قاعدة رقم الطعن رقم 2 لسنة 20 قضائية “دستورية” – جلسة 05 /08 /2000
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 688
جلسة 5 أغسطس سنة 2000
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور رشاد العاصي، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 2 لسنة 20 قضائية "دستورية"
1 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية "اجتهاد".
مؤدى نص المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها في سنة 1980 ألا تناقض نصوص التشريعات
الصادرة بعد هذا التعديل الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها – انحصار دائرة
الاجتهاد في الأحكام الظنية.
2 – تشريع "الفقرة الأولى من المادة 22 من القانون رقم 106 لسنة 1976 بشأن توجيه وتنظيم
أعمال البناء قبل تعديلها بالقانون رقم 101 لسنة 1996 والمادة 22 مكرر من ذات القانون:
شريعة إسلامية".
ما تضمنه هذان النصان من عقوبات جنائية تعزيراً لا يخالف حكماً شرعياً قطعي الثبوت
والدلالة.
3 – تنظيم الحقوق "مفاضلة".
جوهر سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق تتمثل في المفاضلة بين البدائل المختلفة، واختياره
ما يكون منها مناسباً أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها من التنظيم التشريعي.
4 – جزاء جنائي "ضوابطه".
الجزاء الجنائي يلزم أن يكون حائلاً دون الولوغ في الإجرام ملبياً ضرورة أن يتهيأ المذنبون
لحياة أفضل – مستلهماً أوضاع الجناة وظروف جرائمهم – نائياً بعقابهم عن أن يكون غلواً
أو تفريطاً.
5 – تشريع "الفقرة الأولى من المادة 22 من القانون رقم 106 لسنة 1976 قبل تعديلها بالقانون
رقم 101 لسنة 1996، والمادة 22 مكرراً من ذات القانون: عقوبة – تخصيص".
ما قرره المشرع من عقوبات على الأفعال التي أثمها بموجب هذين النصين يندرج في نطاق
السلطة التقديرية المقررة له – هذه العقوبات قد استقامت على قواعد تجعلها ملائمة ومبررة
– تخصيص حصيلة الغرامات المحكوم بها لتمويل صندوق مشروعات الإسكان الاقتصادي لا مخالفة
فيه للدستور.
1، 2 – جرى قضاء هذه المحكمة على أن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها
في سنة 1980 إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه في التشريعات الصادرة
بعد العمل بالتعديل الدستوري المشار إليه – ومن بينها المادتان محل الطعن بعد تعديلهما
بالقانونين رقم 30 لسنة 1983 ورقم 25 لسنة 1992 – فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض الأحكام
الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد
فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي
لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها
أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة
تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها
تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل بالتالي حركتهم في
الحياة. ومن ثم فإن الاجتهاد يكون سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون
أحكامها جامدة مما ينقض كمال الشريعة ومرنتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية
للشريعة لا يجاوزها، مستخلصاً عن طريقها الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية. كافلاً
صون المقاصد العامة للشريعة، متى كان ذلك وكان النصان الطعينان لا يخالفان حكماً شرعياً
قطعي الثبوت والدلالة، وإنما تضمنا تقرير العقوبة الجنائية – تعزيراً – على مخالفة
أحكام يجوز لولي الأمر الاجتهاد فيها بما يراه أصلح لتنظيم المجتمع في إطار القواعد
الكلية للشريعة، فإن النعي عليهما بمخالفة المادة الثانية من الدستور يكون مفتقداً
لسنده.
3 – الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور
بضوابط محددة تعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها ويتمثل جوهر هذه السلطة
– وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – في المفاضلة بين البدائل المختلفة التي تتزاحم
فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون منها عنده
مناسباً أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها. وكلما كان التنظيم التشريعي مرتبطاً
منطقياً بهذه الأغراض – وبافتراض مشروعيتها – كان هذا التنظيم موافقاً للدستور.
