الطعن رقم 910 لسنة 8 ق – جلسة 29 /06 /1963
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثامنة – العدد الثالث (من أول مايو سنة 1963 إلى آخر سبتمبر سنة 1963) – صـ
1497
جلسة 29 من يونيه سنة 1963
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة/ مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 910 لسنة 8 القضائية
اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري – موظف – تقرير سنوي – اعتبار
التقرير السري السنوي قراراً إدارياً يتصل بترقية الموظف وعلاوته ودرجته ومرتبه – اختصاص
مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الطعن فيه – الدفع بعدم جواز نظر الدعوى تأسيساً
على أن التقارير من صميم أعمال الإدارة بلا معقب عليها – في غير محله – اعتبار دفعه
موضوعياً ينصب على مدى رقابة القضاء الإداري على هذه التقديرات لا دفعاً شكلياً يرد
على إمكان نظر الدعوى – وجوب التفرقة بين ترخص الإدارة في التقدير ذاته وبين مراعاة
الإجراءات القانونية للوصول إلى هذا التقدير – أساس ذلك.
أن التقرير السري السنوي هو تقدير لأعمال الموظف وتسجيل لكفايته عن سنة معينة يرتب
في حقه بصفة حاسمة إما مباشرة أو بطريق غير مباشر آثاراً قانونية خاصة متى كان صادراً
ومستوفياً المراحل والأوضاع الشكلية المتطلبة قانوناً وأصبح نهائياً، إذ قد ينبني عليه
طبقاً لنصوص المواد 31 و32 و40 و40 مكرراً و42 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام
موظفي الدولة حرمان الموظف من أول علاوة دورية من تخطيه في الترقية سواء بالأقدمية
أو بالاختيار في السنة التي قدم فيها التقرير، أو تقديمه إذا ما صدر في حقه تقريران
متتاليان بدرجة ضعيف للهيئة المشكل منها مجلس التأديب لفحص حالته وتقرير نقله إلى وظيفة
أخرى إذا كان قادراً على الاضطلاع بأعبائها بذات الدرجة والمرتب أو مع خفض درجته أو
مرتبه أو نقله إلى كادر أدنى، أو فصله من وظيفته مع حفظ حقه في المعاش أو المكافأة،
أو عدم اعتباره مرقى إلى الدرجة التالية بصفة شخصية بالتطبيق لقواعد قدامى الموظفين،
أو عدم منحه علاوة اعتيادية، وبهذه المثابة فإنه تتوافر له مقومات القرار الإداري وخصائصه
ويكون نظر الطعن فيه من اختصاص القضاء الإداري لاتصاله بترقية الموظف وعلاواته، وبدرجته
ومرتبه وببقائه في الوظيفة أو فصله منها، ما نص قانون تنظيم مجلس الدولة على اختصاص
المجلس بهيئة قضاء إداري بنظره.
وعلى ذلك فإن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى تأسيساً على أنه لا رقابة للقضاء الإداري
على تقديرات التقارير السرية باعتبار أن هذه التقارير من صميم أعمال الإدارة التي لا
معقب عليها فيها، ليس في حقيقته دفعاً شكلياً يرد على إمكان نظر الدعوى بطلب إلغاء
مثل هذه التقارير أو عدم إمكان نظرها والتطرق إلى موضوعها، وإنما هو في واقع الأمر
دفاع موضوعي ينصب على مدى رقابة قضاء الإداري على التقديرات التي تتضمنها التقارير
السرية السنوية للموظفين وسلطة في مناقشة سلامة هذه التقديرات، وتعيين حدود ما تمتد
إليه هذه الرقابة وما تقصر عنه، وهذا يدخل في جوهر النزاع الذي يفصل فيه الحكم الموضوعي،
فثمة فرق بين ترخص الإدارة في التقدير ذاته وبين وجوب مراعاتها للإجراءات والأوضاع
التي رسمها القانون للوصول إلى هذا التقدير، وليس هذا أو ذلك بمانع يحول دون إمكان
نظر القضاء الإداري للدعوى بل إنه مقتض له. ومن ثم فإن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى
يكون في غير محله متعيناً رفضه.
