الطعن رقم 973/ 72 لسنة 2/ 3 ق – جلسة 22 /06 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثالث (من أول يونيه إلى آخر سبتمبر سنة 1957) – صـ 1202
جلسة 22 من يونيه سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 973/ 72 لسنة 2/ 3 القضائية
اختصاص المحاكم الإدارية – العبرة باتصال الجهة الإدارية التابعة
للمحكمة بالمنازعة موضوعاً، ولو كان الموظف قد نقل منها قبل رفع الدعوى إلى جهة إدارية
أخرى – اختلاف الوضع إذا كان النقل راجعاً إلى حلول الجهة الثانية محل الجهة الأولى
في القيام على المرفق الذي كانت تتولاه هذه – مثال.
إن القانون عند تحديده دائرة اختصاص كل من المحاكم الإدارية جعل المناط في ذلك هو اختصاص
الجهة الإدارية التابعة للمحكمة بالمنازعة، أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية
الموظف لها عند إقامة الدعوى إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة أصلاً؛ فالعبرة
بالجهة الإدارية المتصلة بالمنازعة موضوعاً ولو كان الموظف قد نقل منها قبل رفع الدعوى
إلى جهة إدارية أخرى، إلا أنه إذا كان النقل إلى هذه الجهة الثانية راجعاً إلى حلولها
محل الجهة الأولى في القيام على المرفق الذي كانت تتولاه، فإنها تصبح بحكم القانون
هي المتصلة موضوعاً بالمنازعة نتيجة لهذا الحلول؛ ومن ثم إذا كان سبب المنازعة قد بدأ
حين كان المدعي موظفاً تابعاً لمجلس مديرية الشرقية، وقبل رفع الدعوى حلت وزارة التربية
والتعليم محل هذا المجلس في القيام على مرفق التعليم الذي كان يتولاه، فإن الدعوى تكون
من اختصاص المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم لا المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية.
إجراءات الطعن
في 28 من مارس سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم بجلسة 29 من فبراير سنة 1956 في الدعوى رقم 3933 لسنة 2 القضائية المرفوعة من إبراهيم بدوي ضد وزارة التربية والتعليم، القاضي "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية". وطلب رئيس هيئة المفوضين – للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن – الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء باختصاص المحكمة التي أصدرته بنظر الدعوى، وإحالتها إليها للفصل في موضوع المنازعة". وقد أعلن الطعن للحكومة في 16 من ديسمبر سنة 1956، وللمدعي في 26 من ديسمبر سنة 1956، وعين لنظره جلسة 16 من مارس سنة 1957، ومنها إلى جلسة 8 من يونيه سنة 1957 لنظره مع الطعن رقم 72 لسنة 3 القضائية المرفوع عن الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية في الدعوى رقم 383 لسنة 3 قضائية المقامة من المدعي ضد وزارة الداخلية، وفي الجلسة المذكورة قررت المحكمة ضم الطعن رقم 72 لسنة 3 القضائية لهذا الطعن للارتباط، وأرجأت الحكم فيها لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعنين قد استوفيا أوضاعهما الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من الأوراق، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى
رقم 3933 لسنة 2 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم طالباً الحكم
بإلغاء قرار وزارة الداخلية الصادر في أول مايو سنة 1948 بسحب الدرجة السابعة منه وإنزاله
إلى الدرجة الثامنة، مع صرف المبلغ الذي خصم منه تنفيذاً لهذا القرار والمعلى بالأمانات
بمجلس مديرية الشرقية، ومنحه العلاوات المستحقة له، ومنحه الدرجة السابعة من 7 من مارس
