الطعن رقم 1577 لسنة 27 ق – جلسة 10 /12 /1983
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة التاسعة والعشرون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1983 إلى آخر فبراير سنة
1984) – صـ 237
جلسة 10 من ديسمبر سنة 1983
برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور أحمد ثابت عويضة رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة محمد محمد عبد المجيد ومحمد عبد الرازق خليل وحسن حسنين علي، ويحيى السيد الغطريفي – المستشارين.
الطعن رقم 1577 لسنة 27 القضائية
( أ ) تراخيص – فتح صيدلية – شرط المسافة القانونية.
الفهم المستفاد من حكم المادة 30 من القانون رقم 127 لسنة 1955 مفسراً بما ورد في المذكرة
الإيضاحية أن المشرع فتح الباب لزيادة عدد الصيدليات العامة مستهدفاً في المقام الأول
صالح الجمهور مستهلك الدواء بتيسير سبيل الحصول عليه ومراعياً في الوقت ذاته المحافظة
على صالح المزاولين لمهنة الصيدلة حتى يتوفر الدواء للراغبين فيه في جو بعيد عن المنافسة
غير المشروعة في هذه المهنة ذات الطابع المتميز لارتباطها الوثيق بصحة وحياة المرضى
– يتعين فهم شرط المسافة وتحديد ضوابطها على هدي ما ابتغاه المشرع من زيادة عدد الصيدليات
العامة – تحسب المسافة القانونية بمقدار البعد بين محوري مدخل الصيدلية بحسبان أن مدخل
الصيدلية دون غيره هو الذي ينفذ منه طالب الدواء إلى الصيدلية لشرائه من المكان المخصص
– تطبيق.
(ب) ترخيص فتح صيدلية – قرار إداري سلبي – ميعاد الإلغاء، الإدارة أخطرت طالب الترخيص
بعدم مطابقة مشروع الصيدلة المقدم منه لشرط المسافة القانونية – تقديم مستندات جديدة
لذات الموضوع – هذه المستندات ظلت تحت نظر الجهة الإدارية دون أن ترد عليها حتى رفع
الدعوى – هذا الموقف من الجهة الإدارية يشكل امتناعاً عن إصدار قرار بالموافقة على
فتح الصيدلية – هذا القرار السلبي بوصف كونه مستمراً يجوز في أي وقت الطعن فيه بالإلغاء.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس الموافق 4/ 6/ 1981 أودعت إدارة قضايا الحكومة –
نائبة عن وزير الصحة باعتباره الرئيس الأعلى لشئون الصيدليات ومدير قسم الرخص الطبية
والصيدليات بوزارة الصحة – قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد برقم 1577
لسنة 27 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (دائرة منازعات الأفراد
والهيئات) بجلسة 7/ 4/ 1981 في الدعوى رقم 1976 لسنة 34 القضائية المقامة من صافيناز
عبد الهادي محمد ضد الطاعنين والقاضي برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً وبإلغاء القرار
المطعون فيه وإلزام الجهة الإدارية بالمصروفات، وطلب الطاعنان – للأسباب الواردة بتقرير
الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء أصلياً
بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها مع إلزام المطعون ضدها المصروفات.
وقد أعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدها بتاريخ 15/ 8/ 1981 وقدمت هيئة مفوضي الدولة
تقريراً بالرأي القانوني مسبباً ارتأت به الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً مع
إلزام الجهة الإدارية بالمصروفات.
ونظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بجلسة 20/ 12/ 1982 وفيها قررت الدائرة
إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الأولى) لنظره بجلسة 8/ 1/ 1983.
