التناسب بين الفعل والجزاء الموقع بسببه، والقرار غير مشوب بالانحراف بالسلطة، والمادة 76 من قانون العمل رقم 91 لسنة 1959 تعتبر الاعتداء سبباً مسوغاً لفسخ عقد العمل، وصالح العمل بالشركة يستوجب القضاء على الاستهتار والاستخفاف الشديد بحرمته. وقدمت الشركة مذكرة ردت فيها على تقرير المفوض بأن تقدير تناسب الجزاء هو من الملاءمات التي تنفرد بها الإدارة، وأن الواقعة محل الجزاء المطعون فيه قدمت عنها الجنحة رقم 3520 لسنة 1976 جنح الرمل ونص فيها بإدانة العامل المذكور بغرامة مائتي قرش. وأن هذا الحكم تلتزم به جهات التأديب لتعلقه بالنظام العام.
وقدم المطعون ضده مذكرتين، أكد في أولهما المؤرخة 21 من مايو سنة 1983 على ما ورد بالحكم المطعون عليه من أسباب تتعلق بعدم تناسب العقاب مع الفعل الحادث وانتهى في ثانيهما المقدمة لجلسة الحكم في شرح ذات الأسباب طالباً تأييد الحكم المطعون عليه.
ومن حيث إنه لا نزاع حول وقوع الفعل وتأثيمه، ولا مطعن على الحكم المطعون عليه في ذلك، وقد أكد الحكم ثبوت المخالفة وتأثيمها إنما مقطع النزاع في الطعن الماثل فيتعلق بمدى تناسب جزاء الفصل الموقع على العامل مع المخالفة الثابتة في حقه من اعتدائه بالقول على رئيس مجلس إدارة الشركة حسبما يستفاد من تحقيقي الشرطة والشركة وحسبما أثبت حكم الجنحة في القضية رقم 3020 لسنة 1976 رمل الإسكندرية المرفقة صورة منه بالأوراق. والمطرد في قضاء هذه المحكمة أنه مع ثبوت الفعل المرتكب وظهور ما يشكله من مخالفة تستوجب العقاب ومع ما لسلطة التأديب من ملاءمة في تقدير الجزاء، فإن عدم التناسب البين بين المخالفة والجزاء الموقع من شأنه أن يعيب الجزاء بعيب عدم المشروعية. ولا شبهة في أن جزاء الفصل من الخدمة هو أقصى جزاء وأقساه يمكن أن يوقع على العامل مرتكب المخالفة. ومن ثم فإن تحديد المحكمة لعدم التناسب يتعلق بتقدير حجم المخالفة الحاصلة من العامل في الحالة المعروضة.
ومن حيث إن المحكمة في تحديدها حجم المخالفة المرتكبة في الدعوى الماثلة، إنما تنظر إلى الفعل المؤثم في سياق الأحداث الملابسة، التي توضح سلسلة التداعيات التي أنتجته وتحدد حقيقة حجمه ومدى ما ينم عنه من تعمد ومن استهتار واستخفاف أو ما يتداخل فيه من ردود الفعل وما تداعى معه من تلقائيات الموقف وضغوطه.
ومن حيث إنه يبين للمحكمة من مطالعة أقوال شاهدي الإثبات الخفيرين محمد معتمد السيد ومحمود محمد الكبير في محضر ضبط الواقعة الذي اعتمده حكم محكمة الجنح، يبين أن العامل المفصول كان يريد مقابلة رئيس مجلس الإدارة أثناء مرور الرئيس، فرفض الرئيس سماعه وأمره بالذهاب إلى عمله، فلما أصر العامل على عدم الذهاب طالباً حلاً لما اعتبره مشكلة لديه، أمره الرئيس بالذهاب وأمر بإرساله إلى قسم التحقيقات، فبقى العامل، فحاول الرئيس السير فوقف العامل في طريقه فأبعده الخفيرين الشاهدين من الطريق وهنا أطلق العامل العبارة التي تحمل السب لرئيس الشركة، وكان للعامل شكوى تتعلق بنقله من عمله بالفحص الذي استمر فيه نحو تسع سنوات إلى قسم النسيج الذي لا يتقن العمل به مما أنقص من دخله. ويظهر من أقوال الخفيرين بمحضر الشرطة أنهما لما نحيا العامل عن طريق رئيس الشركة، لم يعتد على أحد منهما ولا تسبب بعمله في تعطيل الإنتاج. كما يظهر من أقوال العامل بالمحضر نفسه أنه استشعر الضياع لما رفض رئيس الشركة سماع شكايته، من جراء ما كان يخوض من ضائقة مالية بسبب نقله إلى عمل لا يقدر عليه وبمراعاة ما يعوله من أسرة كبيرة.
ومن حيث إنه بمراعاة هذه الظروف جميعاً، ومع إدراك ما يوجبه التعامل مع الرؤساء من تقدير واحترام واحتفاظ بأقصى ما يمليه ذلك من موجبات ضبط النفس والتزام الجادة وحدود الأدب والوقار في الحديث والفعل، فإن المحكمة تستشعر من ملابسات الواقعة، أن ما لفظه العامل من لفظ خارج عن حدود ما يجب من الضبط والإلزام، إنما نتج كانفلات للسان في ظروف إحباط شديد واستشعار من العامل بانغلاق السبل أمامه وضياع فرصة بثه شكواه إلى رئيس الشركة وامتناع الرئيس عن سماع أدنى قول عن شكايته وعن حالته وظروفه في العمل. ومن كل ذلك فإن خطأ العامل الذي لا شك وقع منه، كان خطأ بعيداً عن أن يوصف بأنه خطأ عمدي أو أنه نجم عن استهتار واستخفاف بأوضاع العمل ونظمه وضوابطه في التعامل. وهو خطأ إن استحق العامل من أجله العقاب، فالواجب قانوناً أن يوزن الخطأ بميزان التداعيات الواقعية التي أوقعت العامل فيه وأن يقدر أنه خطأ أدخل في فلتات اللسان غير المقصودة منه في التبجح العمدي ومن كل ذلك يبين أن ما انتهى إليه الحكم المطعون فيه من إلغاء قرار الجزاء لما اعتوره من عيب الغلو وعدم التناسب الكبير بين الخطأ غير العمدي الحاصل وقسوة الجزاء الموقع، يكون ما انتهى إليه في ذلك يصادف صحيح حكم القانون مما استخلص استخلاصاً سائغاً من ظروف الحال وسياق الواقعة الحادثة ويكون طعن الشركة في هذا الحكم جديراً بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات