الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1758 لسنة 2 ق – جلسة 18 /05 /1957 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثاني (من أول فبراير إلى آخر مايو سنة 1957) – صـ 1062


جلسة 18 من مايو سنة 1957

برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.

القضية رقم 1758 لسنة 2 القضائية

( أ ) اختصاص – المناط في تحديد دائرة اختصاص كل محكمة إدارية هو اتصال الجهة الإدارية بالمنازعة موضوعاً، لا مجرد تبعية الموظف لهذه الجهة عند رفع الدعوى، ولو كان لا شأن لها بموضوع المنازعة أصلاً – دليل ذلك.
(ب) اختصاص – صدور حكم من محكمة إدارية بعدم اختصاصها وبإحالة الدعوى إلى محكمة إدارية أخرى – صيرورة هذا الحكم نهائياً – صدور حكم بعدم الاختصاص من المحكمة الثانية – الطعن فيه أمام المحكمة العليا – مثل هذا الطعن يثير مسألة التنازع السلبي بين المحكمتين وهو أمر لا يقبل التجزئة بما يقتضي التصدر للحكم الأول رغم نهائيته – القضاء بإحالة الدعوى إلى المحكمة الأولى إن اتضح أنها هي المختصة قانوناً.
1 – إن المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة تنص على أن "يكون لكل وزارة أو مصلحة عامة أو أكثر محكمة إدارية أو أكثر يعين عددها وتحدد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الدولة". وقد صدر هذا القرار في 29 من مارس سنة 1955 معيناً عدد تلك المحاكم ومحدداً دائرة اختصاص كل منها، وقد جعل المناط في تحديد هذه الدائرة هو اختصاص الجهة الإدارية بالمنازعة، أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية الموظف لها عند إقامة الدعوى، إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة أصلاً، وهذا هو الضابط الذي يتفق مع طبائع الأشياء ومع حسن سير المصلحة العامة؛ إذ الجهة الإدارية المختصة بالنزاع، أي المتصلة به موضوعاً، هي بطبيعة الحال التي تستطيع الرد على الدعوى بإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها وكذلك بتسوية المنازعة صلحاً أو بتنفيذ الحكم في ميزانيتها عند الاقتضاء؛ يؤكد كل ما تقدم مع وضوحه أن تلك الجهة الإدارية هي وحدها التي تستطيع نظر التظلمات الإدارية الوجوبية تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 12 من القانون المشار إليه، باعتبار أن الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار والهيئات الرئيسية بالنسبة لهذه الهيئة الإدارية جميعها تتبع تلك الوزارة أو المصلحة العامة المتصلة بموضوع النزاع، كما يؤكده كذلك فحوى المواد 21 و22 و23 و24 و27 من القانون سالف الذكر؛ إذ هي في تنظيمها للإجراءات إنما عنت بالجهة الإدارية التي تقام عليها الدعوى والتي تعلن إليها العريضة ومرفقاتها ويطلب إليها إيداع البيانات والملاحظات المتعلقة بالدعوى والمستندات والملفات الخاصة بها، والتي تتصل بها هيئة مفوضي الدولة للحصول على ما يكون لازماً لتهيئة الدعوى من بيانات وأوراق أو حضور مندوبيها لأخذ أقوالهم عنها أو تحقيق وقائع متصلة بها أو عرض تسوية المنازعات عليها – إن فحوى تلك النصوص في خصوص ما تقدم جميعه إنما تعني بداهة الوزارة أو المصلحة العامة المتصلة بموضوع النزاع فعلاً حسبما سلف بيانه. وعلى مقتضى ما تقدم فإن المحكمة الإدارية المختصة بنظر المنازعات الخاصة بوزارة الصحة العمومية تكون هي المختصة بنظر النزاع إذا ثبت أن تلك الوزارة هي المتصلة به موضوعاً، ولا شأن لوزارة الداخلية التي أصبح المدعي يتبعها عند رفع الدعوى.
