الطعن رقم 268 لسنة 11 ق – جلسة 02 /03 /1968
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1968 إلى آخر سبتمبر سنة 1968)
– صـ 648
جلسة 2 من مارس سنة 1968
برئاسة السيد الأستاذ الدكتور محمود سعد الدين الشريف رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة الدكتور أحمد موسى ومحمد طاهر عبد الحميد ومحمد صلاح الدين السعيد ومحمد بهجت محمود عتيبه المستشارين.
القضية رقم 268 لسنة 11 ق
( أ ) قرار إداري "سحبه" حق الإدارة في سحب القرارات الإدارية غير
المشروعة مرهون بأن تنشط الإدارة في ممارسة هذا الحق خلال ميعاد الطعن القضائي وهو
ستون يوماً من تاريخ صدور القرار الإداري المعيب أو إلى ما قبل صدور حكم في دعوى طلب
إلغائه – من الاستثناءات التي ترد على هذه القاعدة حالة حصول أحد الأفراد على قرار
إداري نتيجة تدليسه فلا يكتسب هذا القرار أي حصانة تعصمه من السحب بعد انقضاء المواعيد
القانونية – الشروط التي يجب توافرها في التدليس الذي يترتب عليه الأثر المتقدم.
(ب) قرار إداري "ركن الخطأ" مسئولية – مسئولية الإدارة "أركانها" صدور قرار إداري بالمخالفة
لأحكام القانون يكون ركن الخطأ في مسئولية الإدارة -.
1 – إن حق الإدارة في سحب القرارات الإدارية غير المشروعة وتصحيح الأوضاع المخالفة
للقانون أصل مسلم به احتراماً لمبدأ سيادة القانون وهو مرهون بأن تنشط الإدارة في ممارسته
خلال ميعاد الطعن القضائي وهو ستون يوماً من تاريخ صدور القرار الإداري المعيب أو إلى
ما قبل صدور حكم في دعوى طلب إلغائه وذلك لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة تتمثل في
استقرار المراكز القانونية التي تتولد عن هذه القرارات ويرد على هذه القاعدة بعض الاستثناءات
التي تمليها المصلحة العامة أيضاً ومنها حالة ما إذا حصل أحد الأفراد على قرار إداري
نتيجة تدليسه فلا يكتسب هذا القرار أية حصانة تعصمه من السحب بعد انقضاء مواعيد السحب
القانونية لأن التدليس عيب من عيوب الإدارة التي إذا شابت التصرف أبطلته وما يترتب
عليه من آثار إذ الأصل أن الغش يفسد كل شيء. والتدليس الذي يصاحب مراحل إصدار القرار
الإداري عمل بطبيعته قصدي يتوافر باستعمال صاحب الشأن طرقاً احتيالية بنية التضليل
للوصول إلى غرض غير مشروع تدفع الإدارة فعلاًَ إلى إصدار قرارها. وقد تكون هذه الطرق
الاحتيالية التي استهدف بها صاحب الشأن التأثير في إرادة الإدارة طرقاً مادية كافية
للتضليل وإخفاء الحقيقة وقد تكون عملاً سلبياً محضاً في صورة كتمان صاحب الشأن عمداً
بعض المعلومات الأساسية التي تجهلها جهة الإدارة…. ولا تستطيع معرفتها عن طريق آخر
ويؤثر جهلها بها تأثيراً جوهرياً في إرادتها وذلك مع علم صاحب الشأن بهذه المعلومات
وبأهميتها وخطرها وأن الإدارة تعول عليها في إصدار قرارها ولو لم تطلبها منه صراحة
على أن مناط إنزال حكم قيام التدليس أن يكون صادراً من المستفيد أو يثبت أنه كان يعلم
به أو كان من المفروض حتماً أن يعلم به فإذا ثبت أن المدلس شخص آخر خلاف المستفيد ولم
يثبت أن الأخير عالم بالتدليس أو كان من المفروض حتماً أن يعلم به فلا يضار المستفيد
من عمل غيره لأن أساس فكرة التدليس هي معاقبة المدلس ذاته وحرمانه من الاستفادة من
نتائج عمله. وهذه القواعد وإن كانت تستمد أصولها من أحكام المادتين 125، 126 من القانون
المدني إلا أنها تتسق مع روابط القانون العام ولا تتنافر معه وتتحقق معها مقتضيات الصالح
العام ويجدر لذلك تطبيق مقتضاها.
2 – إن مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية منوطة بأن يكون قد شابها أحد عيوب المشروعية
المنصوص عليها في المادة الثامنة من القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة
وأن يترتب عليها ضرر وأن تقوم علاقة سببية بين خطأ الإدارة وهذا الضرر.
