الطعن رقم 604 سنة 24ق – جلسة 26 /04 /1955
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثالث – السنة 6 – صـ 871
جلسة 26 من أبريل سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ مصطفى فاضل المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: حسن داود، ومحمود ابراهيم اسماعيل، واسحق عبد السيد، ومحمود محمد مجاهد المستشارين.
القضية رقم 604 سنة 24القضائية
(أ) حكم. تسبيبه. تعويض. إلزام المتهمة بالتعويض على أساس ثبوت مسئوليتها
الجنائية. ذكر الحكم أسباباً أخرى لمسئولية المتهمة مدنياً على أساس الخطأ المفترض.
لا يؤثر فى سلامة الحكم.
(ب) قتل خطأ وإصابة خطأ. عدم قيام رابطة السببية بين وقوع القتل أو الجرح وبين الخطأ
المنسوب إل المتهم. لا جريمة. مثال.
(ج) تنظيم. مسئولية جنائية. القانون رقم 118 لسنة 1948 الذى عدل المادتين 10 و14 من
الأمر العالى الصادر فى 26 أغسطس سنة 1889. لم ينقل عبء الالتزام بإصلاح المباني الآيلة
للسقوط عن أصحابها. تخويله الحكومة لفت نظر أصحاب المبانى إلى ما بها من خلل والقيام
عنهم بالإصلاحات المطلوبة إذا تقاعسوا فى إجرائها. تقدير ذلك متروك لها. خطؤها فى تقدير
وجوب التدخل. لا يرتب مسئولية جنائية.
(د) دعوى مدنية. متى تختص المحكمة الجنائية بنظرها؟
1- إذا كان الحكم قد أقام إلزام المتهمة بالتعويض على أساس ثبوت مسئوليتها الجنائية،
فلا يؤثر فى سلامته أن يكون قد ساق أسباباً أخرى لمسئولية المتهمة مدنياً على أساس
الخطأ المفترض بحكم المادة 177 من القانون المدنى.
2- إن جريمة القتل الخطأ أو الإصابة الخطأ لا تقوم قانوناً إلا إذا كان وقوع القتل
أو الجرح متصلاً بحصول الخطأ من المتهم اتصال السبب بالمسبب بحيث لا يتصور حدوث القتل
أو الجرح ولم يقع الخطأ، فإذا انعدمت رابطة السببية انعدمت الجريمة لعدم توافر أحد
العناصر القانونية المكونة لها، وإذن فإذا كانت أوجه الخطأ المسندة إلى المتهم الثانى
(مهندس تنظيم) مقصورة على أنه أرسل إخطاراً إلى المتهمة الأولى ينبه عليها فيه بإزالة
حائطين من حوائط البناء الموقوف المشمول بنظارتها، لخطورة حالتهما ثم لم يحرك ساكناً
بعد ذلك وقصر فى رفع تقرير إلى رئيسه عن المعاينة التى أجراها للنظر فيما يتبع من إجراءات
ولم يسع إلى استكشاف الخلل من باقى أجزاء البناء من بعد مشاهدة الخلل فى الحائطين للتعرف
على ما كان بجمالون داخلى من تآكل وانحراف، وكان هذا التقصير من جانب المتهم الأول
ليس هو العامل الذى أدى مباشرة إلى وقوع الحادث أو ساهم فى وقوعه وكان انهدام الحائط
أمراً حاصلاً بغير هذا التقصير نتيجة حتمية لقدم البناء وإهمال المتهمة الثانية فى
إصلاحه وترميمه وعدم تحوزها فى منع أخطاره عن المارة، فإن تقصير المتهم الأول لا تتحقق
به رابطة السببية اللازمة لقيام المسئولية الجنائية وبالتالي فإن الجريمة المنسوبة
إلى المتهم المذكور تكون منتفية لعدم توافر ركن من أركانها.