وقد نظرته المحكمة بهذه الجلسة وتداول نظره بالجلسات على النحو المبين بمحاضرها وبعد
أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها
صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أن صافيناز عبد
الهادي محمد أقامت بتاريخ 7/ 7/ 1980 الدعوى رقم 1976 لسنة 34 القضائية أمام محكمة
القضاء الإداري (دائرة منازعات الأفراد والهيئات) ضد وزير الصحة باعتباره الرئيس الأعلى
لشئون الصيدليات ومدير قسم الرخص الطبية والصيدليات بوزارة الصحة، وطلبت الحكم بإلغاء
قرار رفض الترخيص لها بافتتاح صيدلية واعتبار أن المسافة بالنسبة إلى أقرب صيدلية إنما
يجري قياسها بين صالتي البيع مع إلزام الجهة الإدارية المصروفات، وقالت المدعية شرحاً
لدعواها إنها استأجرت المحل الكائن بأسفل العقار رقم 513 بشارع طارق بن زياد بأرض الجمعية
بمدينة إمبابة وقامت بتجهيزه بما يلزم لاستعماله كصيدلية ولما تقدمت بطلب الترخيص لها
بافتتاح الصيدلية رفضت إدارة الرخص بوزارة الصحة إصدار الترخيص بمقولة عدم توافر المسافة
القانونية بين المكان الذي جهزته المدعية وبين صيدلية أخرى مجاورة باسم صيدلية الجبروتي
برقم 409 بشارع عمر ابن الخطاب بأرض الجمعية بمدينة إمبابة وقالت المدعية إن الإدارة
قامت بقياس المسافة بين نهاية الصيدلية المذكورة وبين بداية المكان الذي أعدته المدعية
لاستعماله صيدلية مع أن الأصل في قياس المسافة هو بإجرائه من منتصف مدخل الصيدلية القائمة
إلى منتصف مدخل المكان المطلوب الترخيص باستعماله صيدلية وخلصت المدعية إلى طلباتها
سالفة البيان, وردت إدارة قضايا الحكومة على الدعوى فدفعت بعدم قبولها شكلاً لرفعها
بعد الميعاد تأسيساً على أن المدعية أبلغت بالقرار المطعون فيه بتاريخ 12/ 5/ 1979
ولم تقم برفع دعواها إلا في 7/ 7/ 1980، وفي خصوص الموضوع طلبت رفض الدعوى استناداً
إلى أن القانون رقم 127 لسنة 1955 – في شأن مزاولة مهنة الصيدلة لم يحدد طريقة معينة
لقياس المسافة بين الصيدلية المطلوب الترخيص بها, وأقرب صيدلية مرخص بها وذكرته المستندات
المقدمة من إدارة قضايا الحكومة أن المسافة بين الجدار الخارجي لمشروع صيدلية المدعية
وجدار صيدلية الجبروتي المجاورة لها أقل من 100 متر متر.
وقد صدر الحكم المطعون فيه مشيداً قضاءه في رفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها
بعد الميعاد، على أن حقيقة طلبات المدعية هي إلغاء القرار السلبي برفض منحها ترخيص
تشغيل الصيدلية موضوع النزاع، والقرارات السلبية بالامتناع عن إصدار قرار معين هي من
القرارات المستمرة التي يجوز الطعن فيها في أي وقت لأن هذه القرارات تتجدد من وقت إلى
آخر على الدوام، وعن موضوع الدعوى قالت المحكمة إن رفض منح الترخيص للمدعية قائم على
أساس أن المسافة بين مشروع صيدلية المدعية وبين أقرب صيدلية مرخص بها يقل عن مائة متر
إذ لا يتجاوز 95 متراً فقط وقد جرى قياس هذه المسافة بين الجدار الخارجي للصيدلية المطلوب
الترخيص بها وجدار صيدلية الجبروتي المجاورة لها في حين أن الضابط الصحيح لقياس تلك
المسافة في ضوء الغاية من تقريرها وما ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 127 لسنة
1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة من أن المشرع أفسح المجال لإنشاء الصيدليات وزيادة عددها
ولذلك فإن من طبائع الأمور أن تحسب المسافة القانونية بين محوري مدخلي الصيدليتين لأن
المدخل دون غيره هو الذي ينفذ منه طالب الدواء إلى الصيدلية وخلصت المحكمة إلى أن المعيار
الذي طبقته الجهة الإدارية في قياس المسافة المذكورة هو معيار مخالف للتفسير السليم
للمادة 30 من القانون رقم 127 لسنة 1955 وهي المادة التي نصت على الشروط الواجبة للترخيص
بإنشاء الصيدليات العامة ومن ضمنها الشرط الخاص بتلك المسافة وانتهت المحكمة إلى قضائها
السالف بيانه.