4، 5 – جرى قضاء هذه المحكمة على أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره من القوانين
في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض وكذلك على صعيد علاقاتهم بمجتمعاتهم،
إلا أن القانون الجنائي يفارقها في اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما لا يجوز التسامح
في اجتماعياً من مظاهر سلوكهم وشرط ذلك أن يكون الجزاء الجنائي حائلاً دون الولوغ في
الأجرام، ملبياً ضرورة أن يتهيأ المذنبون لحياة أفضل مستلهماً أوضاع الجناة وخصائص
جرائمهم وظروفها، نائياً بعقابهم عن أن يكون غلواً أو تفريطاً بما يفقد فعالية القواعد
التي تدار العدالة الجنائية على ضوئها. ويتعين بالتالي أن يكون الجزاء الجنائي محيطاً
بهذه العوامل جميعاً، وأن يصاغ على هديها، فلا يتحدد بالنظر إلى واحد منها دون غيرها،
والبين من استعراض التشريعات المتعاقبة المنظمة للبناء، أنها قد حددت حصراً الأفعال
التي أثمتها وأحاطتها بالجزاء الرادع لضمان مراعاة الأصول الفنية المقررة قانوناً في
تصميم أعمال البناء أو تنفيذها أو متابعتها وفق رسوماتها وبياناتها التي منح الترخيص
على أساسها، وقد تدرج المشرع في تغليظ هذا الجزاء كلما استبان له استهانة المخالفين
واستفحال المخالفات وتعاظم شأنها مراعياً في ذلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فبدأ
أولاً بالغرامة وحدها بالقانون رقم 51 لسنة 1940 ثم أضاف إلى الغرامة عقوبة الحبس مدة
لا تزيد على ستة أشهر أو إحدى هاتين العقوبتين (مادة 22 من القانون رقم 106 سنة 1976)
ثم عدلت العقوبة بالقانون رقم 30 لسنة 1983 إلى الحبس وغرامة تعادل قيمة الأعمال أو
مواد البناء المتعامل فيها بحسب الأحوال أو بإحدى هاتين العقوبتين، ثم عدلت الغرامة
بالقانون رقم 25 لسنة 1992 على النحو الوارد بالنص الطعين؛ ولما قدر المشرع أن تلك
العقوبات لم تؤد إلى ردع المخالفين، وإنما استمروا في غيهم غير عابئين، فقد أضاف إليها
وجوب الحكم بإزالة وتصحيح أو استكمال الأعمال المخالفة؛ وإذ استبدل المشرع بالإزالة
– في الأحوال التي لا يتعين فيها الحكم بذلك – عقوبة الغرامة الإضافية على النحو الوارد
بالفقرة الثانية من المادة 22 مكرراً محافظة منه على الثروة العقارية وتقديراً
لدورها في حل أزمة الإسكان، مستشعراً كفاية تلك الغرامة الإضافية في ردع المخالفين
كبديل عن توقيع عقوبة الإزالة في الحالات التي لا يكون فيها القضاء بالإزالة حتمياً؛
فإن مسلكه هذا يندرج في نطاق السلطة التقديرية المقررة له، ولما كانت هذه العقوبة –
طبقاً لما تقدم – قد استقامت على قواعد تجعلها ملائمة ومبررة فإن إحلال هذه المحكمة
لخياراتها محل تقدير المشرع في هذا الشأن لا يكون جائزاً دستورياً.
أنشأ المشرع صندوق مشروعات الإسكان الاقتصادي بالقانون رقم 107 لسنة 1976 قاصداً من
ورائه – وعلى ما دلت عليه مذكرته الإيضاحية – توفير المسكن الصحي والملائم بالأجر الذي
يتناسب مع دخول طبقات الشعب، ليس فقط كضرورة من ضرورات التقدم وخلق حياة أفضل للمواطنين
ولكن كضرورة من ضرورات التنمية لرفع مستوى الكفاية الإنتاجية والاجتماعية أيضاً، وهو
الأمر الذي يتفق مع التزام الدولة المنصوص عليه في المادة 16 من الدستور بكفالة الخدمات
الثقافية والاجتماعية والصحية، ومن ثم فإن تخصيص حصيلة الغرامات المحكوم بها بموجب
النص الطعين عند مخالفة لقواعد المنظمة لأعمال البناء، لتمويل الصندوق المشار إليه،
إنما يستهدف إمداده بالأزمة لتحقيق أغراضه بما لا مخالفة فيه لأحكام الدستور.