3- إن القانون رقم 118 لسنة 1948 الصادر بتعديل المادتين العاشرة والرابعة عاشرة من
الأمر العالى الصادر فى 29 من أغسطس سنة 1889 لم ينقل عبء الالتزام بإصلاح المبانى
الآيلة للسقوط عن أصحابها وبفرضه على الحكومة وإنما خول لهذه الأخيرة أن تلفت أصحاب
هذه المبانى إلى ما بها من خلل وأن تقوم هى عنهم بالإصلاحات المطلوبة فى أحوال الخطر
الداهم إذا هم تقاعسوا عن إجرائها، وتقدير وجوب هذا التدخل أو عدم وجوبه موكول للسلطة
القائمة على أعمال التنظيم فإذا جاز القول بأن خطأها فى هذا التقدير يعرضها للمسئولية
من ناحية القانون العام فإن ذلك إنما يكون بوصفها سلطة عامة ذات شخصية اعتبارية من
أخص واجباتها المحافظة على الأمن وعلى أرواح الناس ولكن لا يمكن مساءلتها بهذا الوصف
جنائياً.
4- إن ولاية المحكمة الجنائية فى الأصل مقصورة على نظر ما يطرح أمامها من الجرائم واختصاصها
بنظر الدعاوى المدنية الناشئة عنها إنما هو استثناء من القاعدة للارتباط بين الدعويين
ووحدة السبب الذى تقوم عليه كل منهما، فيشترط ألا تنظر الدعوى المدنية إلا بالتبعية
للدعوى الجنائية.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة: 1- فتحية بنهان النورى. و2- أحمد إسماعيل النورى. و 3- أحمد محمد الفقى بأنهم: تسببوا من غير قصد ولا تعمد فى قتل الدكتور أحمد شكيب و أحمد دسوقى أبو كليل وإصابة منى عبد المطلب أبو المجد وكان ذلك ناشئاً عن إهمالهم وعدم احتياطهم وعدم إتباعهم اللوائح بأن علموا بوجود تصدع بحائط الجراج يؤدى إلى انهياره على المارة فى الطريق ولم يتخذوا أى إجراء لمنع سقوطه بالرغم من تحذير مصلحة التنظيم للأولى والثانى بخطورة هذه الحالة فانهار الجدار القبلى على المجنى عليهما الأولين أثناء مرورهما بجواره فأحدث بهما الإصابات الموصوفة بالتقرير الطببى والتى أودت بحياتهما كما أصيبت المجنى عليها الثالثة التى كانت بداخل الجراج بالإصابات الموصوفة بالتقرير الطبى. وطلبت عقباتهم بالمادتين 238 و244 من قانون العقوبات. وقد ادعى بحق مدنى كل من: 1- ورثة الدكتور أحمد شكيب وهما السيدة روحية هانم بصفتها زوجته ووصية على ولديها القاصرين مصطفى وعلى و السيدة نبوية هانم على الصدر والدة الدكتور بمبلغ عشرين ألف جنيه قبل المتهمين متضامنين ورئيس مجلس بلدى بنها ووزير البلديات. و2- عبد المطلب أبو المجد بصفته ولياً شرعياً على ابنته منى بمبلغ قرش صاغ واحد على سبيل التعويض المؤقت قبل المتهمين الأولى والثانى و3- محمود حسن عبده بمبلغ 108 جنيه قبل المتهمين الثلاثة والمسئولين عن الحقوق المدنية. وفى أثناء نظر الدعوى أمام محكمة بنها الجزئية دفع الحاضر عن الحكومة بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى المدنية. والمحكمة المذكورة بعد أن نظرت هذه الدعوى قضت فيها حضورياً عملا بمادتى الاتهام مع تطبيق المادتين 55 و56 من قانون العقوبات بالنسبة للثانى. أولاً – براءة المتهمة الأولى من التهمة المنسبوبة إليها