قاعدة رقم الطعن رقم 152 لسنة 20 قضائية “دستورية” – جلسة 03 /06 /2000
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 627
جلسة 3 يونيو سنة 2000
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 152 لسنة 20 قضائية "دستورية"
1 – دستور – حق التقاضي "خصومة قضائية – عوائق".
دلالة الدستور – بنص المادة 68 – على أن لكل خصومة قضائية قاضيها ولو كانت الحقوق المتنازع
عليها من طبيعة مدنية – مجرد النفاذ إلى القضاء لا يكفي لضمان الحقوق وإنما يجب اقترانه
دوماً بإزالة العوائق التي تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة عن العدوان عليها.
2 – دستور – سلطة قضائية "استقلالها وحيدتها" – تنظيم الحقوق.
ضمانتا استقلال السلطة القضائية وحيدتها وقد فرضهما الدستور تعتبران قيداً على السلطة
التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق – بطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة
القضائية على خلاف هاتين الضمانتين.
3 – حق التقاضي "رد القاضي ومخاصمته".
الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي – تنظيم المشرع لأحوال
رد القضاء توخى قاعدة أصولية قوامها اطمئنان كل متقاض إلى أن قضاء قاضيه لا يصدر إلا
عن الحق وحده – وجوب مباشرة القاضي ما هو منوط من سلطة ولائية أو قضائية فيما يطرح
عليه وإلا حقت مساءلته مدنياً طبقاً للقانون – حقا الرد والمخاصمة كفيلان بسد أية ثغرة
يهتز بها اطمئنان المتقاضين إلى قضائهم.
4 – تشريع "نص المادة 1 مكرراً من القانون رقم 36 لسنة 1975 بفرض رسم خاص لصندوق الخدمات
الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية: حيدة".
الدولة من ناحية والملتزم بالرسم المفروض بهذا النص من ناحية أخرى يكونان إزاءه طرفي
علاقة قانونية عامة – رجال القضاء أغيار عن هذه العلاقة – من غير المتصور أن يكون رجال
القضاء ذوي مصلحة فيها ابتداء – انتفاء أدنى شبهة بهذا النص من شأنها الإخلال بحيدتهم
لدى إصدارهم الأمر بتقدير ذلك الرسم.
5 – رسوم قضائية "التزام" – تشريع "نص المادة مكرراً من القانون رقم 36 لسنة 1975:
انحياز".
مرد الأمر في الرسوم المستحقة عن الدعوى ومنها الرسم المفروض بهذا النص هو إلى الحكم
الموضوعي الفاصل نهائياً في الحق محلها – القاضي الآمر بتقدير المصروفات ليس له دخل
في تعيين الخصم الملزم بها – من غير المعقول أن يكون القاضي الآمر منحازاً في مباشرة
سلطته ضد من تحدد مركزه من الالتزام بالرسوم قبل عرض طلب تقديرها عليه.
1 – أن الدستور دل بنص المادة 68 منه – وفقاً ما اطرد عليه قضاء هذه المحكمة – على
وجوب أن يكون لكل خصومة قضائية قاضيها، ولو كانت الحقوق المتنازع عليها من طبيعة مدنية،
وألقى على عاتق الدولة التزاماً يقتضيها أن توفر لكل فرد – وطنياً كان أم أجنبياً –
نفاذاً ميسراً إلى محاكمها يكفل الضمانات الأساسية اللازمة لإدارة العدالة إدارة فعالة
وفقاً لمستوياتها في الدول المتحضرة؛ وكانت الحقوق التي تستمد وجودها من النصوص القانونية
يلازمها بالضرورة – ومن أجل اقتضائها – طلب الحماية التي يكفلها الدستور أو المشرع
لها، باعتبار أن مجرد النفاذ إلى القضاء، لا يعتبر كافياً لضمانها، وإنما يجب أن يقترن
هذا النفاذ دوماً بإزالة العوائق التي تحول دون تسوية الأوضاع الناشئة عن العدوان عليها،
وبوجه خاص ما يتخذ منها صورة الأشكال الإجرائية المعقدة، كي توفر الدولة للخصومة في
نهاية مطافها حلاً منصفاً يقوم على حيدة المحكمة واستقلالها، ويضمن عدم استخدام التنظيم
القضائي كأداة للتمييز ضد فئة بذاتها أو للتحامل عليها، وكانت هذه التسوية هي التي
يعمد الخصم إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية التي يطلبها لمواجهة الإخلال
بالحقوق التي يدعيها، فإن هذه الترضية – وبافتراض مشروعيتها واتساقها مع أحكام الدستور
– تندمج في الحق في التقاضي وتعتبر من متمماته.
