الطعن رقم 1765 لسنة 2 ق – جلسة 30 /03 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثاني (من أول فبراير إلى آخر مايو سنة 1957) – صـ 800
جلسة 30 من مارس سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1765 لسنة 2 القضائية
علاوة التليفون – الأشخاص الذين يفيدون منها طبقاً لقرار مجلس الوزراء
في 16/ 9/ 1947 – قرار مدير عام مصلحة التليفونات في 25/ 6/ 1951 بعدم صرفها إلا لمن
يشتغل فعلاً بالسماعة أو يقوم بالإشراف على أعمال التليفون داخل السنترالات دون من
يشتغل بأعمال كتابية – صحيح قانوناً.
يبين من قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 – في ضوء الباعث على استصداره
الذي أفصحت عنه المذكرة المرفوعة من مدير عام مصلحة السكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات
إلى مجلس إدارة المصلحة – أنه استهدف تحسين حالة فئة معينة من طائفة خاصة من موظفي
مصلحة التلغرافات والتليفونات هي على وجه التحديد طائفة عمال وعاملات التليفون وعمال
المراجعة، وأن المقصود بتحسين حالتهم بالقرار المذكور من بين أفراد هذه الفئة ذوو المؤهلات
الدراسية ممن لم يفيدوا من قواعد الإنصاف أو لم تطبق في حقهم أحكام كادر العمال ولا
تعلو درجتهم على الدرجة الخامسة، وهم الذين تخلفوا عن زملائهم الذين يؤدون مثل عملهم،
وإنما تحسنت مرتباتهم إما بإنصافهم لمؤهلاتهم أو بسبب تطبيق كادر العمال عليهم؛ ذلك
أن المصلحة جرت على شغل وظائف عمال وعاملات التليفون مع إدماج وظائف عمال المراجعة
بمرشحين ذوي مؤهلات مختلفة أو لا يحملون مؤهلات ما، وهؤلاء الأخيرون هم الغالبية العظمي،
وكلا الفريقين يقوم بذات العمل على ما فيه من مشقة وإرهاق مع تفاوت متباين في الأجر؛
لذا رؤي تقريباً للشقة بين عمال تجمعهم رابطة عمل واحد أن يمنح جميع من لم ينالوا تحسيناً
في مرتباتهم سواء عن طريق الإنصاف أو نتيجة لتطبيق كادر العمال من عمال وعاملات التليفون
والمراجعة حتى الدرجة الخامسة علاوة شهرية قدرها جنيه مصري واحد وذلك بصفة مؤقتة إلى
أن يبت في تحسين درجاتهم بصفة عامة في ضوء الاعتبارات المختلفة على أن تخصم العلاوة
المذكورة مستقبلاً من التحسين الذي قد يتقرر لهم. وحكمة تقرير هذه العلاوة المؤقتة
العاجلة هي ما قدرته المصلحة من جسامة المسئوليات الملقاة على عاتق هؤلاء العمال بسبب
اتصال أعمالهم بمصالح الجمهور المتشعبة المرهقة؛ وما تتطلبه هذه الأعمال من سرعة وإتقان
مع السهر وسعة الصدر وضبط الأعصاب لما يصادفهم من متاعب في سيبل تلبية طلبات الجمهور
المتباينة وما يتعرضون له من انفعالات واستفزازات. وقد أبرزت المصلحة في مذكرتها سبب
استحقاق هذه العلاوة؛ إذ أرجعت علة هذا الاستحقاق إلى طبيعة الأعمال التي يقومون بها
بقولها: "ومع ذلك فإن الماهيات التي يتقاضونها لا تزال أقل من المستوى الذي يتفق وما
يقومون به من أعمال ليلاً ونهاراً…" وذلك بعد أن أوضحت ما تنطوي عليه تلك الأعمال
من عناء وجهد. ولما كانت مشقة الأعمال المنوطة بهذه الطائفة من الموظفين هي التي اقتضت
منحهم العلاوة المذكورة لتقريب مرتباتهم من المستوى الذي يتفق والأعمال المسندة إليهم،
فثمة ارتباط وثيق بين استحقاق العلاوة المشار إليها والقيام الفعلي بهذه الأعمال. فلا
تكفي تولية الوظيفة لترتب هذا الحق، بل يتعين اقتران هذه التولية بمباشرة عمل الوظيفة
بالفعل لقيام التلازم بين الاثنين، ولو قيل بغير هذا لأهدرت حكمة تقرير هذه العلاوة
ولساغ أن يظفر بها من لا تتحقق فيه هذه الحكمة فيمنحها من لا تقوم به أسباب استحقاقها.
وقرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 بحسب فحوى المذكرة التي وافق عليها
وفي ضوء الأغراض التي استهدفها قد حصر مزية العلاوة في نطاق الفئة التي حددها وعيّن
عملها وهي فئة "موظفي التليفون لغاية الدرجة الخامسة (عمال وعاملات التليفون وعمال
المراجعة) الذين لم يستفيدوا من تطبيق كادر العمال أو إنصاف الشهادات"؛ ومن ثم فلا
ينصرف أثره إلى من عدا هذه الفئة كالكتبة مثلاً، أي إلى من ليس عاملاً بالتليفون أو
المراجعة وقائماً بهذا العمل بالفعل. أما ما تضمنه من النص على خصم العلاوة التي قررها
من التحسين الذي قد يتقرر لهذه الفئة فواضح في دلالته على أن منح العلاوة إنما هو مرحلة
مبدئية من هذا التحسين تتحد معه في الطبيعة والخصائص؛ ولذا نص على خصمها منه إذا ما
تقرر وذلك منعاً من الازدواج. ولما كان التحسين المذكور إنما يهدف إلى إيثار هذه الفئة
من الموظفين بضرب من الإنصاف المخصص المستمد من الوظيفة ذاتها لما يكايدونه من مشاقها،
لا المستند إلى صفة قائمة بهم أو إلى مؤهلاتهم لانعدام هذه المؤهلات؛ فإن النص على
خصم علاوة التليفون من هذا التحسين قاطع في الدلالة على اتحاد الحكمة في كليهما، وهي
التعويض عن إرهاق الأعصاب وعناء العمل ليلاً ونهاراً؛ ومن ثم فإن قرار مدير عام مصلحة
التليفونات الصادر في 25 من يونيه سنة 1951 بعدم صرف هذه العلاوة إلا لمن يشتغل فعلاً
بالسماعة أو يقوم بالإشراف على أعمال التليفون داخل السنترالات دون من يشتغل بأعمال
كتابية يكون تطبيقاً صحيحاً لقرار مجلس الوزراء الذي قضى بمنح العلاوة المذكورة.