وبحبس المتهم الثانى ستة شهور مع الشغل وتغريمه مائة جنيه وأمرت بوقف تنفيذ عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ صيرورة الحكم نهائياً وتغريم المتهم الثالث خمسين جنيهاً مع إعفائهما من المصروفات الجنائية. وثانياً – إلزام المتهمين الثلاثة وحضرة رئيس مجلس بلدى بنها وحضرة وزير الشئون البلدية والقروية بصفتهما المذكورة بعريضة الدعوى بأن يدفعوا للسيدة روحية هانم محمود عن نفسها وبصفتها وصية على ولديها القاصرين مصطفى وعلى و للسيدة نبوية هانم على الصدر مبلغ عشرين ألف جنيه تقسم بينهم حسب الفريضة الشرعية باعتبارهم ورثة الدكتور أحمد شكيب وذلك على سبيل التعويض وكذا المصاريف المدنية المناسبة و مبلغ عشرة جنيهات أتعاب محاماة ورفضت ماعدا ذلك من الطلبات. فاستأنف هذا الحكم كل من المتهمين الثلاثة والنيابة العامة بالنسبة للتهمة الأولى والمسئولين عن الحقوق المدنية. ومحكمة بنها الابتدائية قضت حضورياً بقبول الاستئنافات المقدمة من المتهمين الثلاثة ومن النيابة العامة بالنسبة للمتهمة الأولى و من الحكومة بوصفها مسئولة عن الحقوق المدنية شكلاً وفى الموضوع. أولاً – بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة للمتهم الثانى أحمد إسماعيل النورى وبراءته من التهمة المسندة إليه ورفض الدعوى المدنية المرفوعة ضده من ورثة المرحوم الدكتور أحمد شكيب وعبد المطلب أبو المجد بصفته وألزمتهم بالمصروفات المدنية عن الدرجتين ومبلغ ألف قرش مقابل أتعاب المحاماة بلا مصروفات جنائية. وثانياً – بإلغاء الحكم المستأنف بالنسبة للمتهمة الأولى فتحية بنهان النورى فيما قضى به من براءتها و تغريمها 50 جنيهاً بلا مصروفات جنائية. وثالثاً – بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة للمتهم الثالث أحمد محمد الفقى فيما قضى به من إدانة. ورابعاً – إلزام المتهمة الأولى والمتهم الثالث والسيدين رئيس مجلس بلدى بنها ووزير الشئون البلدية والقروية بصفتها بأن يدفعوا للسيدة روحية هانم محمود عن نفسها وبصفتها وصية على ولديها القاصرين مصطفى وعلى وللسيدة نبوية هانم الصدر ومبلغ 1000 جنيه للزوجة السيدة روحية هانم محمود ومبلغ 4500 جنيه لمصطفى وعلى ولدى المرحوم الدكتور أحمد شكيب بالتساوى بينهما وذلك على سبيل التعويض مع المصاريف المدنية المناسبة لما قضى به ومبلغ 50 جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة. وخامساً – تأييد الحكم المستأنف فيما قضى به من إلزام المتهمة الأولى بأن تدفع لعبد المطلب أبو المجد بصفته وليا طبيعياً على أبنته منى مبلغ قرش واحد على سبيل التعويض المؤقت وإلزامها بالمصروفات المدنية عن الدرجتين و 200 قرش مقابل أتعاب المحاماة. فطعن فى هذا الحكم الأخير بطريق النقض كل من فتحية بنهان النورى (الطاعنة الأولى) وأحمد محمد الفقى (الطاعن الثانى) والأستاذ على الشوربجى المحامى بإدارة قضايا الحكومة عن مجلس بلدى بنها ووزير الشئون البلدية والقروية.. إلخ.