2 – إن الدستور كفل – بنص المادة 165 – استقلال السلطة القضائية كما نص كذلك من المادة
166 على أنه لا سلطان على القضاة في قضائهم لغير القانون، وهذا المبدأ الأخير لا يحمي
فقط استقلال القاضي، بل يحول كذلك دون أن يكون العمل القضائي وليد نزعة شخصية غير متجردة،
ومن ثم تكون حيدة القاضي شرطاً لازماً دستورياً لضمان لا يخضع في عمله لغير سلطان القانون،
وقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن استقلال السلطة القضائية وإن كان لازماً لضمان موضوعية
الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع
عدوان على حقوقهم وحرياتهم؛ إلا أن حيدتها عنصر فاعل في صون رسالتها لا تقل شأناً عن
استقلالها بما يؤكد تكاملهما. وهاتان الضمانتان – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم –
تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن
ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
3 – إن الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي، وكان من المقرر
أن تنظيم المشرع لأحوال رد القضاة – على ما يبين من قانون المرافعات وأعماله التحضيرية
– قد توخى قاعدة أصولية قوامها – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن كل متقاض
يجب أن يطمئن إلى أن قضاء قاضيه لا يصدر إلا عن الحق وحده، دون تأثير من دخائل النفس
البشرية في هواها وتحيزها، وقد وازن المشرع – بالنصوص التي نظم بها رد القضاة – بين
أمرين، أولهما: ألا يفصل في الدعوى – وأياً كان موضوعها – قضاة داخلتهم شبهة تقوم بها
مظنة ممالأة أحد أطرافها والتأثير بالتالي في حيدتهم، ومن ثم أجاز المشرع ردهم وفق
أسباب حددها ليحول دونهم وموالاة نظر الدعوى التي قام سبب ردهم بمناسبتها، ثانيهما:
ألا يكون رد القضاة مدخلاً إلى التشهير بهم دون حق، أو لمنعهم من نظر قضاياً بذواتها
توقياً للفصل فيها كيداً ولدداً، وكان من المقرر – بنص المادة 494/ 2 من قانون المرافعات
– أن القاضي يعد منكراً للعدالة، ويحق لصاحب المصلحة مخاصمته، إذا امتنع عن الإجابة
على عريضة قدمت له، أو عن الفصل في قضية صالحة للحكم. ومن ثم وجب عليه مباشرة ما هو
منوط به من سلطة ولائية أو قضائية فيما يقدم إليه من عرائض أو يطرح عليه من خصومات
وإلا حقت مساءلته مدنياً – وفقاً للقواعد وطبقاً للإجراءات المبينة في هذه المادة –
بطريق المخاصمة. ومن ثم فإن حقي الرد والمخاصمة – المخولين للمتقاضين – كفيلان بسد
أية ثغرة يمكن أن ينفذ منها الريب على نفوسهم، ويهتز به اطمئنانهم إلى قضائهم، ويخل
بثقتهم في أن ما يقضون به – في أقضيتهم – هو الحق لا غيره.