إجراءات الطعن
في 18 من مارس سنة 1962 أودعت إدارة قضايا الحكومة بصفتها نائبة عن السيد وزير التموين بصفته سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 910 لسنة 8 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "هيئة الفصل بغير الطريق التأديبي "بجلسة 17 من يناير سنة 1962 في الدعوى رقم 59 لسنة 12 القضائية المقامة من: السيد زكريا الجندي محمد قاسم ضد وزارة التموين، القاضي "أولاً: برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وباختصاصها ثانياً: برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً وبقبولها ثالثاً: بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر بتقدير كفاية المدعي عن سنة 1957 بتقدير ضعيف وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت المدعى عليها المصروفات ومبلغ مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة". وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في عريضة طعنه إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي بقبوله شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون عليه في 27 من يونيه سنة 1962، وعقبت عليه هيئة مفوضي الدولة بتقرير بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه لما أبدته به من أسباب إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات". وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة أول ديسمبر سنة 1962 التي أبلغ بها الطرفان في 27 من أكتوبر سنة 1962 و19 من نوفمبر سنة 1962. وبجلسة 18 من مايو سنة 1962 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى بالمحكمة العليا لنظره بجلسة أول يونيه سنة 1963. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 59 لسنة 13 القضائية ضد السيد وزير التموين أمام محكمة القضاء الإداري "هيئة
الفصل بغير الطريق التأديبي" بصحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 20 من أكتوبر سنة 1958
ذكر فيها "أن لجنة شئون موظفي الوزارة انعقدت في 30 من إبريل سنة 1958 وعرض عليها التقرير
السنوي السري عن أعماله في عام 1957 وكان تقدير الرئيس المباشر لكفايته هو 68 درجة
أي بتقدير "مرض". ووافق على هذا التقرير كل من المدير المحلي ورئيس المصلحة. ولكن اللجنة
سجلت درجة كفايته بتقدير "ضعيف" دون أن تبرر هذا التخفيض بسبب ما، الأمر الذي يشوب
تقديرها بعيب التعسف في استعمال السلطة وعيب مخالفة القانون. ويرجع سبب الانحراف بالسلطة
إلى الخصومة الشخصية القائمة بينه وبين وكيل الوزارة المساعد الذي رأس اللجنة في الجلسة
التي تقرر فيها خفض درجة كفايته إلى ضعيف وأساس هذه الخصومة هو تطليقه لزوجته التي
تمت بصلة المصاهرة إلى هذا الأخير في منتصف سنة 1950 وعدم قبوله مراجعتها، مما أدى
إلى تعاقب صور الاضطهاد عليه منذ ذلك التاريخ بنقله من القاهرة إلى أسيوط دون مبرر.
ثم نقله من أسيوط إلى قنا بدون سبب أيضاً مع وضعه تحت رياسة مراقب التموين في المنطقة
الذي هو أحدث منه تخرجاً وأدنى في درجة الوظيفة. وقد قدم تظلمات عديدة من هذا الوضع
كان مآلها الحفظ بتأشير وكيل الوزارة المساعد المشار إليه. وفي شهر يونيه سنة 1957
تظلم إلى السيد الوزير من عدم نقله من الوجه القبلي بعد أن أمضى في مديرياته سبع سنوات.
ولكن لجنة شئون الموظفين رفضت طلبه. وقد عاود الكرة بتظلم قدمه إلى السيد الوزير في
أكتوبر سنة 1957 بيد أن اللجنة قررت رفضه. وإزاء هذا تقدم بشكواه من اضطهاد وكيل الوزارة
المساعد له إلى كل من السيد رئيس الجمهورية والسيد رئيس مجلس الأمة. وقد تولت النيابة
الإدارية التحقيق في هذا الموضوع ولكن نتيجته لم تعرف بعد. ومن آيات الاضطهاد أن الوزارة
أصدرت في سنة 1950 حركة ترقيات إلى الدرجة الخامسة تخطته فيها هو وبعض زملائه. وقد
طعن أحدهم في هذه الحركة أمام محكمة القضاء الإداري التي قضت لمصلحته فلما أعلنت الوزارة
بهذا الحكم نفذته لمصلحة المحكوم له ومن يماثلونه في المركز القانوني ما عدا المدعي
وآخر وذلك بسبب اعتراض وكيل الوزارة المساعد. إلا أن الوزارة اضطرت إلى ترقيته أسوة
بزملائه بعد إذ أنذرها باتخاذ الإجراءات القانونية ضدها. وفي سبتمبر سنة 1955 أحيل
إلى القومسيون الطبي الذي وجد عنده مبادئ ذبحة صدرية وأوصى بأن يسند إليه عمل لا يحتاج
إلى مجهود جسماني، وقد أعدت إدارة المستخدمين مذكرة بحالته على أساس ما أسفر عنه فحص
القومسيون الطبي، إلا أن وكيل الوزارة المساعد اعترض طريقها إلى السيد الوزير وحولها
إلى إدارة المطاحن لتتصرف بحفظها وقد حفظتها بالفعل، وذهب تظلمه من هذا الحفظ هباء.
وعلى الرغم من أن الوظيفة المنوطة بالمدعي في المنطقة التموينية بأسيوط هي وظيفة "رئيس
قسم تفتيش المطاحن والصيانة". وأنها أسندت إليه بقرار وزاري. فإن وكيل الوزارة المساعد
قد أمر أن تسند إليه وظيفة "مدير إدارة" سكرتيرية بالمنطقة وهي وظيفة كتابية لا صلة
لها بالعمل الفني. وذلك سعياً لإقصائه عن الوظائف الفنية العالية ولا يصاد باب النقل
من أسيوط في وجهه. وقد قدرت كفايته في سنة 1954 بدرجة جيد. وفي سنة 1955 بـ 80 درجة
وفي 1956 بدرجة ممتاز (96 درجة) ثم هبطت بها لجنة شئون الموظفين التي كان يرأسها وكيل
الوزارة المساعد المذكور من درجة "مرض" إلى مستوى "ضعيف" عن سنة 1957، دون أن تبرر
هذا الخفض بأي مبرر أو أن تضع تقديراً رقمياً تعارض به التقدير المعروض عليها لإمكان
الحكم على سلامة تقديرها أو خطئه. ومن ثم جاء تقديرها عن عام 1957 لدرجة كفايته شاذاً
عن جميع التقديرات السابقة عليه. ولا تأييد له من العناصر الموجودة بملف خدمته، مما
يوجب عدم الاعتداد به بسبب صدوره مشوباً بعيب الانحراف بالسلطة. كما أن الاكتفاء فيه
بالحكم على المدعي بأنه "ضعيف" وخلوه من تفصيل الدرجات التي تقدر بها العناصر المختلفة
التي يشتمل عليها هو عيب مبطل للتقدير لأن القانون أوجب بيان الدرجات حتى يمكن مراقبة
صحة التقدير وتطبيق القانون في شأنه تطبيقاً سليماً، وحتى يعرف الموظف نواحي ضعفه فيعمل
على تقويتها. وبذلك تتحقق الحكمة من نظام التقارير السنوية السرية وقد تظلم المدعي
إلى السيد الوزير من هذا التقرير في 3 من يوليه سنة 1958 فتلقى من الوزارة إخطاراً
مؤرخاً 23 من أغسطس سنة 1958 بأن تظلمه قد رفض. ولذا فإنه يطلب "الحكم بإلغاء القرار
الصادر من لجنة شئون موظفي الوزارة بجلسة 30 من إبريل سنة 1958 بتسجيل درجة كفاية الطالب
عن سنة 1957 بتقدير "ضعيف" مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الوزارة المصروفات ومقابل
أتعاب المحاماة".