المحكمة
…وحيث إن حاصل الوجهين الأول والثانى ويتصل بهما الوجه الثامن من
أوجه الطعن المقدمة من الطاعنة الأولى فتحية بنهان النورى هو أن الحكم المطعون فيه
انطوى على إخلال بحق الدفاع وقصور فى البيان ذلك بأن الدعوى الجنائية رفعت عليها بواقعة
معينة هى أنها علمت بالتصدع فى الحائط الذى أدى سقوطه إلى وقوع الحادث ولم تحرك ساكناً
بعد أن أخطرتها مصلحة التنظيم بخطورة الحال فقصرت دفاعها على نفى هذه الواقعة وقضى
ابتدائياً ببراءتها، ولكن محكمة ثانى درجة قضت بإلغاء هذا الحكم وبإدانة الطاعنة على
أساس أنها وإن لم تعلم بوجود تصدع بالحائط ولم يخبرها بذلك أحد إلا أنها أهملت فى صيانة
المبنى جميعه لأنه قديم وأخشاب سقفه متآكله وهى واقعة تختلف عن تلك التى رفعت بها الدعوى
والتى كان واجباً التزام حدودها حسبما نظرتها محكمة أول درجة و تولاها الدفاع أمامها،
هذا إلى أن الحكم جاء قاصراً فى بيان سبب سقوط الحائط هل هو التصدع أو أن انهياره كان
لابد حاصلاً على كل حال ثم انه افترض صحة دفاع الطاعن الثانى "مهندس التنظيم" وبنى
إدانتها معه على هذا الأساس مع أن الأحكام لا تبنى على الفروض بل على الجزم و اليقين،
كما أن الحكم فيما انتهى إليه من نفى علمها بتصدع الحائط يكون قاصراً فى التدليل على
رابطة السببية بينها وبين الحادث ما دام أن الحائط كان سيقع على كل حال نتيجة الخطأ
الذى ارتكبه الطاعن الثانى – ومؤدى الوجه الرابع من هذا الطعن هو أن الحكم أخطأ إذا
دان الطاعنة فى حين أن ما أورده يدل على أنها لم تكن تعلم بوجود تصدع بالحائط أو تآكل
فى أخشاب السقف مما ينتهى مع القول بقيام أي خطأ أو تقصير فى جانبها – ومبنى الوجهين
الثالث والسادس هو أن الحكم المطعون فيه أخطأ حين دان هذه الطاعنة تأسيسا على مخالفتها
للالتزامات التى فرضتها المواد 177، 564، 578 من القانون المدنى والمادة 50 من قانون
الوقف رقم 48 لسنة 1946 لأن المادة 177 إنما أوجدت مسئولية افتراضية ولم تنص على أية
التزامات ولأن المسئولية الجنائية لا يصح افتراضها بل يجب أن تثبتها النيابة فى حق
المتهم ولأن المواد من 564 إلى 578 من القانون المدنى قاصرة على علاقة المؤجر والمستأجر
ولا شأن لها بعلاقة المالك أو المؤجر بالغير والمادة 50 من القانون رقم 48 لسنة 1946
حين قالت إن ناظر الوقف يكون وكيلاً عن المستحقين لم تفرض عليه واجبات قبل الغير، هذا
إلى خطأ الحكم فى قضائه بالتعويض المدنى على أساس أن خطأ الطاعنة مفترض بموجب المادة
177 من القانون المدنى إذ لا يصح للمحكمة الجنائية أن تبنى حكمها بالتعويض إلا على
أساس ثبوت الخطأ المستوجب للعقوبة. وحاصل الوجهين الخامس والسابع هو أن الطاعنة تمسكت
بأن المسئول عن الحادث هو مستأجر الجراج الذى انهار حائطه وأنها وهى سيدة تقيم فى خدرها
بعيدة عن الجراح لا تعلم من حقيقة أمره شيئاً، فلم يرد الحكم على الشطر الأول ورد على
الثانى رداً قاصراً لا يؤدى إلى ما انتهى إليه.
وحيث إنه لما كانت الواقعة التى رفعت بها الدعوى العمومية على الطاعنة الأولى هى "أنها
تسببت من غير قصد ولا تعمد فى قتل الدكتور أحمد شكيب وأحمد دسوقى أبو كليل وإصابة منى
عبد المطلب أبو المجد بإهمالها وعدم احتياطها وعدم اتباعها اللوائح بأن علمت بوجود
تصدع بحائط الجراج يؤدى إلى انهياره على المارة فى الطريق العام ولم تتخذ أى إجراء
لمنع سقوطه بالرغم من تحذير مصلحة التنظيم لها بخطورة هذه الحال فانهار الجدار… الخ"
