قاعدة رقم الطعن رقم 248 لسنة 25 قضائية “دستورية” – جلسة 07 /11 /2004
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الحادي
عشر (المجلد الأول)
من أول أكتوبر 2003 حتى آخر أغسطس 2006 – صـ 1069
جلسة 7 نوفمبر سنة 2004
برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مرعي – رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: علي عوض محمد صالح وإلهام نجيب نوار ومحمد عبد العزيز الشناوي وماهر سامي يوسف والسيد عبد المنعم حشيش ومحمد خيري طه وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – رئيس هيئة المفوضين وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 248 لسنة 25 قضائية "دستورية"
1 – هيئة عامة "لائحتها – تشريع موضوعي".
هيئة النقل العام هيئة عامة تقوم على إدارة مرفق النقل العام – العاملون بهذه الهيئة
موظفون عموميون يرتبطون بها بعلاقة تنظيمية بحكم تبعيتهم لشخص من أشخاص القانون العام،
تسري عليهم أحكام القوانين المتعلقة بالوظائف العامة فيما لم يرد بشأنه نص خاص في لائحة
شئون العاملين بها وتعتبر هذه اللائحة تشريعاً مما تمتد إليه رقابة المحكمة الدستورية
العليا.
2 – دعوى دستورية "نطاقها في ضوء المصلحة فيها".
نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بما يكون لازماً للفصل في الطلبات المثارة أمام محكمة
الموضوع.
3 – حق العمل "شروط مباشرته".
من غير الجائز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن
متطلبات ممارستها.
4 – حق العمل "تنظيمه – إجازة".
لا يجوز للسلطة التشريعية من خلال تنظيمها لحق العمل تعطيل جوهره – من غير الجائز لجهة
العمل أن تحجب الإجازة السنوية عن عامل يستحقها.
5 – إجازة سنوية "الحق فيها".
حق العامل في الإجازة السنوية فريضة اقتضاها المشرع من العامل وجهة الإدارة فلا يملك
أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل.
6 – إجازة سنوية "رصيد: تعويض".
كلما كان فوات الإجازة راجعاً إلى جهة العمل أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون
لإرادة العامل دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عما تجمع منها.
7 – تعويض "اندراجه في الملكية الخاصة".
إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل،
مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32 و34) من الدستور اللتان صان بهما
الملكية الخاصة.
1 – هيئة النقل العام بالقاهرة هيئة عامة تقوم على إدارة مرفق النقل العام، أنشئت بقرار
رئيس الجمهورية رقم 1891 لسنة 1964 بناء على قانون الهيئات العامة الصادر بالقانون
رقم 61 لسنة 1963، والذي ناط بمجلس إدارة الهيئة وضع اللوائح المتعلقة بتعيين موظفي
الهيئة وعمالها وترقيتهم ونقلهم وتحديد مرتباتهم وأجورهم ومكافآتهم ومعاشهم، فأصدر
القرار رقم 19 لسنة 1988 بلائحة شئون العاملين بالهيئة المتضمنة للنص المطعون فيه،
ومؤدى ذلك أن العاملين بهذه الهيئة موظفون عموميون يرتبطون بها بعلاقة تنظيمية بحكم
تبعيتهم لشخص من أشخاص القانون العام، وتسري عليهم أحكام القوانين المتعلقة بالوظائف
العامة فيما لم يرد بشأنه نص خاص في لائحة شئون العاملين بها، ومن ثم فإن اللائحة المشار
إليها تعتبر تشريعاً مما تمتد إليه الرقابة الدستورية لهذه المحكمة.
2 – نطاق الدعوى الدستورية إنما يتحدد بما يكون لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية
وهو ما تتحقق به المصلحة الشخصية للمدعي. لما كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي يدور حول
حق المدعي في المقابل النقدي لرصيد إجازاته فيما زاد على ثلاثة شهور، فإن نطاق الدعوى
الماثلة ينحصر في نص الفقرة الأخيرة من المادة من اللائحة المشار إليها – قبل
تعديله بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 68 لسنة 1991 – فيما تضمنته من وضع حد أقصى لرصيد
الإجازات الذي يستحق مقابلاً عنه.