وقد ردت وزارة التموين على هذه الدعوى بمذكرة دفعت فيها بعدم جواز نظر الدعوى لأنه
لا رقابة للقضاء الإداري على تقديرات التقارير السرية، إذ أن هذه التقارير من صميم
أعمال الإدارة بلا معقب عليها لتعلقها باختصاصها الذي ليس للقضاء أن ينصب نفسه مكانها
فيه، كما دفعت بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى لأن المادة 8 وما بعدها
من القانون رقم 165 لسنة 1955 قد حددت اختصاصات محكمة القضاء الإداري على سبيل الحصر
وليس منها الطعن بإلغاء التقارير السرية. وقالت في الموضوع أن تقدير لجنة شئون الموظفين
لدرجة كفاية الموظف هو تقدير نهائي بحسب أحكام قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة
1951، أما تقديرات الرئيس المباشر والمدير المحلي ورئيس المصلحة فهي آراء استشارية
لتكوين فكرة مبدئية عن الموظف وطريقة سيره في عمله وإنتاجه. ومن ثم فإن للجنة أن تخفض
درجة كفايته أو أن تمنحه درجة أعلى لأن ذلك يدخل في اختصاصها. أما الخصومة الشخصية
العائلية التي يزعم المدعي وجودها بينه وبين وكيل الوزارة المساعد الذي رأس اللجنة
التي خفضت درجة كفايته فبعيدة عن الواقع إذ أن لجنة شئون الموظفين التي انعقدت في 30
من إبريل 1958 كانت برئاسة وكيل الوزارة الدكتور حسن بغدادي، لا برئاسة وكيل الوزارة
المساعد السيد/ توفيق متولي الذي يعنيه. وأما نقله إلى أسيوط، وهو من إطلاقات الإدارة
المتروكة لسلطتها التقديرية. فقد اقتضته المصلحة العامة بعد إذ ظل فترة طويلة يعمل
في القاهرة، كما أن مصلحة العمل هي التي استلزمت أن يسند إليه اختصاص غير الذي نص عليه
قرار نقله إلى أسيوط، ولا ضير في ذلك ما دام هذا الاختصاص يتناسب مع درجته ومقدرته
على العمل وليس عملاً كتابياً كما يزعم بل هو عمل إداري ولم يكن نقله لأي غرض آخر،
كما أن النقل لم يشمله وحده وإنما كان ضمن تنظيم عام للوزارة لمصلحة العمل وفي حدود
السلطة المخولة للإدارة، ولا حجة في الترقية إلى الدرجة الخامسة في سنة 1950 لأن ما
تم من إجراءات في تلك الحركة قد شمل بعض موظفي الوزارة من المعينين على قسمي الميزانية
والاعتماد وليس فيه دليل على التعسف أو على أنه قصد به لذاته. على أنه قد صدر القرار
رقم 737 لسنة 1952 بتسوية حالات 39 موظفاً كان هو من بينهم وكان من نتيجة التسوية أن
رقى إلى الدرجة الخامسة من 22 من يونيه سنة 1950، كما لا وجه لما يثيره بشأن القومسيون
الطبي إذ أنه منح أجازات مرضية لدى الاشتباه في إصابته بذبحة صدرية، وبعد إذ أخذ قسطه
من الراحة قرر القومسيون الطبي العام أن حالته الطبيعية تحسنت وأن يستمر في عمله. ومع
ذلك فإنه يتخبط في كيل الاتهامات. إذ يشكون من عدم تنفيذ الوزارة لقرار القومسيون الطبي
فإذا أسندت إليه عملاً أخف يتناسب مع حالته الصحية شكا من أنها خفضت وظيفته اضطهاداً
وتعسفاً على الرغم من تماثل الوظائف التي نيطت به من حيث الطبيعة. هذا بالإضافة إلى
أنه كثير الأجازات المرضية، وكثير الإدعاء بالمرض وهو ما سجله عليه القومسيون الطبي
العام وما كان من نتيجته مجازاته بخصم ثلاثة أيام من راتبه لتغيبه بإدعاء المرض، وفضلاً
عما حفل به ملف خدمته من جزاءات أخرى هي خمسة عشر يوماً من مرتبه لما نسب إليه من إهمال
في عمله وحصوله على بدل سفر ومصاريف انتقال دون وجه حق مع إنذاره بالفصل إذا عاد لمثل
ذلك مستقبلاً، وأحالته إلى مجلس تأديب لمخالفته أحكام المنشور الدوري رقم لسنة
1954 الخاص بتنظيم إجراء معاينات الكسب إلى جانب ترجيح صورة معاينة مواشي بعض المربين
مما ترتب عليه صرف كميات من الكسب بدون وجه حق، ومن ثم فإن دعواه تكون واجبة الرفض
موضوعاً.
وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة في 22 من ديسمبر سنة 1958 و17 من يناير سنة 1961 تقرير
بالرأي القانوني مسبباً انتهت في أولهما إلى أنها ترى "الحكم بعدم اختصاص المحكمة بنظر
الدعوى مع إلزام المدعي المصروفات" وفي الثاني إلى أنها ترى "أن تحكم المحكمة برفض
الدفع بعدم القبول والدفع بعدم الاختصاص، وقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار
الصادر من لجنة شئون موظفي وزارة التموين بجلسة30 إبريل سنة 1958 بتسجيل درجة كفاية
المدعي عن سنة 1957 بتقدير ضعيف، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الوزارة بالمصروفات
مقابل أتعاب المحاماة". وذلك لما أبدته في كل منهما من أسباب.
وبجلسة 17 من يناير سنة 1962 قضت محكمة القضاء الإداري "أولاً: برفض الدفع بعدم اختصاص
المحكمة بنظر الدعوى وباختصاصها. ثانياً: برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً وبقبولها
ثالثاً: بإلغاء القرار المطعون فيه الصادر بتقدير كفاية المدعي عن سنة 1957 بتقدير
ضعيف وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت المدعى عليها المصروفات ومبلغ مائتي قرش مقابل
أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها فيما يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص على أن القانون رقم
210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة قد رتب على التقارير السنوية آثاراً بعيدة المدى
في مركز الموظف سواء من حيث العلاوات أو الترقيات أو صلته بالوظيفة وأوجب أن تمر تلك
التقارير على مراحل رسمها ونظمها بحيث يصبح تقدير كفاية الموظف نهائياً منتجاً لآثاره
متى أقرته لجنة شئون الموظفين، ومقتضى هذا أن التقرير المقدم عن الموظف بعد استيفاء
مراحله هو بمثابة قرار إداري نهائي يؤثر مآلاً في الترقية وفي منح العلاوات وفي الفصل،
ويندرج بهذا الوصف في عموم الطلبات المنصوص عليها في الفقرتين الثالثة والخامسة من
المادة الثامنة من قانون مجلس الدولة مما يدخل في اختصاص القضاء الإداري. وعلى هذا
يكون الدفع بعدم الاختصاص في غير محله متعيناً رفضه. وذكرت عن الدفع بعدم جواز نظر
الدعوى أن هذا الدفع واجب الرفض أيضاً لأن المدعي قد تظلم من القرار المطعون فيه في
الميعاد القانوني. فلما رفض تظلمه في 23 من أغسطس سنة 1958 رفع دعواه الحالية في 20
من أكتوبر سنة 1958 وبذا تكون مقبولة شكلاً وقالت عن الموضوع أن قانون نظام موظفي الدولة
قد نظم في مواده كيفية إعداد التقارير السنوية ورسم المراحل والإجراءات التي تمر بها
حتى تصبح نهائية والشكل والأوضاع التي يجب أن تتخذها، فإذا حصل تعديل في تقدير الرئيس
المباشر سواء من المدير المحلي أو من رئيس المصلحة بالمخالفة لهذه الأوضاع وقع التعديل
باطلاً غير منتج لآثاره. على أن هذا لا يمنع الجهة الإدارية من إعادة تقدير كفاية الموظف
مرة ثانية وفقاً للأوضاع القانونية السليمة. وقد قررت لجنة شئون الموظفين كفاية المدعي
بمرتبة ضعيف دون ذكر درجات التقدير اكتفاء منها بما أثبته في التقرير من أن تقديرها
تم بعد الاطلاع على ملف خدمته وتقارير المباحث والمعلومات التي عرضت على اللجنة بخصوصه،
مع أن التوجيهات المدونة بظهر التقرير توجب أن يكون التقدير بالأرقام التي تحول بعد
ذلك إلى مراتب الكفاية الأمر الذي لم تتبعه اللجنة في الحالة المعروضة إذا اكتفت بذكر
الأسباب العامة على أصل التقرير المودع ملف خدمة المدعي، وقد خلت صورته التي بيد هذا
الأخير من تلك الأسباب، مما قد يفسر بأن الأسباب لم تكن موجودة وقت تحرير صورة التقرير
ويؤثر بالتالي في قيمتها في الاستناد إليها. وإذ لم تتبع لجنة شئون الموظفين حكم القانون
في تقدير درجة كفاية المدعي في التقرير السنوي السري عن عام 1957، فإن قرارها لا ينتج
الآثار التي رتبها القانون لتقدير الكفاية، ويتعين القضاء بإلغائه وما يترتب على ذلك
من آثار، على أن هذا لا يمنع الجهة الإدارية من إعادة تقدير كفاية المدعي عن السنة
التي طعن على التقدير الخاص بها وذلك في حدود القانون.