ولما كان القرار الذي يطالب المدعي بالتعويض عنه قد صدر بالمخالفة لأحكام القانون ويتوافر
بذلك ركن الخطأ فإنه يحق للمدعي أن يطالب بالتعويض عن الأضرار التي حاقت به بسبب هذا
القرار.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن السيد/ فوزي
علي إبراهيم النواجي أقام الدعوى رقم 540 لسنة 16 القضائية بعريضة أودعها قلم كتاب
محكمة القضاء الإداري في 18 من فبراير سنة 1962 طالباً الحكم بإلزام وزارة التربية
والتعليم بأن تدفع تعويضاً قدره خمسمائة جنيه عن الأضرار التي لحقته من قرار منطقة
شبين الكوم التعليمية بتاريخ 21 من ديسمبر سنة 1959 الذي قضي ببطلان قرار قبوله بالسنة
الأولى الإعدادية عام 1954/ 1955 وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية
المدعى عليها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال بياناً لدعواه إنه ألحق بالسنة
الأولى الابتدائية نظام قديم بمدرسة كوم أمبو الابتدائية في أكتوبر سنة 1949 بعد تقدير
سنة بمعرفة مفتش صحة كوم أمبو بثمان سنوات في أكتوبر سنة 1949 أي اعتبر من مواليد أكتوبر
سنة 1941 وذلك لاعتقاد والده أن من سواقط القيد ثم حول إلى مدرسة سمادون الابتدائية
في أول إبريل سنة 1950 بمناسبة مرض والده وسفره إلى بلدته ساقية النقدي مركز أشمون
حيث توفى في مايو سنة 1950 وظل بهذه المدرسة إلى نهاية العام الدراسي 1952/ 1953 وكان
بالسنة الثانية ثم عدل نظام الدراسة فأصبح في السنة الأولى الإعدادية في العام الدراسي
1953/ 1954 – واستمر في الدراسة إلى أن تقدم لامتحان الشهادة الإعدادية في العام الدراسي
1958/ 1959 – ونجح فيه. وأشار إلى أنه أثبت في استمارة هذا الامتحان تاريخ ميلاده من
واقع شهادة التسنين وكان ذلك بعد موافقة المنطقة التعليمية. ولما طلب بعد ذلك للتجنيد
تبين له من طلب التجنيد أنه مقيد بدفاتر مواليد ساقية النقدي مركز أشمون بتاريخ 19
من يناير سنة 1939 ولم يكن يعلم من قبل بهذه الواقعة فبادر بإخطار المنطقة بها مما
يدل على حسن نيته. وفي 21 من ديسمبر 1959 أخطر ولي أمره بقرار المنطقة ببطلان القرار
الصادر بقبوله بالسنة الأولى الإعدادية عام 1954/ 1955 مع ما يترتب على ذلك من آثار
من إلغاء نجاحه في امتحان الشهادة الإعدادية عام 1958/ 1959 استناداً إلى تجاوزه السنة
المقررة على أساس شهادة الميلاد ونعى المدعي على هذا القرار مخالفته القانون لانتفاء
ركن الغش اللازم لإبطال القرار بعد فوات ستين يوماً على صدورها فلم يكن له دخل أو سوء
نية فيما وقع من خطأ في تاريخ ميلاده لأن الاعتقاد كان أنه من سواقط القيد ولم يظهر
هذا الخطأ إلا عندما طلبته إدارة التجنيد. وفضلاً عن ذلك فقد أباح القانون تجاوز السن
المقرر بشرط دفع رسوم خاصة بذلك تسمى رسوم إعادة القيد وقدرها عشرة جنيهات. ولما كان
قد انقضى ميعاد الطعن في هذا القرار فقد طالب بالتعويض عن الأضرار التي لحقته من جرائه.