الإجراءات
بتاريخ 5 من يناير سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم
كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادتين 22 فقرة أولى و22 مكرراً فقرة ثانية من القانون رقم 106 لسنة 1976 في شأن توجيه وتنظيم أعمال البناء معدلتين
بالقانون رقم 25 لسنة 1992.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة
العامة كانت قد أقامت ضد المدعي الجنحة رقم 7471 لسنة 1995 قسم كفر الشيخ متهمة إياه
بأنه أقام المبنى الموضح بالأوراق بدون ترخيص من الجهة الإدارية المختصة بشئون التنظيم،
وبجلسة 23/ 12/ 1995 قضت المحكمة غيابياً بتغريم المتهم قيمة الأعمال المخالفة وغرامة
إضافية لصالح حساب صندوق مشروعات الإسكان، وإذ تأيد هذا الحكم لدى المعارضة فيه فقد
طعن عليه المدعي بالاستئناف رقم 839 لسنة 1997 جنح مستأنف كفر الشيخ، وأثناء نظره دفع
بعدم دستورية المادتين 22 فقرة أولى و22 مكرراً فقرة ثانية من القانون رقم 106
لسنة 1976 المشار إليه معدلاً بالقانون رقم 25 لسنة 1992 وإذ قدرت المحكمة جدية هذا
الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 22 من القانون رقم 106 لسنة 1976 في شأن توجيه وتنظيم
أعمال البناء قبل تعديلها بالقانون رقم 101 لسنة 1996 كانت تنص على أنه مع عدم الإخلال
بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر يعاقب بالحبس وبغرامة لا
تجاوز قيمة الأعمال أو أموال البناء المتعامل فيها بحسب الأحوال أو بإحدى هاتين العقوبتين
كل من يخالف أحكام المواد 4 و5 و6 مكرراً و7 و8 و9 و11 و12 و13 و14 و17 من هذا القانون
أو لائحته التنفيذية أو القرارات الصادرة تنفيذاً له.
وتنص المادة 22 مكرراً على أنه: "يجب الحكم فضلاً عن العقوبات المقررة في هذا القانون
بإزالة أو تصحيح أو استكمال الأعمال المخالفة بما يجعلها متفقة مع أحكام هذا القانون
ولائحته التنفيذية….
وفي غير الحالات التي يتعين فيها الحكم بالإزالة يحكم بغرامة إضافية لا تقل عن مثلي
قيمة الأعمال المخالفة، ولا تجاوز ثلاثة أمثال قيمة الأعمال المذكورة وقت صدرت الحكم
وتؤول حصيلة هذه الغرامة إلى حساب تمويل مشروعات الإسكان الاقتصادي بالمخالفة وتخصص
للصرف منها في أغراضه".
وينعى المدعى على النصين الطعينين تعارضهما مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى
عمارة الأرض، واعتداءهما على الملكية الخاصة بإيقاع عقوبتين من جنس واحد عن ذات الفعل،
مع المغالاة في تقدير هاتين العقوبتين بالمخالفة لمبدأي العدالة والشرعية الجنائية؛
بالإضافة إلى أن ما تضمنه النص الطعين الثاني من تخصيص حصيلة الغرامة الإضافية لصندوق
مشروعات الإسكان الاقتصادي يشكل انحيازاً – مخلاً بالمساواة – من المشرع لصالح هذا
الصندوق على حساب المخالفين، وبالتالي يكون النصان الطعينان مخالفين الأحكام المواد
2، 32، 34، 36، 40 من الدستور.
وحيث إن هذا النعي مردود أولاً: بأن قضاء هذه المحكمة جرى على أن ما نصت عليه المادة
الثانية من الدستور بعد تعديلها في سنة 1980 إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية
التزامه في التشريعات الصادرة بعد العمل بالتعديل الدستوري المشار إليه – ومن بينها
المادتان محل الطعن بعدم تعديلهما بالقانونين رقم 30 لسنة 1983 ورقم 25 لسنة 1992 –
فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار
أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية
مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام
الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر
فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها
وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة
شرعاً ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة. ومن ثم فإن الاجتهاد يكون سائغاً في المسائل
الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة مما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما
كان واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها، مستخلصاً عن طريقها الأدلة الشرعية
النقلية منها والعقلية. كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة، متى كان ذلك وكان النصان
الطعينان لا يخالفان حكماً شرعياً قطعي الثبوت والدلالة، وإنما تضمنا تقرير العقوبة
الجنائية – تعزيراً – على مخالفة أحكام يجوز لولي الأمر الاجتهاد فيها بما يراه أصلح
لتنظيم المجتمع في إطار القواعد الكلية للشريعة، فإن النعي عليهما بمخالفة المادة الثانية
من الدستور يكون مفتقداً لسنده.
ومردود ثانياً: بأن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية
ما لم يقيدها الدستور بضوابط محددة تعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها ويتمثل
جوهر هذه السلطة – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – في المفاضلة بين البدائل المختلفة
التي تتزاحم فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون
منها عنده مناسباً أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها. وكلما كان التنظيم التشريعي
مرتبطاً منطقياً بهذه الأغراض – وبافتراض مشروعيتها – كان هذا التنظيم موافقاً للدستور
وإذ كانت المباني التي يقيمها أصحابها بدون ترخيص، أو على خلاف الأصول الفنية، تعد
عملاً عشوائياً يهدد بتداعيها، أو ينتقص من مقوماتها، بما يخل بأمن سكانها وجيرانهم
فإن تلك المخاطر تستدعي تدخل المشرع لتوقيها درءاً لمفاسدها، بما لا إخلال فيه بالدستور.