2 – إذا كان الثابت أن المدعي قد رفع دعواه أمام المحكمة الإدارية لوزارة الصحة فقضت بعدم اختصاصها بنظرها بعد إذ رأت أن المحكمة المختصة هي المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية وأصبح هذا الحكم نهائياً، ولما طرح النزاع على هذه الأخيرة قضت بدورها بعدم اختصاصها بنظره، فطعن في الحكم الأخير أمام المحكمة الإدارية العليا التي استبانت أن النزاع يدخل في اختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الصحة – إذا ثبت ما تقدم فإن نهائية الحكم الصادر من محكمة الصحة لا يمنع المحكمة الإدارية العليا أن تحيل الدعوى إليها لتفصل في موضوعها؛ ذلك أن الطعن أمام المحكمة العليا في حكم المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية قد أثار بحكم اللزوم مسألة التنازع السلبي في الاختصاص برمته بين المحكمتين، وهو أمر لا يقبل التجزئة في ذاته؛ إذ جانباه هما الحكمان المتناقضان المتسلبان كلاهما من الاختصاص، فلا محيص – والحالة هذه – من التصدي للحكم الأول عند إنزال حكم القانون الصحيح في هذا الأمر الذي لا يقبل التجزئة بطبيعته. وغني عن البيان أن من الأصول المسلمة التي يقوم عليها حسن توزيع العدالة وكفالة تأدية الحقوق لأربابها ألا يحول دون ذلك تسلب المحاكم من اختصاصها بتنازعها تنازعاً سلبياً فيما بينها في هذا الاختصاص، بينما ولاية القضاء فيه معقودة بنص القانون للجهة القضائية التي تتبعها هذه المحاكم. مما لا مندوحة معه إذا ما أثير مثل هذا النزاع أمام المحكمة العليا التي تتبعها المحاكم المذكورة من أن تضع الأمر في نصابه الصحيح، فتعين المحكمة المختصة بنظر الدعوى وتحيلها إليها لتفصل فيها ولو كانت هي المحكمة التي لم يطعن في حكمها في الميعاد. ولا وجه للتحدي عندئذ بحجية حكمها لفوات ميعاد الطعن فيه؛ لأن هذا الحكم لم يفصل في موضوع النزاع حتى تكون له قوة الشيء المحكوم فيه في هذا الخصوص، وإنما اقتصر على النظر في الاختصاص منتهياً إلى التسلب منه، فكان هذا الحكم – والحالة هذه – أحد حدي التنازع السلبي في الاختصاص الذي حده الآخر هو الحكم المطعون فيه. وهذا التنازع السلبي هو أمر لا يقبل التجزئة كما سلف إيضاحه.


إجراءات الطعن

في 15 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1758 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية الأولى لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 17 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 206 لسنة 3 القضائية (تظلمات) المقامة من عبد العزيز إبراهيم علي ضد وزارة الداخلية، القاضي "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والحكم باختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الصحة بنظر الدعوى وإعادتها إليها للنظر في موضوعها، مع إلزام الحكومة بالمصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الداخلية في 28 من أغسطس سنة 1956، وإلى المطعون لصالحه في 2 من سبتمبر سنة 1956، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 20 من إبريل سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 11 من إبريل سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة. وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إنه يبين من أوراق الطعن أن المطعون لصالحه رفع التظلم رقم 426 لسنة 2 القضائية إلى اللجنة القضائية لوزارة الصحة العمومية بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 10 من ديسمبر سنة 1953، قال فيها وفي المذكرات التي قدمها بعد ذلك إنه عين في 24 من نوفمبر سنة 1943 في وظيفة مبخر بقسم الأوبئة بمصلحة الصحة الوقائية بوزارة الصحة العمومية بأجر يومي قدره 140 م، ثم فصل من الخدمة لمرضه في شهر أغسطس سنة 1945، وأعيد إليها في 17 من