الطعن رقم 1521 لسنة 2 ق – جلسة 06 /04 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثاني (من أول فبراير إلى آخر مايو سنة 1957) – صـ 845
جلسة 6 من إبريل سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1521 لسنة 2 القضائية
( أ ) كادر العمال – العمال الذين سيطبق عليهم مستقبلاً ولو كانوا
معينين قبل صدوره – خضوعهم في ترقيتهم لقيود الترقية التي يقررها – وجوب التزام حدود
الاعتماد المالي، ومراعاة نسبة كل فئة من الصناع في القسم الواحد – خضوعهم أيضاً للقواعد
العامة للترقية – اعتبار الترقية جوازية للإدارة وعند وجود درجات خالية – سريان هذه
القواعد على الشراقات والصبية.
(ب) كادر العمال – قرار مجلس الوزراء في 12/ 8/ 1951 – معالجة الشذوذ الناتج عن صيرورة
بعض مساعدي الصناع في وضع أدنى من الشراقات – شروط تطبيقه.
1 – إن تطبيق أحكام كادر العمال ينصرف إلى طائفتين متميزتين من عمال اليومية لكل منهما
وضع مغاير للأخرى: أما الطائفة الأولى، فهي طائفة العمال الموجودين بالخدمة فعلاً وقت
تنفيذ هذا الكادر وتحققت فيهم شروطه، وهؤلاء يطبق عليهم بأثر رجعي مقتضاه أن تحسب لهم
ترقيات اعتبارية في مواعيدها في الماضي دون توقف على وجود درجات خالية أو ارتباط باعتمادات
مالية مقررة لقيام التسوية في شأنهم على أسس فرضية محضة، ولأن الفروق المالية والنفقات
المترتبة على إجراء هذه التسوية ووجهت في جملتها باعتمادات خاصة وقتذاك. وأما الطائفة
الثانية، فتتناول من عداهم من العمال الذين سيطبق عليهم الكادر مستقبلاً، كمن يعينون
أو تتوافر لهم شروطه أو يحل موعد ترقيتهم بعد أول مايو سنة 1945 ولو كانوا معينين قبل
هذا التاريخ، وهؤلاء يخضعون لأحكام هذا الكادر بما أورده على الترقية من قيود، من حيث
وجوب مراعاة نسب معينة لعدد أفراد كل فئة من الصناع أو العمال في القسم الواحد من الوزارة
أو المصلحة أو في كل درجة من الدرجات، أو من حيث ضرورة التزام حدود اعتماد مالي معين،
كما يخضعون للقواعد العامة للترقية من حيث ارتباطها بوجود درجات خالية، وهذه الترقية
متى قامت أسبابها وتكاملت عناصرها جوازية، تترخص الإدارة في تقدير ملاءمتها وفقاً لمقتضيات
المصلحة العامة، لا حتمية ولا واقعة بقوة القانون. ومن ثم فلا ينشأ المركز القانوني
فيها من تلقاء ذاته بمجرد استيفاء المدة المقررة أصلاً كحد أدنى وشرط أساسي لجوازها.
وهذا الحكم يصدق أيضاً على الشراقات والصبية لاتحاد الحكمة في الوضع الجوازي للترقية
بعد أول مايو سنة 1945، تاريخ تنفيذ كادر العمال، بالنسبة إلى من تسري في حقهم أحكام
هذا الكادر كافة؛ إذ يخضع هؤلاء جميعاً بمختلف فئاتهم على حد سواء للقواعد الرئيسية
الموحدة التي تضمنها الكادر المشار إليه دون تمييز بينهم في المعاملة، وقد اتضح هذا
المعنى وأكده قرار مجلس الوزراء الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951.