وأجابت الوزارة قائلة إن المدعي التحق بمدرسة كوم أمبو الابتدائية عام 1949 بموجب شهادة
تسنين تثبت أن سنه حوالي ثمانية أعوام وشهادة سواقط قيد بدعوى أنه من مواليد قبيلة
أقليت بكوم أمبو في حين أنه من مواليد ساقية المنقدي مركز أشمون بمحافظة المنوفية بتاريخ
17 من يناير سنة 1939 وقد حول المدعي إلى السنة الأولى بالمدارس الإعدادية في عام 1954/
1955 بناء على أوراقه السابق تقديمها إلى مدرسة كوم أمبو الابتدائية وتقدم لامتحان
الشهادة الإعدادية لعام 1959 وكان من بين بيانات الشهادة البيضاء التي تحرر عند دخول
الامتحان تحديد تاريخ الميلاد وقد طولب بتقديم شهادة الميلاد الدالة على ذلك فتقدم
والده بإقرار مؤرخ في أول أكتوبر سنة 1958 يتعهد فيه باستحضار مستخرج رسمي من شهادة
ميلاد المدعي. وفي 27 من أغسطس سنة 1959 تقدم المدعي بطلب إلى منطقة شبين الكون التعليمية
أثبت فيه أنه من مواليد ساقية المنقدي وطلب مراعاة ذلك عند تحرير الشهادة الإعدادية
الخاصة به. وقد تبين للمنطقة صدق ما ورد بطلب المدعي وأنه من مواليد 17 من يناير سنة
1939 ومن ثم تكون سنه عند التحاقه بالمدارس الإعدادية عام 1954/ 1955 ستة عشرة سنة
وتسعة شهور بالمخالفة لحكم المادة الثالثة من القانون رقم 211 لسنة 1953 بشأن تنظيم
التعليم الثانوي التي تشترط فيمن يقبل بالسنة الأولى من المرحلة الإعدادية ألا تزيد
سنه في أول السنة المدرسية على اثنتي عشرة سنة. وبناء على ذلك أصدر السيد مدير عام
المنطقة قراره في 14 من ديسمبر سنة 1959 ببطلان القرار الصادر بقبول المدعي بالسنة
الأولى الإعدادية عام 1954/ 1955 وما يترتب على ذلك من آثار مع إلغاء نجاحه في امتحان
الشهادة الإعدادية عام 1958/ 1959.
ودفعت الوزارة الدعوى تأسيساً على أن قرار قبول المدعي بالمدارس الإعدادية عام 1954/
1955 كان مبنياً على غش واضح وسوء نية من جانب ولى أمره إذ ادعى عند التحاق المدعي
بالمدارس الابتدائية سنة 1949 أنه ساقط القيد ومن مواليد أقليت مركز كوم أمبو ومن غير
المعقول أن يجهل والد تاريخ ميلاد ابنه أو ناحية ميلاده. وإذا كان المدعي لم يذكر هذه
البيانات الكاذبة الخاصة بسنه في طلب قدمه للامتحان بالمدرسة الإعدادية عام 1954/ 1955
إلا أن الأوراق التي قدمت للالتحاق بالمدارس الابتدائية هي نفس الأوراق التي قدمت للالتحاق
بالمدارس الإعدادية وجرى العمل على أن أوراق الطالب تظل تلاحقه في جميع مراحل التعليم
وفضلاً عن ذلك فإن واقعة الغش كما يجوز أن تتخذ مظهراً إيجابياً بالتقدم بالبيان الكاذب
فإنه يجوز أن تتخذ مظهراً سلبياً بامتناع عن تقديم البيان الصحيح والمدعي كان عند التحاقه
بالمدرسة الإعدادية قد بلغ أكثر من ستة عشرة سنة وهي سن تؤهله للاشتراك في تقرير مصيره
مما يجعل مظنة اشتراكه في واقعة الغش بل مجرد علمه بها أمراً قريب الوقوع إن لم يكن
محققاً. وأشارت للتدليل على سوء نية المدعي إلى أن قانون التجنيد ينص على استدعاء من
يصبه الدور للتجنيد إذ بلغ التاسعة عشرة وقد بلغ هذه السن في 17 من يناير سنة 1958
أي قبل تحرير الاستمارة البيضاء رقم 1 مكرر الخاصة بالشهادة الإعدادية كما أن ولي أمره
تعهد في أول أكتوبر سنة 1958 بتقديم مستخرج رسمي للمدعي من شهادة ميلاده ولم يقدمه
إلا بعد 30 من أغسطس سنة 1959 أي بعد أدائه امتحان الشهادة الإعدادية وذلك خشية أن
تظهر سنه فيحرم من أداء الامتحان. وخلصت الوزارة من ذلك إلى أن سحب القرار مثار المنازعة
بعد انقضاء ستين يوماً صحيح لأنه صدر نتيجة غش وتدليس وبناء عليه تنتفي مسئولية الإدارة
عن القرار الساحب وعن الضرر الناتج عنه لانتفاء ركن الخطأ وطلبت رفض الدعوى.
