قاعدة رقم الطعن رقم 140 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 08 /07 /2000
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 656
جلسة 8 يوليو سنة 2000
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 140 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: قاعدة قانونية ملغاة".
إلغاء المشرع لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها من قبل من طبقت عليه خلال
فترة نفاذها وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية
المباشرة.
2 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط هذه المصلحة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين
المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية وذلك بأن يكون الفصل في المطاعن الدستورية لازماً
للفصل في النزاع الموضوعي.
3 – دعوى دستورية "ذاتية".
لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها – فلا تختلطان ببعضهما ولا
تتحدان في شرائط قبولهما.
4 – قانون "أثر رجعى".
الأصل سريان القانون بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه – سريان القانون على وقائع تم
تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل به فإنه يكون متضمناً أثراً
رجعياً.
5 – المحكمة الدستورية العليا "عيوب شكلية".
ما يشوب النص التشريعي المطعون فيه من عيوب شكلية يفرض نفسه دوماً على المحكمة الدستورية
العليا – من غير المتصور تجاهل المحكمة لهذه العيوب عند مواجهتها لأية مطاعن موضوعية
مدعى بها.
6 – دستور "رجعية" – تشريع "الفقرتان الثالثة والرابعة من المادة الثانية من القانون
رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب قبل تعديله بالقانون رقم 13 لسنة 2000: أثر رجعى".
تخلف الإجراء الذي تطلبه الدستور – بنص المادة 187 – لإقرار الأثر الرجعى للقانون،
لسريان الأثر الرجعى للفقرتين المشار إليهما.
1 – إن إلغاء المشرع لقاعدة قانونية لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها
من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها، وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه
تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة. ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية
هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها، فإذا
استعيض عنها بقاعدة قانونية جديدة، سرت القاعدة الجديدة من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف
سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين،
فما نشأ في ظل القاعدة القانونية القديمة من المراكز القانونية وجرت آثارها خلال فترة
نفاذها، يظل محكوماً بها وحدها.
2 – إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في
المطاعن الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي.
3 – من المقرر أن لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها، فلا تختلطان
ببعضهما ولا تتحدان في شرائط قبولهما، وكان قضاء هذه المحكمة مطرداً على أن محكمة الموضوع
هي التي تفصل – دون غيرها – في اختصاصها بنظر الدعوى المطروحة عليها، وفي توافر شروط
قبول الخصومة المرددة أمامها وتستقل كذلك بتكييفها، وهي التي تتولى دون غيرها إعمال
آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية عليها، فلا تنازعها المحكمة الدستورية العليا
في شيء من ذلك، وإلا كان موقفها منها افتئاتاً على ولايتها، أو تجريحاً لقضاء قطعي
صادر منها.
4 – الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه، فإذا سرى القانون
على وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه، فإن
هذا القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً، أي أن الأمر المعتبر في تحديد رجعية القانون
من عدمها إنما يتعلق بتاريخ تحقق الواقعة القانونية التي رتب المشرع عليها أثراً رجعياً.
ولما كان النصان المطعون فيهما قد انعطفا بأحكامهما على مراكز قانونية اكتملت عناصرها
– قبل العمل بهما في 9/ 9/ 1976 – لمن اعتبروا في 15/ 5/ 1971 – بتوافر الشروط القانونية
المقررة – عمالاً أو فلاحين، أو غدوا – بتخلفها – من فئات أخرى، فقررا تثبيت تلك الصفات
عينها والاحتفاظ بها لأصحابها، وقوفاً عند حدها، والتفاتاً عما طرأ من تغيير واقعي
على صفاتهم. فإن مقتضى ذلك ولازمه، أن نص الفقرتين الطعينتين قد انطويا على أثر رجعي
لأحكامهما، كامن فيهما، ويفرضه تطبيقهما.
