الطعن رقم 1611 لسنة 2 ق – جلسة 16 /03 /1957
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية – العدد الثاني (من أول فبراير إلى آخر مايو سنة 1957) – صـ 695
جلسة 16 من مارس سنة 1957
برياسة السيد/ السيد علي السيد رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة السيد إبراهيم الديواني والإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل المستشارين.
القضية رقم 1611 لسنة 2 القضائية
( أ ) ترقية – الآثار المترتبة على القرار الصادر بها – الأثر المترتب
على إلغاء هذا القرار بعد صدوره.
(ب) ترقية – الحكم الصادر بإلغائها قد يكون شاملاً وقد يكون جزئياً – صدور الحكم بإلغاء
قرار الترقية فيما تضمنه من تخطي رافع الدعوى – اعتبار من ألغيت ترقيته وكأنه لم يرق
في القرار الملغي.
(جـ) ترقية – صدور الحكم بإلغاء القرار فيما تضمنه من تخطي رافع الدعوى – كيفية تنفيذ
هذا الحكم إذا كانت قد صدرت قبل النطق به قرارات تالية بالترقية.
1 – إن القرار الصادر بالترقية ينشىء المركز القانوني فيها بآثاره في نواحٍ عدة: سواء
من ناحية تقديم الموظف إلى الدرجة التالية أي المرقى إليها، أو من ناحية التاريخ الذي
تبدأ منه هذه الترقية، وكذلك من ناحية الموازنة في ترتيب الأقدمية في الترقية بين ذوي
الشأن. فإذا ما صدر من القضاء الإداري حكم بإلغاء الترقية، تعين أن يكون تنفيذه موزوناً
بميزان القانون في كافة تلك النواحي والآثار وذلك وضعاً للأمور في نصابها السليم ولعدم
الإخلال بالحقوق أو المراكز القانونية بين ذوي الشأن بعضهم مع بعض.
2 – إن الحكم بإلغاء ترقية قد يكون شاملاً لجميع أجزائه، وبذلك ينعدم القرار كله، ويعتبر
كأنه لم يكن بالنسبة لجميع المرقين، وقد يكون جزئياً منصباً على خصوص معين، فيتحدد
مداه على مقتضى ما استهدفه حكم الإلغاء. فإذا كان قد انبنى على أن أحداً من كان دور
الأقدمية يجعله محقاً في الترقية قبل غيره ممن يليه فألغي القرار فيما تضمنه من ترك
صاحب الدور في هذه الترقية، فيكون المدى قد تحدد على أساس إلغاء ترقية التالي في ترتيب
الأقدمية ووجوب أن يصدر قرار بترقية من تخطى في دوره، وبأن ترجع أقدميته في هذه الترقية
إلى التاريخ المعين لذلك، في القرار الذي ألغي إلغاءً جزئياً على هذا النحو. أما من
ألغيت ترقيته فيعتبر وكأنه لم يرق في القرار الملغي.