4 – إن الدستور والقانون كليهما قد أحاطا القضاء – على النحو المتقدم – بسياج من الضمانات
تؤكد استقلاله وتكفل حيدته وتضمن تجرده، وكان المشرع قد تغيا من صندوق الخدمات الصحية
والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية – وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية لقانون إنشائه
– مصلحة عامة بإرساء ما قصد إليه الدستور من كفالة استقلال القضاء وحصانة رجاله، باعتبارهما
ضمانتين أساسيتين لحماية الحقوق والحريات، ذلك بتوفير أسباب الراحة النفسية والطمأنينة
لحماة العدالة، وكفالة رعايتهم صحياً واجتماعياً هم وأسرهم حتى ينصرفوا لأداء رسالتهم
على أكمل وجه، وعلى هذا الدرب أدرج المشرع الرسم المفروض – بالنص الطعين – ضمن موارد
هذا الصندوق، لتندمج معها في تمويل أغراضه، وألحقه بالرسوم القضائية الأصلية المقررة،
ليتم تحديده واستئداؤه وفق قواعد منضبطة، ولينسبغ عليه الامتياز المقرر لها قانوناً،
إذ كان ذلك، وكان مناط استحقاق الرسم خدمة محددة بذلها الشخص العام لمن طلبها عوضاً
عن تكلفتها وإن لم يكن بمقدارها، فإن الدولة الفارضة للرسم من ناحية والملتزم بأدائه
من ناحية أخرى يكونان – إزاءه – طرفي علاقة قانونية عامة، أقامها النص الطعين، تبدأ
بتقديم ذي الشأن نفسه صحيفة دعواه إلى قلم الكتاب مما يعني أن رجال القضاء أغيار عن
هذه العلاقة، وليسوا طرفاً مباشراً فيها، ولا يتصور بالتالي أن يكونوا ذوي مصلحة فيها
ابتداء؛ ومن ثم تنتفي أدنى شبهة بالنص الطعين من شأنها الإخلال بحيدتهم لدى إصدارهم
الأمر بتقدير الرسم المشار إليه، أو نظرهم المعارضة فيه أو فصلهم فيها.
5 – مؤدى القاعدة التي أرستها المادتان 184، 186 من قانون المرافعات المدنية والتجارية
أن لمصاريف الدعوى أصلاً يحكمها ويهيمن عليها يتحصل في ألا يحكم بها إلا على الخصم
الذي خسر الدعوى بحكم نهائي، وهو ما يضمن ألا تكون نفقاتها عبئاً إلا على هؤلاء الذين
جحدوا الحقوق المتداعي في شأنها إعناتاً ومماطلة، فمرد الأمر في الرسوم المستحقة عن
الدعوى – ومنها الرسم الطعين – هو إلى الحكم الموضوعي الفاصل نهائياً في الحق محلها،
والذي يعين الخصم الذي خسر دعواه، والملتزم بمصروفاتها – والرسوم جزء منها – والواجب
إصدار أمر تقديرها ضده، من غير أن يكون للقاضي الآمر به دخل في تعيينه، ولا يعقل –
بالتالي – أن يكون منحازاً في مباشرة سلطته ضد من تحدد مركزه من الالتزام بالرسوم قبل
عرض طلب تقديرها عليه، ومن ثم فإن القول بإنكار صلاحية القضاة – جميعاً – للأمر بتقدير
الرسم الطعين والفصل في المعارضة فيه، لا يعدو أن يكون وهماًً يتأباه المنطق الصحيح.
الإجراءات
بتاريخ السادس والعشرين من يوليه سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه
الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالباً للحكم بعدم دستورية نص المادة مكرراً من القانون
36 لسنة 1975 – المضافة بالقانون رقم 7 لسنة 1985 – بفرض رسم خاص لصندوق الخدمات الصحية
والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية فيما نصت عليه من أن يكون لهذا الرسم حكم الرسوم
القضائية الأصلية المقررة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها طلبت في ختامها رفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام الدعوى رقم 304 لسنة 1997 – أمام محكمة بور سعيد الابتدائية – بطلب الحكم
بإلغاء قائمتي الرسوم رقمي 388، 488 لسنة 1997 بتقدير الرسوم القضائية الأصلية ورسوم
صندوق الخدمات المستحقة عن الدعوى رقم 306 لسنة 1986 مدني كلي بور سعيد وإذ قضى برفض
معارضته في هاتين القائمتين، فقد طعن على هذا الحكم بالاستئناف رقم 858 لسنة 38 قضائية
– أمام مأمورية استئناف بور سعيد، وأثناء نظره دفع بعدم دستورية نص المادة مكرراً
من القانون رقم 36 لسنة 1975 بإنشاء صندوق للخدمات الصحة والاجتماعية لأعضاء الهيئات
القضائية، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة دعواه الدستورية، فقد
أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة من القانون رقم 36 لسنة 1975 تنص على أن "ينشأ بوزارة العدل صندوق،
تكون له الشخصية الاعتبارية تخصص له الدولة الموارد اللازمة لتمويل وكفالة الخدمات
الصحية والاجتماعية للأعضاء الحاليين والسابقين للهيئات القضائية الآتية:
1 – القضاء والنيابة العامة 2 – مجلس الدولة 3 – هيئة قضايا الدولة 4 – النيابة الإدارية.