5 – الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة – وعلى ما اطرد عليه قضاؤها – غايتها أن ترد
إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون فيها، وسبيلها إلى ذلك، أن تفصل بأحكامها
النهائية في الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها من استيفاء
هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها الموضوعية،
ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها
أصلاً في غيبتها، وذلك خلافاً للعيوب الموضوعية التي تقوم في مبناها على مخالفة النصوص
الطعينة لقاعدة في الدستور من حيث مضمونها الموضوعي، وهو ما يفترض لزوماً اكتمال أوضاعها
الشكلية وإن شابها عوار موضوعي لخروجها على الأحكام الموضوعية في الدستور، ومن ثم فإن
الفصل في التعارض المدعى به بين نص تشريعي وقاعدة دستورية موضوعية سواء بتقرير قيام
المخالفة المدعى بها أو بنفيها إنما يعد قضاء في موضوعها منطوياً لزوماً على استيفاء
النص المطعون عليه للأوضاع الشكلية التي تطلبها الدستور ومانعاً من العودة إلى بحثها،
ذلك أن العيوب الشكلية – وبالنظر إلى طبيعتها – لا يتصور أن يكون بحثها تالياً للخوض
في المطاعن الموضوعية ولكنها تتقدمها، ويتعين على هذه المحكمة – بالتالي – أن تتحراها
بلوغاً لغاية الأمر فيها، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها ينحصر في المطاعن الموضوعية
دون سواها، بما مؤداه أن العيوب الشكلية تفرض نفسها على المحكمة دوماً، إذ لا يتصور
أن تتجاهلها عن مواجهتها لأية مطاعن موضوعية.
6 – المادة 107 من الدستور تنص على أن انعقاد مجلس الشعب لا يكون صحيحاً إلا بحضور
أغلبية أعضائه، ويتخذ المجلس قراراته بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وذلك في غير الحالات
التي تشترط فيها أغلبية خاصة، وكانت المادة 187 من الدستور تنص على أن أحكام القوانين
لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها، ومع
ذلك، يجوز في غير المواد الجنائية النص في القانون على خلاف ذلك، بموافقة أغلبية أعضاء
مجلس الشعب، إذ كان ذلك، وكان الإجراء الذي تطلبه الدستور لإقرار الأثر الرجعي للقانون
هو إجراء خاص فرضه – استثناء من الأصل المقرر في هذا الشأن – كضمانة أساسية للحد من
الرجعية وتوكيداً لخطورتها في الأعم الأغلب من الأحوال إزاء ما تهدره من حقوق وتخل
به من استقرار، فإنه يتعين بالتالي – وعلى ما طرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون
الدليل على استيفاء هذا الإجراء جلياً لا يحتمل التأويل، ثابتاً على وجه قطعي. لما
كان ذلك وكان نصا الفقرتين المطعون عليهما قد ووفق عليهما بالأغلبية، حسبما يبين من
مضبطتي الجلستين التاسعة والستين والسبعين لمجلس الشعب، المعقودتين على التوالي مساء
الاثنين الموافق 12/ 7/ 1976 وصباح الثلاثاء الموافق 13/ 7/ 1976. وكانت هاتان المضبطتان
قد خلتا مما يؤكد أن هذه الأغلبية هي الأغلبية الخاصة التي اشترطتها المادة 187 من
الدستور ممثلة من أغلبية أعضاء المجلس في مجموعهم لا الأغلبية المطلقة للحاضرين منهم،
فإن الإجراء الخاص الذي استلزمته هذه المادة لإقرار الأثر الرجعي للفقرتين الطبيعيتين
لا يكون قد تم على الوجه المقرر في الدستور.