3 – من المقرر في قضاء هذه المحكمة – أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها، من
بينها – في مجال حق العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً
ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها،
أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء العمل بصورة
طبيعية لا تحامل فيها، ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة
عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غايتها،
يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
4 – الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة تنظيم حق العمل، إلا أنها لا
يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها،
وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق
في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك
منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا
يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التي ينبغي – وفقاً
للدستور – أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
5 – إن المشرع قد صاغ في الإطار السابق بيانه بنص المادة من قانون نظام العاملين
المدنيين في الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 – وهو القانون العام بالنسبة
للعاملين في الدولة وهيئاتها العامة – حق العامل في الإجازة السنوية، فغدا بذلك حقاً
مقرراً له بنص القانون، يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة، وقد نقلت عنه لائحة
نظام شئون العاملين بهيئة النقل العام بالقاهرة حيث جاء نص المادة منها محدداً
للإجازة السنوية مدداً تختلف باختلاف مدة خدمة العامل، ولم يجز تقصيرها أو تأجيلها
أو إنهاؤها إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، كما أجاز للعامل أن يحتفظ بما قد
يكون له من رصيد الإجازات الاعتيادية السنوية مع وضع ضوابط معينة للحصول عليها، بحيث
لا يجوز له الحصول على إجازة من هذا الرصيد تزيد على ستين يوماً في السنة الواحدة،
فإذا انتهت خدمة العامل وكان له رصيد من تلك الإجازات حق له اقتضاء بدل نقدي عن هذا
الرصيد، بيد أنه قيد اقتضاء هذا البدل بأن لا يتجاوز مدة الرصيد الذي يستحق عنه البدل
النقدي ثلاثة أشهر.
إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل في إجازة سنوية بالشروط التي حددها، أن يستعيد العامل
خلالها قواه المادية والمعنوية، ولا يجوز بالتالي أن ينزل عنها العامل ولو كان هذا
النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل وجهة
الإدارة، فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل،
ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً
لقواه، وتبديداً لطاقاته، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار
فيه دون انقطاع. بل إن المشرع اعتبر حصول العامل على إجازة اعتيادية لمدة ستة أيام
متصلة كل سنة أمراً لا يجوز الترخيص فيه، أو التذرع دون تمامه بدواعي مصلحة العمل،
وهو ما يقطع بأن الحق في الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه وينعكس بالضرورة،
على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية.
6 – إن المشرع قد دل بالفقرة الأخيرة من المادة من اللائحة المشار إليها، على
أن العامل لا يجوز أن يتخذ من الإجازة السنوية وعاء ادخارياً من خلال ترحيل مددها التي
تراخى في استعمالها، ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر، وكان
ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل سوء قصده، فلم يجز له
أن يحصل على ما يساوي أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وهي تعد مدة
قدر المشرع أن قصرها يعتبر كافلاً للإجازة السنوية غايتها، فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل
وظائفها، بيد أن هذا الحكم لا ينبغي أن يسري على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات
الإجازة راجعاً إلى جهة العمل أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون لإرادة العامل
دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام –
أن يطلبها جملة فيما جاوز ستة أيام كل سنة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية
على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة
التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لزاماً
أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
7 – إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل،
مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32 و34) من الدستور اللتان صان بهما
الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها بوجه عام، وانصرافها بالتالي
إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها. متى كان ذلك، فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ
للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.
الإجراءات
بتاريخ السادس من سبتمبر سنة 2003، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية
العليا ملف الدعوى رقم 477 لسنة 46 قضائية، تنفيذاً للحكم الصادر من المحكمة الإدارية
لوزارة النقل بمجلس الدولة في 17/ 2/ 2003، والقاضي بوقف الفصل في الدعوى وإحالتها
إلى هذه المحكمة للفصل في دستورية المادة من لائحة العاملين بهيئة النقل العام
بالقاهرة الصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 19 لسنة 1988.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم اختصاص المحكمة.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان
قد أقام الدعوى رقم 477 لسنة 46 ق أمام المحكمة الإدارية لوزارة النقل بمجلس الدولة
ضد هيئة النقل العام بالقاهرة طالباً الحكم بأحقيته في صرف المقابل النقدي لإجازاته
الاعتيادية التي لم يحصل عليها خلال فترة عمله بالهيئة والتي تبلغ 163 يوماً بعد انتهاء
خدمته لبلوغه سن المعاش بتاريخ 1/ 3/ 1990، وبجلسة 17/ 2/ 2003 حكمت المحكمة بوقف الدعوى
وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية المادة من لائحة العاملين
بالهيئة، فيما وضعته من حد أقصى لرصيد الإجازات الذي يصرف عنه المقابل النقدي عند انتهاء
خدمة العامل، وذلك لمخالفته لنص المادة من الدستور، ولأن نص المادة من اللائحة
المذكورة هو المقابل لنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الذي
سبق للمحكمة الدستورية العليا أن قضت بعدم دستوريته.