وتشمل الخدمات الصحية والاجتماعية أسر أعضاء هذه الهيئات. ويخصص لكل هيئة من هذه الهيئات
قسم في موازنة الصندوق. ويصدر بتنظيم الصندوق وقواعد الإنفاق منه قرار من وزير العدل
بعد موافقة المجلس الأعلى للهيئات القضائية "وتنص المادة الأولى من القانون 7 لسنة
1985 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 36 لسنة 1975، المشار إليه، على أن:
"تضاف إلى القانون رقم 36 لسنة 1975 بإنشاء صندوق للخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء
الهيئات القضائية مادة جديدة برقم (1 مكرراً) نصها الآتي:
مادة 1 مكرراً: "يفرض رسم خاص أمام المحاكم ومجلس الدولة يعادل نصف الرسوم القضائية
الأصلية المقررة في جميع الأحوال ويكون لها حكمها، وتؤول حصيلته إلى صندوق الخدمات
الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.
ويعفي نشاط الصندوق وكافة الخدمات التي يقدمها من جميع الضرائب والرسوم".
ومؤدى ما تقدم أن المشرع قد فرض رسماً خاصاً ألحقه بالرسوم القضائية – بعد أن قدره
بنصفها – ليتبعها في جميع أحوال استحقاقها، ويترتب في ذمة الملتزم بها ويخضع لإجراءات
تقديرها، والتداعي في شأنها، وخصص حصيلته للصندوق المشار إليه، بحسبانه شخصاً اعتبارياً
عاماً ينفرد بذمته المالية المستقلة.
وحيث إن المدعي ينعى على النص الطعين مخالفته نصوص المواد 4، 8، 67، 68، 165، 166 من
الدستور، تأسيساً على أنه إذ اختص رجال القضاء بإصدار أوامر تقدير الرسم المفروض به،
ونظر دعاوى المعارضة في تقديره، والفصل فيها، رغم كونهم أصحاب مصلحة بسبب انتفاعهم
بخدمات الصندوق المخصصة له حصيلة ذلك الموسم؛ فإنه يكون – قد أخل بضمانة الحيدة والتجرد
التي يستلزمها الدستور للفصل في الخصومة القضائية.
وحيث إن هذا النعي في غير محله، ذلك أن الدستور دل بنص المادة 68 منه – وفقاً ما اطرد
عليه قضاء هذه المحكمة – على وجوب أن يكون لكل خصومة قضائية قاضيها، ولو كانت الحقوق
المتنازع عليها من طبيعة مدنية، وألقى على عاتق الدولة التزاماً يقتضيها أن توفر لكل
فرد – وطنياً كان أم أجنبياً – نفاذاً ميسراً إلى محاكمها يكفل الضمانات الأساسية اللازمة
لإدارة العدالة إدارة فعالة وفقاً لمستوياتها في الدول المتحضرة؛ وكانت الحقوق التي
تستعد وجودها من النصوص القانونية يلازمها بالضرورة – ومن أجل اقتضائها – طلب الحماية
التي يكفلها الدستور أو المشرع لها، باعتبار أن مجرد النفاذ إلى القضاء، لا يعتبر كافياً
لضمانها، وإنما يجب أن يقترن هذا النفاذ دوماً بإزالة العوائق التي تحول دون تسوية
الأوضاع الناشئة عن العدوان عليها، وبوجه خاص ما يتخذ منها صورة الأشكال الإجرائية
المعقدة، كي توفر الدولة للخصومة في نهاية مطافها حلاً منصفاً يقوم على حيدة المحكمة
واستقلالها، ويضمن عدم استخدام التنظيم القضائي كأداة للتمييز ضد فئة بذاتها أو للتحامل
عليها، وكانت هذه التسوية هي التي يعمد الخصم إلى الحصول عليها بوصفها الترضية القضائية
التي يطلبها لمواجهة الإخلال بالحقوق التي يدعيها، فإن هذه الترضية – وبافتراض مشروعيتها
واتساقها مع أحكام الدستور – تندمج في الحق في التقاضي وتعتبر من متمماته.