2 – المستفاد من قرر مجلس الوزراء الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951 أن المشرع رأى تعديل
حالة مساعدي الصناع من حيث الدرجة والعلاوة، لعلاج وضعهم الشاذ الناتج عن أن من لم
يكمل منهم في أول مايو سنة 1945 خمس سنوات، وكذلك من عين بعد هذا التاريخ قد ظل في
الدرجة (150/ 240 م) بسبب كون ترقيته بعد هذه السنوات الخمس هي ترقية جوازية لا حتمية؛
وذلك حتى لا يكون هذا الفريق من العمال في وضع أدنى من التلاميذ "الشراقات". وإذا كان
المشرع قد أعرب عن حرصه على التسوية بين الفريقين حتى لا يتميز أحدهما على الآخر، فلا
يستقيم مع رغبته في إزالة التفرقة بينهما أن يكون قد جعل ترقية البعض بعد خمس سنوات
جوازية، وترقية البعض الآخر بعد مضي هذه المدة وجوبية. أما ما جاء في قرار مجلس الوزراء
آنف الذكر من أن "الشراقات والصبية الذين لم يكونوا قد أتموا خمس سنوات خدمة في أول
مايو سنة 1945، وكذلك الذين عينوا منهم أو يعينون بعد هذا التاريخ سواء كانوا حاصلين
على الشهادة الابتدائية، أو غير حاصلين عليها تطبق عليهم قواعد وكشوف حرف (ب)..، وبعد
نهاية السن الخامسة يؤدي امتحاناً أمام اللجنة الفنية المشكلة بقرار وزاري، إن نجح
فيه يرقى إلى درجة صانع دقيق إذا وجدت درجة خالية، وفي هذه الحالة يمنح أجرة يومية
قدرها (300 م)، وإذا رسب يعطى فرصة سنة أخرى بأجرة (250 م يومياً) فإن تكرر رسوبه يفصل"
– فلا يعدو أن يكون ترديداً للأصل العام في كادر العمال فيما يتعلق بالترقية الحاصلة
بعد أول مايو سنة 1945، وهو أن شرط الصلاحية لهذه الترقية وجوب قضاء خمس سنوات في الدرجة
على الأقل كحد أدنى مع النجاح بعد ذلك في امتحان أمام اللجنة الفنية المختصة، وبياناً
للحكم في شأن من يرسب في هذا الامتحان مرة ومن يتكرر رسوبه فيه، فمن ينجح يصبح صالحاً
للترقية بشروطها وقيودها، ومن يخفق يعطى فرصة ثم يفصل إن تكرر رسوبه، وليس معنى هذا
وجوب ترقية من نجح في الامتحان بعد خمس سنوات حتماً بمجرد وجود درجة خالية، إذ أن هذا
التفسير ينطوي على إخلال لم يرده الشارع بقاعدة أصلية في كادر العمال تقوم عليها دعائم
تقديراته ويتماسك حولها بنيانه وهي جوازية الترقية، كما يؤدي إلى انطلاق فريق وحيد
من العمال في الترقية دون مراعاة للنسب العددية أو تقيد بالدرجات الخالية أو الاعتمادات
المالية، وإلى تخلف من عداهم في هذا المجال، مع ما في ذلك من إخلال بالمساواة وبتكافؤ
الفرص بين طوائف من العمال ينتظمهم سلك واحد. وقد جاء كتاب وزارة المالية الدوري ملف
رقم 234 – 9/ 53 الصادر في 8 من سبتمبر سنة 1951 تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء المتقدم
ذكره صريحاً في تطبيق الأحكام التي نص عليها هذا القرار بما فيها استمرار العمل بقاعدة
جواز الترقية بعد خمس سنوات على الأقل على حالات الصبية والشراقات ومساعدي الصناع الموجودين
في الخدمة على حد سواء، وهذا هو ما سبق أن أيده قرار مجلس الوزراء الصادر بجلسة 24
من يونيه سنة 1951، وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234 – 9/ 53 المؤرخ 17 من يوليه
سنة 1951.