3 – إذا صدر حكم لصالح موظف بإلغاء قرار الترقية فيما تضمنه من تخطيه في الترقية، وكانت
قد صدرت قرارات تالية بالترقية قبل أن يصدر حكم الإلغاء، وكان من ألغيت ترقيته بالحكم
المذكور يستحق الترقية بدوره في أول قرار؛ فإن وضع الأمور في نصابها السليم يقتضي أن
يرقى المذكور في أول قرار تالٍ بحسب دوره في ترتيب الأقدمية بالنسبة للمرقين في هذا
القرار التالي، وهكذا بالنسبة إلى سائر القرارات الأخرى الصادرة بعد ذلك. ولما كان
حكم الإلغاء يترتب عليه إلغاء كل ما يترتب على القرار الملغي من آثار في الخصوص الذي
انبنى عليه الحكم المذكور وعلى الأساس الذي أقام عليه قضاءه، فإن أثر الحكم المذكور
يقتضي تصحيح الأوضاع بالنسبة للقرارات التالية، ذلك أن كل قرار منها يتأثر حتماً بإلغاء
القرار السابق عليه ما دامت الترقيات فيها جميعاً مناطها الدور في ترتيب الأقدمية عند
النظر في الترقية، ويترتب على تنفيذ حكم الإلغاء أن تلغى ترقية الأخير في كل قرار ليحل
محله فيه الأخير في القرار السابق، ما دام دوره في الأقدمية يسمح بترقيته في أول قرار
تالٍ، مع إسناد تاريخ ترقية كل من المذكورين إلى التاريخ المعين في القرار الذي كان
يستحق الترقية فيه. وعلى هذا الأساس يستقر الوضع على إلغاء ترقية آخر المرقين في آخر
قرار. والقول بأن: "الحكم الذي يصدر بإلغاء قرار ترقية فيما تضمنه من تخطي المحكوم
لصالحه في الترقية لا يلغي القرار إلغاءً كاملاً، وإنما يلغيه فقط بالنسبة لتخطيه المحكوم
لصالحه في الترقية، أي أنه يعتبر مرقى بهذا القرار بحسب أقدميته، فهو في الواقع لا
يمس الحقوق التي اكتسبها من رقوا بهذا القرار أو بالقرارات التي تلته إلا حيث يستحيل
ترقية المحكوم لصالحه إلا إذا مست هذه الحقوق بحيث إذا كانت هناك ثمة درجة خالية وقت
تنفيذ الحكم وجب ترقية المحكوم لصالحه عليها وإرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ القرار
المطعون فيه" – هذا القول لا سند له من القانون؛ لأن أثر حكم الإلغاء هو إعدام القرار
الملغي في الخصوص الذي حدده الحكم بحسب ما إذا كان الإلغاء شاملاً أو جزئياً، وليس
من أثر حكم أن يعتبر من صدر الحكم لصالحه مرقى بذات الحكم وإلا كان ذلك بمثابة حلول
المحكمة محل الإدارة فيما هو من اختصاصها، بل لا بد من صدور قرار إداري جديد ينشىء
المراكز القانونية في هذا الشأن على مقتضى ما حكمت به المحكمة، هذا من جهة ومن جهة
أخرى فإن ذلك القول هو بمثابة إلزام الإدارة بإجراء الترقية في وقت معين، مع أن تقدير
ملاءمة إجراء أو عدم إجراء الترقية في تاريخ معين هي ملاءمة تستقل الإدارة بتقديرها
بحسب ظروف الأحوال وباعتبار ذلك من مناسبات إصدار القرار الإداري، على أن هذا لا يخل
بحق الإدارة في الإبقاء على الترقية المطعون فيها وترقية المحكوم لصالحه على أية درجة
تكون خالية عند تنفيذ الحكم، وإرجاع أقدميته فيها إلى التاريخ المعين في الحركة الملغاة
إذا رأت من المصلحة العامة ذلك لعدم زعزعة مراكز قانونية استقرت لذويها.
إجراءات الطعن