وكان الحكم المطعون فيه حين دان الطاعنة الأولى لم يستبعد من الواقعة إلا شطرها الأخير
الخاص "بتحذير مصلحة التنظيم لها بخطورة الحال" وكان بيان الواقعة بغير هذا الشطر مما
تتحقق معه العناصر القانونية لجريمة القتل والإصابة الخطأ التى دان الطاعنة بها وقد
أورد الحكم على ثبوتها فى حقها أدلة من شأنها أن تؤدى إلى ما أنتهي إليه بقوله إن الطاعنة
"هى الحارسة على العقار ومن واجبها أن تعنى به العناية التامة بصيانته وتجديده وإصلاحه
دون أن تتركه معرضاً لخطر انهياره. وإهمالها فى هذا الشأن ثابت تماماً من إشرافها الفعلى
على إدارة هذا العقار لأنها الناظرة عليه والمسئولة عن صيانته هذا مع علمها بقدم العهد
بة وهذا العلم مستفاد من أن العين موقوفة منذ سنوات طوال وهى ناظرة ومستحقة فيها وتؤجرها
لمستأجرها الحالى ومن قبله لوالده – هذا فضلا عما أثبتته التقارير الفنية التى وضعت
عقب الحادث من أن العقار وخاصة الجمالونات بقواعدها متآكلة ومائلة بحيث لا يشك كل مشاهد
لها فى أنها قديمة العهد بالبناء وأنها معرضة للانهيار – هذا فضلاً عن أنها تقيم في
ذات المدينة التي يوجد بها هذا البناء وكان واجب الحيطة والحذر يقتضيها معرفة حاجته
الماسة إلى الإصلاح والترميم دراء للمخاطر التى تنجم عن تركه دون رعاية، وهذا الإهمال
كله أدى إلى انهياره وإصابة المجنى عليهم بالإصابات التى أودت بحياة اثنين منهم وهما
الدكتور أحمد شكيب سائق العربة أبو كليل وأحدثت بمنى عبد المطلب عاهة مستديمة كما سبق
بيانه، هذا الإهمال الذى يتمثل وأنها وهى ناظرة على الوقف التابع له العقار فهى فى
حكم مالكته ما سبق القول وعلى عاتقها الواجبات المنصوص عليها فى المادة 177 من القانون
المدني ولم توله العناية التي فرضها عليها القانون الوقف بحسب التفصيل آنف الذكر، فضلاً
عن إهمالها كمؤجرة ما تتطلبه أحكام المادة 567 من القانون المدنى السالف الاشارة إليها
ولهذا كله تكون المتهمة الأولى مسئولة جنائياً فى حكم المادتين 238، 244 من قانون العقوبات
لثبوت توافر الخطأ فى حقها وعدم الاحتياط والتحرز والاهمال وأن هذا الخطأ أدى مباشرة
إلى إحداث الضرر وفقاً لما سبق إيضاحه مما يجعل علاقة السببية قائمة و مؤكدة…" لما
كان ذلك، وكان ما ذكره الحكم فى معرض التدليل على مسئولية الطاعن الثانى من افتراض
أن سقوط الحائط يرجع إلى سقوط الجمالون ليس من شأنه أن ينفى مسئولية الطاعنة الأولى
بعد أن دلل الحكم على إهمالها فى تعهد المبنى جميعه بالاصلاح رغم علمها بقدمه وما يستتبعه
ذلك من حاجته الماسة إلى الترميم وبعد أن بين "أن البناء كل لا يتجزأ فاذا ثبت وجود
خلل فى أى جزء منه كانت سائر الأجزاء حتما مهددة بالخلل والخطر" وكان الحكم قد بين
تقصير الطاعنة وإهمالها فى صيانة المبنى الذى هى حارسة عليه بصفتها ناظرة للوقف وعدم
تحرزها فى منع خطر انهياره على المارة بسبب قدمه وعدم تعهده بالإصلاح والترميم بما
يؤدى إلى توافر ركن الخطأ فى حكم المادتين 238 و244 من قانون العقوبات بالرغم من نفي
علم الطاعنة بتحذير مصلحة التنظيم لها عن تصدع الحائط – لما كان ذلك – وكان الحكم قد
استظهر في بيان سائغ رابطة السببية بين خطأ الطاعنة بجميع وجوهه وبين انهيار المبني
علي المجني عليهم وقتل اثنين منهم وإصابة الثالثة فإن ما تنعاه الطاعنة بالأوجه الأول
والثاني و الرابع والثامن يكون علي غير أساس – ولا كان ما أورده الحكم استنادا إلي
القانون رقم 48 لسنة 1941 الخاص بأحكام الوقف وإلي المادة 177 من القانون المدني من
