قاعدة رقم الطعن رقم 35 لسنة 20 قضائية “دستورية” – جلسة 06 /05 /2000
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 567
جلسة 6 مايو سنة 2000
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 35 لسنة 20 قضائية "دستورية"
1 – المحكمة الدستورية العليا "ولاية".
التضارب بين قاعدتين قانونيتين تتحدان في مرتبتهما لا يعتبر من المسائل الدستورية التي
يستنهض الفصل فيها ولاية المحكمة الدستورية العليا.
2 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية "أحكام ظنية: اجتهاد".
من غير الجائز للنصوص التشريعية الصادرة بعد تعديل المادة الثانية من الدستور في سنة
1980 مناقضة الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها – انحصار دائرة الاجتهاد في
الأحكام الظنية – الاجتهاد يكون سائغاً في المسائل الاختلافية طالما كان واقعاً في
إطار الأصول الكلية للشريعة مستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية كافلاً صون المقاصد العامة
للشريعة.
3 – مبدأ تكافؤ الفرص "حماية".
اتصال مضمون هذا المبدأ بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها وإعماله يقع عند التزاحم
عليها – الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية في مجال الانتفاع بها لبعض
المتزاحمين على بعض – تحديد هذه الأولوية وفقاً لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام.
4 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون "تمييز: قوامه".
صور التمييز المجافية للدستور – وإن تعذر حصرها – هي وحدها التي يكون قوامها كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات المكفولة في الدستور
أو القانون.
5 – مبدأ خضوع الدولة للقانون "مؤداه".
مؤدى هذا المبدأ ألا تخل تشريعات الدولة بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية
مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان.
6 – تشريع "المادة 9 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983: توافقه مع
الدستور".
السماح لمحامىَّ البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية بممارسة مهنتهم
بغير قيود. وفقاً لهذا النص – جاء مؤكداً سيادة القانون كافلاً للحق في التقاضي مسانداً
لضمانة الدفاع.
1 – المسائل الدستورية التي يستنهض الفصل فيها ولاية هذه المحكمة هي تلك التي تثير
تعارضاً بين القواعد العليا التي يشتمل عليها الدستور وما دونها من القواعد القانونية،
ولا كذلك التضارب بين قاعدتين قانونيتين تتحدان في مرتبتهما.
2 – ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في سنة 1980 – إنما يتمحض
عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه في التشريعات الصادرة بعد العمل بالتعديل
الدستوري المشار إليه – ومن بينها المادة الثامنة من قانون المحاماة بعد استبدالها
بالقانون رقم 227 لسنة 1984 – فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض الأحكام الشرعية القطعية
في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً،
لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً
أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو هما معاً،
ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغيير
الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون
العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة. ومن ثم
فإن الاجتهاد يكون سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة
مما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة لا
يجاوزها، مستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية، كافلاً صون المقاصد
العامة للشريعة.
3 – مبدأ تكافؤ الفرص التي تكفله الدولة للمواطنين كافة وفقاً لنص المادة الثامنة من
الدستور يتصل بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها،
وأن الحماية الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية في مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين
على بعض، وهي أولوية تتحدد وفقاً لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام.
4 – مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون لا يعني – وفقاً لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة
– أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة،
ولا يقوم كذلك على معارضة جميع أشكال التمييز أياً كان مبرراتها الموضوعية؛ ذلك أن
صور التمييز المجافية للدستور – وإن تعذر حصرها – هي وحدها التي يكون قوامها كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور
أو القانون.