سنة 1953. وقال بياناً لذلك إنه حصل على شهادة الكفاءة للتعليم الأولى سنة 1926، والتحق
بخدمة مجلس مديرية الشرقية بوظيفة مدرس في 20 من أكتوبر سنة 1926، وقد طبقت عليه قواعد
الإنصاف، فاعتبر في الدرجة الثامنة من تاريخ تعيينه، ثم رقي للدرجة السابعة باعتباره
منسياً في أول يوليه سنة 1943، وفي أول مايو سنة 1948 صدر قرار من وزارة الداخلية بسحب
الدرجة السابعة وإعادته إلى الدرجة الثامنة. وقد تقدم زميلان للمدعي في مثل حالته إلى
محكمة القضاء الإداري طالبين إلغاء القرار الصادر بتنزيلهما إلى الدرجة الثامنة فقضى
لهما بطلباتهما، ولم يطبق هذا الحكم في شأنه. وقد رقي المدعي بعد ذلك إلى الدرجة السابعة
في أول نوفمبر سنة 1950. وقد ردت وزارة التربية والتعليم على الدعوى بأن المدعي نقل
إليها اعتباراً من أول مارس سنة 1951 تنفيذاً للقانون رقم 108 لسنة 1950، وقد تقدم
إلى المنطقة المختصة بمظلمة ملتمساً إعادته إلى الدرجة السابعة، فأرسلت المراقبة مظلمته
إلى مجلس مديرية الشرقية "فأعاد المجلس الأوراق بحجة عدم وجود مال يسمح بتسوية حالة
المدعي وزملائه". وبجلسة 29 من فبراير سنة 1956 حكمت المحكمة "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى،
وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية". وأقامت قضاءها على أن "تنظيم مجلس
الدولة الصادر به القانون رقم 165 لسنة 1955 – حين نص في المادة السادسة بأن تكون لكل
وزارة أو مصلحة عامة أو أكثر محكمة إدارية، وتحدد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس
مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الدولة، وحين نظم في المادة 13 اختصاص المحاكم
الإدارية عموماً فجعله متعلقاً بالطلبات والمنازعات، وحين نظم قرار رئيس مجلس الوزراء
الصادر في هذا الشأن دوائر اختصاص هذه المحاكم فجعلها منوطة بالمنازعات المتعلقة بوزارة
أو أكثر – لم يقصد أن يدخل هذا النوع من الاختصاص تحت أي نوع من أنواع الاختصاص المعروفة؛
إذ لا ينطبق عليه أي من هذه الأنواع، كما أنه لم يقصد أن ينزع من الخصومة أحد أركانها
وهو الخصم المدعى عليه، أو أن يخرج عن القاعدة الأصلية أن المدعي يسعى إلى المدعى عليه
في محكمته، بل استهدف – حسب دلالة الألفاظ وحسبما تغياه من توزيع الاختصاص – استحداث
نوع خاص جديد منه، فاستصحب الأصل المقرر من أحد أركان الخصومة الإدارية هو أطرافها
ومن أن المدعي يسعى إلى المدعى عليه في محكمته، فجعل الاختصاص منوطاً بالجهة الإدارية
المختصة في الطلبات، بمعنى أن المحكمة الإدارية لوزارة ما يتحقق اختصاصها كلما كانت
هذه الوزارة هي الخصم في الدعوى أو في جزء منها، دون نظر إلى تبعية الموظف لأي وزارة،
ويمكن تسمية هذا النوع من الولاية بالاختصاص الاختصامي أو الاختصاص المتعلق بالجهة
المختصة"، وأنه "في خصوصية هذه الدعوى، فإن الخصومة موجهة كأصل إلى وزارة الداخلية
ومجلس مديرية الشرقية؛ ومن ثم تختص المحكمة الإدارية لهذه الوزارة بنظر الدعوى، ويتعين
لذلك الحكم بعدم الاختصاص".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه واضح من نصوص القرار الذي أصدره السيد رئيس مجلس الوزراء
في 29 من مارس سنة 1955 – بتعيين عدد المحاكم الإدارية وتحديد دائرة اختصاص كل منها
– أن الضابط الذي التزمه في توزيع الاختصاص بين مختلف المحاكم الإدارية إنما يتعلق
بالوزارة أو المصلحة أو الجهة التي تتعلق بها المنازعة، وليس من شأن هذا الضابط أن
