الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 822 لسنة 3 ق – جلسة 22 /06 /1957 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثالث (من أول يونيه إلى آخر سبتمبر سنة 1957) – صـ 1218

جلسة 22 من يونيه سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 822 لسنة 3 القضائية

( أ ) الاتحاد القومي – اعتباره هيئة مستقلة ذات وظيفة دستورية خاصة – استقلاله عن السلطة التنفيذية وعن سائر السلطات – قيامه بمهمة الترشيح لعضوية مجلس الأمة.
(ب) الاتحاد القومي – عملية الترشيح لمجلس الأمة – ليس للسلطة التنفيذية أو السلطة القضائية أي اختصاص يؤثر تأثيراً قانونياً فيها.
(جـ) الاتحاد القومي – ليس للمديريات والمحافظات اختصاص ذو أثر قانوني في ذات عملية الترشيح لمجلس الأمة أو في نتيجتها – ما تقوم به من إجراءات في هذا الصدد ليس سوى معاونة للاتحاد القومي ولحسابه.
(د) مجلس الأمة – اختصاص محكمة النقض في صدد تحقيق صحة عضويته هو من قبيل المعاونة له ولحسابه في حدود معينة.
(هـ) الاتحاد القومي – عملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة عملية متراكبة تبدأ بصدور القرار بدعوة الناخبين وتنتهي بصدور قرار الاتحاد القومي بتعيين المرشحين للعضوية – الاتحاد القومي هو صاحب الولاية بحكم وظيفته الدستورية في النظر والمراجعة والتعقيب على تلك العملية في جميع عناصرها – إذا تعسفت الجهة الإدارية في عدم قبول أوراق الترشيح فلصاحب الشأن أن يتظلم إلى الاتحاد القومي، بل على الجهة الإدارية أن تثبت اعتراض صاحب الشأن وأن ترسل الأوراق بحالتها للاتحاد القومي للتصرف في الترشيح.
1 – تنص المادة 192 من دستور جمهورية مصر على أن "يكون المواطنون اتحاداً قومياً للعمل على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة ولحث الجهود لبناء الأمة بناء سليماً من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويتولى الاتحاد القومي الترشيح لعضوية مجلس الأمة. وتبين طريقة تكوين هذا الاتحاد بقرار من رئيس الجمهورية.". ويبين من ذلك أن الاتحاد القومي هو هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن سائر السلطات، تقوم بوظيفة دستورية على الوجه المحدد في تلك المادة، وأن الاتحاد القومي بهذه المثابة وعلى هذا الأساس يتولى الترشيح لعضوية مجلس الأمة، وقد أكدت ذلك المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 246 لسنة 1956 الخاص بعضوية مجلس الأمة.
2 – إن الدستور الجديد رسم الحدود وأقام الفواصل في شأن الترشيح لعضوية مجلس الأمة؛ فقصد أن يعهد إلى الاتحاد القومي – تلك الهيئة المستقلة ذات الوظيفة الدستورية الخاصة – بعملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة؛ للحكمة الدستورية المشار إليها في نص المادة 192 من الدستور وفي المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 246 لسنة 1956 الخاص بعضوية مجلس الأمة. وغني عن البيان أنه أراد أن يبعد تلك العملية عن السلطة التنفيذية؛ بحيث لا يكون لهذه السلطة أي اختصاص يؤثر تأثيراً قانونياً فيها، كما أراد في الوقت ذاته أن يبعدها عن ساحة القضاء لذات العلة، وما نص المادة الثامنة من القانون رقم 246 لسنة 1956 الذي يقضي بأن يكون قرار الاتحاد القومي في هذا الشأن نهائياً غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن إلا ترديداً لهذا الأصل الدستوري.
3 – إن القانون رقم 246 لسنة 1956 الخاص بعضوية مجلس الأمة ناط بالمديريات والمحافظات القيام ببعض الإجراءات في مراحل عملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة، ونشاطها في هذا الصدد لا يعدو أن يكون من قبيل المعاونة للاتحاد القومي ولحسابه بالإعداد والتحضير، شأنها في ذلك شأن كل هيئة معاونة لسلطة أخرى دون أن يكون لها اختصاص ذو أثر قانوني في ذات العملية أو في نتيجتها.
4 – إن القانون قد ناط بمحكمة النقض التحقيق في صحة عضوية مجلس الأمة بناء على طلب رئيس هذا المجلس، ونشاطها في هذا الصدد هو نشاط من قبيل المعاونة لمجلس الأمة ولحسابه في حدود معينة يمهد له، وهو السلطة صاحبة الاختصاص في الفصل في صحة العضوية الذي يختص وحده بالفصل في صحة الطعون المقدمة إليه طبقاً للمادة 89 من الدستور.
