قاعدة رقم الطعن رقم 173 لسنة 24 قضائية “دستورية” – جلسة 09 /01 /2005
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي
عشر (المجلد الأول)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 1292
جلسة 9 يناير سنة 2005
برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي وماهر البحيري وأنور رشاد العاصي ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف ومحمد خيري طه وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 173 لسنة 24 قضائية "دستورية"
1 – المحكمة الدستورية العليا "اختصاصها – رقابة دستورية: محلها".
الاختصاص المعقود للمحكمة الدستورية العليا وحدها في مجال الرقابة الدستورية ينحصر
على القانون بمعناه الموضوعي، أي النصوص التي تتولد عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت
هذه النصوص في تشريعات أصلية أو فرعية، وأن تنقبض – بالتالي – عما سواها.
2 – لائحة "تكييفها – يتحدد بمجال سريانها".
كل لائحة يتحدد تكييفها القانوني بمجال سريانها، انحسار الصفة الإدارية عن اللائحة
إذا كان مجال سريانها متصلاً بنطاق القانون الخاص، ولو كانت الجهة التي أصدرتها شخصاً
من أشخاص القانون العام، أثره: عدم اختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة الدستورية على
هذه اللائحة.
1 – إن الدستور قد عهد بنص المادة منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها،
بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون،
وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة مبيناً اختصاصاتها، محدداً ما
يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصاً منفرداً
بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أية جهة من مواجهتها فيه، مفصلاً طرائق
هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على المشروعية الدستورية، وتأميناً
لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور،
بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة في مجال مباشرتها الرقابة
القضائية على الدستورية ينحصر في النصوص التشريعية أياً كان موضوعها أو نطاق تطبيقها
أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها، فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية
إلا على القانون بمعناه الموضوعي باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التي تتولد
عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة
التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها
التي ناطها الدستور بها، وأن تنقبض تلك الرقابة – بالتالي – عما سواها.
2 – كل لائحة، يتحدد تكييفها بمجال سريانها. فكلما كان هذا المجال متصلاً مباشرة بمنطقة
القانون الخاص، انحسرت الصفة الإدارية عنها، ولو كانت الجهة التي أصدرتها تعتبر من
أشخاص القانون العام، كذلك، فإن سريان هذه اللائحة على كل من العاملين في البنك الرئيسي
والبنوك التابعة، لا يزيل الحدود التي تفصل هذه البنوك عن بعضها، فلا زال لكل منها
شخصيته القانونية المستقلة، ودائرة نشاط لها نظامها القانوني الخاص بها، وفي إطار هذه
الدائرة وحدودها تتحدد حقيقة الرابطة القانونية بينها وبين عمالها. لما كان ذلك، وكان
العاملين بالفروع التابعة للبنك الرئيسي ليسوا موظفين عموميين، وإنما يرتبطون بجهة
عملهم بعلاقة تعاقدية رضائية في دائرة القانون الخاص، تنحسر معها الصفة التنظيمية العامة
عن لائحة شئون توظيفهم. لما كان ذلك، فإن اللائحة التي اندرج تحتها نص المادة الطعين، وفي مجال سريان أحكامها في شأن البنوك التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي، لا تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي، ولا تمتد إليها بالتالي، الرقابة القضائية
التي تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
الإجراءات
بتاريخ السابع والعشرين من مايو سنة 2002، أودع المدعي صحيفة هذه
الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالباً الحكم بعدم دستورية المادة من لائحة نظام العاملين بالبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وفروعه وبنوك التنمية
بالمحافظات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً: بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى،
واحتياطياً: برفضها، كما قدم البنك المدعى عليه الثالث مذكرة طلب فيها الحكم بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الدعوى، في حين قدم البنك المدعى عليه الرابع مذكرة طلب فيها الحكم برفض
الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام الدعوى رقم 151 لسنة 2001 عمال أمام محكمة كوم حمادة الابتدائية، ضد المدعى
عليه الرابع، بطلب الحكم بإلزامه بأن يؤدي إليه قيمة المقابل النقدي لكامل رصيد الإجازات
المستحقة له، وأثناء نظر الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية اللائحة الداخلية للبنك فيما
تضمنته من حرمان العاملين به من الحصول على المقابل النقدي لكامل رصيد الإجازات المستحقة
له، وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام
الدعوى الماثلة.
وحيث إن الفصل في اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها سابق بالضرورة
على الخوض في شرائط قبولها أو الفصل في موضوعها.
وحيث إن الدستور قد عهد بنص المادة منه إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها،
بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون،
وبناء على هذا التفويض أصدر المشرع قانون هذه المحكمة مبيناً اختصاصاتها، محدداً ما
يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها، فخولها اختصاصاً منفرداً
بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أية جهة من مواجهتها فيه، مفصلاً طرائق
هذه الرقابة وكيفيتها، وذلك ضماناً منه لمركزية الرقابة على المشروعية الدستورية، وتأميناً
لاتساق ضوابطها وتناغم معاييرها، وصولاً من بعد إلى بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور،
بما يكفل تكاملها وتجانسها، مؤكداً أن اختصاص هذه المحكمة في مجال مباشرتها الرقابة
القضائية على الدستورية ينحصر في النصوص التشريعية أياً كان موضوعها أو نطاق تطبيقها
أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها، فلا تنبسط ولايتها في شأن الرقابة القضائية على الدستورية
إلا على القانون بمعناه الموضوعي باعتباره منصرفاً إلى النصوص القانونية التي تتولد
عنها مراكز عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي أقرتها السلطة
التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحيتها
التي ناطها الدستور بها، وأن تنقبض تلك الرقابة – بالتالي – عما سواها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه ولئن كان البنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي من أشخاص القانون العام باعتباره هيئة عامة قابضة، إلا أن جميع البنوك التابعة
له تعمل بوصفها شركات مساهمة يتعلق نشاطها بتطبيق قواعد القانون الخاص، وبالوسائل التي
ينتهجها هذا القانون، فلا تنصهر البنوك التابعة في الشخصية المعنوية للبنك الرئيسي،
بل يكون لها استقلالها وذاتيتها من الناحيتين المالية والإدارية في الحدود التي بينها
القانون، وقد صدر هذا القضاء مستنداً إلى ما قضت به الفقرة الأولى من المادة الأولى
من القانون رقم 117 لسنة 1976 في شأن البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي من تحويل
المؤسسة المصرية العامة للائتمان الزراعي والتعاوني إلى هيئة عامة قابضة ذات شخصية
اعتبارية مستقلة تسمى البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، وما قررته الفقرة الثانية
من ذات المادة من تبعية بنوك التسليف الزراعي والتعاوني القائمة بالمحافظات، والمنشأة
طبقاً للقانون رقم 105 لسنة 1964 بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للائتمان الزراعي والتعاوني
والبنوك التابعة لها بالمحافظات، وتسميتها بنوك التنمية الزراعية، وكذلك استناداً إلى
حكم المادة من القانون رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه، والتي قضت بالعمل فيما
لا يتعارض وأحكام هذا القانون بالأحكام المنصوص عليها في القانون رقم 105 لسنة 1964
المشار إليه والمعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1965 والذي كانت المادة منه تقضي بتحويل
فروع بنك التسليف الزراعي والتعاوني في المحافظات إلى بنوك للائتمان الزراعي والتعاوني
وتتخذ كل منها شكل الشركة المساهمة. وأيضاً ما قضت به المادتان (16 و17) من القانون
رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه، من أن تباشر مجالس إدارة هذه الفروع – وباعتبارها بنوكاً
تابعة – اختصاصاتها على الوجه المبين بالقانون رقم 105 لسنة 1964، وعلى ضوء أنظمتها
الأساسية، وأن يكون للبنك الرئيسي، ولكل من البنوك التابعة موازنة خاصة يتم إعدادها
وفقاً للقواعد الخاصة بموازنة الجهاز المصرفي، وهو ما يؤكد في مجموعه أن الفواصل القانونية
لا تنماع بين البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وبين البنوك التابعة التي لا
يعتبر العاملون فيها موظفين عامين يديرون مرفقاً عاماً، بل يباشر هؤلاء العاملون مهامهم
في بنوك تجارية بمعنى الكلمة، تزاول نشاطها في الحدود المنصوص عليها في قانون البنك
المركزي والجهاز المصرفي (وهو القانون رقم 120 لسنة 1975 الملغى والذي حل محله القانون
رقم 88 لسنة 2003)، ويرتبط عمالها بها بوصفها أرباباً للعمل ووفق الشروط التي يرتضونها.
وحيث إن نطاق المصلحة في الدعوى يتحدد بنص المادة من لائحة نظام العاملين بالبنك
الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وفروعه بالمحافظات، وكانت هذه اللائحة، وإن صدرت
عن مجلس إدارة البنك الرئيسي، متوخياً بها تقرير القواعد القانونية التي تنظم أوضاع
العاملين بالبنوك التابعة، إلا أن تعلق أحكام هذه اللائحة بعمال تلك البنوك، الذين
يخضعون أصلاً لقواعد القانون الخاص، وبمجال نشاطها في دائرة هذا القانون، لا يجعلها
تنظيماً إدارياً عاماً، وإنما الشأن فيها، شأن كل لائحة، يتحدد تكييفها بمجال سريانها.
فكلما كان هذا المجال متصلاً مباشرة بمنطقة القانون الخاص، انحسرت الصفة الإدارية عنها،
ولو كانت الجهة التي أصدرتها تعتبر من أشخاص القانون العام، كذلك، فإن سريان هذه اللائحة
على كل من العاملين في البنك الرئيسي والبنوك التابعة، لا يزيل الحدود التي تفصل هذه
البنوك عن بعضها، فلا زال لكل منها شخصيته القانونية المستقلة، ودائرة نشاط لها نظامها
القانوني الخاص بها، وفي إطار هذه الدائرة وحدودها تتحدد حقيقة الرابطة القانونية بينها
وبين عمالها.
وحيث إنه لما كان ما تقدم، وكان النزاع المعروض يتعلق بواحد من العاملين في أحد الفروع
التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، وهو فرع البنك بسمنود، ومنصباً على
نص المادة من لائحة نظام العاملين بالبنك، والخاص بالمقابل النقدي لرصيد الإجازات،
متحدياً دستوريته، وكان قد تبين أن العاملين بالفروع التابعة للبنك الرئيسي ليسوا موظفين
عموميين، وإنما يرتبطون بجهة عملهم بعلاقة تعاقدية رضائية في دائرة القانون الخاص،
تنحسر معها الصفة التنظيمية العامة عن لائحة شئون توظيفهم. لما كان ذلك، فإن اللائحة
التي اندرج تحتها نص المادة الطعين، وفي مجال سريان أحكامها في شأن البنوك التابعة
للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، لا تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي، ولا
تمتد إليها بالتالي، الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