وحيث إن الدستور كفل – بنص المادة 165 – استقلال السلطة القضائية كما نص كذلك من المادة
166 على أنه لا سلطان على القضاة في قضائهم لغير القانون، وهذا المبدأ الأخير لا يحمي
فقط استقلال القاضي، بل يحول كذلك دون أن يكون العمل القضائي وليد نزعة شخصية غير متجردة،
ومن ثم تكون حيدة القاضي شرطاً لازماً دستورياً لضمان لا يخضع في عمله لغير سلطان القانون،
وقد اطرد قضاء هذه المحكمة على أن استقلال السلطة القضائية وإن كان لازماً لضمان موضوعية
الخضوع للقانون، ولحصول من يلوذون بها على الترضية القضائية التي يطلبونها عند وقوع
عدوان على حقوقهم وحرياتهم؛ إلا أن حيدتها عنصر فاعل في صون رسالتها لا تقل شأناً عن
استقلالها بما يؤكد تكاملهما. وهاتان الضمانتان – وقد فرضهما الدستور على ما تقدم –
تعتبران قيداً على السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، ومن
ثم يلحق البطلان كل تنظيم تشريعي للخصومة القضائية على خلافهما.
وحيث إن الحق في رد قاض بعينه عن نظر نزاع محدد وثيق الصلة بحق التقاضي، وكان من المقرر
أن تنظيم المشرع لأحوال رد القضاة – على ما يبين من قانون المرافعات وأعماله التحضيرية
– قد توخى قاعدة أصولية قوامها – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن كل متقاض
يجب أن يطمئن إلى أن قضاء قاضيه لا يصدر إلا عن الحق وحده، دون تأثير من دخائل النفس
البشرية في هواها وتحيزها، وقد وازن المشرع – بالنصوص التي نظم بها رد القضاة – بين
أمرين، أولهما: ألا يفصل في الدعوى – وأياً كان موضوعها – قضاة داخلتهم شبهة تقوم بها
مظنة ممالأة أحد أطرافها والتأثير بالتالي في حيدتهم، ومن ثم أجاز المشرع ردهم وفق
أسباب حددها ليحول دونهم وموالاة نظر الدعوى التي قام سبب ردهم بمناسبتها، ثانيهما:
ألا يكون رد القضاة مدخلاً إلى التشهير بهم دون حق، أو لمنعهم من نظر قضايا بذواتها
توقياً للفصل فيها كيداً ولدداً، وكان من المقرر – بنص المادة 494/ 2 من قانون المرافعات
– أن القاضي يعد منكراً للعدالة، ويحق لصاحب المصلحة مخاصمته، إذا امتنع عن الإجابة
على عريضة قدمت له، أو عن الفصل في قضية صالحة للحكم. ومن ثم وجب عليه مباشرة ما هو
منوط به من سلطة ولائية أو قضائية فيما يقدم إليه من عرائض أو يطرح عليه من خصومات
وإلا حقت مساءلته مدنياً – وفقاً للقواعد وطبقاً للإجراءات المبينة في هذه المادة –
بطريق المخاصمة. ومن ثم فإن حقي الرد والمخاصمة – المخولين للمتقاضين – كفيلان بسد
أية ثغرة يمكن أن ينفذ منها الريب إلى نفوسهم، ويهتز به اطمئنانهم إلى قضائهم، ويخل
بثقتهم في أن ما يقضون به – في أقضيتهم – هو الحق لا غيره.