وحيث إنه عن الدفع بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا بنظر الدعوى فهو في غير محله،
بعد أن حسمت هذه المحكمة أمر اختصاصها بالطعن على نصوص لائحة شئون العاملين بهيئة النقل
العام بالقاهرة الوارد بها النص الطعين والصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 19 لسنة
1988 بحكمها الصادر بجلسة 4/ 4/ 2004 في الدعوى رقم 108 لسنة 25 قضائية "دستورية"،
والذي تناول دستورية النص المذكور بعد تعديله بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 68 لسنة
1991، حيث قضت باختصاصها بنظر الدعوى على سند من أن هيئة النقل العام بالقاهرة هيئة
عامة تقوم على إدارة مرفق النقل العام، أنشئت بقرار رئيس الجمهورية رقم 1891 لسنة 1964
بناء على قانون الهيئات العامة الصادر بالقانون رقم 61 لسنة 1963، والذي ناط بمجلس
إدارة الهيئة وضع اللوائح المتعلقة بتعيين موظفي الهيئة وعمالها وترقيتهم ونقلهم وتحديد
مرتباتهم وأجورهم ومكافآتهم ومعاشهم، فأصدر القرار رقم 19 لسنة 1988 بلائحة شئون العاملين
بالهيئة المتضمنة للنص المطعون فيه، ومؤدى ذلك أن العاملين بهذه الهيئة موظفون عموميون
يرتبطون بها بعلاقة تنظيمية بحكم تبعيتهم لشخص من أشخاص القانون العام، وتسري عليهم
أحكام القوانين المتعلقة بالوظائف العامة فيما لم يرد بشأنه نص خاص في لائحة شئون العاملين
بها، ومن ثم فإن اللائحة المشار إليها تعتبر تشريعاً مما تمتد إليه الرقابة الدستورية
لهذه المحكمة.
وحيث إن نطاق الدعوى الدستورية إنما يتحدد بما يكون لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية
وهو ما تتحقق به المصلحة الشخصية للمدعي. لما كان ذلك، وكان النزاع الموضوعي يدور حول
حق المدعي في المقابل النقدي لرصيد إجازاته فيما زاد على ثلاثة شهور، فإن نطاق الدعوى
الماثلة ينحصر في نص الفقرة الأخيرة من المادة من اللائحة المشار إليها – قبل
تعديله بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 68 لسنة 1991 – فيما تضمنته من وضع حد أقصى لرصيد
الإجازات الذي يستحق مقابلاً عنه.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا وإن سبق لها أن قضت بعدم دستورية الفقرة الأخيرة
من المادة المشار إليها بعد تعديلها بقرار مجلس إدارة هيئة النقل العام لمدينة
القاهرة رقم 68 لسنة 1991، وكان النص المطعون عليه هو المطبق على الطالب لإحالته إلى
المعاش قبل تعديله، فإن مصلحته في الطعن تكون قائمة لاختلاف النصين وإن اتفقا في مضمونهما.
وحيث إنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة – أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وأثاراً يرتبها،
من بينها – في مجال حق العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً
وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة
العمل ذاتها، أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء
العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها، ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع
لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها عن متطلبات ممارستها، وإلا كان تقريرها انحرافاً بها
عن غايتها، يستوي في ذلك أن يكون سندها علاقة عقدية أو رابطة لائحية.