وبجلسة 20 من ديسمبر سنة 1964 حكمت محكمة القضاء الإداري بإلزام وزارة التربية والتعليم
بأن تدفع للمدعي مبلغ ثلاثمائة جنيه والمصاريف وثلاثة جنيهات أتعاب المحاماة وأقامت
المحكمة قضاءها على أنه لم يحدث مطلقاً أن قدم المدعي طلباً للالتحاق بمدرسة كوم أمبو
الإعدادية في سنة 1954/ 1955 والحقيقة أن ولي أمره هو الذي قدم الطلب وكان ذلك في سنة
1949 ولم يكن لمدرسة كوم أمبو الإعدادية ولكن لمدرسة كوم أمبو الابتدائية ولم يكن سن
المدعي وقت حدوث هذا الغش ست عشرة سنة بل كان عشر سنوات وأن فتوى مجلس الدولة في سنة
1959 التي سبقت القرار المطعون وأدت إليه بنيت على هذه المعلومات الخاطئة باعتبار أن
المدعي وقت حدوث الغش كان سنه أكثر من ست عشرة سنة فكان مشتركاً في الغش أو على الأقل
عالماً به وإذ بني القرار المطعون فيه على هذه الوقائع غير الصحيحة يكون قراراً باطلاً
ومخالفاً للقانون حيث إن الغش الذي وقع من ولي أمر المدعي في سنة 1949 على فرض ثبوته
وقع وسن الطالب عشر سنوات وعشرة شهور وهي سن لا يمكن أن يفترض فيها الغش أو العلم بالغش
ومن ثم فإنه لا يجوز أن يضار من الغش الذي وقع من ولي أمره وهو في هذه السن المبكرة.
وأضافت المحكمة أن المدعي أصابه ضرر مؤكد وجسيم بحرمانه من الشهادة التي حصل عليها
بعد عشر سنوات من الدراسة وحرمانه من فرصة العمل بهذه الشهادة ومن فرصة المضي في تعليم
أرقى من الشهادة الإعدادية ورأت المحكمة أن جبر الضرر الذي أصاب المدعي من هذا الخطأ
الذي وقعت فيه الإدارة يمكن أن يتمثل في مبلغ ثلاثمائة جنيه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أنه لا يجوز استفادة الفرد من غشه وأن الغش يفسد كل التصرفات
وأنه طالما أن قرار قبول المطعون ضده بالمدارس الإعدادية عام 1954/ 1955 كان مبنياً
على غش واضح على التفصيل الذي بسطته أمام محكمة القضاء الإداري فإنه يحق للإدارة أن
تلغي قرار قبوله في أي وقت دون أن يقدح في ذلك ما قرره الحكم من أن البيان الخاطئ لم
يذكره المطعون ضده في طلب قدمه للالتحاق بالمدارس الإعدادية بل أن تلك البيانات قد
ذكرت عند التحاقه عام 1949 بالمدارس الابتدائية، لأن الأوراق التي تقدم بها للالتحاق
بالمدارس الإعدادية هي نفس أوراق التحاقه بالمدارس الابتدائية ومن بينها البيانات الكافية
التي ذكرها. وأضافت أنه لا يقدح في ذلك أن المطعون ضده كان بمنأى عن الغش وقد قدمه
ولي أمره وأسست دفاعها في هذا الشأن على ما ارتآه مجلس الدولة في فتواه الصادرة في
أول فبراير سنة 1960 في حالة مماثلة من أنه "من المستبعد أن يكون الطلبة المذكورين
بمنأى عن عملية الغش التي وقعت في شهادات ميلادهم وترتب عليها قبولهم بالمدارس الثانوية
فهم قد بلغوا السن التي تؤهلهم للاشتراك في مصيرهم مما يجعل منطقة اشتراكهم في تغيير
سنهم بشهادات ميلادهم فضلاً عن مجرد علمهم به قريبة الوقوع إن لم تكن محققة" وبناء
عليه يكون القرار محل الطعن سليماً من الناحية القانونية وينتفي خطأ الإدارة الموجب
لإلزامها بالتعويض، وأنه مع التسليم جدلاً بأن ثمة خطأ قد قارفته الإدارة فإن ذلك لا
يؤدي إلى تقرير تعويض لأن الثابت أن المطعون ضده لم يعد عليه ضرر من جراء إلغاء قرار
قبوله بالمدارس الإعدادية ولم يقدم لمحكمة القضاء الإداري ما يثبت أن ضرراً قد لحقه
وعناصر التعويض عنه ولم يتضمن الحكم ذكر الأضرار التي لحقته. وخلص الطعن إلى أن الحكم
المطعون يكون قد خالف حكم القانون فيما انتهى إليه من تقرير مسئولية الإدارة عن قرار
صحيح ومشروع صدر عنها بالرغم من انتفاء ركني الخطأ – والضرر الواجب توافرهما مما يحق
معه الطعن عليه.