ومردود ثالثاً: بأن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن القانون الجنائي وإن اتفق مع غيره
من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض وكذلك على صعيد علاقاتهم
بمجتمعاتهم، إلا أن القانون الجنائي يفارقها في اتخاذه العقوبة أداة لتقويم ما لا يجوز
التسامح في اجتماعياً من مظاهر سلوكهم وشرط ذلك أن يكون الجزاء الجنائي حائلاً دون
الولوغ في الإجرام، ملبياً ضرورة أن يتهيأ المذنبون لحياة أفضل مستلهماً أوضاع الجناة
وخصائص جرائمهم وظروفها، نائياً بعقابهم عن أن يكون غلواً أو تفريطاً بما يفقد فعالية
القواعد التي تدار العدالة الجنائية على ضوئها. ويتعين بالتالي أن يكون الجزاء الجنائي
محيطاً بهذه العوامل جميعاً، وأن يصاغ على هديها، فلا يتحدد بالنظر إلى واحد منها دون
غيره، والبين من استعراض التشريعات المتعاقبة المنظمة للبناء، أنها قد حددت حصراً الأفعال
التي أثمتها وأحاطتها بالجزاء الرادع لضمان مراعاة الأصول الفنية المقررة قانوناً في
تصميم أعمال البناء أو تنفيذها أو متابعتها وفق رسوماتها وبياناتها التي منح الترخيص
على أساسها، وقد تدرج المشرع في تغليظ هذا الجزاء كلما استبان له استهانة المخالفين
واستفحال المخالفات وتعاظم شأنها مراعياً في ذلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فبدأ
أولاً بالغرامة وحدها بالقانون رقم 51 لسنة 1940 ثم أضاف إلى الغرامة عقوبة الحبس مدة
لا تزيد على ستة أشهر أو إحدى هاتين العقوبتين (مادة 22 من القانون رقم 106 سنة 1976)
ثم عدلت العقوبة بالقانون رقم 30 لسنة 1983 إلى الحبس وغرامة تعادل قيمة الأعمال أو
مواد البناء المتعامل فيها بحسب الأحوال أو بإحدى هاتين العقوبتين، ثم عدلت الغرامة
بالقانون رقم 25 لسنة 1992 على النحو الوارد بالنص الطعين؛ ولما قدر المشرع أن تلك
العقوبات لم تؤد إلى ردع المخالفين، وإنما استمروا في غيهم غير عابئين، فقد أضاف إليها
وجوب الحكم بإزالة أو تصحيح أو استكمال الأعمال المخالفة؛ وإذ استبدل المشرع بالإزالة
– في الأحوال التي لا يتعين فيها الحكم بذلك – عقوبة الغرامة الإضافية على النحو الوارد
بالفقرة الثانية من المادة 22 مكرراً محافظة منه على الثروة العقارية وتقديراً
لدورها في حل أزمة الإسكان، مستشعراً كفاية تلك الغرامة الإضافية في ردع المخالفين
كبديل عن توقيع عقوبة الإزالة في الحالات التي لا يكون فيها القضاء بالإزالة حتمياً؛
فإن مسلكه هذا يندرج في نطاق السلطة التقديرية المقررة له، ولما كانت هذه العقوبة –
طبقاً لما تقدم – قد استقامت على قواعد تجعلها ملائمة ومبررة فإن إحلال هذه المحكمة
لخياراتها محل تقدير المشرع في هذا الشأن لا يكون جائزاً دستورياً.
ومردود رابعاً: بأن صندوق مشروعات الإسكان الاقتصادي قد أنشأه المشرع بالقانون رقم
107 لسنة 1976 قاصداً من ورائه – وعلى ما دلت عليه مذكرته الإيضاحية – توفير المسكن
الصحي والملائم بالأجر الذي يتناسب مع دخول طبقات الشعب، ليس فقط كضرورة من ضرورات
التقدم وخلق حياة أفضل للمواطنين ولكن كضرورة من ضرورات التنمية لرفع مستوى الكفاية
الإنتاجية والاجتماعية أيضاً، وهو الأمر الذي يتفق مع التزام الدولة المنصوص عليه في
المادة 16 من الدستور بكفالة الخدمات الثقافة والاجتماعية والصحية، ومن ثم فإن تخصيص
حصيلة الغرامات المحكوم بها بموجب النص الطعين عند مخالفة لقواعد المنظمة لأعمال البناء،
لتمويل الصندوق المشار إليه، إنما يستهدف إمداده بالأموال اللازمة لتحقيق أغراضه بما
لا مخالفة فيه لأحكام الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