وبعريضة مودعة سكرتيرية هذه المحكمة في 18 من مارس سنة 1962 طعنت وزارة التموين في
هذا الحكم طالبة "إحالة هذا الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا لتقضي بقبوله شكلاً
وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات
ومقابل أتعاب المحاماة". واستندت في أسباب طعنها إلى أن القانون رقم 73 لسنة 1957 الذي
عدل المادة 30 من القانون رقم 210 لسنة 1951 قد عدل عن نظام وضع التقارير السرية السنوية
على أساس تقدير كفاية الموظف بدرجات إلى نظام تقدير الكفاية بالمرتبة، وبذلك أصبح تقدير
الكفاية بالدرجات تزيداً لم يستلزمه المشرع. وقد أصدر وزير المالية والاقتصاد تنفيذاً
لهذا التعديل قراره رقم 629 لسنة 1957 بنموذج التقرير، ويبين منه أنه لم يسمح إلا للرئيس
المباشر وحده بأن يضع تقديراته بالأرقام أمام عناصر فرعية للتقدير، أما المدير المحلي
ورئيس المصلحة ولجنة شئون الموظفين فلم يترك النموذج لكل منهم إلا سطراً واحداً في
أسفله عليه مرتبة الكفاية التي يقدرها كل منهم للموظف، ومعنى هذا أن يضعوا تقديراتهم
بالمرتبة وحدها دون الأرقام وبغير بيان تفاصيل المفردات. وبذلك لا يكون ثمة بطلان شكلي
شاب التقرير المطعون فيه، كما لا بطلان لعدم بيان الأسباب التي استندت إليها لجنة شئون
الموظفين لتخفيض مرتبة كفاية المدعي. إذ أن التوجيهات المبينة بظهر التقرير ليست لها
صفة الإلزام ولا يمكن أن تعتبر من قبيل الإجراءات الجوهرية التي يترتب على إغفالها
جزاء البطلان. وليس في نصوص قانون نظام موظفي الدولة ما يوجب على لجنة شئون الموظفين
تسبيب قرارها بتقدير الكفاية أما ما جاء بلائحته التنفيذية في هذا الشأن فلا يعدو أن
يكون من قبيل التوجيه لتنظيم العمل دون أن يكون المقصود منه هو ترتيب البطلان عند إغفاله.
وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير هذا المذهب فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تأويله
وتطبيقه.
وقد عقبت هيئة مفوضي الدولة على هذا الطعن بتقرير بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه
إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض
دعوى المطعون ضده مع إلزامه المصروفات". وأسست رأيها على ما سبق أن قضت به هذه المحكمة
من أن تقدير العناصر الفرعية لكفاية الموظف بالأرقام الحسابية إنما يكون فقط بالنسبة
إلى الرئيس المباشر دون المدير المحلي أو رئيس المصلحة أو لجنة شئون الموظفين، وأن
سلطة اللجنة في هذا الخصوص ليست مجرد تسجيل مادي للتقديرات الصادرة من الرؤساء، بل
هي التعقيب الجدي عليها بصفة نهائية، وبسلطة تقديرية تترخص فيها بناء على ما يقوم لديها
من أسباب وما يتوافر لها من عناصر توصلها إلى التقدير السليم الذي يتفق مع الحق والواقع.
وقد عمدت اللجنة إلى تخفيض تقدير المدعي إلى درجة ضعيف في تقريره السري العام 1957
لما نسب إليه من اتهامات بسبب تقاضيه رشاوى وإجرائه معاينات صورية لمواشي بعض المربين
بقصد إعطاء أذونات كسب بدون وجه حق ثم القيام ببيع الكسب في السوق السوداء وهي الاتهامات
التي قدم من أجلها للمحاكمة التأديبية وجوزي بسببها تأديبياً بجلسة 18 من أكتوبر سنة
1959 بالخصم من مرتبه لمدة شهرين الأمر الذي يؤكد جدية الشبهات التي حامت حوله وسجلها
تقرير المباحث المقدم في 19 من إبريل سنة 1956 الذي كان محل اعتبار لجنة شئون الموظفين
لدى تخفيضها تقدير كفايته عن عام 1957 إلى درجة ضعيف. وإذ قضى الحكم المطعون فيه بإلغاء
هذا التقدير فإنه يكون قد جانب الصواب ويتعين القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى مع إلزام
المدعي بمصروفاتها.