الإجراءات
بتاريخ الثاني عشر من ديسمبر سنة 1996 ورد إلى قلم كتاب المحكمة
ملف الطعنين رقمي 464، 469 لسنة 42 قضائية بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا بجلسة
17/ 11/ 1996 بوقف نظرهما، وإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية
الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 38 لسنة 1972 – المعدل
بالقانون رقم 109 لسنة 1976 – في شأن مجلس الشعب.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام الدعوى رقم 429 لسنة 18 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بالمنصورة طالباً
الحكم بوقف تنفيذ وإلغاء قرار لجنة الاعتراضات الصادر برفض اعتراضه على ترشيح المدعى
عليه الأول في انتخابات عام 1995 لعضوية مجلس الشعب عن دائرة بلقاس، بصفة فلاح، تأسيساً
على أنه يفتقد شرط حسن السمعة لسابقة الحكم عليه بالحبس في جريمة تبديد، فضلاً عن أن
صفته السياسية في 15/ 5/ 1971 لم تكن صفة الفلاح، بل كانت صفة الفئات، والتي يجب أن
تظل ملازمة له لا تنفك عنه أياً ما صار إليه وضعه الاجتماعي أو المهني. وإذ قضت تلك
المحكمة برفض طلب وقف تنفيذ القرار المطعون فيه، فقد طعن المدعي على هذا الحكم – أمام
المحكمة الإدارية العليا – بالطعنين رقمي 464، 469 لسنة 42 قضائية، بطلب إلغاء الحكم
المطعون فيه والقضاء له مجدداً بطلباته. وإذ تراءى لتلك المحكمة شبهة عدم دستورية الفقرتين
الثالثة والرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 38 لسنة 1972 – معدلاً بالقانون
رقم 109 لسنة 1976 – في شأن مجلس الشعب، فقد قضت في 17/ 11/ 1996 بوقف الطعنين، وأمرت
بإحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مخالفة هاتين الفقرتين لأحكام
المواد 8 و40 و87 و96 من الدستور.
وحيث إن البين من قرار الإحالة، أن محكمة الموضوع استظهرت أن الفقرتين الطعينتين لازمتان
للفصل في النزاع الموضوعي المطروح أمامها، وقدرت أن تثبيت الصفة السياسية للمرشح في
15/ 5/ 1971 نفاذاً لأحكامهما – دون اعتداد بما طرأ عليها من تغيير بعد هذا التاريخ
– يثير شبهة مخالفة الدستور من الأوجه الآتية:
1 – أن الدستور إذ فوض – بنص المادة 87 – المشرع في بيان الشروط التي يتحدد بها من
يعتبر وفقاً لأحكام هذه المادة عاملاً أن فلاحاً، فقد وجب أن يكون التعريف الذي يضعه
المشرع للعامل أو للفلاح في هذا الشأن وما يتضمنه من شروط لانضواء من تتوافر فيه هذه
الصفة أو تلك تحت لوائه جامعاً لكل أفراد المعرف به ومانعاً من دخول أغيار فيه. وإذ
كان مؤدى تثبيت الصفة على النحو الوارد في الفترتين المطعون فيهما أن يندرج غير العمال
والفلاحين – ممن زايلتهم هذه الصفة بعد 15/ 5/ 1971 – ضمنهم، وحرمان من تحولوا إليهم
من التمتع بها، ومن ثم يكون المشرع قد أدخل في تعريف هؤلاء وأولئك من ليس منهم وأخرج
من عدادهم من توافرت فيه تلك الصفة بعد التاريخ المشار إليه، وهو ما يتجاوز حدود التفويض
المخول للمشرع، فضلاً عن أن مقتضى تثبيت الصفة أن يقل عدد العمال والفلاحين في مجلس
الشعب عن الخمسين في المائة إذا استبعد منهم من فقد – حقيقة – هذه الصفة بعد 15/ 5/
1971، مما يعد مخالفاً كذلك للمادة 87 من الدستور.
2 – أن اصطحاب من فقد صفة العامل والفلاح بعد 15/ 5/ 1971 لهذه الصفة، وإفادته بهذه
المثابة من الوضع المتميز الذي تكفله المادة 87 من الدستور للعمال والفلاحين من ضمان
حد أدنى لتمثيلهم في مجلس الشعب، وتهيئة فرصة أكبر له – بالتالي – من منافسيه في الفوز
بعضوية المجلس، دون أن يكون – من حيث الواقع – صاحب حق، إنما يحدث تمييزاً بين المواطنين
– دون موجب يقتضيه – يخل بمبدأ المساواة بينهم في الحقوق والواجبات.
3 – أن تثبيت صفة الفئات لمن كانت متوافرة فيه في 15/ 5/ 1971، ثم فاز فيها متحولاً
إلى عامل أو فلاح، مؤداه أن يحرم المرشح من ضمان الحد الأدنى الذي كفله الدستور لتمثيل
العمال والفلاحين في مجلس الشعب مما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص الذي قرره الدستور بنص المادة
8 منه.