يرسم حدوداً واضحة دقيقة لاختصاص كل محكمة إدارية؛ بحيث يتحدد اختصاصها وحدها دون غيرها
بالمنازعات التي تنظرها؛ ذلك أن المنازعة الواحدة قد تتعلق في آن واحد بعدة وزارات
أو مصالح تخضع كل منها لاختصاص محكمة إدارية مختلفة، وفي هذه الحالة يتعين التسليم
باختصاص كل محكمة تتعلق المنازعة بإحدى الوزارات والمصالح التابعة لها. على أنه مهما
يكن من أمر، فإن كافة المنازعات الخاصة بالتسويات والتي يتأثر بها المركز الحالي للموظف
إنما تنصرف نتائجها إلى الوزارة أو المصلحة التي يتبعها الموظف، حتى ولو كانت متعلقة
بالأصل بحالته إبان تبعيته لوزارة أو مصلحة أخرى؛ وإذ ذهب الحكم المطعون غير هذا المذهب
فإنه يكون قد خالف القانون". وقد نظرت المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية الدعوى المحالة
إليها من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم فحكمت فيها بجلسة 2 من ديسمبر سنة
1956 "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى". وأقامت حكمها على أن "مقتضى نقل اختصاص مجالس المديريات
بشئون التعليم إلى وزارة التربية والتعليم أن تزول مجالس المديريات من الوجود كأداة
لإدارة مرفق التعليم الأولى لتستخلف عليه وزارة التربية والتعليم، ولا يكون بالتالي
لمجالس المديريات بعد صدور القانون رقم 108 لسنة 1950 أية صفة في تمثيل مرفق التعليم
الأولى، وتفقد هذه المجالس كل ولاية عليه، وتصبح وزارة التربية والتعليم الأداة الإدارية
لتمثيل المرفق في كل ما يتعلق به، سواء عن الماضي أو الحاضر أو المستقبل؛ ولا أدل على
ذلك من أنه بفرض صدور حكم من المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية بإلغاء قرار إداري بشأن
التعليم الأولي صادر من وزارة الداخلية أيام أن كان مرفق التعليم الأولي من اختصاص
مجالس المديريات التابعة لها، فإنه – بعد زوال اختصاص هذه المجالس بشئون التعليم الأولي
– لن توجد بهذه المجالس أداة إدارية تختص بتنفيذ الحكم؛ بإعمال مقتضى الإلغاء وإصدار
قرار جديد بدلاً من القرار الملغى، وإنما يقع عبء تنفيذ الحكم على الجهة الإدارية القائمة
على مرفق التعليم الأولي والمختصة قانوناً بشئونه وقت صدور الحكم، ألا وهي وزارة التربية
والتعليم"، وأنه "يبين مما تقدم أن لا اختصاص لمجالس المديريات في تمثيل مرفق التعليم
الأولي بعد صدور القانون رقم 108 لسنة 1950، وأن الخصم الحقيقي في الدعوى ذا الصفة
القانونية في تمثيل ذلك المرفق بعد صدور هذا القانون إنما هو وزارة التربية والتعليم،
فإن المنازعة المنطوية عليها هذه الدعوى تكون متعلقة بوزارة التربية والتعليم، وتختص
بنظرها المحكمة الإدارية لها…".
ومن حيث إن رئيس هيئة المفوضين قد أودع في 29 من ديسمبر سنة 1956 طعناً في ذلك الحكم
أقامه على أنه حتى ولو كان هذا الحكم صحيحاً على استقلال في نطاق الدعوى، فإنه قد أدى
بالمدعي إلى موقف جامد يبلغ حد الحرمان من التقاضي من جانب، كما أنه أقحم المحكمة فيما
يشبه الامتناع عن القضاء من جانب آخر، والحكم بهذه المثابة قد خالف القانون وأخطأ في
تأويله وتفسيره.
ومن حيث إن مثار المنازعة هو أي المحكمتين هي المختصة، بعد إذ حكمت كلتاهما بعدم الاختصاص،
فقام التنازع السلبي في هذا الأمر الذي لا يقبل التجزئة، وهل المناط في تحديد الاختصاص
هو تبعية الموظف للجهة الإدارية – وزارة كانت أو مصلحة عامة – عند رفع الدعوى، أم هو
اتصال تلك الجهة بالنزاع موضوعاً ولو كان الموظف لا يتبعها عند رفع الدعوى.