وحيث إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة تنظيم حق العمل، إلا أنها
لا يجوز لها أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها،
وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس العمل فيها، ويندرج تحتها الحق
في الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك
منها عدواناً على صحته البدنية والنفسية، وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي لا
يجوز للعامل بدوره أن يتسامح فيها، ونكولاً عن الحدود المنطقية التي ينبغي – وفقاً
للدستور – أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
وحيث إن المشرع قد صاغ في الإطار السابق بيانه بنص المادة من قانون نظام العاملين
المدنيين في الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 – وهو القانون العام بالنسبة
للعاملين في الدولة وهيئاتها العامة – حق العامل في الإجازة السنوية، فغدا بذلك حقاً
مقرراً له بنص القانون، يظل قائماً ما بقيت الرابطة الوظيفية قائمة، وقد نقلت عنه لائحة
نظام شئون العاملين بهيئة النقل العام بالقاهرة حيث جاء نص المادة منها محدداً
للإجازة السنوية مدداً تختلف باختلاف مدة خدمة العامل، ولم يجز تقصيرها أو تأجيلها
أو إنهاؤها إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل، كما أجاز للعامل أن يحتفظ بما قد
يكون له من رصيد الإجازات الاعتيادية السنوية مع وضع ضوابط معينة للحصول عليها، بحيث
لا يجوز له الحصول على إجازة من هذا الرصيد تزيد على ستين يوماً في السنة الواحدة،
فإذا انتهت خدمة العامل وكان له رصيد من تلك الإجازات حق له اقتضاء بدل نقدي عن هذا
الرصيد، بيد أنه قيد اقتضاء هذا البدل بأن لا يتجاوز مدة الرصيد الذي يستحق عنه البدل
النقدي ثلاثة أشهر..
وحيث إن المشرع تغيا من ضمان حق العامل في إجازة سنوية بالشروط التي حددها، أن يستعيد
العامل خلالها قواه المادية والمعنوية، ولا يجوز بالتالي أن ينزل عنها العامل ولو كان
هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، إذ هي فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل
وجهة الإدارة، فلا يملك أيهما إهدارها كلياً أو جزئياً إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة
العمل، ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً
لقواه، وتبديداً لطاقاته، وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار
فيه دون انقطاع. بل إن المشرع اعتبر حصول العامل على أجازة اعتيادية لمدة ستة أيام
متصلة كل سنة أمراً لا يجوز الترخيص فيه، أو التذرع دون تمامه بدواعي مصلحة العمل،
وهو ما يقطع بأن الحق في الإجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه وينعكس بالضرورة،
على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية.
وحيث إن المشرع قد دل بالفقرة الأخيرة من المادة من اللائحة المشار إليها، على
أن العامل لا يجوز أن يتخذ من الإجازة السنوية وعاء ادخارياً من خلال ترحيل مددها التي
تراخى في استعمالها، ثم تجميعها ليحصل بعد انتهاء خدمته على ما يقابلها من الأجر، وكان
ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل سوء قصده، فلم يجز له
أن يحصل على ما يساوي أجر هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر، وهي تعد مدة
قدر المشرع أن قصرها يعتبر كافلاً للإجازة السنوية غايتها، فلا تفقد مقوماتها أو تتعطل
وظائفها، بيد أن هذا الحكم لا ينبغي أن يسري على إطلاقه، بما مؤداه أنه كلما كان فوات
الإجازة راجعاً إلى جهة العمل أو لأسباب اقتضتها ظروف أدائه دون أن يكون لإرادة العامل
دخل فيها كانت جهة العمل مسئولة عن تعويضه عنها، فيجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام –
أن يطلبها جملة فيما جاوز ستة أيام كل سنة، إذا كان اقتضاء ما تجمع من إجازاته السنوية
على هذا النحو ممكناً عيناً، وإلا كان التعويض النقدي عنها واجباً، تقديراً بأن المدة
التي امتد إليها الحرمان من استعمال تلك الإجازة مردها إلى جهة العمل، فكان لزاماً
أن تتحمل وحدها تبعة ذلك.
وحيث إن الحق في هذا التعويض لا يعدو أن يكون من العناصر الإيجابية للذمة المالية للعامل،
مما يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان (32 و34) من الدستور اللتان صان بهما
الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها بوجه عام، وانصرافها بالتالي
إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها. متى كان ذلك، فإن حرمان العامل من التعويض المكافئ
للضرر والجابر له يكون مخالفاً للحماية الدستورية المقررة للملكية الخاصة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة قبل الأخيرة من المادة من لائحة شئون العاملين بهيئة النقل العام لمدينة القاهرة الصادرة بقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 19 لسنة 1988، فيما تضمنه من حرمان العامل من البدل النقدي لرصيد إجازاته الاعتيادية فيما جاوز أجر ثلاثة أشهر، متى كان عدم الحصول على هذا الرصيد راجعاً إلى أسباب تقتضيها مصلحة العمل.