4 – أن تثبيت صفة العامل أو الفلاح لمن افتقدها بعد 15/ 5/ 1971، إنما يتعارض مع ما
تقضي به المادة 96 من الدستور من وجوب إسقاط العضوية عن عضو مجلس الشعب الذي افتقد
صفة العامل أو الفلاح التي انتخب على أساسها، إذ يتأبى على المنطق تطبيق أحكام هذه
المادة في ذات الوقت الذي يسمح المشرع فيه – ابتداء – بالعضوية على أساس تلك الصفة
لمن كان فاقداً – أصلاً – لها.
وحيث إن الفقرتين المطعون عليهما قد ألغاهما المشرع صراحة – بنص المادة الخامسة من
القانون رقم 13 لسنة 2000 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة
الحقوق السياسية والقانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب والقانون رقم 120 لسنة
1980 في شأن مجلس الشورى – الذي قضى كذلك – في المادة السادسة منه – بأن يعمل به اعتباراً
من اليوم التالي لتاريخ نشره. وكان من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن إلغاء المشرع
لقاعدة قانونية بذاتها لا يحول دون الطعن عليها من قبل من طبقت عليه خلال فترة نفاذها،
وترتبت بمقتضاها آثار قانونية بالنسبة إليه تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة.
ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة
من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها، فإذا استعيض عنها بقاعدة قانونية جديدة، سرت القاعدة
الجديدة من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك
يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من القاعدتين، فما نشأ في ظل القاعدة القانونية القيمة
من المراكز القانونية وجرت أثارها خلال فترة نفاذها، يظل محكوماً بها وحدها.
وحيث إن مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن يكون
ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الفصل في
المطاعن الدستورية لازماً للفصل في النزاع الموضوعي، وكانت صفة الفلاح في 15/ 5/ 1971
– المتنازع فيها – قد ثبتت للمدعى عليه الأول وفقاً لأحكام النصين الطعينين وقت نفاذهما
وخاض الانتخابات – محل التداعي – على أساسها، ويلزم – من ثم – الاحتكام إليهما للبت
فيما يثيره المدعي من معارضة فيها، وتحديد الصفة التي كان يجب أن يتقيد بها في ترشيح
المدعى عليه الأول، وبالتالي قياس مشروعية القرار محل الخصومة الموضوعية في ضوء إحكامهما،
فإن مصلحة المدعي في الدعوى الراهنة – وبقدر اتصالها بطلباته في الدعوى الموضوعية –
تكون قائمة.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم؛ دفع هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة،
استناداً إلى أن طلب وقف التنفيذ المطروح على محكمة الموضوع بات – بعد أن أجريت الانتخابات
فعلاً – بلا محل، ولم يعد فصلها فيه يلزمه البت في دستورية الفقرتين المطعون عليهما،
فضلاً عن أن إعمال الحكم الصادر في الدعوى القائمة بشأنهما وأياً كان منطوقة يغدو منوطاً
– بعد أن أسفرت الانتخابات عن فوز المدعى عليه الأول – بمجلس الشعب الذي اختصه الدستور
بنص المادة 93 – دون جهات القضاء – بالفصل في صحة عضوية أعضائه، ذلك أنه من المقرر
أن لكل من الدعويين الدستورية والموضوعية ذاتيتها ومقوماتها، فلا تختلطان ببعضهما ولا
تتحدان في شرائط قبولهما، وكان قضاء هذه المحكمة مطرداً على أن محكمة الموضوع هي التي
تفصل – دون غيرها – في اختصاصها بنظر الدعوى المطروحة عليها، وفي توافر شروط قبول الخصومة
المرددة أمامها وتستقل كذلك بتكييفها، وهي التي تتولى دون غيرها إعمال آثار الأحكام
الصادرة في المسائل الدستورية عليها، فلا تنازعها المحكمة الدستورية العليا في شيء
من ذلك، وإلا كان موقفها منها افتئاتاً على ولايتها، أو تجريحاً لقضاء قطعي صادر منها،
ومن ثم فإن هذا الدفع يكون غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
وحيث إن المادة الثانية من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب كانت تنص على
ما يأتي:
في تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالفلاح من لا يحوز هو وأسرته، أي زوجته وأولاده القصر،
أكثر من عشرة أفدنة على أن تكون الزراعة مصدر رزقه وعمله الوحيد وأن يكون مقيماً في
الريف.