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة لدى المحكمة الإدارية العليا أودعت تقريراً بالرأي القانوني
في هذه المنازعة انتهت فيه إلى أنها ترى قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم
المطعون فيه والحكم برفض الدعوى مع إلزام المطعون ضده المصروفات واستندت في ذلك إلى
أنه وقد ثبت أن المطعون ضده من مواليد 17 من يناير سنة 1939 فإنه كان يبلغ من العمر
أكثر من خمسة عشر عاماً وقت التحاقه بمدرسة كوم أمبو الإعدادية سنة 1954 ومع أن هذا
العمر يؤهله لإدراك ما هو حقيقي وما هو زائف ويؤهله للاشتراك في تحمل المسئولية إلا
أنه لم يشأ أن يصارح جهة الإدارة وقتها بحقيقة الأمر وقت قبوله بل طوال مدة دراسته
بتلك المرحلة الأمر الذي يعتبر من قبيل الغش الذي يصيب القرار المسحوب وينتفي بذلك
ركن الخطأ الموجب لمسئولية الجهة الإدارية.
ومن حيث إنه يبين من استقراء أوراق الطعن أن السيد/ محمد عبد الله الفارسي بصفته ولي
أمر التلميذ فوزي علي إبراهيم النواجي "المدعي" ومراسله تقدم في سنة 1949 بطلب لإلحاق
التلميذ المذكور بالسنة الأولى بمدرسة كوم أمبو الابتدائية وأثبت في هذا الطلب أنه
يبلغ ثمان سنوات وأنه من مواليد أقليت مركز كوم أمبو مديرية أسوان وأرفق بأوراقه شهادة
تسنين وشهادة من قبيلة أقليت بأنه من سواقط القيد ثم حول في العام الدراسي 1954/ 1955
إلى مدرسة سمادون الإعدادية وقيد بالفرقة الأولى بها ثم نقل إلى الفرقة الثانية وحول
إلى مدرسة رملة الأنجب الإعدادية التابعة لمنطقة شبين الكوم التعليمية وقيد بها بالفرقة
الثانية في العام الدراسي 1955/ 1956 وظل بها إلى الفرقة الرابعة في العام الدراسي
1958/ 1959. وفي أول أكتوبر سنة 1958 تعهد السيد عبد الفتاح أحمد سليمان بصفته ولي
أمر التلميذ بتقديم مستخرج رسمي له بدلاً من شهادة التسنين وشهادة سواقط القيد الحاصل
عليها من قبيلة أقليت. وبمناسبة إعداد استمارات التقدم لامتحان شهادة الدراسة الإعدادية
سنة 1959 استطلعت المدرسة رأي المنطقة التعليمية في شأن المدعي فأفادت بكتابها رقم
297 المؤرخ في 15 من فبراير سنة 1959 بكتابة تاريخ الميلاد المسنن به التلميذ في الاستمارة
المذكورة على أن يثبت قرينه ساقط القيد وجاري استخراج شهادة رسمية على أن يؤخذ إقرار
ولي الأمر بأنه في حالة نجاح التلميذ أو رسوبه لا يمكن قبوله سواء بالمدرسة الثانوية
أو بذات المدرسة ولا بعد تقديم المستخرج الرسمي الذي يثبت قيده في دفتر المواليد. وأعدت
استمارة المدعي في 23 من فبراير سنة 1959 على هذا الأساس وأثبت بها أنه من مواليد أقليته
مركز كوم أمبو في 3 من نوفمبر سنة 1941 وتقدم المدعي إلى الامتحان ونجح فيه وتسلم أوراقه
من المدرسة بما فيها شهادة التسنين في 27 من يوليه سنة 1959 وفي 27 من أغسطس سنة 1959
أخطر المدعي المنطقة التعليمية بشبين الكوم بأنه أثبت خطأ باستمارة الامتحان أنه من
مواليد أقليت مركز كوم أمبو وأنه من مواليد ساقية النقدي مركز أشمون وطالب مراعاة ذلك
عند تحرير شهادة الإعدادية وبناء على طلب المنطقة تقدم المدعي بمستخرج رسمي لشهادة
ميلاده وثبت منه أنه من مواليد ساقية المنقدي مركز أشمون في 27 من يناير سنة 1939 وقرر
المدعي أن شهادة تسنينه فقدت منه بعد تسلمها. وبسبب ذلك أصدرت المنطقة في 14 من ديسمبر
سنة 1959 قرارها مثار المنازعة استناداً إلى أن المدعي عند امتحانه بالسنة الأولى الإعدادية
عام 1954/ 1955 كانت سنه تزيد على خمس عشرة سنة بالمخالفة لأحكام القانون رقم 211 لسنة
1953 ومن ثم فيكون قرار قبوله بالسنة الأولى الإعدادية باطلاً لمخالفته القانون ويتعين
سحبه دون التقيد بمواعيد سحب القرارات الإدارية لأنه صدر بناء على البيانات غير الصحيحة
التي أدلى بها والقاعدة أن الغش يفسد التصرفات فتبطل وما يترتب عليها من آثار.