يناير سنة 1946 مع تخفيض أجره اليومي إلى 100 م، ثم فصل ثانية بالاستغناء في 7 من يونيه سنة 1946، وأعيد تعيينه اعتباراً من 18 من يونيه سنة 1946 بأجر يومي قدره 140 م، وفصل المرة الثالثة اعتباراً من 22 من ديسمبر سنة 1946 بسبب تغيبه عن العمل، ثم أعيد تعيينه في وظيفة مساعد مبخر على اعتماد الكوليرا اعتباراً من 5 من أكتوبر سنة 1947 بأجر يومي قدره 120 م، وفصل بالاستغناء من أول يونيه سنة 1948 بعد الانتهاء من مكافحة الكوليرا، وإنه من أجل ذلك يطلب الحكم بتطبيق قواعد كادر العمال على حالته وتدرجه بمقتضاه في الأجر وصرف الفروق المالية المستحقة له على هذا الأساس عن مدة خدمته بما في ذلك الفروق الناتجة عن خفض أجرته وإعانة غلاء المعيشة مع منحه المكافأة التي يستحقها عن المدة التي قضاها في خدمة المصلحة بعد ضم فتراتها المتقطعة واعتبار فترات الانقطاع عن العمل مدد خدمة بأجر وصرف استحقاقه عنها، والقضاء له بمبلغ 200 ج على سبيل التعويض عن الأضرار المادية والأدبية التي أصابته بسبب فصله من الخدمة وإعادته إليها عدة مرات بدون مبرر أو إلغاء فصله جميعه. وقد ردت وزارة الصحة على هذا التظلم بأنه لا يجوز تطبيق أحكام كادر العمال على المتظلم؛ لأن تعيينه الأخير كان في وظيفة مساعد مبخر على اعتماد الكوليرا وهو اعتماد مؤقت زال بزوال هذا الوباء، كما أن فصله من الخدمة تم قبل صدور كتاب وزارة المالية الدوري رقم ف 234 – 9/ 53 المؤرخ 18 من يونيه سنة 1948 الخاص بتطبيق كادر العمال، وكذلك لا يجوز صرف مكافأة له عن مدة خدمته المتقطعة، حيث إنه لم يقدم طلباً لصرف هذه المكافأة في الميعاد القانوني الذي غايته ستة أشهر. وخلصت الوزارة من هذا إلى طلب رفض التظلم. وقد أحيل هذا التظلم بناء على القانون رقم 147 لسنة 1954 الخاص بإنشاء وتنظيم المحاكم الإدارية إلى المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والأوقاف والشئون البلدية والقروية التي حلت محل اللجنة القضائية وقيد بجدولها تحت رقم 313 لسنة 1 القضائية "محاكم". وبجلسة 15 من يناير سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية المذكورة "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وقررت إحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للاختصاص". وأسست قضاءها على أن المدعي وقد التحق كجندي بحكمدارية بوليس السكك الحديدية بعد فصله من وزارة الصحة أصبح في عداد موظفي وزارة الداخلية؛ وبهذه المثابة تكون المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية هي المختصة بنظر دعواه نظراً إلى تبعيته الإدارية للوزارة المذكورة وقت رفع الدعوى. وقد قيدت هذه الدعوى بجدول المحكمة الإدارية الأولى لشئون القصر الجمهوري ورياسة مجلس الوزراء ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بعد إحالتها إليها برقم 206 لسنة 3 القضائية "تظلمات". وبجلسة 17 من يونيه سنة 1956 قضت المحكمة المشار إليها "بعدم اختصاصها بنظر الدعوى"؛ وأقامت قضاءها على أن اختصاص المحاكم الإدارية يتحدد بالجهة الإدارية المختصة في الدعوى، ولما كانت المنازعة تتحدد بموضوعها وأطرافها فإن الاختصاص يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بصفة الجهة الإدارية في المنازعة. فإذا كانت الطلبات في الدعوى موجهة إلى جهة إدارية معينة فهذه الجهة تكون هي وحدها دون سواها صاحبة الصفة في المرافعة فيها ويكون الاختصاص بنظرها للمحكمة الإدارية المنشأة لنظر المنازعات الخاصة بهذه الجهة. وعلى هذا الأساس فإن المحكمة الإدارية لوزارة الصحة تكون هي المختصة بنظر المنازعة الحالية ولا سيما أن التنفيذ بما عسى أن يحكم به فيها سيكون من ميزانية الوزارة المذكورة، وأن هذه الوزارة أقدر من غيرها على المرافعة في الدعوى لوجود ملف خدمة المدعي في مدة المطالبة لديها