5 – إن عملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة هي من العمليات المتراكبة، تبدأ بصدور قرار رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين إلى الانتخاب وتنتهي بصدور قرار الاتحاد القومي بتعيين المرشحين للعضوية، وخلال ذلك تتم الإجراءات التي تتداخل في العملية وتتوشجها وتعتبر من عناصرها بحكم الاقتضاء؛ كتقديم طلبات الترشيح، وإيداع التأمين، وتقييد تلك الطلبات في سجل خاص، وإحالة الأوراق إلى الاتحاد القومي على الوجه وفي المواعيد المحددة لذلك قانوناً. وليس ثمة شك في أن الاتحاد القومي هو صاحب الولاية بحكم وظيفته الدستورية في النظر والمراجعة والتعقيب على تلك العملية في جميع عناصرها وأشطارها، يعقب بولايته تلك – التي لا تشاركه فيها أية سلطة أخرى في الاختصاص ذي الأثر القانوني – تعقيباً نهائياً؛ وبهذه المثابة إذا صح في الجدل أن الجهة الإدارية قد تعسفت في عدم قبول أوراق الترشيح بدون وجه حق فإن للطالب أن يتظلم إلى الاتحاد القومي، ولهذا الأخير – بحكم تلك الولاية – أن ينظر في هذا التظلم، لا يحد ولايته في ذلك امتناع الجهة الإدارية عن قبول الأوراق، هذا الامتناع الذي لا يمكن أن يكون له أثر قانوني على الاتحاد ذاته، والذي هو في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون مجرد عمل مادي غير ملزم للاتحاد، ولا يحول دون لجوء ذوي الشأن إليه بطريق التظلم، إن كان لهم في ذلك وجه حق، بل المفروض على الجهة الإدارية – حتى ولو كان لها اعتراض على ترشيحه – أن تثبت الاعتراض، وأن ترسل الأوراق بحالتها للاتحاد القومي ليتصرف في الترشيح بمقتضى ولايته المشار إليها.


إجراءات الطعن

في 12 من يونيه سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 822 لسنة 3 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) بجلسة 4 من يونيه سنة 1957 في طلب وقف التنفيذ المقدم في الدعوى رقم 920 لسنة 11 القضائية المقامة من الأستاذ محمود حسن محمد ندا المحامي ضد كل من مديرية الدقهلية، ووزارة الداخلية، القاضي "برفض الدفعين بعدم الاختصاص وعدم القبول، وباختصاص المحكمة بنظر طلب وقف التنفيذ وقبوله، وفي الموضوع بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه"، وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر هذه المنازعة، وإلزام المدعي المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى كل من مديرية الدقهلية ووزارة الداخلية والمطعون عليه في 13 من يونيه سنة 1957، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 15 من يونيه سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم، مع الترخيص في تقديم مذكرات في يومين.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون عليه أقام الدعوى رقم 920 لسنة 11 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 27 من مايو سنة 1957 ذكر فيها أنه تقدم في 22 من مايو سنة 1957 وفقاً للقانونين رقمي 246 لسنة 1956 و110 لسنة 1957 للترشيح لعضوية مجلس الأمة عن دائرة قسم أول بندر المنصورة مستوفياً مسوغات القبول، وفي 23 من مايو سنة 1957 أصدر مدير الدقهلية قراراً برفض قبول ترشيحه تأسيساً على عدم توافر الشروط القانونية فيه، وفي 25 من مايو سنة 1957 رفع تظلماً من هذا القرار إلى وزير الداخلية الذي أبلغه شفاهاً بتأييده للقرار. ومن أجل هذا فإنه يطعن في قرار رفض قبول ترشيحه الصادر في 23 من مايو سنة 1957؛ لأن شروط قبول الترشيح لعضوية مجلس الأمة متوافرة فيه، ولأن توافر هذه الشروط يلزم المديرية بقبول ترشيحه. ولما كان تنفيذ قرار رفض قبول ترشيحه تترتب عليه نتائج لا يمكن تداركها لفوات مواعيد قبول طلبات الترشيح لعضوية مجلس الأمة التي تنتهي قانوناً في يوم 28 من مايو سنة 1957 فإنه يطلب: أولاً – الحكم بصفة مؤقتة بوقف تنفيذ قرار مدير الدقهلية برفض قبول ترشيحه لعضوية مجلس الأمة عن دائرة قسم أول بندر المنصورة الصادر في 23 من مايو سنة 1957 وإلزامه بقبول هذا الترشيح. وثانياً. – الحكم في الموضوع بإلغاء