ومن حيث إن حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه قد أصاب الحق فيما قضى به من اختصاص
المحكمة بنظر الدعوى ورفض الدفع الذي أثارته وزارة التموين بعدم اختصاصها بنظرها بمقولة
أن المادة 8 وما بعدها من قانون مجلس الدولة قد حددت اختصاصات محكمة القضاء الإداري
على سبيل الحصر وليس منها الطعن بإلغاء التقارير السرية ذلك أن دفع الوزارة مردود بأن
التقرير السري السنوي هو تقدير لأعمال الموظف وتسجيل لكفايته عن سنة معينة يرتب في
حقه بصفة حاسمة أما مباشرة أو بطريق غير مباشر آثاراً قانونية خاصة متى كان صادراً
من الجهة المختصة بإصداره ومستوفياً المراحل والأوضاع الشكلية المتطلبة قانوناً وأصبح
نهائياً، إذ قد ينبني عليه طبقاً لنصوص المواد 31 و32 و40 و40 مكرراً و42 من القانون
رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة حرمان الموظف من أول علاوة دورية مع تخطيه
في الترقية سواء بالأقدمية أو بالاختيار في السنة التي قدم فيها التقرير، أو تقديمه
إذا ما صدر في حقه تقريران متتاليان بدرجة ضعيف للهيئة المشكل منها مجلس التأديب لفحص
حالته وتقرير نقله إلى وظيفة أخرى إذا كان قادراً على الاضطلاع بأعبائها بذات الدرجة
والمرتب أو مع خفض درجته أو مرتبه أو نقله إلى كادر أدنى، أو فصله من وظيفته مع حفظ
حقه في المعاش أو المكافأة، أو عدم اعتباره مرقى إلى الدرجة التالية بصفة شخصية بالتطبيق
لقواعد قدامى الموظفين، أو عدم منحه علاوة اعتيادية، وبهذه المثابة فإنه تتوافر له
مقومات القرار الإداري وخصائصه ويكون نظر الطعن فيه من اختصاص القضاء الإداري لاتصاله
بترقية الموظف وعلاواته، وبدرجته ومرتبه، وببقائه في الوظيفة أو فصله منها، مما نص
قانون تنظيم مجلس الدولة على اختصاص المجلس بهيئة قضاء إداري بنظره.
ومن حيث إن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى تأسيساً على أنه لا رقابة للقضاء الإداري على
تقديرات التقارير السرية باعتبار أن هذه التقارير من صميم أعمال الإدارة التي لا معقب
عليها فيها، ليس في حقيقته دفعاً شكلياً يرد على إمكان نظر الدعوى بطلب إلغاء مثل هذه
التقارير أو عدم إمكان نظرها والتطرق إلى موضوعها، وإنما هو في واقع الأمر دفاع موضوعي
ينصب على مدى رقابة القضاء الإداري على التقديرات التي تتضمنها التقارير السرية السنوية
للموظفين وسلطته في مناقشة سلامة هذه التقديرات، وتعيين حدود ما تمتد إليه هذه الرقابة
وما تقصر عنه، وهذا يدخل في جوهر النزاع الذي يفصل فيه الحكم الموضوعي، فثمة فرق بين
ترخص الإدارة في التقدير ذاته وبين وجوب مراعاتها للإجراءات والأوضاع التي رسمها القانون
للوصول إلى هذا التقدير، وليس هذا أو ذالك بمانع يحول دون إمكان نظر القضاء الإداري
للدعوى بل إنه مقتض له. ومن ثم فإن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى يكون في غير محله متعيناً
رفضه.
ومن حيث الموضوع فإنه يبين من الأوراق أن المدعي، وهو حاصل على بكالوريوس الزراعة في
سنة 1943 ويشغل وظيفة بالدرجة الرابعة في الكادر الفني العالي من 27 من أكتوبر سنة
1955 بوزارة التموين. حصل في تقريره السنوي السري عن عام 1957 من رئيسه المباشر على
68 درجة بتقدير "مرض". وقد وافق كل من المدير المحلي ورئيس المصلحة على مرتبة الكفاية
هذه ثم عرض أمره على لجنة شئون الموظفين بالوزارة فقررت بجلستها المنعقدة في 30 من
إبريل سنة 1958 الموافقة على تسجيل درجة كفايته بمرتبة ضعيف وذلك "بعد الاطلاع على
ملف خدمته وتقارير المباحث والمعلومات التي عرضت على اللجنة". وقد تظلم من هذا التخفيض
وعرض تظلمه على لجنة شئون الموظفين بجلسة 9 من يوليه سنة 1958، وبعد بحثه قررت رفضه.
ويتضح من استظهار سلوكه الوظيفي أنه وقع عليه جزاء بالأمر الإداري رقم 49 لسنة 1951
بخصم خمسة عشر يوماً من مرتبه في 21 من يناير سنة 1951 لما نسب إليه من إهمال وحصوله
على بدل سفر ومصاريف انتقال دون وجه حق مع إنذاره بالفصل إذا عاد لمثل ذلك مستقبلاً.
وأنه جوزي بخصم ثلاثة أيام من مرتبه في 17 من فبراير سنة 1951 لتغيبه من 19 من ديسمبر
سنة 1952 إلى 29 من ديسمبر سنة 1952 بادعائه المرض على حين ثبت عدم مرضه من قرار القومسيون
الطبي العام بكتابه رقم 18402 في 20 من يناير سنة 1953. وأنه صدر في 28 من يوليه سنة
1956 قرار بإحالته إلى مجلس تأديب لمخالفته أحكام المنشور الدوري رقم 104 لسنة 1954
الخاص بتنظيم إجراء معاينات الكسب بالإضافة إلى صورية معاينته لمواشي بعض المربين مما
ترتب عليه صرف كميات من الكسب بدون وجه حق. وقد جاء بمذكرة مراقبة مباحث وزارة التموين
المؤرخة 19 من فبراير سنة 1956 أنه وردت للوزارة شكوى ضد المدعي وزميل له بمراقبة تموين
أسيوط بأنهما يتقاضيان رشاوى ويقومان بإجراء معاينات صورية لمواشي بعض المربين بقصد
إعطائهم أذونات كسب بدون وجه حق، ثم يقومون ببيع الكسب في السوق السوداء وقد ثبت من
التحريات والانتقال وفحص الشكوى صحة ما تضمنه من اتهامات. وأن هناك تواطؤ بين المدعي
الذي يقوم بالمعاينات الأولى وبين المهندس الذي يقوم بالمعاينات الثانية. واتفاقاً
فيما بينهما على تحرير المحاضر الخاصة بالمعاينات بالكيفية التي تمكنهما من التلاعب،
وأن مصلحة حسن سير عملية توزيع الكسب تقتضي نقل كل منها خارج المديرية إلى مراقبة أخرى.