ومن حيث إن الطعن الماثل ينعى على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه
وتأويله ذلك أن تكييف طلبات المدعية على أنها تهدف إلى إلغاء قرار سلبي بالامتناع عن
الترخيص لها بتشغيل الصيدلية مثار النزاع، هو تكييف خاطئ لأن الجهة الإدارية قد أخطرتها
بما يفيد عدم الموافقة على طلبها المقدم في هذا الشأن وكان هذا الإخطار بتاريخ 12/
5/ 1979 حيث ردت لها المستندات المقدمة فيها لعدم المطابقة وأخطرت بأن المسافة بين
صيدليتها وأقرب صيدلية مجاورة لها هي 95 متراً فقط، وهذا يعني صدور قرار صريح برفض
طلبها يتعين الوقوف عنده في حساب ميعاد دعوى الإلغاء وحتى لو أخذت في الاعتبار تاريخ
إيداعها مستندات جديدة لذات المشروع في 1/ 10/ 1979 فإن ميعاد رفع دعوى الإلغاء يكون
قد فات لأن الدعوى الماثلة لم ترفع إلا بتاريخ 7/ 7/ 1980 وعن موضوع الدعوى فإن القانون
رقم 127 لسنة 1955 المشار إليه لم يحدد ضابطاً معيناً لقياس المسافة بين مشروع الصيدلية
الجديدة وبين أقرب صيدلية مجاورة لها بما يعني ترك هذه المسألة لسلطة الجهة الإدارية
طبقاً لظروف كل حالة على حدة وفي حدود المصلحة العامة التي تقتضي أن يؤخذ في الاعتبار
إجراء القياس على أساس البعد بين المسطح الخارجي لكل من الصيدليتين وليس البعد بين
منتصف مدخليهما ومعيار الاعتداد بالأبواب يثير بعض الصعوبات كما لو وجد للصيدلية أكثر
من باب كما أنه يجوز نقل مكان الباب بعد الترخيص والعودة به إلى الوضع المخالف، وخلص
تقرير الطعن من ذلك إلى طلباته السابق بيانها.
ومن حيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها بعد الميعاد، فإنه لا خلاف على
أن المدعية قد أخطرت في 12/ 5/ 1979 بعدم مطابقة مشروع الصيدلية المقدم منها لشرط المسافة
القانونية وقد ورد بتقرير الطعن أن المدعية أودعت مستندات جديدة لذات المشروع بتاريخ
1/ 10/ 1979 ولم تقم الجهة الإدارية بالرد على هذه المستندات الجديدة حتى تاريخ رفع
الدعوى في 7/ 7/ 1980، ومن ذلك يتضح أن المدعية في سبيل توفيق الأوضاع اللازمة لمطابقة
الشروط اللازمة لصدور الترخيص بفتح الصيدلية، عادت وقدمت مستندات جديدة لذات المشروع،
وظلت هذه المستندات تحت نظر الجهة الإدارية دون أن ترد عليها حتى قامت المدعية برفع
دعواها في التاريخ المشار إليه وهذا الموقف من جانب الجهة الإدارية يشكل امتناعاً عن
إصدار قرار بالموافقة على فتح الصيدلية وهو ما عبر عنه الحكم المطعون فيه، بوجود قرار
سلبي برفض منح المدعية الترخيص بتشغيل الصيدلية ومن ثم يكون هذا الحكم على صواب وإذ
قضى بأن هذا القرار السلبي بوصف كونه مستمراً يجوز في أي وقت الطعن فيه بالإلغاء ورتب
على ذلك رفض الدفع المشار إليه.