أن ناظر الوقف أمينة علي ماله وأن الطاعنة تعتبر حارسة علي المبني المشمول بنظارتها
وأن ما نصت عليه المادتان 238، 244 من قانون العقوبات من صور الخطأ وهى الرعونة وعدم
الاحتياط والتحرز والإهمال و التفريط وعدم الانتباه والتوقى وعدم مراعاة واتباع اللوائح
يشمل فى مداولة الخطأ بجميع صوره ودرجاته مهما كانت يسيرة، كل ذلك يستوجب المسئولية
المدنية والجنائية على السواء – لما كان ذلك، وكان الحكم فى إشارته إلى إهمال الطاعنة
لما أوجبته عليها أحكام القانون المدنى كحارسة للبناء ومؤجرة له لم يجعل من ذلك ولا
من الخطأ المفترض فى حق حارس المبنى بموجب المادة 177 مدنى أساس لمسئوليتها الجنائية،
بل دلل على توافر هذه المسئولية بما ساقه من أسباب سائغة على إهمالها فى تعهد المبنى
بالرعاية وعدم احتياطها وتحرزها فى منع أخطاره عن المارة رغم علمها بقدمه وما يقتضيه
ذلك من معرفة حاجته الماسة إلى الاصلاح والترميم. لما كان ذلك وكان الحكم قد أقام إلزام
الطاعنة بالتعويض على أساس ثبوت مسئوليتها الجنائية بقوله "إن مسئولية المتهمة الأولى
من الناحية المدنية ثابتة ثبوتاً ومتوفرة فى حقها لأنها الحارسة على البناء الذى انهار
كما سبق القول عند البحث فى مسئوليتها الجنائية ومن ثم فهى مسئولة مدنية عن الضرر الذى
وقع بخطئها والذى يدخل فى تركها البناء الذى ثبت قدمه والذى له عليه السلطان الفعلى
هذا البناء الذى تحقق وجود عيوب خطيرة فيه من التقارير المرفقة بأوراق الدعوى دون قيامها
بأية صيانة أو إصلاح فيه حتى ترتب على هذا الإهمال أن انهار حائطه القبلية…" ولا
يؤثر فى سلامة الحكم أن يكون قد ساق أسباباً أخرى لمسئولية الطاعنة مدنياً على أساس
الخطأ المفترض بحكم المادة 177 من القانون المدنى. لما كان ذلك، فان ما تثيره الطاعنة
الأولى بالوجهين الثالث والسادس يكون أيضاً فى غير محله. ولما كان الحكم المطعون فيه
قد تعرض لدفاع الطاعنة من أن مستأجر الجراج الذى انهار حائطه هو المسئول عن الحادث
دونها، ورد على هذا الدفاع رداً سائغاً بقوله "إنها على أية حال هى الحارسة على البناء
المنهار والمسئولة قانوناً عن سلامته دون المستأجر بوصفها الناظرة على العقار وصاحبه
السلطة الفعلية عليه وقد أهملت أمر إصلاحه وترميمه إهمالاً كان من نتيجته أن وقع الحادث
وهى بوصفها وبمركزها القانونى كحارسة على العين ليست فى حاجة إلى لفت نظرها من أى من
الجهات إلى أداء الواجبات القانونية المفروضة عليها من مداومة إشرافها على أعيان الوقف
والعمل على إصلاح ما به من خلل وترميم ما يجب ترميمه وإزالة ما يجب إزالته درءا للمخاطر
وحماية لأمن الجماعة أما وهى لم تفعل شيئاً من ذلك فتكون مسئوليتها الجنائية متوفرة
قبلها لثبوت الخطأ فى حقها باهمالها المشار إليه…" لما كان ذلك، وكان المستأجر إن
صح أنه مسئول أيضاً عن جريمة القتل والإصابة الخطأ فإن هذا لا ينفى مسئولية الطاعنة
عنها ما دام الحكم قد أثبت عليها هذه المسئولية بأدلة سائغة من شأنها أن تؤدى إلى النتيجة
التى انتهى إليها كما هو الحال فى الدعوى. ولما كان تمسك الطاعنة بأنها سيدة تقيم فى
خدرها بعيدة عن الجراج وأنها وإن كانت تقيم فى نفس البلدة إلا أنها لا تعلم من حقيقة
أمر البناء شيئاً هو من قبيل المناقشة فيما ساقه الحكم من أدلة سائغة على خطأ الطاعنة
ولا يعدو أن يكون جدلاً واقعياً مما تستقل به محكمة الموضوع ولا يقبل أمام محكمة النقض.