كما ورد بتقرير مراقبة مباحث الوزارة المؤرخ 23 من مارس سنة 1956 أن المدعي من بين
موظفي مراقبة تموين أسيوط الذين تلاحقهم سمعة سيئة للغاية يؤسف لها وتحوم حولهم الشبهات
للأسباب التي سردها واضع هذا التقرير والتي انتهت منها إلى وجوب استبدال غيره به حرصاً
على مصلحة العمل ولا سيما فيما يتعلق بعملية معاينة مواشي المربين وتقدير كميات الكسب
المستحقة لكل منهم وقد كانت هذه المعلومات والتقارير بين سمع لجنة شئون الموظفين وبصرها
وقت أن سجلت درجة كفايته المطعون فيها في تقريره السنوي السري عن عام 1957 وهي التي
أشارت إليها إجمالاً في محضرها وفي ذيل التقرير بقولها "بعد الاطلاع على ملف خدمته
وتقارير المباحث والمعلومات التي عرضت على اللجنة بخصوصه". وقد قدم بسبب ذلك للمحاكمة
التأديبية وحكم عليه في القضية رقم 33 تأديب لسنة 1 القضائية سنة 1956 بجلسة 18 من
أكتوبر سنة 1959 بمجازاته بالخصم من مرتبه لمدة شهرين، وهذا الحكم وإن صدر في تاريخ
لاحق لتاريخ تسجيل لجنة شئون الموظفين لتقدير درجة كفايته عن عام 1957 إلا أن ما قضى
به من إدانة يؤكد جدية الشبهات التي حامت حوله وأثبتتها تقارير مراقبة مباحث الوزارة
والتي كانت موضع اعتبار اللجنة عندما هبطت بمرتبة كفايته عن عام 1957 إلى درجة ضعيف.
ومن ثم فإن قرار اللجنة يكون قد قام على سببه المبرر له واستند إلى وقائع وعناصر صحيحة
لها أصول ثابتة في الأوراق.
ومن حيث إن المادتين 30 و31 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة بعد
تعديلها بالقانون رقم 73 لسنة 1957 نصت أولاهما على أن تعد التقارير السنوية السرية
عن الموظفين الخاضعين لهذا النظام "على أساس تقدير كفاية الموظف بمرتبة ممتاز أو جيد
أو مرض أو ضعيف" وذلك بعد أن كانت الكفاية تقدر بدرجات نهايتها القصوى مائة درجة ويعتبر
الموظف ضعيفاً إذا لم يحصل على أربعين درجة على الأقل. وجاء بمذكرتها الإيضاحية ما
يأتي: نصت المادة 30 الخاصة بالتقارير السرية على أساس تقدير كفاية الموظف بدرجات،
ولما كانت التجربة قد دلت على أن التقدير على هذا الوجه لم يؤد إلى النتيجة المرجوة،
لذلك رؤى أن يعدل عنه ويستبدل به التقدير بالمرتبة" ونصت المادة الثانية على أن التقرير
السري عن الموظف يقدم من رئيسه المباشر ثم يعرض على المدير المحلي للإدارة فرئيس المصلحة
لإبداء ملاحظاتهما "ثم يعرض بعد ذلك على لجنة شئون الموظفين لتقدير درجة الكفاية التي
تراها…" وذلك بعد أن كانت قبل تعديلها تقصر اختصاص اللجنة على "تسجيل التقدير إذا
لم تؤثر الملاحظات في الدرجة العامة لتقدير الكفاية، وإلا فيكون للجنة تقدير درجة الكفاية
التي يستحقها الموظف". وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن تقدير كفاية الموظف إنما يكون
بالمراتب في ظل القانون رقم 73 لسنة 1957 المعدل لنص المادة 30 من قانون نظام موظفي
الدولة وقرار وزير المالية والاقتصاد رقم 629 لسنة 1957 المرافق له النموذج الذي تحرر
عليه التقارير السرية، وأن تقدير العناصر الفرعية للكفاية بالأرقام الحسابية إنما يكون
فقط للرئيس المباشر، أما بالنسبة إلى المدير المحلي للإدارة ورئيس المصلحة ولجنة شئون
الموظفين فيكون على أساس المراتب. ومصداق ذلك أن النموذج المشار إليه لم يترك لكل من
هؤلاء إلا سطراً واحداً في ذيله يثبتون فيه مرتبة الكفاية التي يرى كل منهم تقديرها
للموظف. كما قضت بأن لجنة شئون الموظفين هي المرجع النهائي في تقدير درجة كفاية الموظفين
الخاضعين لنظام التقارير السنوية، وأنها تباشر اختصاصها في هذا الصدد عن طريق الإشراف
والتعقيب الجدي على التقديرات الصادرة من الرؤساء المباشرين دون أن تكون مهمتها مجرد
التسجيل المادي لهذه التقديرات. وإنما تملك تعديل تقديرات هؤلاء الرؤساء بما تراه على
أساس ما هو وارد بملف خدمة الموظف وما يقوم لديها من عناصر ومعلومات ما كانت تحت نظر
الرؤساء المذكورين أو ما أدخلوها في اعتبارهم. وهي تترخص في ذلك بسلطة تقديرية تتعلق
بصميم اختصاصها ولم يعين القانون طريقاً مرسوماً أوجب عليها التزامه في تقدير الكفاية
بل إن تقديرها يقوم على ما تراه من الأسس كفيلاً بتوصيلها إلى قرار سليم دقيق يتفق
مع الحق والواقع. وقد خصها الشارع بسلطة تقديرية مطلقة في أن تستمد تقديرها من أية
عناصر ترى الاستعانة بها، وذلك لحكمة ظاهرة هي أنها تضم عدداً من كبار موظفي الوزارة
أو المصلحة التي يعمل بها الموظف ممن لهم من خبرتهم وإلمامهم بشئون الموظفين وإشرافهم
على أعمالهم ما يمكنهم من وزن كفاية كل منهم وتقدير درجة الكفاية تقديراً عادلاً وصائباً.