ومن حيث إن حق الإدارة في سحب القرارات الإدارية غير المشروعة وتصحيح الأوضاع المخالفة
للقانون أصل مسلم به احتراماً لمبدأ سيادة القانون وهو مرهون بأن تنشط الإدارة في ممارسته
خلال ميعاد الطعن القضائي وهو ستون يوماً من تاريخ صدور القرار الإداري المعيب أو إلى
ما قبل صدور حكم في دعوى طلب إلغائه وذلك لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة تتمثل في
استقرار المراكز القانونية التي تتولد عن هذه القرارات. ويرد على هذه القاعدة بعض الاستثناءات
التي تمليها المصلحة العامة أيضاً ومنها حالة ما إذا حصل أحد الأفراد على قرار إداري
نتيجة تدليسه فلا يكتسب هذا القرار أية حصانة تعصمه من السحب بعد انقضاء مواعيد السحب
القانونية لأن التدليس عيب من عيوب الإرادة التي إذا شابت التصرف أبطلته وما يترتب
عليه من آثار، إذا الأصل أن الغش يفسد كل شيء. والتدليس الذي يصاحب مراحل إصدار القرار
الإداري عمل بطبيعته قصدي يتوافر باستعمال صاحب الشأن طرقاً احتيالية بنية التضليل
للوصول إلى غرض غير مشروع تدفع الإدارة فعلاً إلى إصدار قرارها. وقد تكون هذه الطرق
الاحتيالية التي استهدف بها صاحب الشأن التأثير في إرادة الإدارة طرقاً مادية كافية
للتضليل وإخفاء الحقيقة وقد تكون عملاً سلبياً محضاً في صورة كتمان صاحب الشأن عمداً
بعض المعلومات الأساسية التي تجهلها جهة الإدارة… ولا تستطيع معرفتها عن طريق آخر
ويؤثر جهلها بها تأثيراً جوهرياً في إرادتها وذلك مع علم صاحب الشأن بهذه المعلومات
وبأهميتها وخطرها وأن الإدارة تعول عليها في إصدار قرارها ولو لم تطلبها منه صراحة.
على أن مناط إنزال حكم قيام التدليس أن يكون صادراً من المستفيد أو يثبت أنه كان يعلم
به وكان من المفروض حتماً أن يعلم به فإذا ثبت أن المدلس شخص آخر خلاف المستفيد ولم
يثبت أن الأخير عالم بالتدليس أو كان من المفروض حتماً أن يعلم به فلا يضار المستفيد
من عمل غيره لأن أساس فكرة التدليس هي معاقبة المدلس ذاته وحرمانه من الاستفادة من
نتائج عمله. وهذه القواعد وإن كانت تستمد أصولها من أحكام المادتين 125، 126 من القانون
المدني إلا أنها تتفق مع روابط القانون العام ولا تتنافر معه وتتحقق معها مقتضيات الصالح
العام ويجدر لذلك تطبيق مقتضاها.