القرار الصادر في 23 من مايو سنة 1957 برفض قبول ترشيحه لعضوية مجلس الأمة عن الدائرة المذكورة، وإلزام مديرية الدقهلية ووزارة الداخلية بقبول الترشيح. وثالثاً – الحكم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل وبنسخة الحكم الأصلية. وقد دفعت الحكومة هذه الدعوى: (أصلياً) بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظرها طبقاً لنص المادتين 17 و18 من القانون رقم 246 لسنة 1956 بإصدار قانون عضوية مجلس الأمة المعدل بالقانون رقم 110 لسنة 1957؛ لأن هذا الاختصاص هو لمحكمة النقض ثم لمجلس الأمة الذي أسند إليه وحده، دون محكمة القضاء الإداري، الاختصاص النهائي في البت في صحة عملية الانتخاب، و(احتياطياً) بعدم قبول الدعوى لعدم نهائية القرار الصادر برفض قبول ترشيح المدعي وعدم جواز الطعن فيه بالتالي؛ لأنه لا يحدد له مركزاً قانونياً نهائياً، و(من باب الاحتياط الكلي) برفض الطعن مع إلزام رافعه بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة؛ لأن المدعي ممن سبق أن اعتقلوا في سبتمبر سنة 1952، الأمر الذي يمنع من ترشيحه لعضوية مجلس الأمة طبقاً للقانون رقم 110 لسنة 1957، فضلاً عن أنه لا جدية للطعن ولا استعجال فيه ولا خطر في الأمر لا يمكن تدارك نتائجه. وبجلسة 4 من يونيه سنة 1957 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة الأولى) في طلب وقف التنفيذ المقدم في هذه الدعوى "برفض الدفعين بعدم الاختصاص وعدم القبول، وباختصاص المحكمة بنظر طلب وقف التنفيذ وقبوله، وفي الموضوع بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه". وأقامت قضاءها في هذا على أن النزاع في هذه الدعوى متعلق بقرار إداري نهائي سابق على عملية الانتخاب لعضوية مجلس الأمة، وأن اختصاص محكمة النقض لا يتأتى إلا بعد تمام تلك العملية، وأنه يبين من الأوراق التي قدمتها الحكومة أن اعتقال المدعي في 3 من سبتمبر سنة 1952 لم يكن بناء على أمر من السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية، بل كان على ذمة القوات المسلحة بناء على طلب إدارة المخابرات العامة؛ ومن ثم فإنه لا يكون من الأشخاص الذين يجوز لوزير الداخلية وضعهم تحت التحفظ الإداري. وبالتالي لا يجوز حرمانه من الترشيح لعضوية مجلس الأمة لهذا السبب، ويكون قرار مديرية الدقهلية برفض قبول أوراق الترشيح منه مخالفاً للقانون بحسب الظاهر من الأوراق، ويتعين إجابته إلى طلب وقف التنفيذ لما يترتب على عدم قبول أوراق ترشيحه الآن من نتائج يتعذر تداركها. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 12 من يونيه سنة 1957 طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر هذه المنازعة، وإلزام المدعي بالمصروفات"، واستند في أسباب طعنه إلى أن الدستور الجديد رأى لمعالجة المساوئ التي تمخض عنها تطبيق دستور سنة 1923 وقانون الانتخاب القديم أن يعهد بالترشيح لمجلس الأمة إلى هيئة شعبية يكونها المواطنون وهي الاتحاد القومي حتى يقتصر؛ الترشيح على العناصر الصالحة الممتازة، فولاية الترشيح لمجلس الأمة بنص الدستور هي للاتحاد القومي دون أية هيئة أو سلطة أخرى. وقد نص القانون رقم 246 لسنة 1956 في مادته الثامنة على أن يعد الاتحاد القومي كشفاً بأسماء المرشحين الذين لا اعتراض له عليهم في كل دائرة انتخابية، ويكون قراره في هذا الشأن نهائياً غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن؛ ومن ثم فإن جميع جهات القضاء معزولة عن نظر كل منازعة يكون موضوعها الطعن في القرارات المتعلقة بالترشيح لعضوية مجلس الأمة، ومن باب أولى يكون موضوعها الطعن في الإجراءات التي تسبق هذه القرارات؛ وعلى هذا فإن المنازعة الراهنة تخرج عن ولاية القضاء عموماً. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد وقع مخالفاً للقانون متعيناً الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا. وقد أودع المدعي سكرتيرية المحكمة في 19 من يونيه سنة 1957 مذكرة بملاحظاته قال فيها إن النزاع يدور حول قبول أو رفض أوراق الترشيح، وهو إجراء مستقل سابق على مهمة الاتحاد القومي، والقرار فيه نهائي؛ لأن مهمة الاتحاد تنحصر في تصفية ما يعرض عليه من طلبات بالطريق القانوني وفي الميعاد المقرر بوساطة المدير أو المحافظ خاصة بالمرشحين المستوفين للشكل الذي حدده القانون رقم 246 لسنة 1956. ولما كان الاتحاد القومي هيئة شعبية ذات اختصاص خاص محدد فإنه لا شأن له ببحث توافر الشكل في طلبات الترشيح ومسوغاتها ولا يبحث صحة هذه المسوغات. وقد نص القانون المشار إليه على أن أوراق الترشيح تقدم إلى المدير أو المحافظ الذي يجب عليه قيدها في السجلات متى توافر فيها الشكل المتطلب قانوناً، وتوافر هذا الشكل يوجب على المدير أو المحافظ قبول أوراق الترشيح دون أن يكون له الحق في تعدي نطاق القانون والبحث في صحة شروط العضوية؛ لأن هذا البحث يدخل في نطاق اختصاص محكمة النقض، كما يلزمه بإحالة أوراق الترشيح إلى الاتحاد القومي ليعمل فيها اختصاصه وفقًا للدستور. وقرار المدير في هذا الصدد ليس بطبيعته إجراء تحضيرياً لعمل الاتحاد، بل هو قرار إداري صادر من سلطة إدارية جعل القانون لها اختصاصاً محدداً بنطاقه، وهذا الاختصاص لا يتداخل مع اختصاص الاتحاد القومي؛ إذ يتناول مرحلة سابقة على عمل الاتحاد ويبت فيها بإجراء مستقل نهائي بمقتضى قرار يخضع الطعن فيه لولاية القضاء الإداري؛ لكونه يحدث أثراً قانونياً في مركز طالب الترشيح يستحيل معه عرض أوراق ترشيحه على الاتحاد القومي الذي يتحدد اختصاصه ببحث صلاحية من قدمت إليه أوراق ترشيحهم فحسب. ولم ينص الدستور أو القانون على إجازة الطعن في قرار المدير أو المحافظ برفض قبول الترشيح أو التظلم من هذا القرار أمام الاتحاد القومي، بل على النقيض من ذلك قضى بأن لا سبيل إلى الاتحاد إلا بعد قبول أوراق الترشيح وبالطريق الذي رسمه القانون، هذا إلى أن قرار مدير الدقهلية المطعون فيه جاء مخالفاً للقانون؛ لأن المدعي لم يعتقل بناء على قرار من السلطة القائمة على إجراء الأحكام العرفية في المدة من 22 من يوليه سنة 1952 حتى تاريخ العمل بالدستور الجديد، بل قبض عليه خطأ بناء على بلاغ كاذب وذلك على ذمة القوات المسلحة كطلب إدارة المخابرات العامة، الأمر الذي يتعين معه تأييد حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه مع إلزام مدير الدقهلية برفع أوراق ترشيح المدعي إلى الاتحاد القومي. وجاء بمذكرة الحكومة الأخيرة أن أوراق ترشيح المدعي عرضت على الاتحاد القومي ولم يوافق على ترشيحه.
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء بحث ما إذا كان لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري اختصاص وظيفي بنظر هذه المنازعة أم لا.
ومن حيث إن المادة 192 من دستور جمهورية مصر تنص على أن "يكون المواطنون اتحاداً قومياً للعمل على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة ولحث الجهود لبناء الأمة بناءً سليماً من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويتولى الاتحاد القومي الترشيح لعضوية مجلس الأمة. وتبين طريقة تكوين هذا الاتحاد بقرار من رئيس الجمهورية".
ومن حيث إنه يبين من ذلك أن الاتحاد القومي هو هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن سائر السلطات تقوم بوظيفة دستورية على الوجه المحدد في تلك المادة، وأن الاتحاد القومي بهذه المثابة وعلى هذا الأساس يتولى الترشيح لعضوية مجلس الأمة. وقد أكدت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 246 لسنة 1956 الخاص بعضوية مجلس الأمة ذلك؛ إذ بعد أن استهلت المذكرة بالإشارة إلى المساوئ التي كانت تشوب الحياة النيابية في عهود ما قبل الثورة، وبوجه خاص ضعف السلطة التشريعية إزاء السلطة التنفيذية وعدم جدية الرقابة على أعمالها، ذكرت ما يلي: "ولذلك رأى الدستور الجديد أن يعهد بالترشيح إلى هيئة شعبية يكونها المواطنون وهي الاتحاد القومي حتى يقتصر الترشيح لعضوية مجلس الأمة على العناصر الصالحة الممتازة، وكان لزاماً إزاء هذا الوضع الجديد إعداد مشروع القانون المرافق متضمناً الوسائل التي من شأنها معالجة تلك المساوئ".