وإحاطتها بحالته وإلمامها بما قد يكون ثمة من قواعد تنظيمية تحكمها، وأن هذه الاعتبارات هي التي حدت بالمشرع إلى تحديد اختصاص المحاكم الإدارية على النحو الذي قرره. ولما كانت طلبات المدعي موجهة كلها إلى وزارة الصحة العمومية وناشئة عن مدة خدمته لديها التي انتهت بفصله والتي لا صلة لها بخدمته الحالية بحكمدارية بوليس السكك الحديدية، فإن الدفع بعدم الاختصاص الذي أبدته وزارة الداخلية يكون في محله؛ لكون المحكمة الإدارية لوزارة الصحة هي المختصة. وقد طعن رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 15 من أغسطس سنة 1956؛ واستند في أسباب طعنه إلى أن المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 نصت على أن تكون لكل وزارة أو مصلحة عامة أو أكثر محكمة إدارية أو أكثر يعين عددها وتحدد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الدولة، وأن المحكمة الإدارية لوزارة الصحة قضت بجلسة 15 من يناير سنة 1956 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للاختصاص؛ بمقولة إن المدعي من موظفي وزارة الداخلية. وبذلك اتخذت المحكمة معياراً شخصياً في تقرير الاختصاص وفسرت نص المادة السادسة من قانون مجلس الدولة على هذا الأساس، فجعلت علاقة الموظف بإحدى الوزارات أو المصالح عند رفع الدعوى هي مناط انعقاد الاختصاص. في حين أن الحكم المطعون فيه قضى بعدم الاختصاص متخذاً معياراً موضوعياً في تحديد ولاية المحكمة. ولما كان هذان الحكمان انتهائيين، فضلاً عن أن الأول منهما قد انقضى ميعاد الطعن فيه أمام المحكمة الإدارية العليا، فثمة حالة تنازع سلبي في الاختصاص. وإذا فرض أن الحكم المطعون فيه قد صح على وجه الاستقلال فإنه قد أدى بالمدعي إلى موقف جامد يبلغ حد الحرمان من حق التقاضي وأقحم المحكمة فيما يشبه الامتناع عن القضاء، وبهذه المثابة يكون قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والحكم باختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الصحة بنظر الدعوى، وإعادتها إليها للفصل في موضوعها، مع إلزام الحكومة بالمصروفات".
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن مثار المنازعة هو:
(أولاً) تعيين أي المحكمتين هي المختصة، وهل المناط في ذلك هو تبعية الموظف للجهة الإدارية، وزارة كانت أو مصلحة عامة، عند رفع الدعوى، أم هو اتصال تلك الجهة بالنزاع موضوعاً ولو كان الموظف لا يتبعها عند رفع الدعوى؟
و(ثانياً) إذا ظهر أن المحكمة المختصة هي تلك التي لم يطعن في حكمها وكان قد فات ميعاد الطعن فيه فهل يمنع ذلك من إحالة الدعوى إليها للفصل فيها موضوعا؟
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الأولى فإن المادة السادسة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة تنص على أن "يكون لكل وزارة أو مصلحة عامة أو أكثر محكمة إدارية أو أكثر يعين عددها وتحدد دائرة اختصاص كل منها بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس مجلس الدولة". وقد صدر هذا القرار في 29 من مارس سنة 1955 معيناً عدد تلك المحاكم ومحدداً دائرة اختصاص كل منها، وقد جعل المناط في تحديد هذه الدائرة هو اختصاص الجهة الإدارية بالمنازعة أي اتصالها بها موضوعاً، لا بمجرد تبعية الموظف لها عند إقامة الدعوى، إذا كان لا شأن لها بموضوع هذه المنازعة أصلاً، وهذا هو الضابط الذي يتفق مع طبائع الأشياء ومع حسن سير المصلحة العامة؛ إذ الجهة الإدارية المختصة بالنزاع، أي المتصلة به موضوعاً، هي بطبيعة الحال التي تستطيع الرد على الدعوى بإعداد البيانات وتقديم المستندات الخاصة بها وكذلك بتسوية المنازعة صلحاً أو تنفيذ الحكم في ميزانيتها عند الاقتضاء، يؤكد كل ما تقدم مع وضوحه أن تلك الجهة الإدارية هي وحدها التي تستطيع نظر التظلمات الإدارية الوجوبية تطبيقاً