وحيث إن الدستور والقانون كليهما قد أحاطا القضاء – على النحو المتقدم – بسياج من الضمانات
تؤكد استقلاله وتكفل حيدته وتضمن تجرده، وكان المشرع قد تغيا من صندوق الخدمات الصحية
والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية – وعلى ما جاء بالأعمال التحضيرية لقانون إنشائه
– مصلحة عامة بإرساء ما قصد إليه الدستور من كفالة استقلال القضاء وحصانة رجاله، باعتبارهما
ضمانتين أساسيتين لحماية الحقوق والحريات، وذلك بتوفير أسباب الراحة النفسية والطمأنينة
لحماة العدالة، وكفالة رعايتهم صحياً واجتماعياً هم وأسرهم حتى ينصرفوا لأداء رسالتهم
على أكمل وجه، وعلى هذا الدرب أدرج المشرع الرسم المفروض – بالنص الطعين – ضمن موارد
هذا الصندوق، لتندمج معها في تمويل أغراضه، وألحقه بالرسوم القضائية الأصلية المقررة،
ليتم تحديده واستئداؤه وفق قواعد منضبطة، ولينسبغ عليه الامتياز المقرر لها قانوناً،
إذ كان ذلك، وكان مناط استحقاق الرسم خدمة محددة بذلها الشخص العام لمن طلبها عوضاً
عن تكلفتها وإن لم يكن بمدارها، فإن الدولة الفارضة للرسم من ناحية والملتزم بأدائه
من ناحية أخرى يكونان – إزاءه – طرفي علاقة قانونية عامة، أقامها النص الطعين، تبدأ
بتقديم ذي الشأن نفسه صحيفة دعواه إلى قلم الكتاب مما يعني أن رجال القضاء أغيار عن
هذه العلاقة، وليسوا طرفاً مباشراً فيها، ولا يتصور بالتالي أن يكونوا ذوي مصلحة فيها
ابتداء؛ ومن ثم تنتفي أدنى شبهة بالنص الطعين من شأنها الإخلال بحيدتهم لدى إصدارهم
الأمر بتقدير الرسم المشار إليه، أو نظرهم المعارضة فيه أو فصلهم فيها.
وحيث إنه فضلاً عن ذلك، فإن مؤدى القاعدة التي أرستها المادتان 184، 186 من قانون المرافعات
المدنية والتجارية أن لمصاريف الدعوى أصلاً يحكمها ويهيمن عليها يتحصل في ألا يحكم
بها إلا على الخصم الذي حسر الدعوى بحكم نهائي، وهو ما يضمن ألا تكون نفقاتها عبئاً
إلا على هؤلاء الذين جحدوا الحقوق المتداعي في شأنها إعناتاً ومماطلة، فمرد الأمر في
الرسوم المستحقة عن الدعوى – ومنها الرسم الطعين – هو إلى الحكم الموضوعي الفاصل نهائياً
في الحق محلها، والذي يعين الخصم الذي خسر دعواه، والملتزم بمصروفاتها – والرسوم جزء
منها – والواجب إصدار أمر تقديرها ضده، من غير أن يكون للقاضي الآمر به دخل في تعيينه،
ولا يعقل – بالتالي – أن يكون منحازاً في مباشرة سلطته ضد من تحدد مركزه من الالتزام
بالرسوم قبل عرض طلب تقديرها عليه، ومن ثم فإن القول بإنكار صلاحية القضاة – جميعاً
– للأمر بتقدير الرسم الطعين والفصل في المعارضة فيه، لا يعدو أن يكون وهماً يتأباه
المنطق الصحيح.
وحيث إنه إذ كان ما تقدم، وكان لا دليل من النص الطعين – على النحو المتقدم – على إخلاله
بحق التقاضي، أو مساسه باستقلال السلطة القضائية وتدخله في أعمال وظيفتها، أو انتهاكه
ضمانة حيدة أعضائها وتجردهم لدى الفصل في الأنزعة القضائية الناشئة عنه، أو حجبه عن
أطرافها حقوقهم القانونية في رد ومخاصمة قضاتهم، وكان هذا النص لم يتجاوز حدود السلطة
التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق، لم يتعد تخومها؛ فإن الحكم برفض
الدعوى يكون متعيناً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