ومن حيث إنه عن الموضوع فإن الخلاف يدور حول كيفية حساب المسافة التي ينص عليها القانون
رقم 127 لسنة 1955 في شأن مزاولة مهنة الصيدلة والتي يلزم توافرها بين الصيدلية المطلوب
الترخيص بها وأقرب صيدلية مرخص بها إذ تتمسك الجهة الإدارية بحساب تلك المسافة بين
أقرب جدار لكل من هاتين الصيدليتين وقد وجدت المسافة على هذا الأساس في المنازعة الماثلة
لا تزيد عن 95 متراً بينما يأخذ الحكم المطعون فيه بمعيار المسافة بين محوري باب كل
من الصيدليتين وقد أوضحت إدارة قضايا الحكومة بمحضر جلسة 29/ 10/ 1983 أمام هذه المحكمة
أن المسافة بين هذين المحورين في المنازعة الماثلة هي 101 متراً.
ومن حيث إن المادة 30 من القانون رقم 127 لسنة 1955 المشار إليه قد تضمنت الشروط الواجبة
للترخيص بالصيدليات العامة ومنها أن "يراعى ألا تقل المسافة بين الصيدلية المطلوب الترخيص
بها وبين أقرب صيدلية مرخص بها عن مائة متر" وجاء بالمذكرة الإيضاحية في صدد هذه الصيدليات
أنها "تعتبر أهم المؤسسات الصيدلية ولها مركز الصدارة في أحكام المشروع لأنها المصدر
الوحيد الذي يستوفي منه جمهور المرضى حاجته من الدواء ولهذا أفسح المشروع مجال إنشاء
الصيدليات وزيادة عددها بعد أن كان القانون القائم يخصص لكل اثني عشر ألفاً من السكان
صيدلية واحدة، وجعل المشروع حق فتح الصيدليات مباحاً مع مراعاة ألا تقل المسافة بين
صيدلية وأخرى عن مائة متر "وقد جرى قضاء هذه المحكمة بأن الفهم المستفاد من حكم المادة
30 المذكورة مفسراً بما ورد في المذكرة الإيضاحية أن المشرع فتح الباب لزيادة عدد الصيدليات
العامة مستهدفاً في المقام الأول صالح الجمهور مستهلك الدواء بتيسير سبل الحصول عليه
ومراعياً في الوقت ذاته المحافظة على صالح المزاولين لمهنة الصيدلة حتى يتوفر الدواء
للراغبين فيه في جو بعيد عن المنافسة غير المشروعة في هذه المهنة ذات الطابع المتميز
لارتباطها الوثيق بصحة وحياة المرضى، وعلى ذلك يتعين فهم شرط المسافة وتحديد ضوابط
حسابه على هدي ما ابتغاه المشرع من زيادة عدد الصيدليات العامة بقصد تيسير حصول الجمهور
على الدواء ومقتضى هذا الفهم أن تحدد المسافة الفعلية التي يسلكها الجمهور في سعيه
إلى الصيدلية حسب خط السير الطبيعي للمشاة في الطريق العام وبمراعاة المواضع المحددة
لعبور المشاة فيه تبعاً لمقتضيات المرور وما إلى ذلك من اعتبارات واقعية حسب ظروف كل
حالة، كما أنه من طبائع الأمور أن تحسب المسافة القانونية بمقدار البعد بين محوري مدخل
الصيدليتين بحسبان أن مدخل الصيدلية دون غيره هو الذي ينفذ منه طالب الدواء إلى الصيدلية
لشرائه من المكان المخصص لبيعه.
ومن حيث إنه ترتيباً على ما تقدم يكون شرط المسافة المشار إليها متوافراً بصدد المنازعة
الماثلة ويكون الحكم المطعون فيه على صواب حين أخذ بمعيار قياسها على أساس البعد بين
محوري مدخلي الصيدليتين ومقداره في هذه المنازعة 101 متراً طبقاً لما سبق بيانه، ومن
ثم يكون الطعن الموجه إلى هذا الحكم قائماً – بكامل أجزائه – على غير أساس سليم من
القانون ويتعين القضاء برفضه وإلزام الجهة الإدارية مصروفات الطعن.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وألزمت الجهة الإدارية مصروفات الطعن.