إجراءات الطعن
في 19 من أغسطس سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1765 لسنة 2 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثانية) بجلسة 20 من يونيه سنة 1956 في الدعوى رقم 4870 لسنة 8 القضائية المقامة من وزارة المواصلات ضد محمد توفيق فتوح، القاضي "بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه ورفض التظلم وألزمت المدعى عليه بالمصروفات". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم بالمطعون فيه وتأييد قرار اللجنة القضائية وإلزام الحكومة المصروفات". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة المواصلات في 28 من أغسطس سنة 1956 وإلى المطعون لصالحه في 8 من سبتمبر سنة 1956، وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 2 من مارس سنة 1957. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفي 9 من فبراير سنة 1957 أبلغ الطرفان بميعاد الجلسة، وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت إرجاء النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المطعون لصالحه
قدم إلى اللجنة القضائية لوزارة المواصلات التظلم رقم 6191 لسنة 1 القضائية بعريضة
أودعها سكرتيرية اللجنة في 27 من يوليه سنة 1953 ذكر فيها أن مجلس الوزراء أصدر في
16 من يناير سنة 1947 قراراً بمنح جميع موظفي التليفونات لغاية الدرجة الخامسة من عمال
وعاملات وعمال مراجعة الذين لم يفيدوا من تطبيق قواعد الإنصاف أو كادر العمال علاوة
تليفون مؤقتة قدرها جنيه مصري واحد شهرياً. ولما كان هو من موظفي التليفونات الذين
لم يفيدوا من قواعد إنصاف المؤهلات أو كادر العمال فقد طبق عليه هذا القرار ومنح علاوة
مقدارها جنيه اعتباراً من 16 من سبتمبر سنة 1947. إلا أنه فوجئ في أول يوليه سنة 1951
بقطع هذه العلاوة عنه بناء على قرار من مدير عام مصلحة التلغرافات والتليفونات بحجة
أنه لم يعمل داخل السنترالات. فلما تظلم من هذا القرار ردت عليه المصلحة بأن السيد
المدير قرر عدم صرف هذه العلاوة إلا لمن يشتغل فعلاً بالسماعة أو يقوم بالإشراف على
أعمال التليفون داخل السنترال. ولما كان قرار مجلس الوزراء سالف الذكر لم يدع للإدارة
في شأن العلاوة المشار إليها سلطة تقديرية، وكان مدير المصلحة هو سلطة أدنى من مجلس
الوزراء فإنه لا يملك تقييد القرار الصادر من السلطة العليا. وخلص من هذا إلى طلب "إلغاء
القرار سالف الذكر وما يترتب عليه من آثار حيث إنه صادر من سلطة أدنى من سلطة مجلس
الوزراء وما كان يستطيع أن يقيد القواعد الصادرة من السلطة العليا ومنحه العلاوة المقررة
وصرف الفرق اعتباراً من أول يوليه سنة 1951". وقد ردت مصلحة التلغرافات والتليفونات
على هذا التظلم بأنه يتضح من الرجوع إلى المذكرة التي وافق عليها مجلس الوزراء بقراره
الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 أنه جاء بها "وغير خاف أن المسئوليات الملقاة على
عاتق عمال وعاملات التليفون والمراجعة جسيمة نظراً لاتصال أعمالهم اتصالاً وثيقاً بمصالح
الجمهور وهي متشعبة ومرهقة وتحتاج إلى سرعة وإتقان مع الصبر وسعة الصدر وضبط الأعصاب
لما يصادفهم من متاعب في سبيل تلبية طلبات الجمهور المتباينة… وما يقومون به من أعمال
ليلاً نهاراً". ومفاد هذا أن الغرض الذي هدف إليه مجلس الوزراء من تقريره إعانة السماعة
التي يطالب بها المتظلم إنما هو تعويض هذه الفئة لما تلاقيه من إرهاق في عملها ليلاً
ونهاراً ومن تعرضها لانفعالات الجمهور واستفزازاته؛ وإذ كانت هذه هي مبررات منح العلاوة
المذكورة فإنه لا يستحقها من لا تتوافر فيه هذه الظروف، أي أنها لا تصرف إلا لمن يشتغل
فعلاً بالسماعة أو يقوم بالإشراف على أعمال التليفون داخل السنترالات، فلا تمنح لمن
يشتغل بأعمال كتابية. ولما كان المتظلم يقوم بأعمال كتابية بورش التلغرافات ولا صلة
له ولا لأعماله بالجمهور فإنه لا يستحق العلاوة المشار إليها. وبجلسة 26 من أكتوبر
سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قرارها بـ "استحقاق المتظلم لصرف علاوة التليفون الصادر
بها قرار مجلس الوزراء بتاريخ 16 من سبتمبر سنة 1947 من تاريخ أول يوليه سنة 1951 مع
صرف الفروق المترتبة على ذلك وكافة ما يترتب على ذلك من آثار". واستندت في ذلك إلى
أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 بمنح علاوة مؤقتة قدرها جنيه
مصر واحد شهرياً لجميع موظفي التليفون لغاية الدرجة الخامسة من عمال وعاملات وعمال
مراجعة الذين لم يفيدوا من تطبيق قواعد الإنصاف أو كادر العمال قد ورد مطلقاً ومن ثم
فلا يملك مدير المصلحة وهو سلطة أدنى من مجلس الوزراء تقييده بقيد غير وارد به أو تخصيصه
بغير مخصص بقصر تطبيقه على من يقوم فعلاً بأعمال السماعة. ولما كان المتظلم من ضمن
موظفي التليفون وقد توافرت فيه الشروط المبينة في القرار المذكور فقد تعلق حقه به.
ولا حجة في التفسير الذي تذهب إليه المصلحة لعلّة المنح؛ ذلك أن القرار نص على خصم
هذه العلاوة من التحسين الذي قد يتقرر لهذه الفئة، مما يقطع في أن الهدف الرئيسي الذي
قصد هذا القرار إلى تحقيقه هو تحسين حال طائفة معينة من الموظفين؛ إذ لو كان المراد
بهذه العلاوة هو تعويض البعض عن إرهاق أعصابهم لاستمر صرفها إليهم طوال مدة عملهم على
السماعة بحيث تتلازم مع هذا العمل وجوداً سواء تحسنت حالتهم أو لم تتحسن. وبذلك يكون
قرار مدير عام المصلحة بحرمان المتظلم من العلاوة المذكورة في غير محله لانحرافه عن
غرض الشارع. وبعريضة مودعة سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 6 من مارس سنة 1954 طعنت
وزارة المواصلات في قرار اللجنة القضائية بالدعوى رقم 4870 لسنة 8 القضائية طالبة الحكم
بإلغائه مع إلزام المتظلم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، ونعت على قرار اللجنة مخالفته
للقانون، إذ أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 إنما قضيب بمنح
علاوة السماعة لعمال وعاملات التليفون الذين يعملون داخل السنترالات أي الذين يكون
عملهم آلة التليفون، ولما كان المتظلم يعمل كاتباً بالورش فإن قرار مجلس الوزراء المشار
إليه لا ينطبق على حالته. وبجلسة 20 من يونيه سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري (الهيئة
الثانية) "بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه ورفض التظلم وألزمت المدعى عليه
بالمصروفات". وأقامت قضاءها على أن مجلس الوزراء قد استهدف بقراره الصادر في 16 من
سبتمبر سنة 1947 إنصاف فئة من موظفي مصلحة التليفونات تتولى أعمالاً تتميز بالمشقة
والإرهاق، وهو ما حدا بالسلطة الإدارية إلى طلب إسعاف أفراد هذه الفئة عن طريق تقرير
علاوة مؤقتة وعاجلة قدرها جنيه واحد شهرياً إلى أن ينظر في حالتهم بصفة عامة، وأنه
واضح من المذكرة التي تقدمت بها الجهة الإدارية إلى مجلس الوزراء أنها عينت المقصودين
بهذه العلاوة بأنهم عمال وعاملات التليفونات والمراقبة، وذلك لأن أعمالهم متصلة بالجمهور
اتصالاً وثيقاً فضلاً عن كونها متشعبة ومرهقة وتحتاج إلى سرعة وإتقان مع الصبر وسعة
الصدر وضبط الأعصاب لما يصادفهم من متاعب في سبيل تلبية طلبات الجمهور المتباينة؛ ومن
ثم فإن العلاوة المذكورة مقصورة الأثر على تلك الفئة المحددة من موظفي مصلحة التليفونات
وهي التي يعمل أفرادها داخل السنترالات. ولما كان المتظلم ليس من عمال التليفون ولا
من عمال المراجعة ولا اتصال له أو لعمله بالجمهور فإنه يخرج من نطاق هذه الفئة. وقد
طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في
19 من أغسطس سنة 1956 وبنى طعنه على أنه يبين من قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من
سبتمبر سنة 1947 أن علاوة التليفون قد قررت بصفة عامة شاملة لجميع موظفي التليفون ولم
يقيد صرفها إلا بشرطين: (الأول) ألا يكون الموظف في درجة أعلى من الدرجة الخامسة. (والثاني)
ألا يكون قد أفاد من تطبيق كادر العمال أو قواعد إنصاف حملة المؤهلات الدراسية. فالقول
بأن هذه العلاوة مقصورة على من يستعملون السماعة من هؤلاء الموظفين تخصيص بغير مخصص.
والأصل أن المطلق يجرى على إطلاقه ما لم يرد نص بتقييده. هذا إلى أن الأساس في المنح
إنما كان هو الأخذ بيد هؤلاء الذين لم يشملهم تحسين سابق دون تفرقة بينهم، وذلك لتقريب
الفوارق بينهم وبين من أفادوا من كادر العمال أو قواعد الإنصاف؛ وإذ ذهب الحكم المطعون
فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد وقع مخالفاً للقانون متعيناً الطعن فيه أمام المحكمة
الإدارية العليا. وانتهى السيد رئيس هيئة المفوضين من هذا إلى طلب "الحكم بقبول الطعن
شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وتأييد قرار اللجنة القضائية وإلزام الحكومة
المصروفات".
ومن حيث إن مدير عام مصلحة السكك الحديدية والتلغرافات والتليفونات رفع في 4 من أغسطس
سنة 1947 المذكرة رقم 820 إلى مجلس إدارة المصلحة، وقد جاء في هذه المذكرة: "كانت وظائف
عمال وعاملات التليفون تشغل عادة بمرشحين ذوي مؤهلات مختلفة أو بدون مؤهلات بعد أن
يؤدوا امتحاناً في اللغة العربية وبعض اللغات الأجنبية التي يجيدونها، وكان الناجحون
منهم يعينون في سلك الخدمة أو الخارجين عن هيئة العمال. وقد ظل العمل بهذا النظام مع
إدماج وظائف عمال المراجعة مع وظائف عمال وعاملات التليفون إلى أن صدرت قرارات مجلس
الوزراء بإنصاف ذوي المؤهلات الدراسية من حيث الدرجة والماهية ووضع ذوي المؤهلات فوق
الشهادة الابتدائية في الدرجة الثامنة بصفة شخصية من بدء التعيين وتحسنت ماهياتهم تبعاً
لذلك، وبقى فريق غير ذوي المؤهلات على حالاتهم في حين أنهم يكونون الغالبية الكبرى
ومنهم بعض رؤساء المكاتب. وغير خاف أن المسئوليات الملقاة على عاتق عمال وعاملات التليفون
والمراجعة جسيمة نظراً لاتصال أعمالهم اتصالاً وثيقاً بمصالح الجمهور وهي متشعبة ومرهقة
وتحتاج إلى سرعة وإتقان مع السهر وسعة الصدر وضبط الأعصاب لما يصادفهم من متاعب في
سبيل تلبية طلبات الجمهور المتباينة، ومع ذلك فإن الماهيات التي يتقاضونها لا تزال
أقل من المستوى الذي يتفق وما يقومون به من أعمال ليلاً ونهاراً مما اضطرهم إلى رفع
صوتهم بالشكوى من الغبن الذي أصابهم بالقياس بحالة زملائهم في نفس الوظيفة ممن نالهم
الإنصاف. وقد تقدموا ببعض المطالب… ولذلك رأيت أن أتقدم إلى المجلس بصفة عاجلة باقتراح
منح مكافأة (علاوة تليفون) مقدارها جنيه مصري شهرياً لجميع موظفي التليفون والمراجعة
من جميع الدرجات حتى الدرجة الخامسة ولا تقطع عنهم إلا عند الترقية إلى درجات فوق الدرجة
الخامسة، على أن يعاد النظر في أمر هذه العلاوة عند البت في تحسين درجاتهم…". وبجلسة
أول سبتمبر سنة 1947 وافق مجلس إدارة المصلحة على "منح جميع موظفي التليفون لغاية الدرجة
الخامسة (عمال وعاملات التليفون وعمال المراجعة) الذين لم يستفيدوا من تطبيق كادر العمال
أو إنصاف الشهادات علاوة مؤقتة قدرها جنيه مصري واحد شهرياً يخصم من التحسين الذي قد
يتقرر لهذه الفئة". وبعرض الأمر على مجلس الوزراء وافق بجلسته المنعقدة في 16 من سبتمبر
سنة 1947 على رأي مجلس الإدارة سالف الذكر.
ومن حيث إنه يبين من قرار مجلس الوزراء المتقدم ذكره في ضوء الباعث على استصداره الذي
أفصحت عنه المذكرة المرفوعة من مدير عام مصلحة السكك الحديدة والتلغرافات والتليفونات
إلى مجلس إدارة المصلحة، أنه استهدف به تحسين حالة فئة معينة من طائفة خاصة من موظفي
مصلحة التلغرافات والتليفونات هي على وجه التحديد طائفة عمال وعاملات التليفون وعمال
المراجعة، وأن المقصود بتحسين حالتهم بالقرار المذكور من بين أفراد هذه الفئة ذوو المؤهلات
الدراسية ممن لم يفيدوا من قواعد الإنصاف أو لم تطبق في حقهم أحكام كادر العمال ولا
تعلو درجتهم على الدرجة الخامسة، وهم الذين تخلفوا عن زملائهم الذين يؤدون مثل عملهم
وإنما تحسنت مرتباتهم إما بإنصافهم لمؤهلاتهم أو بسبب تطبيق كادر العمال عليهم؛ ذلك
أن المصلحة جرت على شغل وظائف عمال وعاملات التليفون مع إدماج وظائف عمال المراجعة
بمرشحين ذوي مؤهلات مختلفة أو لا يحملون مؤهلات ما، وهؤلاء الأخيرون هم الغالبية العظمى،
وكلا الفريقين يقوم بذات العمل على ما فيه من مشقة وإرهاق مع تفاوت متباين في الأجر؛
لذا رؤي تقريباً للشقة بين عمال تجمعهم رابطة عمل واحد أن يمنح جميع من لم ينالوا تحسيناً
في مرتباتهم سواء عن طريق الإنصاف أو نتيجة لتطبيق كادر العمال من عمال وعاملات التليفون
والمراجعة حتى الدرجة الخامسة علاوة شهرية قدرها جنيه مصري واحد وذلك بصفة مؤقتة إلى
أن يبت في تحسين درجاتهم بصفة عامة في ضوء الاعتبارات المختلفة على أن تخصم العلاوة
المذكورة مستقبلاً من التحسين الذي قد يتقرر لهم. وحكمة تقرير هذه العلاوة المؤقتة
العاجلة هي ما قدرته المصلحة من جسامة المسئوليات الملقاة على عاتق هؤلاء العمال بسبب
اتصال أعمالهم بمصالح الجمهور المتشعبة المرهقة وما تتطلبه هذه الأعمال من سرعة وإتقان
مع السهر وسعة الصدر وضبط الأعصاب لما يصادفهم من متاعب في سبيل تلبية طلبات الجمهور
المتباينة وما يتعرضون له من انفعالات واستفزازات. وقد أبرزت المصلحة في مذكرتها سبب
استحقاق هذه العلاوة إذ أرجعت علة هذا الاستحقاق إلى طبيعة الأعمال التي يقومون بها
بقولها "ومع ذلك فإن الماهيات التي يتقاضونها لا تزال أقل من المستوى الذي يتفق وما
يقومون به من أعمال ليلاً ونهاراً.."، وذلك بعد أن أوضحت ما تنطوي عليه تلك الأعمال
من عناء وجهد. ولما كانت مشقة الأعمال المنوطة بهذه الطائفة من الموظفين هي التي اقتضت
منحهم العلاوة المذكورة لتقريب مرتباتهم من المستوى الذي يتفق والأعمال المسندة إليهم،
فثمة ارتباط وثيق بين استحقاق العلاوة المشار إليها والقيام الفعلي بهذه الأعمال. فلا
تكفي تولية الوظيفة لترتب هذا الحق، بل يتعين اقتران هذه التولية بمباشرة عمل الوظيفة
بالفعل لقيام التلازم بين الاثنين، ولو قيل بغير هذا لأهدرت حكمة تقرير هذه العلاوة
ولساغ أن يظفر بها من لا تتحقق فيه هذه الحكمة فيمنحها من لا تقوم به أسباب استحقاقها.
وقرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة 1947 بحسب فحوى المذكرة التي وافق عليها
وفي ضوء الأغراض التي استهدفها قد حصر مزية العلاوة في نطاق الفئة التي حددها وعيّن
عملها وهي فئة "موظفي التليفون لغاية الدرجة الخامسة (عمال وعاملات التليفون وعمال
المراجعة) الذين لم يستفيدوا من تطبيق كادر العمال أو إنصاف الشهادات". ومن ثم فلا
ينصرف أثره إلى من عدا هذا الفئة كالكتبة مثلاً، أي إلى من ليس عاملاً بالتليفون أو
المراجعة وقائماً بهذا العمل بالفعل. أما ما تضمنه النص على خصم العلاوة التي قررها
من التحسين الذي قد يتقرر لهذه الفئة فواضح في دلالته على أن منح هذه العلاوة إنما
هو مرحلة مبدئية من هذا التحسين تتحد معه في الطبيعة والخصائص؛ ولذا نص على خصمها منه
إذا ما تقرر وذلك منعاً من الازدواج. ولما كان التحسين المذكور إنما يهدف إلى إيثار
هذه الفئة من الموظفين بضرب من الإنصاف المخصص المستمد من الوظيفة ذاتها لما يكابدونه
من مشاقها، لا المستند إلى صفة قائمة بهم أو إلى مؤهلاتهم لانعدام هذه المؤهلات، فإن
النص على خصم علاوة التليفون من هذا التحسين قاطع في الدلالة على اتحاد الحكمة في كليهما،
وهي التعويض عن إرهاق الأعصاب وعناء العمل ليلاً ونهاراً. ومن ثم فإن قرار مدير عام
مصلحة التليفونات الصادر في 25 من يونيه سنة 1951 بعدم صرف هذه العلاوة إلا لمن يشتغل
فعلاً بالسماعة أو يقوم بالإشراف على أعمال التليفون داخل السنترالات دون من يشتغل
بأعمال كتابية يكون تطبيقاً صحيحاً لقرار مجلس الوزراء الذي قضى بمنح العلاوة المذكورة.
ومن حيث إنه بقطع النظر عن الوضع الأصلي للمدعي وعن الفئة التي ينتمي إليها فإنه يقوم
فعلاً كما يظهر من الأوراق بأعمال كتابية بورش التلغراف خارج السنترالات وليست له ولا
لأعماله صلة مباشرة بالجمهور، الأمر الذي تنتفي معه علة منح علاوة السماعة التي يطالب
بها ويخرجه من عداد الطائفة التي عناها قرار مجلس الوزراء الصادر في 16 من سبتمبر سنة
1947 وقضى باستحقاقها لهذه العلاوة. وليس للمدعي أن يفرض على الإدارة إبقاءه في عمل
التليفون أو المراجعة حتى يفيد من العلاوة المذكورة؛ لأن إسناد نوع العمل إلى الموظف
لا يخضع لمشيئته واختياره، بل هو من إطلاقات الإدارة التي تترخص فيها بحسب مقتضيات
المصلحة العامة وحاجة العمل. ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بإلغاء قرار اللجنة
القضائية ورفض التظلم يكون قد صادف الصواب، ويكون الطعن في غير محله متعيناً رفضه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً.