إجراءات الطعن
في 29 من مايو سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1521 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والشئون البلدية والقروية والأوقاف بجلسة 31 من مارس سنة 1956 في الدعوى رقم 1598 لسنة 1 القضائية "محاكم" المقامة من عبد الحكيم علي حسن ضد وزارة الشئون البلدية والقروية، القاضي: "بأحقية المدعي في درجة صانع دقيق في الفئة (300/ 500 م) بأجر يومي قدره 300 م اعتباراً من أول يوليه سنة 1955، وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية، وألزمت الوزارة مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة، للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه، "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم، والقضاء برفض الدعوى، وبإلزام المدعي المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الشئون البلدية والقروية في 15 من يوليه سنة 1956، وإلى المطعون عليه في أول أغسطس سنة 1956، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 9 من مارس سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 10 من فبراير سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المطعون عليه
قدم إلى اللجنة القضائية لوزارات الأوقاف والشئون الاجتماعية والإرشاد القومي التظلم
رقم 1623 لسنة 2 ق الذي قيد فيما بعد تحت رقم 1598 لسنة 1 القضائية "محاكم" أمام المحكمة
الإدارية لوزارات الصحة والشئون البلدية والقروية والأوقاف التي حلت محل اللجنة القضائية،
وذلك بعريضة أودعها سكرتيرية اللجنة في 3 من فبراير سنة 1954 طلب فيها تقرير أحقيته
في الترقية إلى درجة صانع دقيق اعتباراً من تاريخ نجاحه في الامتحان الذي أداه في هذه
المهنة أو على الأقل من تاريخ خلو درجة صانع بتفتيش الطرق إذا كانت الدرجة قد خلت بعد
الامتحان، مع ما يترتب على ذلك من فروق وآثار. وقال شرحاً لتظلمه إنه عين بمصلحة التنظيم
في 3 من يونيه سنة 1946 في مهنة إشراق ميكانيكي، وظل بها حتى بلغ أجره 250 م يومياً
في 3 من يونيه سنة 1950، وفي 26 من نوفمبر سنة 1952 أدى امتحاناً لمهنة صانع دقيق أمام
اللجنة الفنية بالمصلحة ونجح فيه. وقد طلب من المصلحة على أثر ذلك ترقيته إلى درجة
صانع دقيق اعتباراً من تاريخ نجاحه في الامتحان أو من تاريخ خلو درجة صانع بالتفتيش
إن كانت قد خلت بعد نجاحه، غير أن المصلحة لم تجبه إلى هذا الطلب استناداً إلى قرار
مجلس الوزراء الصادر في 18 من نوفمبر سنة 1951 الذي قضى بوقف التعيينات في الدرجات
الخالية إلى أن يتم شغلها بعمال القنال تقديراً لظروفهم. بيد أن هذا القرار لا ينطبق
على حالته؛ لأنه لا يطلب تعييناً جديداً بل نقلاً بطريق الترقية في السلك ذاته، وهذه
الترقية هي ترقية حتمية لا يجوز حرمانه منها ما دام قد توافرت له شروطها. وقد ردت بلدية
القاهرة على هذا التظلم بأن المتظلم التحق بخدمة مصلحة التنظيم اعتباراً من 2 من يوليه
سنة 1946 بمهنة إشراق ميكانيكي، وقد طبق عليه كادر أعمال فوضع في الدرجة (50/ 250 م)،
وتدرجت أجرته اليومية في هذه الدرجة إلى أن بلغت 250 م، أما ما يطالب به من ترقيته
إلى الدرجة (300/ 500 م) بعد خمس سنوات من تاريخ تعيينه فيتعارض مع أحكام كادر العمال
الذي أجاز هذه الترقية ولم يوجبها ولو وجدت درجات خالية، وكذا مع أحكام قرار مجلس الوزراء
الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951، كما أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من نوفمبر
سنة 1951 قضى بتخصيص جميع الدرجات الخالية والتي تخلو مستقبلاً في الوزارات والمصالح
لكي يعين فيها عمال القنال؛ ومن ثم فلا إلزام على المصلحة بترقية المتظلم، فضلاً عن
أن الدرجة التي يطلب الترقية إليها يجب أن يعين فيها أحد عمال القنال وفقاً لأحكام
قرار مجلس الوزراء المشار إليه. وخلصت المصلحة من هذا إلى طلب رفض التظلم. وبجلسة 31
من مارس سنة 1956 قضت المحكمة الإدارية "بأحقية المدعي في درجة صانع دقيق في الفئة