ومن حيث إن الثابت من استعراض وقائع النزاع أنه لم يقم دليل من الأوراق على أن المدعي
ارتكب غشاً أو تدليساً عند التحاقه بالسنة الأولى بالمدارس الإعدادية في العام الدراسي
1954/ 1955 وأنه كان يعلم بما وقع من تدليس، فالقدر المستفاد من الأوراق أن ولي أمر
المدعي هو الذي قام بتقديم شهادة تسنين المدعي إلى مدرسة كوم أمبو الابتدائية في عام
1949 بمناسبة إلحاقه بها وكانت سن المدعي في هذا التاريخ باعتباره من مواليد 17 من
يناير سنة 1939 عشر سنوات وثمانية شهور وأربعة عشر يوماً فقط وهي سن مبكرة لا يفترض
معها عمله بإخفاء تاريخ ميلاده الحقيقي ومحل ميلاده. وفي عام 1954/ 1955 حولت أوراقه
إلى مدرسة سمادون الإعدادية وقبل بها ولم ينسب إليه أنه قام بعمل إيجابي لإخفاء تاريخ
ميلاده أو محل ميلاده وهو وإن كان في هذا التاريخ قد بلغ من السن خمسة عشر عاماً وتسعة
شهور إلا أن ذلك ليس وحده دليلاً على علمه بتاريخ ميلاده ومحل ميلاده وتعمده كتمان
هذه الواقعة بنية التضليل لقبوله على غير ما تقضي به المادة الثالثة من القانون رقم
211 لسنة 1953 بتنظيم التعليم الثانوي التي تشترط فيمن يقبل بالسنة الأولى من المرحلة
الإعدادية ألا تقل سنه في أول السنة المدرسية عن عشر سنوات ولا تزيد على اثنتي عشرة
سنة. ولا يجدي القول بأنه كان قد بلغ السن التي تؤهله للاشتراك في تقرير مصيره مما
يجعل مهمة اشتراكه في تغيير سنه قريبة الوقوع إن لم تكن محققة ذلك أن التدليس عمل عمدي
يشترط فيه أساساً توافر نية التضليل وهو ما يتعين قيام الدليل على توافره دون الاعتماد
على مجرد الظن أو الاحتمال. أما افتراض علمه حتماً بتاريخ ميلاده ومحله عند قبوله بالمدرسة
الإعدادية عام 1954/ 1955 فمحل شك كبير بمراعاة تخلف الوعي في بعض البيئات المصرية
وخاصة في الريف فإذا ما اقترن ذلك بأن المدعي عاش مع والده في كوم أمبو حيث كان يعمل
بمصنع شركة السكر وظل بها إلى ما قبل وفاة والده في مايو سنة 1950 بحوالي شهر واحد
وكانت سنه عند وفاة والده إحدى عشرة سنة وأربعة شهور فقط مما يغلب التسليم معه بصحة
اعتقاده بأنه من مواليد أقليت وليس من مواليد ساقية المنقدي وبالتالي عدم افتراض علمه
بالحقيقة حتماً. وعلى ذلك فإنه لا يمكن اعتباره مدلساً عند صدور قرار قبوله بالمدرسة
الإعدادية عام 1954 الأمر الذي يترتب عليه تحصن هذا القرار بمضي ستين يوماً على صدوره
باعتباره مجرد قرار باطل. ولا ينال من ذلك ما أثارته الجهة الإدارية من أنها طالبت
المدعي في أول أكتوبر سنة 1958 بشهادة ميلاده فأصر مراسله على أنه من سواقط القيد وأنه
من مواليد أقليت كما أنه لا بد وقد علم بحقيقة الأمر عند بلوغه التاسعة عشرة سنة 1958
وهي سنة التجنيد وبالرغم من ذلك أخفى هذه الواقعة مما يثبت سوء نيته فهذا الذي أثارته
الجهة الإدارية فإنه فضلاً عن عدم قيام الدليل على صحة علم المدعي بحقيقة تاريخ ميلاده
ومحله قبل تقدمه إلى امتحان الشهادة الإعدادية ونجاحه فيه حسبما يقرر فإن هذا الادعاء
على فرض سلامته ليس من شأنه أن يزعزع قرار قبوله بالمدرسة الإعدادية سنة 1954 بعد إذ
تحصن بانقضاء مواعيد سحبه باعتباره قراراً باطلاً والأصل أن التدليس المعول عليه هو
ما صاحب إعداد القرار الإداري وصدوره دون الأعمال أو التصرفات اللاحقة، ولا يؤثر ذلك
أيضاً في صحة تقدم المدعي لامتحان الشهادة الإعدادية لأن القانون رقم 55 لسنة 1957
في شأن تنظيم التعليم الإعدادي العام الذي تقدم المدعي لامتحان الشهادة الإعدادية العامة
في ظله ولم يضع حداً أقصى لسن من يتقدم لهذا الامتحان وأباح ذلك في المادة 11 منه لكل
من لا تقل سنه عن أربع عشرة سنة في أول أكتوبر التالي للامتحان وبناء عليه يكون القرار
مثار المنازعة قد افتقد سببه القانوني.