لما كان ذلك، فإن نعى الطاعنة بالوجهين الخامس والسابع يكون أيضاً غير سديد.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن المقدم من الطاعنة الأولى على غير أساس و متعيناً رفضه
موضوعاً.
وحيث إن مما يعيبه الطاعنون الثانى والثالث والرابعة على الحكم المطعون فيه أنه أخطأ
فى القانون إذا دان الطاعن الثانى بجريمة القتل والإصابة الخطأ وإذ قضى عليه للمدعيتين
بالحق المدنى بالتعويض وألزم معه بالتضامن الطاعنين الثالث والرابعة مع أن رابطة السببية
منعدمة بين الأهمال المنسوب إلى الطاعن وبين الحادث الذى وقع.
وحيث إنه لما كانت جريمة القتل الخطأ والإصابة الخطأ لا تقوم قانوناً إلا إذا كان وقوع
القتل أو الجرح متصلاً بحصول الخطأ من المتهم اتصال السبب بالمسبب بحيث لا يتصور حدوث
القتل أو الجرح لو لم يقع الخطأ فإذا انعدمت رابطة السببية انعدمت الجريمة لعدم توافر
أحد العناصر القانونية المكونة لها وكانت أوجه الخطأ التى أسندها الحكم إلى الطاعن
الثانى مقصورة على أنه أرسل إخطاراً إلى الطاعنة الأولى ينبه عليها فيه بإزالة الحائطين
القبلية والشرقية لخطورة حالتهما ثم لم يحرك ساكناً بعد ذلك، وقصر فى رفع تقرير إلى
رئيسه عن المعاينة التى أجراها للنظر فيما يتبع من إجراءات ولم يسع إلى استكشاف الخلل
فى باقى أجزاء البناء من بعد مشاهدة الخلل فى الحائطين للتعرف على ما كان فى قوائم
الجمالون الداخلى من تآكل وانحراف وكان هذا التقصير من جانب الطاعن الثانى ليس هو العامل
الذى أدى مباشرة إلى وقوع الحادث أو ساهم فى وقوعه وكان انهدام الحائط أمرا حاصلاً
بغير هذا التقصير نتيجة حتمية لقدم البناء وإهمال الطاعنة الأولى فى إصلاحه وترميمه
وعدم تحرزها فى منع أخطاره عن المارة – لما كان ذلك فإن هذا التقصير لا تتحقق به رابطة
السببية اللازمة لقيام المسئولية الجنائية، ومن ثم فإن الجريمة المنسوبة إلى الطاعن
المذكورة تكون منتفية بعدم توافر ركن من أركانها القانونية، مما يتعين معه نقض الحكم
بالنسبة إليه وبراءته منها، ولا يؤثر فى ذلك أن القانون رقم 118 لسنة 1948 الصادر بتعديل
الأمر العالى الصادر فى 26 من أغسطس سنة 1889 قد عدل المادة العاشرة على النحو الآتى
"كل بناء سواء أكان واقعاً على حافة طريق عام أو خاص أم على غير حافة الطريق تقرر السلطة
القائمة على أعمال التنظيم ضرورة ترميمه أو هدمه محافظة على الأمن العام أو على سلامة
السكان لكونة آيلاً للسقوط يجب ترميمه فى خلال المدة التى تعينها لذلك السلطة المذكورة.