في 24 من يونيه سنة 1956 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الثالثة) بجلسة 29 من إبريل سنة 1956 في الدعوى رقم 14050 لسنة 8 القضائية المقامة من عبد الله محمد علوفة ضد وزارة التربية والتعليم، القاضي: بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه وإرجاع أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة إلى أول أكتوبر سنة 1951، وإلزام الحكومة بالمصروفات، وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين – الأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه – الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإرجاع أقدمية المتظلم إلى تاريخ أول قرار بالترقية إلى الدرجة الخامسة بعد صدور قرار الترقية موضوع الحكم الصادر في الدعوى رقم 561 لسنة 6 القضائية، وإلزام الحكومة بالمصروفات. وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة التربية والتعليم في 31 من يوليه سنة 1956 وإلى المطعون عليه في 4 من أغسطس سنة 1956، وعين لنظره جلسة 26 من يناير سنة 1957، وقدّم المطعون عليه مذكرة بعد الميعاد القانوني، وأبلغ الطرفان في 25 من نوفمبر سنة 1956 بميعاد الجلسة، وفيها سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، ثم أرجئ النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل، حسبما يبين من أوراق الطعن، في أن المطعون عليه
رفع إلى اللجنة القضائية لوزارة المعارف العمومية التظلم رقم 563 لسنة 2 القضائية بصحيفة
أودعها سكرتيرية اللجنة في أول أكتوبر سنة 1953، ذكر فيها أنه حصل على ليسانس الآداب
في سنة 1944 وعلى دبلوم معهد التربية العالي للمعلمين في سنة 1946، وعين مدرساً بوزارة
المعارف في 30 من نوفمبر سنة 1946 بالدرجة السادسة الفنية، ثم رقي إلى الدرجة الخامسة
الفنية في أول أكتوبر سنة 1951. وفي 3 من سبتمبر سنة 1953 صدر قرار وزاري بإلغاء هذه
الترقية استناداً إلى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 561 لسنة
6 القضائية القاضي بإلغاء قرار الترقية الصادر في أول أكتوبر سنة 1951 فيما تضمنه من
تخطي السيد/ عبد الفتاح محمد في الترقية إلى الدرجة الخامسة، وطلب المطعون عليه إعادة
حالته إلى ما كانت عليه واعتباره في الدرجة الخامسة من تاريخ منحها له في أول أكتوبر
سنة 1951 وما ترتب على ذلك من آثار مع صرف الفروق المستحقة واستحقاقه للعلاوات. وقد
ردت وزارة المعارف على هذا بأن المتظلم رقي إلى الدرجة الخامسة اعتباراً من أول أكتوبر
سنة 1951 إلا أنه صدر حكم في الدعوى رقم 561 لسنة 6 القضائية لصالح عبد الفتاح عبد
العظيم محمد في 9 من يونيه سنة 1953. ولما كان المتظلم آخر المرقين في القرار المطعون
فيه فقد ألغيت ترقيته ورقي بدلاً منه من صدر لصالحه الحكم، ثم أعيدت ترقية المتظلم
بالأمر 11644 في 29 من نوفمبر سنة 1953 على درجة من درجات الميزانية استناداً إلى فتوى
قسم الرأي المجتمع من أنه: "لا مانع يمنع من ترقية من تلغى ترقيته نتيجة لحكم قضائي".
وأنه لما كانت ترقية المتظلم على درجة خامسة فإنها تكون اعتباراً من تاريخ القرار وموافقة
لجنة شئون الموظفين. هذا إلى أن القانون رقم 210 لسنة 1951 يمنع إرجاع أقدميات في الدرجات.
وبجلسة 26 من ديسمبر سنة 1953 أصدرت اللجنة القضائية قرارها برفض التظلم، واستندت في
ذلك إلى أن الحكم الصادر بإلغاء القرار الذي رقي فيه المتظلم إلى الدرجة الخامسة يستلزم
إلغاء ترقيته فيه؛ لأنه آخر المرقين في القرار موضوع الحكم؛ وإذ رقي المتظلم بعد ذلك
على درجة خامسة فإن ترقيته إليها تعتبر من تاريخ صدور القرار الخاص بذلك، ولا يجوز
إرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ سابق طبقاً لأحكام القانون رقم 210 لسنة 1951. وبعريضة