ومن حيث إنه بالإضافة إلى ما تقدم فإن المدعي كان يبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة باعتباره
من مواليد أكتوبر سنة 1941 طبقاً لشهادة تسنينه وذلك عند قبوله بالسنة الأولى بالمدرسة
الإعدادية سنة 1954 وكان قد تجاوز بذلك السن القانونية المشار في المادة الثالثة من
القانون رقم 211 لسنة 1953 وهي اثنتا عشرة سنة وبالرغم من ذلك قبلته الجهة الإدارية
وكانت شهادة التسنين تحت نظرها وأصبح هذا القرار حصيناً من السحب وبالتالي فإن ما حدث
من تدليس لم يشترك فيه المدعي لم يكن هو السبب الذي دفع بالإدارة إلى إصدار قرارها
بقبول المدعي في المدرسة الإعدادية سنة 1954 وتكون بذلك قد وقعت في خطأ بين لا يجوز
لها أن تلقي بمسئوليته كاملاً على المدعي وتتنصل هي منه خاصة وأن هذا الأمر ولا شك
قد استبان لمدرسة الأنجب الإعدادية بمناسبة تحرير استمارة التلميذ المذكور في فبراير
سنة 1959 للتقدم إلى امتحان الشهادة الإعدادية سنة 1959 فقد كانت شهادة تسنينه موضع
بحثها واستطلعت في شأنها رأي المنطقة التعليمية ولم يبد اعتراض بصدد تجاوز المدعي السن
القانونية عند التحاقه بالمدارس الإعدادية ولم يحل ذلك أيضاً دون تقدمه لامتحان الشهادة
الإعدادية ولم تنشط الجهة الإدارية بالرغم من كل ذلك إلى اتخاذ قرار ما ضد المدعي.
ومتى كان الأمر كذلك فإن القرار الساحب المطعون فيه يكون قد اتسم بعيب مخالفة القانون.
ومن حيث إن المدعي لم يطالب بإلغاء القرار الإداري الصادر بسحب قرار قبوله المدارس
الإعدادية سنة 1954/ 1955 وقرار إعلان نجاحه في امتحان الشهادة الإعدادية العامة سنة
1958/ 1959 لتحصينه بانقضاء مواعيد الطعن فيه وقصر طلبه على التزام الحكومة بمبلغ خمسمائة
جنيه عن الأضرار التي لحقته من جراء هذا القرار وقد قضت محكمة القضاء الإداري بإلزام
الوزارة المدعى عليها بأن تدفع له مبلغ ثلاثمائة جنيه.
ومن حيث إن مسئولية الإدارة عن القرارات الإدارية منوطة بأن يكون قد شابها أحد عيوب
المشروعية المنصوص عليها في المادة الثامنة من القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم
مجلس الدولة وأن يترتب عليها ضرر وأن تقوم علاقة سببية بين خطأ الإدارة وهذا الضرر.
ولما كان القرار الذي يطالب المدعي بالتعويض عنه قد صدر بالمخالفة لأحكام القانون ويتوافر
بذلك ركن الخطأ فإنه يحق للمدعي أن يطالب بالتعويض عن الأضرار التي حاقت به بسبب هذا
القرار والضرر الذي أصاب المدعي أمره محقق ويتمثل في حرمانه من مؤهله بعد أن كافح سنوات
في سبيله بالجهد والوقت والمال فضلاً عن حرمانه من ثمرات هذا المؤهل المادية والأدبية
بما تحققه له من حظ أوفر في شق طريقه في مستقبل حياته سواء في مجال العمل والترقي فيه
أو في مجال المضي في تعليم أرقى ورابطة السببية بين الخطأ والضرر واضحة وتقدر المحكمة
الضرر المباشر الذي أصاب المدعي بمبلغ مائة جنيه فقط وذلك بمراعاة أن القانون يبيح
لغير طلبة المدارس – حكومية كانت أو خاصة – التقدم لامتحان الشهادة الإعدادية العامة
ودون التقيد بحد أقصى للسن حسبما تقضي به المادتان 11، 12 من القانون رقم 55 لسنة 1957،
وإذ لم يتقدم المدعي لهذا الامتحان بعد سحب مؤهله فيكون بذلك قد أسهم بخطئه في تفاقم
الأضرار التي لحقت به والتي كان في إمكانه أن يحد منها إذا ما تقدم لهذا الامتحان في
وقت مناسب. ولا مقنع فيما ادعاه المدعي أمام المحكمة الإدارية العليا بجلستها المعقودة
في 13 من يناير سنة 1968 من أنه لم يتقدم لهذا الامتحان بعد سنة 1959 بسبب طلبه للخدمة
العسكرية لأن التحاقه بالخدمة العسكرية ما كان ليمنعه من ذلك سواء خلال مدة تجنيده
أو بعد انتهائها الأمر الذي يستتبع النزول بالتعويض الذي قضت به محكمة القضاء الإداري
إلى مائة جنيه فقط.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بتعديل الحكم المطعون فيه وذلك بالاكتفاء بإلزام الحكومة بأن تدفع للمدعي تعويضاً قدره مائة جنيه وألزمت الحكومة بالمصروفات المناسبة.