ويجوز لهذه السلطة فى أحوال الخطر الداهم إخلاء البناء إدارياً من السكان واتخاذ ما
تراه لازما من الاحتياطات والتدابير فى مدة لا تقل عن أسبوع إلا فى حالة تهديد البناء
بالانهيار العاجل فيكون لها الحق فى القيام بإخلائه فوراً وعليها أن تعلن أولى الشأن
بالحضور أمام المحكمة لتحكم بصفة مستعجلة بالهدم بعد سماع أقوال الخصوم وعمل المعاينات
والتحقيقات المستعجلة التى ترى ضرورة لها "كما عدل المادة الرابعة عشرة منه على النحو
الآتى "كل مخالفة لأحكام المادة العاشرة يعاقب عليها بالحبس لمدة لا تزيد على أسبوع
وبغرامة لا تتجاوز مائة قرش أو بإحدى هاتين العقوبتين فضلاً عن الحكم بترميم المبانى
أو هدمها فإذا لم يقم المالك بتنفيذ الحكم الصادر بالترميم أو الهدم جاز للسلطة القائمة
على أعمال التنظيم إجراء هذه الأعمال على نفقته" – ذلك بأن السبب فى هذا التعديل على
ما ورد فى المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 118 لسنة 1948 هو "قصور أحكام الأمر العالى
الصادر فى 26 من أغسطس سنة 1889 الخاص بتنظيم حق السلطة القائمة على أعمال التنظيم
فى معالجة المبانى الآيلة للسقوط على ما كان منها واقعاً على حافة طريق عام وكونها
تشترط لذلك أن يكون الخلل فيها خارجياً وأن يصدر حكم بالهدم، أما المبانى القائمة على
حافة طرق خاصة أو على غير حافة الطريق فإنها تخرج عن نطاق أحكامه، وأنه لما كانت الفيضانات
العالية يترتب عليها فى الغالب سقوط عدد كبير من المبانى لا تخضع لأحكام الأمر العالى
ولا لرقابة السلطات القائمة على أعمال التنظيم وأنه لما كان بعض حالات اختلال هذه المبانى
تصل إلى حد من الخطورة تقتضى التدخل لحماية الأمن العام والمحافظة على أرواح سكانها
وكان انتظار صدور الحكم فى هذه الحالات فيه تفويت لهذه المصلحة العامة فإن وزارة الأشغال
رأت ضرورة تعديل أحكام الأمر العالى سالف الذكر تعديلاً من شأنه تخويل السلطة القائمة
على أعمال التنظيم اتخاذ الأعمال والتدابير اللازمة فى هذه الحالات العاجلة، – ومن
ذلك يبين أن هذا القانون لم ينقل عبء الالتزام بإصلاح المبانى الآيلة للسقوط عن أصحابها
ويفرضه على الحكومة وإنما خول لهذه الأخيرة أن تلفت نظر أصحاب هذه المبانى إلى ما بها
من خلل وأن تقوم هى عنهم بالإصلاحات المطلوبة فى أحوال الخطر الداهم إذا هم تقاعسوا
عن إجرائها. لما كان ذلك، وكان تقدير وجوب هذا التدخل أو عدم وجوبه موكولاً للسلطة
القائمة على أعمال التنظيم فإن خطأها فيه إذا جاز القول بأنه يعرضها للمسئولية من ناحية
القانون العام فإن ذلك إنما يكون بوصفها سلطة عامة ذات شخصية اعتبارية من أخص واجباتها
المحافظة على الأمن وعلى أرواح الناس ولكن لا يمكن مساءلتها بهذا الوصف جنائيا.ً ولما
كانت ولاية المحكمة الجنائية فى الأصل مقصورة على نظر ما يطرح أمامها من الجرائم، وكان
اختصاصها بنظر الدعاوى المدنية الناشئة عنها استثناء من القاعدة للارتباط بين الدعويين
ووحدة السبب الذى تقوم عليه كل منهما، وكان مشروطاً ألا تنظر الدعوى المدنية إلا بالتبعية
للدعوى الجنائية – وكان الطاعن الثانى لم يرتكب خطأ يستوجب المساءلة الجنائية فإن محكمة
الجنح تكون لا ولاية لها بنظر دعوى المدعيتين بالحق المدنى فيما تطلبانه من التعويض
قبل الطاعنين الثاني والثالث والرابعة ومن ثم يتعين طعن أولئك الطاعنين موضوعاً ونقض
الحكم المطعون فيه فى هذا الخصوص والقضاء ببراءة الطاعن الثانى مما نسب إليه وعدم اختصاص
المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية قبله وقبل الطاعنين الثالث والرابعة وإلزام المدعيتين
بالحق المدنى بمصاريفها.