ومن حيث إنه سبق لهذه المحكمة أن قضت بجلسة 18 من مايو سنة 1957 في الطعن رقم 1758
لسنة 2 القضائية كما قضت في الطعن رقم 136 لسنة 2 القضائية بجلسة اليوم أن المناط في
تحديد اختصاص المحكمة الإدارية هو اتصال الجهة الإدارية بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية
الموظف لها عند إقامة الدعوى، إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة أصلاً، وهذا
هو الضابط الذي يتفق مع طبائع الأشياء ومع حسن سير المصلحة العامة؛ إذ الجهة الإدارية
المختصة بالنزاع، أي المتصلة به موضوعاً، هي بطبيعة الحال التي تستطيع الرد على الدعوى؛
بإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها وكذلك بتسوية النزاع صلحاً أو تنفيذ الحكم
في ميزانيتها عند الاقتضاء، وهي التي تستطيع نظر التظلمات الإدارية الوجوبية تطبيقاً
للفقرة الثانية من المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بتنظيم مجلس الدولة، باعتبار
أن الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار والهيئات الرئيسية بالنسبة لهذه الهيئة الإدارية
جميعها تتبع تلك الوزارة أو المصلحة المتصلة بموضوع النزاع، كما يؤكده كذلك فحوى المواد
21 و22 و24 و27 من القانون سالف الذكر؛ إذ هي في تنظيمها للإجراءات إنما عنت بالجهة
الإدارية التي تقام عليها الدعوى ويطلب إليها إيداع البيانات والملاحظات المتعلقة بالدعوى
والمستندات والملفات الخاصة بها، والتي تتصل بها هيئة مفوضي الدولة للحصول على ما يكون
لازماً لتهيئة الدعوى من بيانات وأوراق أو حضور مندوبيها لأخذ أقوالهم عنها أو تحقيق
وقائع متصلة بها أو عرض تسوية المنازعات عليها؛ ذلك أن فحوى تلك النصوص – في خصوص ما
تقدم جميعه – إنما يعني بداهة الوزارة أو المصلحة المتصلة بموضوع النزاع فعلاً، حسبما
سلف بيانه.
ومن حيث إنه ولئن كان سبب المنازعة يرجع إلى وقت كان فيه المدعي موظفاً تابعاً لمجلس
مديرية الشرقية، إلا أنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن نقل المدعي إلى وزارة التربية
والتعليم إنما يرجع إلى حلول تلك الوزارة محل مجلس المديرية في القيام على مرفق التعليم
الذي كانت تتولاه مجالس المديريات؛ وبهذه المثابة أصبحت الوزارة بحكم القانون هي المتصلة
موضوعاً بالمنازعة نتيجة لحلولها محل مجلس المديرية في هذا الشأن، وأصبح هذا المجلس
منبت الصلة بتلك المنازعة، بعد إذ زايله الاختصاص في القيام على المرفق المذكور. وغني
عن البيان أن هذا الوضع يختلف عن مجرد نقل الموظف من وزارة أو مصلحة إلى وزارة أو مصلحة
لم تحل إحداهما قانوناً محل الأخرى في القيام على المرفق العام؛ إذ تظل الجهة التي
نقل منها هي المختصة إدارياً بموضوع المنازعة إذا كان سببها يتصل بأداء المرفق الذي
تقوم عليه.
ومن حيث إنه لما تقدم يتعين قبول الطعن شكلاً، والقضاء بإلغاء الحكم الصادر من المحكمة
الإدارية لوزارة التربية والتعليم، وباختصاصها بنظر الدعوى، وبإحالة الدعوى إليها للفصل
فيها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبإلغاء الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة التربية والتعليم، وباختصاصها بنظر الدعوى، وبإحالة الدعوى إليها للفصل فيها.