ومن حيث إنه يخلص من ذلك أن الدستور الجديد رسم الحدود وأقام الفواصل في هذا الشأن، فقصد أن يعهد إلى تلك الهيئة المستقلة ذات الوظيفة الدستورية الخاصة بعملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة؛ للحكمة الدستورية المشار إليها فيما تقدم. وغني عن البيان أنه أراد أن يبعد تلك العملية عن السلطة التنفيذية بحيث لا يكون لهذه السلطة أي اختصاص يؤثر تأثيراً قانونياً فيها، كما أراد في الوقت ذاته أن يبعدها عن ساحة القضاء لذات العلة، وما نص المادة الثامنة من القانون رقم 246 لسنة 1956 الذي يقضي بأن يكون قرار الاتحاد القومي في هذا الشأن نهائياً غير قابل للطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن إلا ترديداً لهذا الأصل الدستوري. وإذا كان القانون المشار إليه قد ناط بالمديريات والمحافظات القيام ببعض الإجراءات في مراحل العملية فهو نشاط لا يعدو أن يكون من قبيل المعاونة للاتحاد القومي ولحسابه بالإعداد والتحضير، شأنها في ذلك شأن كل هيئة معاونة لسلطة أخرى دون أن يكون لها اختصاص ذو أثر قانوني في ذات العملية أو في نتيجتها، وكذلك إذا كان القانون قد ناط بمحكمة النقض التحقيق في صحة عضوية مجلس الأمة بناء على طلب رئيس هذا المجلس، فإن هذا بدوره هو نشاط من قبيل المعاونة لمجلس الأمة ولحسابه في حدود معينة يمهد له، وهو السلطة صاحبة الاختصاص في الفصل في صحة العضوية الذي يختص وحده بالفصل في صحة الطعون المقدمة إليه طبقاً للمادة 89 من الدستور.
ومن حيث إن عملية الترشيح لعضوية مجلس الأمة هي من العمليات المتراكبة، تبدأ بصدور قرار رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين إلى الانتخاب، وتنتهي بصدور قرار الاتحاد القومي بتعيين المرشحين للعضوية، وخلال ذلك تتم الإجراءات – التي تتداخل في العملية وتتوشجها وتعتبر من عناصرها بحكم الاقتضاء؛ كتقديم طلبات الترشيح، وإيداع التأمين، وتقييد تلك الطلبات في سجل خاص، وإحالة الأوراق إلى الاتحاد القومي على الوجه وفي المواعيد المحددة لذلك قانوناً. وليس ثمة شك في أن الاتحاد القومي هو صاحب الولاية بحكم وظيفته الدستورية في النظر والمراجعة والتعقيب على تلك العملية في جميع عناصرها وأشطارها، يعقب بولايته تلك – التي لا تشاركه فيها أية سلطة أخرى في الاختصاص ذي الأثر القانوني – تعقيباً نهائياً؛ وبهذه المثابة إذا صح في الجدل أن الجهة الإدارية قد تعسفت في عدم قبول أوراق الترشيح بدون وجه حق، فإن للطالب أن يتظلم إلى الاتحاد القومي، ولهذا الأخير بحكم تلك الولاية أن ينظر في هذا التظلم، لا يحد ولايته في ذلك امتناع الجهة الإدارية عن قبول الأوراق، هذا الامتناع الذي لا يمكن أن يكون له أثر قانوني على الاتحاد ذاته، والذي هو في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون مجرد عمل مادي غير ملزم للاتحاد ولا يحول دون لجوء ذوي الشأن إليه بطريق التظلم إن كان لهم في ذلك وجه حق، بل المفروض على الجهة الإدارية، حتى ولو كان لها اعتراض على ترشيحه، أن تثبت الاعتراض، وأن ترسل الأوراق بحالتها للاتحاد القومي ليتصرف في الترشيح بمقتضى ولايته المشار إليها.
ومن حيث إنه لما تقدم يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى، مع إلزام المدعي بمصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم المطعون فيه، وبعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى، وألزمت المدعي بمصروفاتها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات