الطعن رقم 106 سنة 25 ق – جلسة 10 /05 /1955
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 6 – صـ 955
جلسة 10 من مايو سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ مصطفى فاضل المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: حسن داود، ومحمود ابراهيم إسماعيل، ومصطفى كامل، ومحمود محمد مجاهد المستشارين.
القضية رقم 106 سنة 25 القضائية
(أ) بلاغ كاذب. لا يشترط لتوفر الجريمة أن يكون التبليغ بالكتابة.
(ب) نقض. طعن لا مصلحة منه. لا جدوى من إثارته. مثال فى حالة التعدد المعنوى للجرائم.
1- القانون لا يشترط لتوفر جريمة البلاغ الكاذب أن يكون التبليغ بالكتابة، بل يكفى
أن يكون المبلغ قد أدلى ببلاغه شفاهة فى أثناء التحقيق معه ما دام الادلاء به قد حصل
عن محض إرادته ومن تلقاء نفسه.
2- إذا كان الفعل الذى وقع من المتهم كون جريمتى البلاغ الكاذب والقذف اللتين رفعت
بهما الدعوى عليه وكان تعدد الأوصاف القانونية للفعل الجنائي الواحد يقتضى اعتبار الجريمة
التى عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها طبقا للفقرة الأولى من المادة 32 من قانون
العقوبات، وكانت العقوبة المقررة لكلتا الجريمتين اللتين رفعت بهما الدعوى واحدة فلا
جدوى للمتهم من النعى على الحكم إغفاله التحدث عن جريمة القذف ما دامت أسبابه وافية
لا قصور فيها بالنسبة لجريمة البلاغ الكاذب التى عوقب المتهم من أجلها.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه: أولا – أبلغ كذبا مع سوء القصد النيابة العامة ضد المطعون ضدهما (القائمقام فوزى الديب والبكباشى حسين محمود رجب) بأمور لو صحت لاستوجبت معاقبتهما وذلك بأن أبلغ ضدهما بأنهما يستغلان نفوذهما ويلفقان ضده القضايا وبأن أولهما طلب منه مبلغا على سبيل الرشوة. وثانيا – قذف علنا فى حق الموظفين العموميين سالفى الذكر لسبب أداء وظيفتهما بصفة أولهما مفتشا لبوليس قسم الميناء وبصفة الثانى مأمورا لهذا القسم بأن أسند إليهما أمورا لو صدقت لأوجبت عقابهما واحتقارهما عند أهل وطنهما بأن نسب إليهما كذبا أنهما يستغلان نفوذهما ويلفقان ضده القضايا وأن أولهما طلب منه مبلغا على سبيل الرشوة. وطلبت عقابه بالمواد 171 و302 و303 و305 من قانون العقوبات. وقد أدعى بحق مدنى كل من القائمقام فوزى الديب والبكباشى حسن محمود رجب قبل المتهم وطلبا أن يحكم لهما عليه بمبلغ واحد وخمسين جنيها مصريا على سبيل التعويض المؤقت. وفى أثناء نظر الدعوى أمام محكمة الميناء الجزئية دفع الحاضر مع المتهم بدفعين أولهما – بطلان المحاكمة وثانيهما – أن شروط جريمة البلاغ الكاذب وجريمة القذف المنسوب إلى المتهم غير متوافرة وبعد أن أتمت المحكمة المذكورة نظرها قضت فيها حضوريا عملا بمواد الاتهام: أولا- برفض الدفع المبدى من محامى المتهم ببطلان المحاكمة وبصحتها، ثانيا – بحبس المتهم ستة شهور مع الشغل عن التهمتين وكفالة عشرة جنيها لوقف التنفيذ، ثالثا – بإلزامه بأنه يدفع لكل من المدعيين بالحق المدنى مبلغ واحد وخمسين جنيها على سبيل التعويض المؤقت وإلزامه بالمصاريف المدنية. وأعفت المتهم من المصاريف الجنائية. فاستأنف المتهم هذا الحكم ومحكمة الاسكندرية الابتدائية قضت فيه حضوريا بقبوله شكلا وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف بالنسبة للعقوبة المقضى بها والاكتفاء بحبس المتهم ثلاثة شهور مع الشغل وتأييده فيما عدا ذلك وحملت المتهم مصروفات الاستئناف المدنية بلا مصاريف جنائية. فطعن الوكيل عن الطاعن فى هذا الحكم بطريق النقض… الخ.
المحكمة
"التقرير الأول المقدم فى 9 من نوفمبر سنة 1954"
وحيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم شابه القصور وأخطأ فى تطبيق القانون وبنى على إجراء
باطل إذا أثبت الطاعن بأدلة كافية صحة البلاغ المقدم منه وصحة الوقائع التى أسندها
إلى المجنى عليهما، غير أن المحكمة أطرحت هذه الأدلة وقضت بإدانة الطاعن استنادا إلى
أسباب لا تؤدى إلى إثبات كذب البلاغ وعلم الطاعن بكذبه وتوفر سوء القصد ونية الإضرار
واعتبرت بلاغ الطاعن شاملا لواقعة الرشوة مع أن هذه الواقعة لم ترد فى صلب البلاغ المقدم
من الطاعن، وإنما جاء ذكرها أثناء استجوابه فى تحقيق النيابة ردا على أسئلة وجهت إليه
مما لا يعتبر بلاغا بالمعنى الذى عناه القانون، هذا إلى أن الطاعن طلب من المحكمة ضم
ملف خدمة المجنى عليه الأول لإثبات أنه فصل من خدمة الحكومة فى حركة التطهير كما طلب
ضم أوراق تحقيق الشكوى رقم 36 سنة 1953 تحقيقات نيابة اللبان لإثبات أن التصرف فيه
لم يتم بعد، خلافا لما يدعيه المجنى عليه المذكور من أن النيابة العامة أمرت بحفظها
ولكن المحكمة ضربت صفحا عن هذين الطلبين. فأخلت بحق الطاعن فى الدفاع.
وحيث إن الحكم المطعون فيه الذى أيد الحكم الابتدائى لأسبابه قد بين واقعة الدعوى بما
تتوافر به جميع العناصر القانونية المكونة لجريمة البلاغ الكاذب التى دين الطاعن بها،
وذكر الأدلة التى استخلص منها ثبوت هذه الجريمة فى حقه وهى تؤدى إلى ما رتبه الحكم
عليها، ولما كان القانون لا يشترط لتوفر جريمة البلاغ الكاذب أن يكون التبليغ بالكتابة،
بل يكفى أن يكون المبلغ قد أدنى ببلاغه شفاها فى أثناء التحقيق معه ما دام الإدلاء
به قد حصل عن محض إرادته ومن تلقاء نفسه، وكان ما أثبته الحكم فى هذا الصدد هو أن المبلغ
(الطاعن) قدم إلى النائب العام بلاغا فى حق المجنى عليهما تضمن "أنهما استغلا سلطة
وظيفتهما فى حرمانه من أشغاله البحرية ولفقا عليه القضايا بتحريض بعض رجال البوليس
على الافتراء عليه بأنه اعتدى عليهما، فلما سئل الطاعن فى تحقيق النيابة عما ورد بهذا
البلاغ أصر على ما جاء فيه، وأضاف إليه أن المجنى عليه الأول طلب منه فى خلوة أن يدفع
له مبلغ مائة جنيه على سبيل الرشوة مقابل الترخيص له بالصعود إلى البواخر ومباشرة أعماله
فيها" لما كان ذلك، وكان الحكم قد أستظهر كذب البلاغ وعلم الطاعن بكذب الوقائع المبلغ
عنها، كما أستظهر ركن سوء القصد ونية الاضرار عند الطاعن، وأورد على ثبوت هذه العناصر
أدلة سائغة مقبولة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة التى رتبها عليها، وكان يبين من مراجعة
محاضر الجلسات أن الطاعن تنازل بجلسة 30 من مايو سنة 1954 أمام المحكمة الاستئنافية
عن ضم ملف خدمة المجنى عليه الأول، وكانت المحكمة قد عرضت لطلب ضم الشكوى المشار إليها
بوجه الطعن وردت عليه بقولها:" وقد عاد المتهم (الطاعن) فقدم شهادة عن شكوى قدمها ضد
القائمقام فوزى الديب وآخرين برقم 36 سنة 1953 تحقيقات نيابة اللبان وهذه الشكوى باقية
بالتحقيق وخاصة بحصول المذكورين على رشوة. وحيث إنه عن هذه الشكوى فلم يقدم المتهم
صورة رسمية من تحقيقاتها رغم ترخيص المحكمة له بهذا الإجراء كما لم يبين المتهم علاقة
هذه الشكوى بالدعوى الحالية، اللهم إلا قوله إنها كانت سببا فى فصل ذلك المدعى بالحق
المدنى من الخدمة. وحيث إن دفاع المتهم فى خصوص تلك الشكوى مردود عليه بأن الإبلاغ
عن أمر كاذب قد تحددت وقائعه فى الدعوى الحالية، فلا يفيد من أمر ذلك اتهام القائمقام
المذكور فى شكوى أخرى بالحصول على رشوة خصوصا وأن أمر هذه الشكوى لازال معروضا ولم
ينته التحقيق فيه بعد، كما أن الثابت من المستندات المقدمة بحافظة مستندات القائمقام
فوزى الديب والمرفقة بالمذكرة المقدمة بعد حجز القضية للحكم ينفى قول المتهم من أنه
خرج من الخدمة بسبب تلك الشكوى إذ أن الثابت من كتاب وزارة الداخلية لمكتب كاتم الأسرار
والمؤرخ 3/ 1/ 1954 يفيد أن القائمقام قد أحيل إلى المعاش بناء على طلبه وبالتطبيق
لقرار مجلس الوزراء الصادر فى 23/ 12/ 1953 مع ضم سنتين إلى مدة الخدمة وصرف الفرق".
لما كان ما تقدم وكان ما قالته المحكمة من ذلك يصلح ردا سليما يبرر رفض طلب ضم الشكوى
فإن ما يثيره الطاعن فيما تقدم لا يكون له وجه.
(التقرير الثانى المقدم فى 10 من نوفمبر سنة 1954)
من حيث إن مبنى الوجهين الأول والثانى هو أن الحكم شابه القصور وبنى على إجراءات باطلة
إذ جاء الحكم الابتدائى خاليا من بيان المصادر التى اعتمد عليها فى قضائه بالإدانة
وهل هى تحقيقات البوليس أو النيابة أو التحقيقات التى أجرتها المحكمة، كما لم يبين
الحكم موطن شهادة الشهود من هذه التحقيقات، كذلك أغفلت المحكمة ضم القضايا التى لفقها
المجنى عليهما على الطاعن ودل هذا الأخير على أرقامها، وما كان لها أن تتعرض فى حكمها
لهذه القضايا وتصف الأحكام الصادرة فيها بأنها نهائية وتؤسس عليها توفر القصد الجنائى
دون أن تضمها وتطلع عليها، إذ من المحتمل أن يظهر من أسباب هذه الأحكام صحة ما نسبه
الطاعن إلى المجنى عليهما وأن يكون بعضها قد صدر بالبراءة كالحكم الصادر فى القضية
رقم 2935 سنة 1954 جنح اسكندرية المستأنفة، فضلا عن عدم قيام التلازم بين علم الطاعن
بكذب البلاغ وبين الحكم نهائيا فى تلك القضايا بالإدانة.
وحيث إنه لما كان يبين من طالعة الحكم الابتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه أنه أورد
أقوال شهود الإثبات على أنها مستقاة من مجموع التحقيقات، وكان الطاعن لا يدعى فى طعنه
أن هذه الأقوال ليس لها أصل فى تلك التحقيقات، أو أنها تخالف الثابت فيها، وكان يبين
من مراجعة الأوراق ومفردات الدعوى التى أمرت المحكمة بضمها تحقيقا لوجه الطعن أن الطاعن
لم يطلب إلى المحكمة بالجلسات ولا بالمذكرات المقدمة منه ضم قضايا وإنما أشار الحكم
الابتدائى إلى القضايا رقم 525 سنة 1949 جنح الميناء و 833 سنة 1949 جنح الميناء و951
سنة 1949 جنح الميناء و608 سنة 1952 جنح الميناء وبين أن المجنى عليه الأول ذكر أرقام
هذه القضايا مستدلا بها على كثرة سوابق الطاعن واعتياده على الاعتداء بالقوة والعنف
على رجال البوليس مما دعاه إلى عدم الترخيص له بمزاولة الأعمال المتصلة بالبواخر فى
ميناء الإسكندرية، لما كان ذلك، وكان الواضح من المفردات أن ملفات القضايا الثلاث الأولى
سبق للنيابة أن ضمتها إلى التحقيقات وما زالت مضمومة إليها إلى الآن وتبين من الاطلاع
عليها أنه صدرت فيها جميعا أحكام نهائية على الطاعن بالحبس أو بالغرامة لارتكابه جرائم
إهانة وتعد على رجال البوليس أما القضية الرابعة وهى رقم 608 سنة 1952 جنح الميناء
فقد أثبت النيابة فى محضر التحقيق الذى أجرته نتيجة اطلاعها عليها ومحصل ما أثبتته
هو أنها اتهمت الطاعن فى تلك القضية بأنه مع آخرين فى يوم 27 من يوليه سنة 1952 تعدوا
على عسكرى بوليس وقدمته للمحكمة فقضت المحكمة الجزئية بجلسة 29/ 6/ 1953 حضوريا بتغريمه
عشرة جنيهات فاستأنف المتهم هذا الحكم كما استأنفته النيابة للتشديد ولم يفصل فى الاستئناف
بعد – لما كان ما تقدم، وكانت القضية رقم 2935 سنة 1954 جنح الاسكندرية المستأنفة التى
يشير إليها الطاعن فى طعنه، لم يرد لها ذكر على لسانه فى أى ممن محكمتى أول وثانى درجة
وكان لا حرج على المحكمة إذا كانت قد ساقت فيما ساقته تدليلا على عدم صحة الوقائع المبلغ
عنها أن أحكاما قضائية صدرت بإدانة الطاعن فى وقائع ادعى أنها لفقت عليه من المجنى
عليهما ما دام ثبت كذبه فى أغلب الوقائع التى تضمنها بلاغه بموجب هذه الأحكام الصادرة
بالادانة التى أصبحت نهائية فإن ما يثيره الطاعن فى هذين الوجهين لا يكون له أساس.
وحيث إن مبنى الوجه الثالث هو أن الحكم شابه القصور إذ لم يتحدث عن أركان جريمة البلاغ
الكاذب رغم أن الاتهام شمل الجريمتين وقضت فيهما المحكمة بالادانة وطبقت المادة 32
من قانون العقوبات كذلك جاء وصف التهمة التى أقرته المحكمة خاليا من بيان موضوع البلاغ
والجهة التى قدم إليها.
وحيث إنه لا جدوى للطاعن مما يثيره فى هذا الوجه إذ الفعل الذى وقع منه كون جريمتى
البلاغ الكاذب والقذف اللتين رفعت بهما الدعوى عليه، ولما كان تعدد الأوصاف القانونية
للفعل الجنائى الواحد يقتضى اعتبار الجريمة التى عقوبتها أشد والحكم بعقوبتها دون غيرها
طبقا للفقرة الأولى من المادة 32 من قانون العقوبات، وكانت العقوبة المقررة لكلتا الجريمتين
اللتين رفعت بهما الدعوى واحدة، فإن إغفال المحكمة التحدث عن جريمة القذف لا يعيب حكمها
ما دامت أسبابه وافية لا قصور فيها بالنسبة لجريمة البلاغ الكاذب التى عوقب الطاعن
عليها، ولما كان الحكم قد بين فى واقعة الدعوى موضوع البلاغ المقدم من الطاعن والجهة
التى قدمه إليها وذكر أنه قدمه إلى النائب العام، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون
فيه فى هذا الوجه لا يكون له محل.
وحيث إن مؤدى الوجه الرابع هو أن الحكم المطعون فيه جاء خلوا من الأسباب لأنه أحال
على الحكم الابتدائى بالنسبة لبيان واقعة الدعوى فحسب دون أن يقرر صراحة أنه اعتمد
أسباب الحكم المذكور مما يعد قصورا مبطلا للحكم.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أشار فى صدره إلى أن واقعة الدعوى قد سبق بيانها على
وجه التفصيل فى الحكم الابتدائى مما يغنى عن تكرار ذكرها عرض لمناقشة دفاع الطاعن وتفنيده
ثم انتهى إلى تعديل عقوبة الحبس المقضى بها وتأييد الحكم المستأنف فيما عدا ذلك وذكر
أنه يستند فى ذلك إلى الأسباب التى أوردها وإلى الأسباب الأخرى التى أوردتها محكمة
أول درجة فى حكمها والتى تأخذ بها وتعول عليها، لما كان ذلك، وكان للمحكمة الاستئنافية
أن تحيل على أسباب الحكم الابتدائى بما فى ذلك بيان واقعة الدعوى وتجعلها أسبابا لحكمها
فإن الحكم المطعون فيه يكون سليما لا قصور فيه.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن برمته على غير أساس ويتعين رفضه موضوعاً.