ويقصد بالعامل من يعمل عملاً يدوياً أو ذهنياً في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات ويعيش
من دخله الناتج عن هذا العمل، ولا يحق له الانضمام إلى نقابة مهنية ولا يكون من خريجي
الجامعات أو المعاهد العليا أو الكليات العسكرية، ويستثني من ذلك من بدأ حياته عاملاً
وحصل على مؤهل جامعي وبقى في نقابته العمالية".
ثم صدر القانون رقم 109 لسنة 1976 – والمعمول به من تاريخ نشره في 9/ 9/ 1976 – فاستبدل
بالنص المتقدم النص التالي:
فقرة أولى:
"في تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بالفلاح من تكون الزراعة عمله الوحيد ومصدر رزقه
الرئيسي، ويكون مقيماً في الريف، وبشرط ألا يحوز هو وزوجته وأولاده القصر ملكاً أو
إيجاراً، أكثر من عشرة أفدنة".
فقرة ثانية:
"ويعتبر عاملاً من يعمل عملاً يدوياً أو ذهنياً في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات ويعتمد
بصفة رئيسية على دخله الناتج من هذا العمل، ولا يكون منضماً لنقابة مهنية أو مقيداً
في السجل التجاري أو من حملة المؤهلات العليا، ويستثني من ذلك أعضاء النقابات المهنية
من غير حملة المؤهلات العليا، وكذلك من بدأ حياته عاملاً وحصل على مؤهل عال، وفي الحالتين
يجب لاعتبار الشخص عاملاً أن يبقى مقيداً في نقابته العمالية".
فقرة ثالثة:
"ولا يعتد بتغيير الصفة من فئات إلى عمال أو فلاحين، إذا كان ذلك بعد 15 مايو سنة 1971".
فقرة رابعة:
"ويعتد في تحديد صفة المرشح من العمال أو الفلاحين بالصفة التي تبتت له في 15 مايو
سنة 1971 أو بصفته التي رشح على أساسها لعضوية مجلس الشعب".
وحيث إن مؤدى الفقرتين الأخيرتين – المطعون فيهما – أن المشرع عمد إلى تثبيت الصفة
السياسية للمرشح لعضوية مجلس الشعب، بما كانت عليه في 15/ 5/ 1971، ولم يعتد بما يطرأ
عليها من تغيير بعدئذ، فلا تتغير صفة من كان بالفئات – في هذا التاريخ – ثم تحول إلى
عامل أو دخل في زمرة الفلاحين، وكذلك يستصحب المرشح من العمال أو الفلاحين صفته هذه
التي كانت قد ثبتت له في هذا التاريخ. أو تلك التي رشح على أساسها لعضوية مجلس الشعب،
ولو زايلته فيما بعد. باندراجه حقيقة وواقعاً في عداد فئات أخرى. إذ كان ذلك، وكان
الأصل في القانون هو أن يسري بأثر مباشر على ما يقع بعد نفاذه، فإذا سرى القانون على
وقائع تم تكوينها أو على مراكز قانونية اكتملت عناصرها قبل العمل بأحكامه، فإن هذا
القانون يكون متضمناً أثراً رجعياً، أي أن الأمر المعتبر في تحديد رجعية القانون من
عدمها إنما يتعلق بتاريخ تحقق الواقعة القانونية التي رتب المشرع عليها أثراً رجعياً.
ولما كان النصان المطعون فيهما قد انعطفا بأحكامهما على مراكز قانونية اكتملت عناصرها
– قبل العمل بهما في 9/ 9/ 1976 – لمن اعتبروا في 15/ 5/ 1971 – بتوافر الشروط القانونية
المقررة – عمالاً أو فلاحين، أو غدواً – بتخلفها – من فئات أخرى، فقررا تثبيت تلك الصفات
عينها والاحتفاظ بها لأصحابها، وقوفاً عند حدها، والتفاتاً عما طرأ من تغيير واقعي
على صفاتهم. فإن مقتضى ذلك ولازمه، أن نص الفقرتين الطعينتين قد انطويا على أثر رجعي
لأحكامهما، كامن فيهما، ويفرضه تطبيقهما.