للفقرة الثانية من المادة 12 من القانون المشار إليه، باعتبار أن الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار والهيئات الرئيسية بالنسبة لهذه الهيئة الإدارية جميعها تتبع تلك الوزارة أو المصلحة العامة المتصلة بموضوع النزاع، كما يؤكده كذلك فحوى المواد 21 و22 و24 و27 من القانون سالف الذكر؛ إذ هي في تنظيمها للإجراءات إنما عنت بالجهة الإدارية التي تقام عليها الدعوى والتي تعلن إليها العريضة ومرفقاتها ويطلب إليها إيداع البيانات والملاحظات المتعلقة بالدعوى والمستندات والملفات الخاصة بها، والتي تتصل بها هيئة مفوضي الدولة للحصول على ما يكون لازماً لتهيئة الدعوى من بيانات وأوراق أو حضور مندوبيها لأخذ أقوالهم عنها أو تحقيق وقائع متصلة بها أو عرض تسوية المنازعات عليها – إن فحوى تلك النصوص في خصوص ما تقدم جميعه إنما تعني بداهة الوزارة أو المصلحة العامة المتصلة بموضوع النزاع فعلاً حسبما سلف بيانه. وعلى مقتضى ما تقدم فإن المحكمة الإدارية المختصة بنظر المنازعات الخاصة بوزارة الصحة العمومية تكون هي المختصة بنظر خصوصية هذا النزاع باعتبار أن تلك الوزارة هي المتصلة به موضوعاً، ولا شأن لوزارة الداخلية التي كان المدعي يتبعها عند رفع الدعوى بموضوع هذا النزاع.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالنقطة الثانية، فلئن كان الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الصحة العمومية بعدم اختصاصها بنظر الدعوى لم يطعن فيه في الميعاد وفات ميعاد الطعن فيه، بينما قد بان مما تقدم أنها هي المختصة بنظرها دون المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية المطعون في حكمها في الميعاد، فإن ذلك لا يمنع من إحالة الدعوى إلى تلك المحكمة لتفصل في موضوعها، ذلك أن الطعن أمام المحكمة العليا في حكم المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية قد أثار بحكم اللزوم مسألة التنازع السلبي في الاختصاص برمته بين المحكمتين، وهو أمر لا يقبل التجزئة في ذاته؛ إذ جانباه هما الحكمان المتناقصان المتسلبان كلاهما من الاختصاص، فلا محيص – والحالة هذه – من التصدي للحكم الأول عند إنزال حكم القانون الصحيح في هذا الأمر الذي لا يقبل التجزئة بطبيعته. وغني عن البيان أن من الأصول المسلمة التي يقوم عليها حسن توزيع العدالة وكفالة تأدية الحقوق لأربابها ألا يحول دون ذلك تسلب المحاكم من اختصاصها بتنازعها تنازعاً سلبياً فيما بينها في هذا الاختصاص، بينما ولاية القضاء فيه معقودة بنص القانون للجهة القضائية التي تتبعها هذه المحاكم، مما لا مندوحة معه إذا ما أثير مثل هذا النزاع أمام المحكمة العليا التي تتبعها المحاكم المذكورة من أن تضع الأمر في نصابه الصحيح فتعين المحكمة المختصة بنظر الدعوى وتحيلها إليها لتفصل فيها ولو كانت هي المحكمة التي لم يطعن في حكمها في الميعاد. ولا وجه للتحدي عندئذ بحجية حكمها لفوات ميعاد الطعن فيه؛ لأن هذا الحكم لم يفصل في موضوع النزاع حتى تكون له قوة الشيء المحكوم فهي في هذا الخصوص، وإنما اقتصر على النظر في الاختصاص منتهياً إلى التسلب منه، فكان هذا الحكم – والحالة هذه – أحد حدي التنازع السلبي في الاختصاص الذي حده الآخر هو الحكم المطعون فيه. وهذا التنازع السلبي هو أمر لا يقبل التجزئة كما سلف إيضاحه.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يتعين قبول الطعن شكلاً، والقضاء في موضوعه باختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الصحة العمومية بنظر الدعوى وبإحالتها إليها للفصل في هذا الموضوع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه باختصاص المحكمة الإدارية لوزارة الصحة العمومية بنظر الدعوى، وبإحالتها إليها للفصل في موضوعها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات