الطعن رقم 1520 لسنة 2 ق – جلسة 20 /04 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثاني (من أول فبراير إلى آخر مايو سنة 1957) – صـ 937
جلسة 20 من إبريل سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1520 لسنة 2 القضائية
( أ ) عقد إداري – القاعدة التي تخضع لها العقود المدنية من وجوب
تنفيذها بما يتفق وحسن النية – سريانها على العقود الإدارية – مثال.
(ب) عقد إداري – عدم تساوي مصالح الطرفين، إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة
الفردية الخاصة – للإدارية سلطة الإشراف والتوجيه على تنفيذ العقد، ولها الانفراد بتغيير
شروطه أو إضافة جديد إليها بما تراه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام – إذا وصل التعديل
إلى حد الفسخ فللطرف الآخر الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة في الشروط المالية
– سلطة الإدارة في إنهاء العقد للصالح العام مع تعويض الطرف الآخر عن الضرر – مثال.
1 – إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق مع
ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية، شأنها في ذلك شأن العقود
المدنية. فإذا ثبت أن البضاعة الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن الشوائب اللاحقة
بها لا تؤثر على صلاحيتها للاستعمال، فلم يكن ثمة ما يحول – تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود
بحسن نية – دون قبول هذه الكميات الموردة.
2 – إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق
الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما
تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية
غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة
هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف
والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة،
بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة
"أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية،
وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة
في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت
أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه،
وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو
إنهائها دون إرادة الطرف الآخر. فإذا ثبت أن البوية المتعاقد عليها مع أحد أسلحة الجيش
أصبحت غير صالحة للغرض المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية
الجنود، فللإدارة أن تتحلل من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، مع تعويض
المتعاقد عما أصابه من ضرر. فإذا اتضح أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية
الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية، وأنه لا سبيل للانتفاع به بعرضه للبيع في الأسواق
المحلية، فقد اختل التوازن المالي للعقد، وحق للمتعاقد أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض
بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين جوهريين، هما الخسارة التي لحقت
المضرور، والكسب الذي فاته.
إجراءات الطعن
في 29 من مايو سنة 1956 أودع رئيس هيئة المفوضين طعناً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الخامسة) بجلسة أول إبريل سنة 1956 في الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية المرفوعة من أحمد محمد الجبلي ضد وزارة الحربية والبحرية، القاضي: "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة. (ثانياً) برفض ما عدا ذلك من الطلبات. (ثالثاً) بالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وطلب رئيس هيئة المفوضين، للأسباب الواردة بعريضة الطعن، الحكم "بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه جزئياً فيما قضى به في الشق (ثانياً) من رفض طلب المدعي أحقيته في مبلغ 595 م و6832 ج وهو المبلغ الصافي المتأخر له بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه، وفي الشق الثالث منه، والقضاء بأحقية المدعي في هذا المبلغ، وإلزام الحكومة بما لم يحكم به من مصروفات الدعوى جميعها، وكذا مقابل أتعاب المحاماة". وقد أعلن الطعن للحكومة في 15 في يوليه سنة 1956، وللمدعي في 2 من أغسطس سنة 1956، وعين لنظره جلسة 27 من أكتوبر سنة 1956، ثم تداولت القضية بالجلسات إلى أن نظرت أخيراً بجلسة 23 من مارس سنة 1957، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات، ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من الأوراق – تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 6600 لسنة 8 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بصحيفة أودعت سكرتيريتها
في 17 من إبريل سنة 1954 طالباً الحكم: "(أولاً) بأحقية الطالب في مبلغ 595 م و6832
ج وهو المبلغ الصافي المتأخر للطالب بعد خصم ما رأت مصلحة الصناعة خصمه مع فوائد هذا
المبلغ بواقع 5% من تاريخ 29 من مارس سنة 1953 وهو تاريخ رد مصلحة الصناعة على السلاح،
إذ كان يجب الصرف بعد هذا الرد فوراً، حتى السداد. (ثانياً) أحقية الطالب في استرداد
مبلغ 761 م و1112 ج قيمة التأمين المدفوع منه مع فوائد هذا المبلغ حتى السداد، مع إلزام
الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال في بيان ذلك إنه بموجب عقد مؤرخ 10
من مارس سنة 1952 تعاقد المدعي مع سلاح الأسلحة والمهمات بالمعادي على توريد 282.855
علبة بوية سوداء للأحذية بسعر العلبة الواحدة 6/ 36 م على أن يتم توريد الكمية جميعها
في ميعاد أقصاه 10 من نوفمبر سنة 1952. وقد قام المدعي بتنفيذ تعهداته، فورد أولاً
84244 علبة قبلت وصرف له ثمنها، ثم ورد بعد ذلك 209 ألف علبة أي بزيادة قدرها 10389
علبة عن باقي الكمية المتعاقد عليها وقدرها 198.611 علبة، وتم هذا التوريد على دفعات
آخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952. وقد رفض سلاح المهمات اعتماد هذه الدفعات على أساس
ما جاء في نتيجة تحليل مصلحة الكيمياء من أن الصنف المورد مطابق للمواصفات، إلا أنه
يحتوي على كمية قليلة من الرمل الناعم بدرجة لا تمنع صلاحيته للاستعمال. وبالرغم من
أن تقرير مصلحة الكيمياء صريح في أن الصنف المورد صالح للاستعمال ومطابق للمواصفات،
فقد أصر سلاح الأسلحة والمهمات على رفض اعتماد الصنف المورد، فتقدم المدعي إلى السلاح
طالباً تطبيق الفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من العقد، وهو أن يتقدم
بطلب بقبول بضاعته مع قبوله خصم جزء من ثمنها نظير الفرق البسيط الموجود بالبضاعة والذي
لا يؤثر على صلاحيتها للاستعمال. وقد قام السلاح ببحث هذا الطلب ووافق عليه بعد أن
تثبت من حاجته للصنف، واتخذ الإجراءات اللازمة للتنفيذ، بأن أرسل في 21 من ديسمبر سنة
1952 إلى مصلحة الصناعة لتقدير قيمة التخفيض الذي تراه، فقامت المصلحة المذكورة بتقدير
التخفيض عن كل دفعة موردة وأرسلت إلى السلاح بذلك في 29 من مارس سنة 1953. حدث أثناء
ذلك أن قرر الجيش استبدال هذا النوع من البوية بنوع آخر نظراً لتغيير نوع الجلد الخاص
بأحذية رجال الجيش، فرأى سلاح المهمات أن يعمل على الاستغناء عن الكميات المتعاقد عليها
مع التجار عن هذا الصنف وأمثاله مما قرر الجيش استبدال غيره به، فأرسل إلى وزارة الحربية
يستفتيها عما إذا كان من الممكن قانوناً إلغاء عقد التوريد المبرم مع الطالب، فطلبت
الوزارة رأي إدارة الرأي المختصة في هذا الشأن، فردت الإدارة في 16 من أغسطس سنة 1953
بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع الطالب، وأشارت بقبول الصنف المورد بعد تخفيض
ثمنه طبقاً لما قررته مصلحة الصناعة، إلا أن السلاح لم ير العمل بما أشارت به إدارة
الرأي المختصة، بالرغم من أنه يعلم أن الصنف المورد يعمل خصيصاً للجيش بناء على طلبه،
وأن استعماله مقصور على الجيش المصري، ولا يستعمل في أي مكان آخر. ومما يثير الدهشة
أن السلاح تعاقد مع كميل صواف على توريد 324500 علبة من نفس الصنف الذي ورده الطالب
بسعر العلبة 59 م أي بضعف الثمن المتعاقد عليه مع الطالب. وبتاريخ 29 من يناير سنة
1954 أنذر الطالب السلاح بسداد المبالغ المستحقة له، فألفت الوزارة لجنة فنية للبت
في الموضوع بصفة نهائية، فأرسلت اللجنة تستفتي إدارة الرأي المختصة فأصرت الإدارة على
رأيها الأول. ولما كانت النية مبينة للإضرار بالطالب فقد ضرب السلاح بهذه الفتاوى عرض
الحائط. من أجل ذلك أقام المدعي دعواه. وقد أودع مفوض الدولة تقريراً في الدعوى انتهى
فيه إلي أحقية المدعي في ثمن 198611 علبة من البوية، وفي استرداد التأمين المدفوع مستنداً
في ذلك بالنسبة لثمن البوية إلى أنه "يتضح من جماع ظروف الموضوع وملابساته والإجراءات
التي اتخذت في شأنه، أن إرادة جهة الإدارة قد انعقدت في صورة واضحة على معاملة المدعي
بالتطبيق للفقرة الثالثة من المادة الرابعة من البند الثامن من شروط المناقصة" وأن
"الوضع القانوني القائم ما كان يسمح للإدارة بعد أن التقت إرادتها في صراحة مع إدارة
المدعي على سلوك طريق معين منصوص عليه في شروط المناقصة لتنفيذ العقد أن تعدل عن الطريق
الذي نشأ في ذمتها التزام بالتزامه في تنفيذ تعاقدها مع المدعي لسبب لاحق لم يكن للمدعي
دخل في إحداثه (وهو تغيير زي الجنود)"، وبالنسبة لاسترداد التأمين إلى أن الوزارة لم
تقرر مصادرة التأمين، فضلاً عن أنه ليس ثمة ما يبرر مصادرته. وقد قضت المحكمة في الدعوى
بجلسة أول إبريل سنة 1956 "(أولاً) بأحقية المدعي في استرداد قيمة التأمين المستحق
له والخاص بعقد التوريد موضوع الدعوى، وبإلزام الحكومة بالمصروفات المناسبة (ثانياً)
وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات (ثالثاً) وبالمقاصة في مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت
المحكمة قضاءها على أن المدعي ورد الكميات المتنازع عليها على سبع دفعات، أولها في
4 من يونيه سنة 1952، وآخرها في 4 من نوفمبر سنة 1952، وأن الذي تنطق به صحف تقارير
المعمل الكيماوي المختص بفحص تلك الكميات جميعاً هو عبارة. "مرفوضة لعدم مطابقتها للعينة
المقدمة من المدعي". ومعنى ذلك أن الدفعات السبع المشار إليها قد جاء تحليلها غير مطابق
للعينة التي كان قد تقدم بها المدعي عند تقديم عطائه، والثابت أيضاً أن المتعهد تلقى
إخطاراً بمشال الكميات المرفوضة في 29 من يونيه سنة 1952 و19 من يوليه سنة 1952 و3
من أغسطس سنة 1952، وأن سلاح الأسلحة والمهمات أنذر المدعي في 9 من نوفمبر سنة 1952
لسرعة توريد ما تبقى من كميات البوية التي تم التعاقد عليها في 10 من مارس سنة 1952
وأن السلاح أرسل للمدعي مرة أخرى في 29 من نوفمبر سنة 1952 (أي بعد انقضاء ميعاد التوريد)
كتاباً يخطره بأنه تقرر رفض الكميات الموردة بناء على قرارات المعمل الكيماوي، ويطلب
إليه مشال الكميات المرفوضة خلال ثمانية أيام، وإلا وقعت عليه غرامة أرضية. ويبين من
ذلك أن "رفض الكميات الموردة لعدم مطابقتها للمواصفات كان على الدوام ومنذ البداية،
ديدن إدارة سلاح المهمات، ولم تقتصر مرة واحدة في إخطار المتعهد بالرفض المسبب مع تكليفه
بمشال المرفوض…", وأنه ولئن كان المدعي قد قدم شكوى إلى قسم الواردات بسلاح المهمات
في 16 من يونيه سنة 1952 ينعى على مصلحة الكيمياء نتائج تحليليها ويرجو قبول الأصناف
الموردة "متى كان التوريد مطابقاً من حيث القوام للعينة المقررة، فاختلاف النتائج في
التحليل لا يجوز أن يؤدي حتماً إلى رفضها متى كان من الجائز قبولها"، فرفض طلبه، ثم
أعاد الشكوى مرة أخرى في 7 من ديسمبر سنة 1952 طالباً قبول البوية مع تخفيض جزء من
قيمتها حيث اتضحت صلاحيتها للاستعمال – لئن كان المدعي قد تقدم بذلك إلا أن قبولاً
صريحاً لم يصادف هذا العرض، وأن "العلاقة القانونية التي تربط المدعي بإدارة سلاح المهمات
إنما ينظمها العقد الإداري المبرم بينهما في 10 من مارس سنة 1952… وقد تضمنت قائمة
شروط المناقصة أحكاماً تقضي بفحص الأصناف الموردة، فإذا وجدت غير مطابقة للشروط المتفق
عليها رفضت، وعلى المتعهد أن يستردها، فإذا تأخر في استردادها أكثر من ثمانية أيام
من تاريخ إخطاره بذلك حق للوزارة توقيع غرامة مقدارها 1% من قيمة المقادير التي رفضت
عن كل أسبوع أو جزء من أسبوع… وأنه إذا رفضت بعض الأصناف كان من حق الوزارة وحدها
الخيار بين أحد فروض ثلاثة، ولا يملك غيرها حق هذا الخيار، فلها أن تشتري أصنافاً على
حساب المتعهد بدلاً من المرفوضة… أو أن تطلب إلى المتعهد أن يقدم في مهلة معينة بديلاً
منها مع توقيع غرامة عليه، وأخيراً إذا تعذر الحصول على الأصناف على الوجه المبين آنفاً
فللوزارة وحدها، وليس للمتعهد هذا الحق، قبول الأصناف التي لم تتوافر فيها الشروط المتفق
عليها، على أن ينقص سعرها بنسبة يتفق عليها فيما بين المتعاقدين"، وأن "تنفيذ الالتزامات
التعاقدية في عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة، لا يجري على هدى نفس القواعد
التي يتم فيها تنفيذ العقود الإدارية؛ ففي عقود القانون الخاص التي تبرمها الإدارة
تطبق عند تنفيذ الالتزامات المتبادلة أحكام القانون الخاص المجردة كالتقنين المدني
والتجاري والحال على خلاف ذلك تماماً في ميدان العقود الإدارية؛ إذ يصبح المتعاقد إلى
حد كبير بمثابة المتضافر مع جهة الإدارة في الأخذ بناصر المرفق العام، والحرص على استمرار
حركته وإدارة نشاطه، ولهذا الوضع أثره في تنفيذ الالتزام. فالمدعي المتعهد بالتوريد،
وقد التزم في مواجهة الإدارة بعقد إداري خالص، يتعين عليه أن يقوم بتنفيذ التزاماته
وفقاً لطائفة من القواعد والأصول هي أكثر شدة وأمعن دقة من تلك التي يجرى تطبيقها في
ظل عقد من عقود القانون الخاص، والمصلحة العامة التي تهدف إلى انتظام سير المرفق العام
تحرص على اتباع تفسير حازم لالتزامات من تعهد بالتوريد، وفي مقدمة تلك القواعد والأصول
التي تحكم عقد التوريد الإداري قاعدة أن المصلحة العامة لانتظام سير المرفق العام لا
يصح أن تتأثر في شيء بالمصلحة الخاصة التي قد تشغل بال المتعهد بالتوريد، وقد ارتضى
أن يساهم بنصيب في نشاط ذلك المرفق العام، فعليه مضاعفة الدقة والحرص في تنفيذ ما تعهد
به من التزامات"، وأن "كلاً من الفقه الإداري الفرنسي وقضاء مجلس الدولة هناك قد التقيا
في مجال الالتزامات التي يفرضها عقد التوريد الإداري على المتعهدين عند القول بأنه
إذا قام المتعهد بتوريد ما التزم به قبل جهات الإدارة فإن على هذه الأخيرة أن تفصح
عن قبولها للمواد الموردة، ويكون ذلك عن طريق موظف أو لجنة خاصة تقرر ما إذا كانت الأصناف
مطابقة تماماً للمواصفات المشروطة في العقد. فإذا جاءت المواد مخالفة تعين على جهة
الإدارة ألا تتردد لحظة في رفضها، ويقول القضاء الإداري الفرنسي إن هذا الرفض يلزم
المتعهد بأن يرفع فوراً وعلى نفقته تلك البضاعة المخالفة ليستبدلها بأخرى مطابقة للمواصفات
المشروطة في المدة المقررة في التعاقد أو في تلك التي تقررها لجنة الفصح. ومن المسلم
به أن مجرد التسليم وحده لا يبرئ ذمة المتعهد، وإنما يتعين للإبراء قبول الإدارية لها
قبولاً صريحاً؛ ومن ثم فإذا رفضت الإدارة الاستلام اعتبر المتعهد كأنه لم يسلم شيئاً…"،
وأنه "يخلص من كل ما تقدم وعلى ضوء المبادئ المشار إليها، أن الحكومة لم ترتكب خطأ
يوجب مسئوليتها قبل المتعاقد معها في عقد توريد البوية السوداء للجزم وخلافه، وإنما
هي التزمت جانب أحكام العقد، وطبقت بنود قائمة شروط المناقصة المحلية على أساس سليم
من حسن النية في تفسير أحكام التعاقد، وقد قبلت من المتعهد جميع الأصناف والكميات التي
أثبت التحليل سلامتها ومطابقتها للمواصفات… ولكنها – وهي الأمينة على حسن سير المرفق
العام – رفضت قبول ما تعارض مع المواصفات من تلك المواد، وظلت تتمسك برأيها لم تحد
عنه ولم ترجع فيه".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه يبين من استعراض وقائع الموضوع أن ثمة أموراً أربعة
تتابعت فيها، وحالت دون استلام السلاح للبضائع الموردة ودفع الثمن للمدعي وهي: 1 –
توريد المتعهد للبوية المتعاقد عليها في الموعد المتفق عليه ولكن غير مطابقة للمواصفات،
2 – رفض الجهة الإدارية للبضاعة للسبب السابق في 29 من نوفمبر و6 من ديسمبر سنة 1952،
3 – عرض المدعي على الجهة الإدارية قبول البضاعة الموردة بتخفيض مناسب في ثمنها بعد
أن اتضح من التحليل الكيماوي صلاحيتها للاستعمال، 4 – اتخاذ الجهة الإدارية الإجراءات
في هذا الشأن. ولكن انتهى الأمر برفض البضاعة في 11 من إبريل سنة 1954، فما أثر هذه
الأمور على صحة قيام المتعهد بتنفيذ التزامه؟.
عن الأمر الأول: إن التزام المتعهد بالتسليم في عقد التوريد يتضمن عمليات الغرض منها
التثبت من أن التوريد كان كاملاً وأنه كان صحيحاً ومطابقاً للمواصفات، والثابت أن الذي
حال دون استلام الأصناف الموردة هو ما كشفت عنه التحاليل من أن البوية الموردة، وإن
كانت "ذات قوام مناسب" و"خاصية التسويد فيها متوسطة" و"تتفق مع مواصفات التركيب"، إلا
أنها "تحتوي على كميات من الرمل الناعم تزيد عما هو موجود في العينة" بدرجة "لا تمنع
من صلاحيتها للاستعمال". وهذا يعني أن البوية الموردة، وإن كانت غير مطابقة للمواصفات
تماماً، إلا أنها صالحة للغرض الموردة من أجله، فهل يصلح ذلك سبباً يبرر توقف الإدارة
عن إتمام إجراءات الاستلام؟. ثم يستطرد الطعن فيقول إن المبدأ الذي يهيمن على جميع
العقود، سواء كانت من عقود القانون الخاص أو كانت من العقود الإدارية، هو أن تنفذ العقود
بحسن نية على النحو الذي يتضمنه الحكم الوارد بالمادة 148 فقرة أ من القانون المدني.
وتمشياً مع هذا المبدأ انتهى مجلس الدولة الفرنسي إلى قاعدة محصلها أنه طالما كان الصنف
المورد صالحاً للخدمة المطلوبة فلا مبرر لرفضه لعدم مطابقته للمواصفات. ويتضح على هدى
هذه القاعدة أن المتعهد سلم البضاعة تسليماً صحيحاً، وأن رفض الجهة الإدارية الاستلام
مع ما قررته مصلحة الكيمياء من أن البوية "ذات قوام مناسب" وأنها "صالحة للاستعمال"،
ومع ما قررته المخازن في 25 من ديسمبر سنة 1952 من حاجتها إليها مع تخفيض في ثمنها
– إن رفض الجهة الإدارية الاستلام مع كل هذا قد جاء بسوء نية ومتجاوزاً فيه، فلا وزن
له ولا اعتداد به في تنفيذ المتعهد لالتزامه. ولا يتعارض هذا المبدأ مع خيار الجهة
الإدارية المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة الثامنة من العقد؛ إذ مناط تطبيق
هذا النص أن تكون للمخالفة في المواصفات تأثير في صلاحية البضاعة الموردة للغرض المطلوبة
من أجله. ولا يجدي التحدي في هذا الصدد بنص المادة 328 من لائحة المخازن والمشتريات
التي خولت الجهة الإدارية وحدها بعد موافقة المالية الحق في قبول الصنف المخالف للشروط
من جهة التحليل أو المواصفات ولو كان صالحاً للأغراض المطلوبة من أجلها، إذ لا تعدو
هذه اللائحة أن تكون من الإجراءات الداخلية التي لا تؤثر على الالتزامات التعاقدية،
والقواعد التي تحكم العقود الإدارية.
عن الأمر الثاني: أما وقد بان النسبة للأمر الأول أن الرفض كان معيباً ومتجاوزاً فيه
– وهو أمر يخضع لتقدير قاضي العقد – فإن إلغاء القرار الصادر به مما يملكه القاضي.
عن الأمر الثالث: إنه ولئن كان المدعي هو الذي عرض على الجهة الإدارية قبول البضاعة
الموردة مع تخفيض مناسب في ثمنها، إلا أن المصلحة لم تقبل هذا العرض؛ ومن ثم فلم يتم
اتفاق بينهما في هذا الشأن. غير أن هذا التخفيض يخضع لرقابة قاضي العقد، وتقترح هيئة
المفوضين الأخذ بنسب التخفيض التي قدرتها مصلحة الكيمياء.
عن الأمر الرابع: يتضح مما سبق بيانه أن المتعهد قدم البضاعة صالحة للاستلام، أي أنه
قام فعلاً بتنفيذ التزامه، وتعتبر الجهة الإدارية وقد باشرت جميع الإجراءات اللازمة
للاستلام، وقد استلمتها ضمنياً اعتباراً من التاريخ الذي يحدده قاضي العقد، لاحقاً
بقليل – بمدة لا تتجاوز في نظر الهيئة أسبوعاً – من تاريخ إخطار المتعهد للجهة الإدارية
بالاستلام في 7 من ديسمبر سنة 1952؛ ومن ثم يكون المتعهد على حق في الثمن المعين في
العقد مخفضاً بالقدر الذي قدرته مصلحة الكيمياء. أما عن الفوائد المطالب بها فمن رأي
هيئة المفوضين عدم استحقاق المدعي لشيء منها، إذ أن محل التزام الوزارة لم يكن مبلغاً
من النقود. وإذ ذهب الحكم المطعون غير هذا المذهب، فإنه يكون قد خالف القانون.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه في 10 من مارس سنة 1952 رسا على المدعي عطاء مناقصة
توريد 282855 رطل بوية سوداء للجزم و7530 بوية سوداء للتنمير طبقاً للعينة رقم 11323/
51 واشترط على أن يكون التوريد على دفعات لا تقل الدفعة عن عشرة آلاف علبة، ويكون توريد
أول دفعة بعد شهر من تاريخ التعاقد، على أن يتم التوريد بأكمله في بحر ثمانية شهور
من تاريخ الإخطار. وقد قام المدعي بتوريد 84244 رطلاً من البوية ثبت من التحليل مطابقتها
للعينة فقبلت وصرف إليه ثمنها. وفي 22 من إبريل سنة 1952 ورد المدعي 54 ألف رطل بوية
بموجب المحضر رقم 1344، وبفحص عينة بمعرفة مصلحة الكيمياء قررت المصلحة المذكورة في
9 من يونيه سنة 1952 رفضها؛ لعدم مطابقتها للعينة رقم 11323/ 51، وقد أخطر المدعي بذلك
في 29 من يونيه سنة 1952، واستلم الأصناف المرفوضة في 14 من يوليه سنة 1952 بتصريح
مرور رقم 15. وقد والى المدعي بعد ذلك توريد الكميات الآتية:
45000 رطلاً في 4 من يونيه سنة 1951 بالمحضر رقم 1689 – 36000 رطلاً في 11 من يونيه
سنة 1952 بالمحضر رقم 1740 – 45000 رطلاً في 13 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 302
– 9000 رطلاً في 21 من أغسطس سنة 1952 بالمحضر رقم 341 – 45000 رطلاً في 25 من أكتوبر
سنة 1952 بالمحضر رقم 728 – 21000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 729 –
8000 رطلاً في 4 من نوفمبر سنة 1952 بالمحضر رقم 793، وقد حللت عينة من الكمية الأولى
في 13 من يوليه سنة 1952، ومن الكمية الثانية في 15 من يوليه سنة 1952 وكانت نتيجة
التحليل كالآتي:
"رفض لعدم مطابقتها للعينة من حيث القوام". فأعيد تحليل عينة ثانية من الكمية الأولى
في 4 من سبتمبر سنة 1952، وكانت النتيجة: "مقبولة لمطابقتها للعينة السابق تحليلها
والمواصفات"، ثم أعيد تحليل عينة ثالثة من الكمية الأولى وعينة ثانية من الكمية الثانية
وكانت نتيجة التحليل كالآتي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق
مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو
موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". وكذلك كانت نتيجة
تحليل عينات باقي الكمية الموردة. وقد رأى سلاح المهمات رفض الكميات جميعاً وأخطر المدعي
في 29 من نوفمبر سنة 1952 بمشال الكميات الموردة بالمحاضر أرقام 341 و302 و1689 و1740،
ولما أن علم المدعي برفض البوية التي وردها – وقبل أن يخطر بذلك رسمياً – أرسل في 24
من نوفمبر سنة 1952 تلغرافاً يقول فيه: "إن قرار مصلحة الكيمياء بخصوص البوية السوداء
للجزم لصالحنا. فإذا رأيتم عكس ذلك فنرجو تحويله للجنة تحكيم فنية من مصلحتي الصناعة
والكيمياء للتثبت حيث إنهما جهتا الاختصاص للمسائل الفنية…"، وفي التاريخ نفسه أرسل
كتاباً يؤيد فيه ما ورد بالبرقية، ويقول إنه صنع هذه البوية خصيصاً للجيش ورفضه يضر
به أبلغ الضرر، ثم أضاف إلى ذلك: "أن تقرير مصلحة الكيمياء يعترف بأنه بالرغم من وجود
كمية من الرمل الناعم أزيد مما بالعينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال،
أي أنه يرى التجاوز عن هذه الزيادة البسيطة، حيث إنها لا تؤثر على صلاحية البوية للاستعمال.
لذلك ورغبة منا في حل الموضوع ودياً، نقبل خصم جزء من قيمة البضاعة… وأملنا كبير
في أن تكون هناك روح للتعاون بين التاجر والسلاح… وإننا مع مزيد الأسف مضطرين لتحميل
السلاح مسئولية وجود البضاعة بمخازنه عرضة للتلف أو المؤثرات الجوية أو خلافه…".
وفي 7 من ديسمبر سنة 1952 أرسل المدعي كتاباً آخر إلى إدارة سلاح المهمات إلحاقاً بكتابه
سالف الذكر يقول فيه: "نرجو الإحاطة بأن هذه الشكوى سارية على جميع محاضر البوية السوداء
للجزم الموجودة بالسلاح، ويعتبر هذا إقراراً منا بذلك، وقبولاً منا لمبدأ تخفيض الثمن
لقبول الصنف عن جميع الكميات". وفي 23 من ديسمبر سنة 1952 أرسل السلاح كتاباً إلى مصلحة
الصناعة يطلب إليها بعد الاطلاع على قرارات المعمل الكيماوي "تقدير التخفيض اللازم
نظير الخلاف الموضح بقرارات المعمل، علماً بأن المخازن في حاجة لهذه البوية كجواب التموين
المؤرخ 15 من ديسمبر سنة 1952… وإعادة جميع الأوراق بعد تقدير التخفيض". فردت مصلحة
الصناعة في 29 من مارس سنة 1953 بأنها "تقدر الخصم في جملة ثمن بوية الجزم السوداء
الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات كما يلي: المحضر رقم 1740 بواقع 5.7% من الثمن،
المحضر رقم 302 بواقع 9.7%، المحضر رقم 341 بواقع 11.4%، المحضر رقم 762 بواقع 5.8%
المحضر رقم 793 بواقع 6.7% المحضر رقم 728 بواقع 5.3%. أما عن كمية البوية التي فحصت
بموجب المحضر رقم 1689 فقد جاء في خطاب مصلحة الكيمياء المؤرخ 3 من فبراير سنة 1953
إلى هذه المصلحة أن العينة المرسلة إليها، والتي تمثل البوية الموردة بموجب هذا المحضر
كانت عبارة عن 4 علب تحتوي ثلاثة منها على عجينة قوامها مناسب، وأما العلبة الرابعة
فقد وجدت جافة ففحصت على حدة. وترى هذه المصلحة بناء على الأرقام الواردة في خطاب مصلحة
الكيمياء المشار إليها فرز العلب الجافة واستبعادها وخصم 1% من جملة الثمن". وقد حدث
في يناير سنة 1953، وقبل أن يرد رد مصلحة الصناعة في شأن تقدير نسبة التخفيض في ثمن
البوية، أن تقرر أن يستبدل بالبوية المتعاقد عليها مع المدعي بوية من نوع آخر بسبب
تغيير زي الجنود، فقرر سلاح المهمات صرف النظر عن تخفيض ثمن البوية وحرر إلى الوزارة
يسألها الرأي في إمكان فسخ التعاقد عن الكميات التي كان يعتزم النظر في أمر تخفيض ثمنها،
وقد دارت مكاتبات بين إدارة السلاح والوزارة في شأن قيام المدعي بالتوريد في الميعاد
المحدد، وما إذا كان قد قام بتوريد كميات بدلاً من الكميات المرفوضة؛ وقد ورد بكتاب
السلاح إلى وكيل وزارة الحربية للشئون المالية والإدارية في هذا الصدد ما يأتي "…
ويبين من ذلك أن المتعهد قام بالتوريد في الميعاد المحدد وبديهي أنه لم يقم بتوريد
بدل المرفوض نظراً لأنه لم يستلم الرسائل المرفوضة، كما أنه طلب النظر في قبولها بتخفيض،
وفعلاً قام السلاح بالاتصال بوزارة التجارة في هذا الشأن في 23 من ديسمبر سنة 1953
وورد رد مصلحة الصناعة بالموافقة على قبولها بالتخفيض. وحيث إننا سبق أن بينا بمذكرتنا
المؤرخة 27 من يناير سنة 1953 أن هذا الصنف من ضمن الأصناف التي تقرر إلغاؤها وطلبنا
النظر في أمر إلغاء التعاقد…". وقد عرضت الوزارة الأمر على إدارة الرأي المختصة بكتابها
المؤرخ 2 من يونيه سنة 1953، وبعد أن بحثت الإدارة المذكورة الأمر من كافة نواحيه ردت
في 12 من أغسطس سنة 1953 بأنها لا ترى محلاً لإلغاء التعاقد مع المتعهد بالنسبة إلى
198611 علبة، على أن يراعى تخفيض ثمنها وفقاً لما أشارت به مصلحة الصناعة. وقد طلبت
الوزارة رأي السلاح في الموضوع بعد فتوى إدارة الرأي المشار إليها في 30 من أغسطس سنة
1953، فرد السلاح في 7 من سبتمبر سنة 1953 بأنه "سبق أن أوضح رأيه في الموضوع وهو عدم
الحاجة إلى هذا الصنف، والأمر مفوض للوزارة في هذا الشأن". ثم طلبت الوزارة إلى إدارة
السلاح عن طريق رياسة الإمدادات والتموين الاتصال بالمصالح ذات الميزانيات المنفصلة،
فاتصلت الإدارة بمصلحة السجون فصرفت 10000 علبة كما طلبت مصلحة السواحل 20400 علبة،
واعتذرت إدارة أسلحة ومهمات البوليس. أعادت الوزارة الكتابة إلى السلاح في 30 من ديسمبر
سنة 1953 طالبة البت في الموضوع بمعرفة السلاح، وإخطار المتعهد بما يستقر عليه الرأي،
وقد ردت إدارة السلاح في 5 من يناير سنة 1954 بأن "السلاح على استعداد للموافقة على
قبول الكميات الموردة رغم ما بها من مخالفات، وصرف قيمتها إلى المتعهد إذا ما اشترطت
الوزارة على المصالح المستهلكة لهذا الصنف ضرورة صرفه من السلاح كالحدود والسواحل والقوات
المرابطة والبوليس، لا سيما وأن فتوى مجلس الدولة في هذا الصدد تعتبر استشارية، وقد
استند المجلس في قراره على اتصال السلاح بمصلحة الصناعة وكانت المخازن وقتذاك في حاجة
ماسة إلى هذا الصنف، وقد تغير الموقف بعد ذلك وأصبحت المخازن في غير حاجة إلى هذا الصنف..".
وقد كتبت الوزارة إلى إدارة السلاح في أول فبراير سنة 1954 بأنها ترى أن إلغاء التعاقد
"لا يكون في صالح الحكومة إلا إذا كان لدى السلاح المبررات والأسانيد القانونية التي
تبرر موقفه بعد الرأي الذي أبداه مجلس الدولة، ولذلك يجب أن يدقق السلاح في هذا الأمر.
والوزارة ترى أن يقوم السلاح فوراً بتشكيل لجنة يحضرها مندوب مجلس الدولة للبحث في
هذا الموضوع ووضع تقرير نهائي بخصوصه، لكي لا تتحمل الحكومة مصاريف لا مبرر لها". وقد
شكلت اللجنة المشار إليها وانتهت إلى إعادة عرض الموضوع على مجلس الدولة على ضوء ما
ورد بمحضرها. وقد عرض الأمر على شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة فرأت بكتابها للوزارة
المؤرخ 15 من مارس سنة 1954 أنها لا ترى محلاً للعدول على الرأي الذي سبق الإفتاء به.
وانتهت الوزارة بعد ذلك كله إلى وجوب رفض الكميات التي لا تقبل، وأرسلت إلى إدارة سلاح
الأسلحة والمهمات كتاباً في 23 من مارس سنة 1954، ومما ورد بذلك الكتاب ما يأتي "…
نرى الأخذ بما أبديتموه من وجوب رفض الرسالات التي لم تقبل إلى الآن علماً بأنه وإن
كان كتاب شعبة الأشغال العامة بمجلس الدولة في هذا الشأن قد أشار بأن الرفض قد يعرض
الوزارة للتعويض، إلا أننا نرى من جانبنا أنه – حتى لو صح هذا – فإن ما تتعرض له الوزارة
في هذه الحالة لا يوازي خسارة الصفقة بأكملها بعد أن أصبح لا نفع منها ولا سبيل إلى
استهلاكها كما أننا في الوقت نفسه لا نرى أن الوزارة قد ارتكبت غير ما يبيحه لها القانون
من رفض الصنف إذا خالف المواصفات، بغض النظر عن الصلاحية من عدمها لأن هذا أمر تقديري
للمصلحة ذات الشأن، كما أن حق الوزارة في رفض الصنف إذا خالف المواصفات ليس منصوصاً
عليه فقط في لائحة المخازن كما فهمت شعبة الرأي… ولكنه حق نص عليه في صلب العقد الذي
ارتضاه المتعهد".
ومن حيث إنه بجلسة 23 من فبراير سنة 1957 رأت المحكمة تنويراً للدعوى وقبل الفصل فيها
الاستعلام من مصلحة الكيمياء عما يلي:
"1 – هل كانت البوية الموردة من المدعي موضوع النزاع تصلح للأغراض المقصودة منها بالنسبة
لأحذية الجيش، حتى بعد تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953 – 2 هل يصلح هذا الصنف
من البوية للاستعمال العادي في السوق بحالته في يناير سنة 1953 ثم بحالته الآن أم لا،
وهل تتأثر قيمته في السوق الحر زيادة أو نقصاً ونسبة ذلك في كل حال". وقد ردت المصلحة
في 4 من مارس سنة 1957 بأن "البوية السوداء للجزم الموردة إلى سلاح الأسلحة والمهمات
خلال سنة 1952 تنقسم إلى قسمين ( أ ) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة إلى المعمل
والصادر عنها تقارير رقم 4221/ 52 و4576/ 52 و5444/ 52 و5445/ 52 و6201/ 52 و6518/
52 وهذه تعتبر غير صالحة للاستعمال عموماً (ب) المجموعة المأخوذة منها العينات المرسلة
إلى المعمل والصادر عنها تقارير رقم 8177/ 52 و8178/ 52 و8179/ 52 و8768/ 52 و9244/
52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/ 52 و12372/ 52 و12430/ 52، وهذه تعتبر صالحة للاستعمال
لأحذية الجيش قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، أما بعد تغيير هذا النظام
فتعتبر غير صالحة للاستعمال، والمفروض أن الجلد المستعمل في أحذية الجيش قبل يناير
سنة 1953 هو الجلد النفراني الخام الذي يستعمل به هذا الصنف من البوية، وان الجلد الذي
استعمل بعد هذا التاريخ هو الجلد المحبب ذو السطح المصقول نوعاً والذي لا تصلح له هذه
البوية. وهذا النوع من البوية، لا يستعمل إطلاقاً في السوق الملحية، ولم يكن مستعملاً
بها منذ عشرات السنين، وكان استعماله مقتصراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد
من يشتريه في السوق الحر حالياً، علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه
المدة الطويلة، حيث قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 – 1957) وعلى ذلك لا مجال
للمناقشة في قيمة هذه البوية في السوق الملحية". ويبين من الأوراق أن الكميات موضوع
هذا النزاع هي الصادر عنها التقارير 8768/ 52 و9244/ 52 و9245/ 52 و11010/ 52 و11870/
52 و12372/ 52 و12430/ 52 وجميعها على ما ورد بكتاب مصلحة الكيمياء سالف الذكر صالحة
للاستعمال، وهذه الكميات هي الموردة بالمحاضر أرقام 1689 و1740 و302 و341 و728 و792
و793 على ما سلف البيان.
ومن حيث إن العقود تخضع لأصل عام من أصول القانون، يقضي بأن يكون تنفيذها بطريقة تتفق
مع ما يوجبه حسن النية، وهذا الأصل يطبق في العقود الإدارية شأنها في ذلك شأن العقود
المدنية.
ومن حيث إنه يبين من تقارير مصلحة الكيمياء أن نتيجة تحليل عينات الكميات موضوع هذه
المنازعة، كانت كما يلي: "العينة ذات قوام مناسب وخاصية التسويد فيها متوسطة وتتفق
مع المواصفات في التركيب فيما عدا أنها تحتوي على كمية من الرمل الناعم تزيد عما هو
موجود في العينة المعتمدة بدرجة لا تمنع من صلاحيتها للاستعمال". ومؤدى ذلك أن البضاعة
الموردة تتفق مع المواصفات في التركيب، وأن كمية الرمل الزائدة لا تؤثر على صلاحيتها
للاستعمال. وإذ كان الأمر كذلك فلم يكن هناك ما يحول – تطبيقاً لمبدأ تنفيذ العقود
بحسن نية – دون قبول هذه الكميات الموردة، خصوصاً وقد قبل المدعي تخفيض الثمن بالنسبة
التي تقررها مصلحة الكيمياء، والظاهر من الأوراق أن سلاح المهمات قد استجاب فعلاً لطلب
المدعي تخفيض السعر، ولم يكن لديه مانع من قبول البوية لحاجته إليها، لولا أن قام لديه
سبب جديد يدعو إلى عدم قبول هذه البوية، وهذا السبب هو عدم حاجة السلاح لهذا الصنف
بالذات بسبب تغيير زي الجنود.
ومن حيث إن العقود الإدارية تتميز عن العقود المدنية بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق
الذي يستهدف العقد تسييره، وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، فبينما
تكون مصالح الطرفين في العقود المدنية متوازية ومتساوية، إذا بها في العقود الإدارية
غير متكافئة؛ إذ يجب أن يعلو الصالح العام على المصلحة الفردية الخاصة، وهذه الفكرة
هي التي تحكم الروابط الناشئة عن العقد الإداري. ويترتب على ذلك أن للإدارة سلطة الإشراف
والتوجيه على تنفيذ العقود، وأن لها دائماً حق تغيير شروط العقد وإضافة شروط جديدة
بما قد يتراءى لها أنه أكثر اتفاقاً مع الصالح العام دون أن يتحدى الطرف الآخر بقاعدة
"أن العقد شريعة المتعاقدين"، كل ذلك بشرط ألا يصل التعديل إلى حد فسخ العقد كلية،
وإلا جاز للطرف الآخر فسخه، وبشرط أن يكون له الحق في التعويضات إذا اختلت الموازنة
في الشروط المالية، كما يترتب عليها كذلك أن للإدارة دائماً سلطة إنهاء العقد إذا قدرت
أن هذا يقتضيه الصالح العام، وليس للطرف الآخر إلا الحق في التعويضات إن كان لها وجه،
وهذا على خلاف الأصل في العقود المدنية التي لا يجوز أن يستقل أحد الطرفين بفسخها أو
إنهائها دون إرادة الطرف الآخر.
ومن حيث إنه ترتيباً على هذه القواعد القانونية المستقرة كان يمكن للإدارة أن تتحلل
من تعاقدها وتعمل سلطتها العامة في إنهاء العقد، بعد إذ أصبحت البوية غير صالحة للغرض
المتعاقد من أجله عليها بسبب تغيير صنف الجلد المستعمل لأحذية الجنود، وذلك دون حاجة
إلى التمحل بعدم مطابقة هذه البوية للعينة، إذ أن البوية على ما ورد بنتيجة تحليل عيناتها
صالحة للاستعمال في الغرض المعدة له، بل لقد أكدت ذلك مصلحة الكيمياء في ردها أخيراً
على استعلام المحكمة، حيث قررت أن هذه البوية "تعتبر صالحة للاستعمال لأحذية الجيش
قبل تغيير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953".
ومن حيث إنه لم يبق بعد ذلك سوى البحث فيما إذا كان قد اختل التوازن المالي للعقد؛
نتيجة لرفض البوية التي وردها المدعي، أو بعبارة أخرى هل أصاب المدعي ضرر بسبب هذا
الرفض.
ومن حيث إن مصلحة الكيمياء قد قررت في كتابها إلى المحكمة السالف ذكره أن "هذا النوع
من البوية لا يستعمل إطلاقاً في السوق المحلية، ولم يكن مستعملاً بها منذ عشرات السنين
وكان استعماله مقصوراً على الجيش فقط، ومن المشكوك فيه أن يتواجد من يشتريه في السوق
الحر حالياً علاوة على أن جودته لا بد أن تكون قد تأثرت بمضي هذه المدة الطويلة حيث
قد مضى على تاريخ صنعه أربع سنوات (1953 – 1957)، وعلى ذلك فلا مجال للمناقشة في قيمة
هذه البوية في السوق الملحية". ومفاد ذلك أن هذا الصنف من البوية إنما صنع خصيصاً لأحذية
الجنود قبل أن يتغير نظام هذه الأحذية في يناير سنة 1953، وأنه لا سبيل للانتفاع به
بعرضه للبيع في الأسواق الملحية؛ ومن ثم فقد اختل التوازن المالي للعقد وحق المدعي
أن يعوض عن رفض البوية. والتعويض بوجه عام مقياسه الضرر المباشر، وهو يشتمل على عنصرين
جوهريين: هما الخسارة التي لحقت المضرور، والكسب الذي فاته. وتقدير التعويض – في خصوصية
هذا النزاع، وبمراعاة العنصرين سالفي الذكر – يتمثل في ثمن البوية المرفوضة طبقاً لعقد
التوريد مخفضاً وفقاً للنسب التي قدرتها مصلحة الكيمياء في كتابها المؤرخ 29 من مارس
سنة 1953 السابق الإشارة إليه، وعلى أساس أن الحكومة لا تلزم إلا بالتعويض عن باقي
الكمية التي كان متفقاً على توريدها بعد استنزال ما سبق توريده، وهذا الباقي هو 198611
علبة، فيكون ثمنها – بمراعاة نسبة التخفيض المشار إليها – مبلغ 595 م و6832 ج وهو ما
يتعين القضاء به مع المصروفات المناسبة، والفوائد بواقع 4% من تاريخ المطالبة الرسمية
حتى تمام الوفاء.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون، ويتعين إلغاؤه،
ويكون الطعن قد قام على أساس سليم من القانون.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه في شقيه الثاني والثالث، وبإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي مبلغ 595 م و6832 ج. ستة آلاف وثمانمائة واثنين وثلاثين جنيهاً وخمسماية خمسة وتسعين مليماً، وفوائده بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة الحاصلة في 17 من إبريل سنة 1954 لغاية الوفاء، مع المصروفات المناسبة، ومبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك.