والقول بأن لجنة شئون الموظفين يجب أن تقيم تقديرها على أساس درجات حسابية مفصلة لكل
عنصر من العناصر التي يشتمل عليها التقدير، أو أنها لا تملك التعقيب على تقدير الرؤساء
المباشرين ولو بدت أمامها أسباب جدية تقتضي مراجعة هؤلاء الرؤساء في تقديراتهم، ينطوي
على إنكار للتعديل الصريح الذي أورده القانون رقم 73 لسنة 1957 ومجافاة لحكمة هذا التعديل
من جهة، كما لا يتفق من جهة أخرى مع روح القانون وقصد الشارع في ضوء المصلحة العامة،
ذلك أنه قد تقوم لدى اللجنة أسباب تقطع في عدم صحة تقدير الرؤساء المذكورين أو ظروف
جديدة ما كانت تحت نظرهم ولو أنهم تبينوها لما انتهوا إلى ما انتهوا إليه من تقدير
وليس في نصوص قانون نظام موظفي الدولة ما يوجب على اللجنة تسبيب قراراتها بتقدير الكفاية
أو يرتب البطلان على إغفال التسبيب.
ومن حيث إن ما استندت إليه لجنة شئون الموظفين من أسباب خلصت منها إلى خفض تقدير المدعي
عن عام 1957 من مرتبة مرض إلى درجة ضعيف كاف لتبرير هذه النتيجة السائغة التي انتهت
إليها في حقه وهي أسباب منبتة الصلة وبعيدة التأثر بالخصومة الشخصية العائلية التي
يزعم وجودها بينه وبين السيد وكيل الوزارة المساعد والتي يعزو إليها نقله إلى أسيوط
في سنة 1950 نقلاً لا تثريب عليه إذا اقتضت مصلحة العمل. ويعلل بها تخطيه في الترقية
في تلك السنة إلى الدرجة الخامسة ذلك التخطي الذي شمل 39 موظفاً كان هو أحدهم، ولم
يقصد به لذاته، والذي انتهى بتسوية حالته وترقيته إلى الدرجة المذكورة اعتباراً من
22 من يونيه سنة 1950، والتي يدعي أنها هي الباعث على عدم تخفيف عبء العمل عليه بعد
إحالته على أثر الاشتباه في إصابته بذبحة صدرية في سنة 1955 إلى القومسيون الطبي العام
الذي قرر أنه استعاد حالته الطبيعية وأنه يستطيع الاستمرار في عمله، وكلها وقائع فضلاً
عن بعد عهدها يسقط حجته في التذرع بها أنه لم يكن لها أي صدى في تقاريره السابقة على
تقرير عام 1957 الذي إنما خفض تقدير كفايته فيه بسبب ما نسب إليه من أمور أدين من أجلها
تأديبياً فيما بعد. ولا يعد هذا ازدواجاً للعقوبة ولا جزاءً مجدداً، بل هو عنصر من
العناصر المكملة لمقومات التقدير العام الذي تملكه لجنة شئون الموظفين في مجال حكمها
على كفاية الموظف الذي تترخص فيه بسلطتها التقديرية وهو غير مجال التأديب، ومن ثم فإن
القرار المطعون فيه الصادر من لجنة شئون الموظفين بوزارة التموين في 30 من إبريل سنة
1958 بتقدير كفاية المدعي في تقريره السنوي عن عام 1957 بدرجة "ضعيف" يكون صحيحاً سليماً
مطابقاً للقانون بعد إذ استوفى المراحل والأوضاع والإجراءات المرسومة له قانوناً. وبعد
إذ مارست اللجنة سلطتها في ذلك في حدود اختصاصها على الوجه الصحيح على أساس ما تجمع
لديها من معلومات وعناصر لها وجود ثابت في الأوراق يؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها
ولم يقم دليل على إساءة استعمال السلطة من جانبها ويكون طلب إلغائه غير قائم على أساس
سليم من القانون. وإذ قضى حكم محكمة القضاء الإداري المطعون فيه في الموضوع بإلغاء
هذا القرار وما يترتب على ذلك من آثار، فإنه يكون قد جانب الصواب في هذا الشق منه ويتعين
القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات.