(300/ 500 م) بأجر يومي قدره 300 م اعتباراً من أول يوليه سنة 1955، وما يترتب على
ذلك من آثار وفروق مالية، وألزمت الوزارة مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت
المحكمة قضاءها على أن المدعي قصر طلباته على الحكم له بأحقيته في درجة صانع دقيق في
الفئة (300/ 500 م) اعتباراً من أول يوليه سنة 1955، وما يترتب على ذلك من آثار، وأن
مقطع النزاع في هذا الطلب ينحصر في نقطتين: (الأولى) ما إذا كانت ترقية الصبي أو الإشراق
الذي لم يكن قد أتم خمس سنوات قبل أول مايو سنة 1945 أو الذي عين بعد هذا التاريخ إلى
درجة الصانع الدقيق في الفئة (300/ 500 م) حتمية أم جوازية. و(الثانية) مدى أثر قرار
مجلس الوزراء الصادر في 18 من نوفمبر سنة 1951 والقانون رقم 569 لسنة 1955 على هذه
الترقية. أما عن النقطة الأولى فإنه يستخلص من أحكام كادر أعمال وقرار مجلس الوزراء
الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951 أن ترقية الصبي أو الإشراف الذي لم يتم خمس سنوات قبل
أول مايو سنة 1945 أو الذي عين اعتباراً من هذا التاريخ إلى درجة الصناع الدقيق هي
ترقية حتمية متى توافرت شروط ثلاثة: (الأول) أن يكون قد أمضى في الخدمة خمس سنوات.
و(الثاني) أن يؤدي امتحاناً في نهاية السنة الخامسة أمام لجنة فنية مشكلة بقرار وزاري.
و(الثالث) أن توجد درجة من درجات الصناع الدقاق لترقيته إليها، فإذا لم يتوافر أحد
هذه الشروط فإن الترقية لا تكون حتمية. وأما عن النقطة الثانية فإن قرار مجلس الوزراء
الصادر في 18 من نوفمبر سنة 1951 لا يحول دون الترقيات الوجوبية التي يستمد الحق فيها
من القانون مباشرة متى توافرت شروطها، إذ أنها تتم بقوة القانون، فيعتبر من توافرت
في حقه شروطها في مركز قانوني جديد. هذا فضلاً عن أن هذه الترقيات لا تعتبر تعييناً
في حكم قرار مجلس الوزراء المشار إليه. وفيما يتعلق بالقانون رقم 569 لسنة 1955 بشأن
تعيين عمال القنال على درجات بالميزانية، فإن هذا القانون لم يعمل به إلا من 27 من
نوفمبر سنة 1955. فضلاً عن أنه لم يتناول إلا تخصيص نسبة معينة من الخلوات لتعيين عمال
القنال في بعض الدرجات في الكادرين الكتابي والمتوسط، وبذا لا يمتد أثره إلى درجات
كادر عمال اليومية. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها
سكرتيرية هذه المحكمة في 29 من مايو سنة 1956؛ واستند في أسباب طعنه إلى مخالفة الحكم
للقانون وخطئه في تطبيقه؛ ذلك أنه من المقرر بحسب التطبيق القانوني السليم لأحكام كادر
العمال أن الترقيات التي تتكامل شروطها بعد أول مايو سنة 1945 هي ترقيات جوازية تترخص
الإدارة في تقدير ملاءمتها وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة ولا ينشأ المركز القانوني
فيها حتماً ومن تلقاء ذاته، وقد أكد قرار مجلس الوزراء الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951
الذي أسست عليه المحكمة قضاءها أن الترقية بعد أول مايو سنة 1945 جوازية بالنسبة إلى
الشراقات والصبية لا فرق بينهم في ذلك وبين مساعدي الصناع. كما أيد هذا المعنى قرار
المجلس الصادر في 24 من يونيه سنة 1951، ولا وجه إزاء صراحة التشريعات الصادرة في شأن
عمال اليومية في هذا الخصوص للقول بأن قرار 12 من أغسطس سنة 1951 قصد إلى إنشاء قاعدة
جديدة في شأن التلاميذ ليخصهم دون باقي العمال بميزة مقتضاها أن تكون ترقيتهم حتمية
بمجرد استيفاء المدة، وذلك استثناء من قواعد كادر العمال، ومن ثم يكون طلب المدعي اعتباره
مرقى إلى درجة صانع دقيق بمجرد استكمال المدة كإشراق على الرغم من تحقق ذلك في تاريخ
لاحق لأول مايو سنة 1945 في غير محله متعيناً رفضه. وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير
هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه، وتكون قد قامت به حالة من حالات
الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من
هذا إلى طلب "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع إلغاء الحكم والقضاء برفض الدعوى، وبإلزام
المدعي المصروفات".
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن تطبيق أحكام كادر العمال ينصرف إلى طائفتين
متميزتين من عمال اليومية لكل منهما وضع مغاير للأخرى: أما الطائفة الأولى، فهي طائفة
العمال الموجودين بالخدمة فعلاً وقت تنفيذ هذا الكادر وتحققت فيهم شروطه، وهؤلاء يطبق
عليهم بأثر رجعي مقتضاه أن تحسب لهم ترقيات اعتبارية في مواعيدها في الماضي دون توقف
على وجود درجات خالية أو ارتباط باعتمادات مالية مقررة لقيام التسوية في شأنهم على
أسس فرضية محضة، ولأن الفروق المالية والنفقات المترتبة على إجراء هذه التسوية ووجهت
في جملتها باعتمادات خاصة وقتذاك. وأما الطائفة الثانية، فتتناول من عداهم من العمال
الذين سيطبق عليهم الكادر مستقبلاً كمن يعينون أو تتوافر لهم شروطه أو يحل موعد ترقيتهم
بعد أول مايو سنة 1945 ولو كانوا معينين قبل هذا التاريخ، وهؤلاء يخضعون لأحكام هذا
الكادر بما أورده على الترقية من قيود، سواء من حيث وجوب مراعاة نسب معينة لعدد أفراد
كل فئة من الصناع أو العمال في القسم الواحد من الوزارة أو المصلحة أو في كل درجة من
الدرجات، أو من حيث ضرورة التزام حدود اعتماد مالي معين، كما يخضعون للقواعد العامة
للترقية من حيث ارتباطها بوجود درجات خالية. وهذه الترقية متى قامت أسبابها وتكاملت
عناصرها جوازية تترخص الإدارة في تقدير ملاءمتها وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة لا
حتمية ولا واقعة بقوة القانون. ومن ثم فلا ينشأ المركز القانوني فيها من تلقاء ذاته
بمجرد استيفاء المدة المقررة أصلاً كحد أدنى وشرط أساسي لجوازها.
ومن حيث إن هذا الحكم يصدق أيضاً على الشراقات والصبية لاتحاد الحكمة في الوضع الجوازي
للترقية بعد أول مايو سنة 1945، تاريخ تنفيذ كادر العمال، بالنسبة إلى من تسري في حقهم
أحكام هذا الكادر كافة؛ إذ يخضع هؤلاء جميعاً بمختلف فئاتهم على حد سواء للقواعد الرئيسية
الموحدة التي تضمنها الكادر المشار إليه دون تمييز بينهم في المعاملة، وقد أفصح عن
هذا المعنى وأكده قرار مجلس الوزراء الصادر في 12 من أغسطس سنة 1951؛ إذ ورد في البند
(ثانياً) من مذكرة اللجنة المالية التي وافق عليها المجلس أنه: "جاء بكادر العمال أن
مساعد الصانع درجته في كشوف ( أ ) (150/ 240 م) بعلاوة 20 م كل ثلاث سنوات، ولم يرد
ذكر لهذه الدرجة ولا لعلاواتها في كشوف (ب). وطبقاً لأحكام الكادر المذكور سويت حالة
مساعدي الصناع الذين كانوا في الدرجة قبل أول مايو سنة 1945 وكانت لهم مدة خدمة خمس
سنوات أو أكثر قبل هذا التاريخ بمنحهم 300 م في درجة صانع دقيق من التاريخ التالي لقضائهم
خمس سنوات في درجة مساعد صانع، أما من لم يكمل منهم في أول مايو سنة 1945 خمس سنوات،
وكذلك الذين عينوا بعد هذا التاريخ فقد ظلوا في الدرجة (150/ 240 م) ومنحوا علاواتهم
على أساس 20 مليماً كل ثلاث سنوات. وقد ترتب على ذلك أن هذا الفريق من العمال أصبح