مودعة سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 10 من سبتمبر سنة 1954 طعن المتظلم في قرار
اللجنة القضائية بالدعوى رقم 14050 لسنة 8 القضائية طالباً الحكم بقبول الطعن شكلاً،
وفي الموضوع بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وبتسوية حالته وجعل أقدميته
في الدرجة الخامسة من أول أكتوبر سنة 1951 وما يترتب على ذلك من آثار وصرف فروق المرتبات
واستحقاقه للعلاوات وغير ذلك من نتائج مع إلزام الوزارة بالمصروفات، وأسس طعنه على
أن الحكم الصادر في الدعوى رقم 561 لسنة 6 القضائية لم يتضمن إلغاء قرار الترقية المطعون
فيه بكامل أجزائه، وإنما فيما تضمنه من تخطي عبد الفتاح محمد، فكان التنفيذ السليم
للحكم يقتضي ترقية من صدر لصالحه على درجة خالية وإرجاع أقدميته فيها إلى أول أكتوبر
سنة 1951؛ لأنه من غير المعقول أن تلغى ترقية المطعون عليه ثم تعاد بعد سنتين مما يصيبه
بأبلغ الضرر؛ لأنه قد رقي في هذه الفترة آخرون مما كان يسبقهم في الأقدمية. وبجلسة
29 من إبريل سنة 1956 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع
بإلغاء قرار اللجنة القضائية المطعون فيه، وإرجاع أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة
إلى أول أكتوبر سنة 1951، وإلزام الحكومة المصروفات. وأقامت قضاءها على أن الحكم الذي
يصدر بإلغاء قرار ترقية فيما تضمنه من تخطي المحكوم لصالحه في الترقية لا يلغي القرار
إلغاءً كاملاً، وإنما يلغيه فقط بالنسبة لتخطيه المحكوم لصالحه في الترقية، أي أنه
يعتبر مرقى بهذا القرار بحسب أقدميته، فهو في الواقع لا يمس الحقوق التي اكتسبها من
رقوا بهذا القرار أو بالقرارات التي تلته إلا حيث تستحيل ترقية المحكوم لصالحه إلا
إذا مست هذه الحقوق، فإذا كانت ثمة درجة خالية وقت تنفيذ الحكم وجب ترقية المحكوم لصالحه
عليها وإرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ القرار المطعون فيه، فإذا لم تكن ثمة درجة خالية
فلا محيص من إلغاء ترقية آخر من رقوا بالقرار المطعون فيه إذا لم تكن قد صدرت قرارات
ترقية تالية له؛ فإن كانت قد صدرت وجب إلغاء ترقية آخر المرقين في آخر قرار صدر لأنه
هو في الواقع الذي كان لن يرقى لو سارت الأمور في وضعها الطبعي. ولن يغير من هذا النظر
القول بأن القرارات التالية للقرار المطعون فيه لم تكن محل نظر أو طعن؛ لأن الحكم بترقية
المحكوم لصالحه قد مس جميع المراكز القانونية لمن رقوا بالقرار المطعون فيه أو بالقرارات
التالية له، وأنه متى كان الثابت أن قرارات أخرى قد تلت القرار المطعون فيه، وأنه كانت
هناك وقت تنفيذ الحكم درجات خامسة خالية وهي التي رقي المدعي على إحداها فإنه كان يتعين
ترقية المحكوم لصالحه على إحداها وإرجاع أقدميته إلى أول أكتوبر سنة 1951، وأنه لذلك
يكون القرار بإلغاء ترقية المدعي تنفيذاً خاطئاً للحكم، ومن حقه أن تظل ترقيته بقرار
أول أكتوبر سنة 1951 قائمة محدثة آثارها. وقد طعن السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة في
هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 24 من يونيه سنة 1956 طلب فيها الحكم
بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء بإرجاع أقدمية
المتظلم إلى تاريخ أول قرار صدر بالترقية إلى الدرجة الخامسة بعد صدور قرار الترقية
موضوع الحكم الصادر في الدعوى رقم 561 لسنة 6 القضائية، وإلزام الحكومة بالمصروفات.
وبني هذا الطعن على أنه ولئن كان هذا الحكم قضى بإلغاء قرار الترقية إلغاءً جزئياً
مقصوراً على تخطي الإدارة للمحكوم لصالحه في الترقية، إلا أن مفاد ذلك الإلغاء الجزئي
أن الحكم قد عاب وألغي تخطي الإدارة للمحكوم لصالحه، وبالتالي فهو قد عاب وألغى ترقية
آخر المرقين بالقرار موضوع الحكم ويقتضي تنفيذه حتماً إلغاء ترقية آخر المرقين، وبالتالي
فالتنفيذ لا يحتمل إلزام الإدارة بإبقاء ترقية آخر المرقين بالقرار موضوع الحكم إذا
كانت هناك درجات خالية وقت التنفيذ أو إذا كانت هناك قرارات ترقية تالية للقرار المذكور؛
ذلك أن هذا الإلزام خروج عن مقتضى تنفيذ الحكم الذي يجد حده القانوني فقط في إلزام
الإدارة بإلغاء ترقية آخر المرقين وترقية المحكوم لصالحه بدلاً منه. وقد ترى الإدارة
تصحيح وضع المحكوم لصالحه بترقيته إلى درجة خالية وقت تنفيذ الحكم وإرجاع أقدميته فيها
إلى تاريخ القرار موضوع الحكم مع الإبقاء على ترقية آخر المرقين، إلا أن ذلك من الملاءمات
التي تترك لتقدير الإدارة، ولا إلزام عليها فيه، كما أنه لا يجوز تنفيذ الحكم بإلغاء
ترقية آخر المرقين في آخر قرار صدر؛ ذلك أن هذا الأخير لم يكن موضوع الدعوى التي صدر
فيها الحكم، وبالتالي فهو بمنجاة من الإلغاء تنفيذاً لهذا الحكم، فآثار الأحكام محدودة
بموضوعها، وأنه ليس لآخر المرقين في القرار المطعون فيه النعي بخطأ تنفيذ الحكم إذا
ما ألغيت ترقيته؛ إذ أن له أن يطعن في أول قرار ترقية صدر بعد القرار الملغي على اعتبار
أنه يسبق المرقين فيه بحسب دوره في الأقدمية، ويجرى ميعاد الطعن بالنسبة له من اليوم
الذي يتحدد فيه مركزه القانوني بالنسبة لهذا القرار، أي يوم إعلانه بقرار إلغاء ترقيته
تنفيذاً للحكم أو علمه علماً يقينياً بهذا الإلغاء، وأنه لما كان التظلم قد رفع في
أول أكتوبر سنة 1953 وقرار إلغاء ترقية المتظلم لم يكن قد صدر إلا في 3 من سبتمبر سنة
1953، فإن طعنه بالإلغاء في أول قرار ترقية صدر بعد قرار الترقية موضوع الحكم يكون
قد رفع في الميعاد ويكون له الحق في القضاء له بإلغاء هذا القرار فيما تضمنه من تخطيه
بحسب دوره في الأقدمية، طالما أن الوزارة لم تجحد سبق أقدميته لأقدمية المرقين بهذا
القرار. وأنه لما كان المتظلم قد رقي بالفعل إلى الدرجة الخامسة فإن حقه يقتصر على
إرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ أول قرار ترقية صدر بعد قرار الترقية موضوع الحكم.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أنه على إثر صدور حكم محكمة القضاء الإداري بجلسة 9 من
يونيه سنة 1953 في القضية رقم 561 سنة 6 ق بإلغاء حركة الترقيات الصادرة من وزارة المعارف
في أول أكتوبر سنة 1951 فيما تضمنته من تخطي السيد/ عبد الفتاح عبد العظيم محمد في
الترقية إلى الدرجة الخامسة بحسب دوره في الأقدمية المطلقة، تقدمت المراقبة العامة
لمستخدمي وزارة التربية والتعليم بمذكرة في صدد تنفيذ الحكم المذكور جاء بها أنه "لإمكان
تنفيذ هذا الحكم يلزم إلغاء ترقية آخر من شملهم القرار الوزاري المطعون فيه والمحكوم
بإلغائه وذلك من حيث الترتيب بالأقدمية المطلقة. ولما كان آخر اثنين شملهما القرار
المذكور ستلغى ترقيتهما تنفيذاً للحكمين الصادرين في الدعوى رقم 962 سنة 6 ق و1521
سنة 6 ق، فيلزم إلغاء ترقية من يسبقهما في الترتيب، وهو السيد/ عبد الله محمد محمد
علوفة. ومشروع القرار الوزاري بإلغاء ترقية السيد/ عبد الله محمد محمد علوفة وترقية
السيد/ عبد الفتاح عبد العظيم محمد – المدعي المحكوم لصالحه على هذه الدرجة – مرافق
لهذا". وبناء على هذه المذكرة صدر القرار الوزاري رقم 11473 في 3 من سبتمبر سنة 1953
ناصاً في مادته الأولى على أنه "تلغى ترقية السيد/ عبد الله محمد محمد علوفة المدرس
بالخديوية الثانوية إلى الدرجة الخامسة الفنية اعتباراً من أول أكتوبر سنة 1951"، وفي
المادة الثانية على أن: "يرقى السيد/ عبد الفتاح عبد العظيم محمد المدرس بالفصول الثانوية
بالجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة إلى الدرجة الخامسة الفنية اعتباراً من أول أكتوبر
سنة 1951 وتعدل ماهيته على الوجه الآتي: …"، وفي 29 من نوفمبر سنة 1953 صدر الأمر
رقم 11644 بترقية السيد/ عبد الله محمد محمد علوفة إلى الدرجة الخامسة اعتباراً من
19 من نوفمبر سنة 1953.
ومن حيث إن مثار النزاع في هذه الدعوى هو تحديد مدى أثر الحكم الصادر من محكمة القضاء
الإداري بإلغاء قرار الترقية الصادر في أول أكتوبر سنة 1951 فيما تضمنه من تخطي عبد
الفتاح محمد في الترقية إلى الدرجة الخامسة وكيفية تنفيذ مقتضى ذلك الحكم سواء بالنسبة
للقرار الملغي أو بالنسبة إلى قرارات الترقية اللاحقة، وهل يكون لمن ألغيت ترقيته نفاذاً
للحكم المشار إليه الحق في الترقية في أية درجة خالية أو تخلو دون قيد أو شرط.
ومن حيث إن القرار الصادر بالترقية ينشىء المركز القانوني فيها بآثاره في نواح عدة:
سواء من ناحية تقديم الموظف إلى الدرجة التالية أي المرقى إليها أو من ناحية التاريخ
الذي تبدأ منه هذه الترقية، وكذلك من ناحية الموازنة في ترتيب الأقدمية في الترقية
بين ذوي الشأن، فيتعين – والحالة هذه – عند تنفيذ حكم الإلغاء على النحو المذكور أن
يكون تنفيذه موزوناً بميزان القانون في كافة تلك النواحي والآثار، وذلك وضعاً للأمور
في نصابها السليم ولعدم الإخلال بالحقوق أو المراكز القانونية بين ذوي الشأن بعضهم
مع بعض.
ومن حيث إن الحكم بإلغاء ترقية قد يكون شاملاً لجميع أجزائه وبذلك ينعدم القرار كله
ويعتبر كأنه لم يكن بالنسبة لجميع المرقين، وقد يكون جزئياً منصباً على خصوص معين كما
هو الحال في الحكم السالف الذكر فيتحدد مداه على مقتضى ما استهدفه حكم الإلغاء. فإذا
كان قد انبنى على أن أحداً ممن كان دور الأقدمية يجعله محقاً في الترقية قبل غيره ممن
يليه فألغي القرار فيما تضمنه من ترك صاحب الدور في هذه الترقية، فيكون المدى قد تحدد
على أساس إلغاء ترقية التالي في ترتيب الأقدمية ووجوب أن يصدر قرار بترقية من تخطى
في دوره وبأن ترجع أقدميته في هذه الترقية إلى التاريخ المعين لذلك في القرار الذي
ألغي إلغاءً جزئياً على هذا النحو، أما من ألغيت ترقيته فيعتبر وكأنه لم يرق في القرار
الملغي.
ومن حيث إنه إذا كانت قد صدرت قرارات تالية بالترقية قبل أن يصدر حكم الإلغاء، كما
هو الحال في خصوصية هذا النزاع، وكان من ألغيت ترقيته – حسبما سلف إيضاحه – يستحق الترقية
بدوره في أول قرار، فغني عن البيان أن وضع الأمور في نصباها السليم يقتضي أن يرقى المذكور
في أول قرار تالٍ بحسب دوره في ترتيب الأقدمية بالنسبة للمرقين في هذا القرار التالي،
وهكذا بالنسبة إلى سائر القرارات الأخرى الصادرة بعد ذلك. ولما كان حكم الإلغاء يترتب
عليه إلغاء كل ما ترتب على القرار الملغي من آثار في الخصوص الذي انبنى عليه الحكم
المذكور وعلى الأساس الذي أقام عليه قضاءه، فإن أثر الحكم المذكور يقتضي تصحيح الأوضاع
بالنسبة للقرارات التالية؛ ذلك أن كل قرار منها يتأثر حتماً بإلغاء القرار السابق عليه
ما دامت الترقيات فيها جميعاً مناطها الدور في ترتيب الأقدمية عند النظر في الترقية،
ويترتب على تنفيذ حكم الإلغاء أن تلغى ترقية الأخير في كل قرار ليحل محله فيه الأخير
في القرار الأسبق ما دام دوره في الأقدمية يسمح بترقيته في أول قرار تالٍ مع إسناد
تاريخ ترقية كل من المذكورين إلى التاريخ المعين في القرار الذي كان يستحق الترقية
فيه. وعلى هذا الأساس يستقر الوضع على إلغاء ترقية آخر المرقين في آخر قرار.
ومن حيث إن أول قرار صدر بالترقية بعد القرار الذي كان محل الإلغاء هو القرار الصادر
في 29 من نوفمبر سنة 1951، ولما كان المدعي قد رقي فعلاً، وبذلك انحصر النزاع في أقدميته
في هذه الترقية، فإنه بناء على ما تقدم يجب إسناد هذه الترقية إلى التاريخ المعين لذلك
في قرار 29 من نوفمبر سنة 1951 سالف الذكر.
ومن حيث إنه لا وجه لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من وجوب إسناد ترقية المدعي إلى
التاريخ المعين من القرار الملغي الصادر في أول أكتوبر سنة 1951 بمقولة "إن الحكم الذي
يصدر بإلغاء قرار ترقية فيما تضمنه من تخطي المحكوم لصالحه في الترقية لا يلغي القرار
إلغاءً كاملاً، وإنما يلغيه فقط بالنسبة لتخطيه المحكوم لصالحه في الترقية، أي أنه
يعتبر مرقى بهذا القرار بحسب أقدميته، فهو في الواقع لا يمس الحقوق التي اكتسبها من
رقوا بهذا القرار أو بالقرارات التي تلته، إلا حيث يستحيل ترقية المحكوم لصالحه، إلا
إذا مست هذه الحقوق. فإذا كان ثمة درجة خالية وقت تنفيذ الحكم، وجب ترقية المحكوم لصالحه
عليها وإرجاع أقدميته فيها إلى تاريخ القرار المطعون فيه…" – لا وجه لذلك؛ لأن أثر
حكم الإلغاء هو إعدام القرار الملغي في الخصوص الذي حدده الحكم بحسب ما إذا كان الإلغاء
شاملاً أو جزئياً، وليس من أثر حكم أن يعتبر من صدر الحكم لصالحه مرقى بذات الحكم،
وإلا كان بمثابة حلول المحكمة محل الإدارة فيما هو من اختصاصها، بل لا بد من صدور قرار
إداري جديد ينشىء المراكز القانونية في هذا الشأن على مقتضى ما حكمت به المحكمة، هذا
من جهة ومن جهة أخرى فإن ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه هو بمثابة إلزام الإدارة بإجراء
الترقية قي وقت معين، فتكون المحكمة كذلك قد أحلت نفسها محل الإدارة في تقدير ملاءمة
إجراء أو عدم إجراء الترقية في تاريخ معين، وهي ملاءمة تستقل بتقديرها بحسب ظروف الأحوال
وباعتبار ذلك من مناسبات إصدار القرار الإداري، على أن هذا لا يخل بحق الإدارة في الإبقاء
على الترقية المطعون فيها وترقية المحكوم لصالحه على أية درجة تكون خالية عند تنفيذ
الحكم وإرجاع أقدميته فيها إلى التاريخ المعين في الحركة الملغاة إذا رأت من المصلحة
العامة ذلك لعدم زعزعة مراكز قانونية استقرت لذويها.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه قد وقع مخالفاً للقانون ويتعين إلغاؤه.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وباعتبار أقدمية المدعي في الدرجة الخامسة راجعة إلى التاريخ المعين لذلك في القرار الصادر في 29 من نوفمبر سنة 1951، وألزمت الحكومة بالمصروفات، ورفضت ما عدا ذلك.