وحيث إن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة – وعلى ما اطرد عليه قضاؤها – غايتها أن
ترد إلى قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون فيها، وسبيلها إلى ذلك، أن تفصل
بأحكامها النهائية في الطعون الموجهة إليها شكلية كانت أم موضوعية، وأن يكون استيثاقها
من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها
الموضوعية، ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية
لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبتها، وذلك خلافاً للعيوب الموضوعية التي تقوم في مبناها
على مخالفة النصوص الطعينة لقاعدة في الدستور من حيث مضمونها الموضوعي، وهو ما يفترض
لزوماً اكتمال أوضاعها الشكلية وإن شابها عوار موضوعي لخروجها على الأحكام الموضوعية
في الدستور، ومن ثم فإن الفصل في التعارض المدعى به بين نص تشريعي وقاعدة دستورية موضوعية
سواء بتقرير قيام المخالفة المدعى بها أو بنفيها إنما يعد قضاء في موضوعها منطوياً
لزوماً على استيفاء النص المطعون عليه للأوضاع الشكلية التي تطلبها الدستور ومانعاً
من العودة إلى بحثها، ذلك أن العيوب الشكلية – وبالنظر إلى طبيعتها – لا يتصور أن يكون
بحثها تالياً للخوض في المطاعن الموضوعية ولكنها تتقدمها، ويتعين على هذه المحكمة –
بالتالي – أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها، ولو كان نطاق الطعن المعروض عليها ينحصر
في المطاعن الموضوعية دون سواها، بما مؤداه أن العيوب الشكلية تفرض نفسها على المحكمة
دوماً، إذ لا يتصور أن تتجاهلها عن مواجهتها لأية مطاعن موضوعية.
وحيث إن المادة 107 من الدستور تنص على أن انعقاد مجلس الشعب لا يكون صحيحاً إلا بحضور
أغلبية أعضائه، ويتخذ المجلس قراراته بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وذلك في غير الحالات
التي تشترط فيها أغلبية خاصة، وكانت المادة 187 من الدستور تنص على أن أحكام القوانين
لا تسري إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها، ومع
ذلك، يجوز في غير المواد الجنائية النص في القانون على خلاف ذلك، بموافقة أغلبية أعضاء
مجلس الشعب، إذ كان ذلك، وكان الإجراء الذي تطلبه الدستور لإقرار الأثر الرجعي للقانون
هو إجراء خاص فرضه – استثناء من الأصل المقرر في هذا الشأن – كضمانة أساسية للحد من
الرجعية وتوكيداً لخطورتها في الأعم الأغلب من الأحوال إزاء ما تهدره من حقوق وتخل
به من استقرار، فإنه يتعين بالتالي – وعلى ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون
الدليل على استيفاء هذا الإجراء جلياً لا يحتمل التأويل، ثابتاً على وجه قطعي. لما
كان ذلك وكان نصا الفقرتين المطعون عليهما قد ووفق عليهما بالأغلبية، حسبما يبين من
مضبطتي الجلستين التاسعة والستين والسبعين لمجلس الشعب، المعقودتين على التوالي مساء
الاثنين الموافق 12/ 7/ 1976 وصباح الثلاثاء الموافق 13/ 7/ 1976. وكانت هاتان المضبطتان
قد خلتا مما يؤكد أن هذه الأغلبية هي الأغلبية الخاصة التي اشترطتها المادة 187 من
الدستور ممثلة من أغلبية أعضاء المجلس في مجموعهم لا الأغلبية المطلقة للحاضرين منهم،
فإن الإجراء الخاص الذي استلزمته هذه المادة لإقرار الأثر الرجعي للفقرتين الطعينتين
لا يكون قد تم على الوجه المقرر في الدستور، الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم دستوريتهما،
دون حاجة إلى الخوض فيما عسى أن يكون قد لحق بهما من عوار دستوري موضوعي.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرتين الثالثة والرابعة من المادة الثانية من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب قبل تعديله بالقانون رقم 13 لسنة 2000.