في وضع أقل من التلاميذ "الشراقات" من حيث إن هؤلاء يمنحون 250 م يومياً في بداية السنة
الخامسة، في حين أن أجر مساعد الصانع في بداية السنة الخامسة يكون 170 م، وتلافياً
لهذا الوضع الشاذ تطلب بعض الوزارات والمصالح والهيئة التنفيذية لمؤتمر عمال الحكومة
تعديل حالة مساعد الصانع من حيث الدرجة والعلاوة. وترى اللجنة المالية جعل درجة مساعد
الصانع (150/ 200 م)، فيكون التعيين فيها بأجرة قدرها 150 م تزاد إلى 200 م بعد سنتين
وإلى 250 م بعد سنتين أخريين، ثم يمنح علاوة بعد ذلك بواقع 20 م كل سنتين إلى أن تبلغ
الأجرة نهاية ربط الدرجة (300 م) يومياً، وتستمر معاملة مساعد الصانع بالنسبة للترقية
بالقاعدة المعمول بها الآن وهي: جواز ترقيته بعد خمس سنوات على الأقل". ومفاد هذا أن
المشرع رأى تعديل حالة مساعدي الصناع من حيث الدرجة والعلاوة لعلاج وضعهم الشاذ الناتج
عن أن من لم يكمل منهم في أول مايو سنة 1945 خمس سنوات، وكذلك من عين بعد هذا التاريخ
قد ظل في الدرجة (150/ 240 م) بسبب كون ترقيته بعد هذه السنوات الخمس هي ترقية جوازية
لا حتمية، وذلك حتى لا يكون هذا الفريق من العمال في وضع أدنى من التلاميذ "الشراقات".
وإذا كان المشرع قد أعرب بهذا عن حرصه على التسوية بين الفريقين حتى لا يتميز أحدهما
على الآخر، فلا يستقيم مع رغبته في إزالة التفرقة بينهما أن يكون قد جعل ترقية البعض
بعد خمس سنوات جوازية وترقية البعض الآخر بعد مضي هذه المدة وجوبية. أما ما جاء في
قرار مجلس الوزراء آنف الذكر من أن "الشراقات والصبية الذين لم يكونوا قد أتموا خمس
سنوات خدمة في أول مايو سنة 1945، وكذلك الذين عينوا منهم أو يعينون بعد هذا التاريخ
سواء كانوا حاصلين على الابتدائية، أو غير حاصلين عليها تطبق عليها قواعد وكشوف حرف
(ب).. وبعد نهاية السنة الخامسة يؤدي امتحاناً أمام اللجنة الفنية المشكلة بقرار وزاري،
إن نجح فيه يرقى إلى درجة صانع دقيق إذا وجدت درجة خالية، وفي هذه الحالة يمنح أجرة
يومية قدرها 300 م. وإذا رسب يعطى فرصة سنة أخرى بأجرة (250 م يومياً)، فإن تكرر رسوبه
يفصل" – فلا يعدو أن يكون ترديداً للأصل العام في كادر العمال فيما يتعلق بالترقية
الحاصلة بعد أول مايو سنة 1945، وهو أن شرط الصلاحية لهذه الترقية وجوب قضاء خمس سنوات
في الدرجة على الأقل كحد أدنى مع النجاح بعد ذلك في امتحان أمام اللجنة الفنية المختصة،
وبياناً للحكم في شأن من يرسب في هذا الامتحان مرة ومن يتكرر رسوبه فيه؛ فمن ينجح يصبح
صالحاً للترقية بشروطها وقيودها ومن يخفق يعطى فرصة ثم يفصل إن تكرر رسوبه، وليس معنى
هذا وجوب ترقية من نجح في الامتحان بعد خمس سنوات حتماً بمجرد وجود درجة خالية؛ إذ
أن هذا التفسير ينطوي على إخلال لم يرده الشارع بقاعدة أصلية في كادر العمال تقوم عليها
دعائم تقديراته ويتماسك حولها بنيانه وهي جوازية الترقية، كما يؤدي إلى انطلاق فريق
وحيد من العمال في الترقية دون مراعاة للنسب العددية أو تقيد بالدرجات الخالية أو الاعتمادات
المالية، وإلى تخلف من عداهم في هذا المجال، مع ما في ذلك من إخلال بالمساواة وبتكافؤ
الفرص بين طوائف ينتظمهم سلك واحد. وقد جاء كتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234
– 9/ 53 الصادر في 8 من سبتمبر سنة 1951 تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء المتقدم ذكره صريحاً
في تطبيق الأحكام التي نص عليها هذا القرار بما فيها استمرار العمل بقاعدة جواز الترقية
بعد خمس سنوات على الأقل على حالات الصبية والشراقات ومساعدي الصناع الموجودين في الخدمة
على حد سواء، وهذا هو ما سبق أن أيده قرار مجلس الوزراء الصادر بجلسة 24 من يونيه سنة
1951 وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234 – 9/ 53 المؤرخ 17 من يوليه سنة 1951،
إذ ورد بالبند الخامس منه "تتساءل الوزارات بمناسبة تطبق الكتاب الدوري سالف الذكر
هل تعمل تسويات لعمالها طبقاً لكشوف (ب) التي نص على تطبيقها. فإذا كان الجواب بالإيجاب
– هل تفترض ترقية مساعد الصانع والإشراق مثلاً بعد خمس سنوات إلى درجة صانع دقيق بأجر
300 م ولو لم توجد درجات خالية بالميزانية وتعتبر ترقياتهم شخصية خصماً على الدرجات
الأدنى الشاغرة بالميزانية، وكذلك الحال في جميع حالات الترقية المترتبة على تطبيق
كشوف حرف (ب) أم يرجأ النظر في ترقياتهم لحين خلو درجات لهذه الترقيات بالميزانية؟".
وقد قرر مجلس الوزراء في شأن هذه المسألة "تأييد ما ورد بقواعد وكشوف (ب) من جواز الترقية
بعد المدد المنصوص عليها بشرط وجود درجات خالية". وفي هذا تأكيد لأن ترقية الإشراق
بعد خمس سنوات جوازية لا وجوبية، وأنها فوق ذلك مشروطة بوجود درجات خالية.
ومن حيث إنه متى كانت ترقية المدعي وهو يشغل وظيفة إشراق ميكانيكي بتفتيش الطرق والكباري
بمصلحة التنظيم ببلدية القاهرة منذ 2 من يوليه سنة 1946 إلى درجة صانع دقيق هي أمر
جوازي حسبما سلف بيانه تترخص الإدارة في تقدير ملاءمته وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة
وتبعاً لظروف العمل وحاجته في المصلحة التي يعمل بها، وكذا لعدد الدرجات الخالية والاعتمادات
المالية والنسب المقررة ما دام قرارها في هذا الشأن قد خلا من إساءة استعمال السلطة،
فلا يكون ثمة وجه بعد ذلك لبحث مدى أثر قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من نوفمبر سنة
1951 والقانون رقم 569 لسنة 1955 في شأن وقف التعيينات وتخصيص بعض الدرجات في الميزانية
لعمال القنال في ترقية لم يتعلق للمدعي أي حق بها. ومن ثم فإن الطعن يكون في محله،
ويكون الحكم المطعون فيه – إذ قضى بأن هذه الترقية وجوبية ورتب على ذلك استحقاق المدعي
لها اعتباراً من أول يوليه سنة 1955 مع ما يتبع ذلك من آثار – قد أخطأ في تأويل القانون
وتطبيقه، ويتعين القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، ورفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.