5، 6 – إن القانون رقم 47 لسنة 1973 بشأن الإدارات القانونية بالمؤسسات والهيئات العامة
والوحدات التابعة لها لم يُخرج العاملين بالإدارات القانونية من عداد العاملين بالجهات
المشار إليها. وآية ذلك أن المادة 12 من ذلك القانون تنص على أنه يشترط فيمن يعين في
إحدى الوظائف الفنية بالإدارة القانونية أن تتوافر فيه الشروط المقررة في نظام العاملين
المدنيين بالدولة أو القطاع العام حسب الأحوال، كما تقتضي المادة 24 من بأن يُعمل فيما
لم يرد فيه نص في هذا القانون بأحكام التشريعات السارية بشأن العاملين المدنيين بالدولة
أو القطاع العام على حسب الأحوال. وتُحظر هذه التشريعات على العامل بالذات أو بالوساطة
الجمع بين عمله وأي عمل آخر إذا كان من شأنه الإخلال بواجبات وظيفته أو مقتضياتها أو
الحط من كرامتها، أو القيام بأعمال للغير – إلا بموافقة من الجهة المختصة – أو مزاولة
أية أعمال تجارية. وهذه القيود جميعها تُرد إلى أصل واحد يتمثل في وجوب أن يكرس العامل
بتلك الجهات وقته وجهده لما وحدها إذ أنه تابع لها خاضع لإشرافها وتوجيهها ورقابتها،
ومن ثم كان منطقياً أن يحظر نص المادة الثامنة من قانون المحاماة على محامي الإدارات
القانونية للهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية أن يزاولوا أعمال
المحاماة لغير الجهات التي يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً، أما غير هؤلاء من المحامين
الذين يزاولون أعمال المحاماة بوصفها مهنة حرة يمارسونها في استقلال فلا يسري في شأنهم
ذلك القيد لاختلاف المركز القانوني لكل من الطائفتين، ولذلك فقد أجاز قانون المحاماة
في المادة التاسعة منه – المطعون فيها – أن يزاول المحامي أعمال المحاماة في الجهات
التي عينتها وهي البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية على أن تكون علاقته
بها وكالة ولو اقتصر عمله عليها. وبذلك يكون لكل من النص الطعين والمادة الثامنة من
قانون المحاماة مجال عمل لا يمزج بين نطاقيهما، ولا تداخله شبهة التعارض بين أحكامهما،
باعتبار أن نص المادة الثامنة من قانون المحاماة ينظم علاقة عمل بين الهيئات العامة
وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية من ناحية والعاملين في إداراتها القانونية من
ناحية أخرى، في حين يتمحض مجال تطبيق نص المادة التاسعة من ذات القانون عن علاقة وكالة
تقوم على حرية المحامي في قبول التوكيل أو عدم قبوله في دعوى معينة وفق ما يمليه عليه
اقتناعه. إذ كان ذلك، وكان إعمال مبدأ المساواة يفترض التماثل في المراكز القانونية
فإن قالة التمييز بين محامي الإدارات القانونية بالهيئات العامة وشركات القطاع العام
والمؤسسات الصحفية من ناحية وبين المخاطبين بنص المادة التاسعة من قانون المحاماة من
ناحية أخرى – وهما فئتان لا تتحد مراكزهما القانونية – لا يكون لها محل.
إن مبدأ خضوع الدولة للقانون – على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – مؤداه ألا تخل
تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام
الدولة القانونية. وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة، متى
كان ذلك. وكانت مهنة المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وتأكيد
سيادة القانون وضمان الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، بما يكفل للمحامين ممارسة
منتهم في استقلال بغير سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وحكم القانون. وكان النص الطعين
– بما انطوى عليه من السماح للمحامين المشار إليهم فيه بممارسة مهنتهم الرفيعة بغير
قيود – قد جاء مؤكداً لسيادة القانون، كافلاً للحق في التقاضي، مسانداً لضمانة الدفاع.
الإجراءات
بتاريخ الخامس عشر من فبراير سنة 1998، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة التاسعة من قانون المحاماة
الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى
عليها الرابعة كانت قد أقامت ضد المدعي الدعوى رقم 3005 لسنة 1996 أمام محكمة الزيتون
الجزئية للأحوال الشخصية طالبة الحكم لها بنفقة عدة لمدة سنة اعتباراً من تاريخ طلاقها،
وأثناء نظر تلك الدعوى دفع المدعي ببطلان صحيفتها لتوقيعها من محام يعمل بالبنك المصري
الأمريكي، كما دفع بعدم دستورية المادة التاسعة من قانون المحاماة التي أجازت لمحاميَّ
البنوك مزاولة أعمال المحاماة لغير تلك البنوك. وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت
للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية فقد أقامها.
وحيث إن المادة التاسعة من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983 تنص على
أن "يجوز للمحامي مزاولة أعمال المحاماة في البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات
التعاونية. وتكون علاقة المحامي بهذه الجهات وكالة ولو اقتصر عمله عليها".
وحيث إن المدعي ينعى على ذلك النص، تعارضه مع المادة الثامنة من ذات القانون والتي
تحظر على محامي الإدارات القانونية بشركات القطاع العام ممارسة أعمال المحاماة لغير
الجهات التي يعملون بها، وإخلاله كذلك بمبدأ المساواة أمام القانون إذ مايز بين طائفتين
من المحامين: الأولى وتشمل محامي البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية،
الذين أجاز لهم ممارسة المحاماة بالوكالة عن غير تلك الجهات؛ بينما يُحظر ذلك على أفراد
الطائفة الثانية وهم محامو الإدارات القانونية بشركات القطاع العام، فضلاً عن مخالفة
النص الطعين لأحكام المواد 3 و4 و8 و64 و65 و68 من الدستور.
وحيث إن المسائل الدستورية التي يستنهض الفصل فيها ولاية هذه المحكمة هي تلك التي تثير
تعارضاً بين القواعد العليا التي يشتمل عليها الدستور وما دونها من القواعد القانونية،
ولا كذلك التضارب بين قاعدتين قانونيتين تتحدان في مرتبتهما؛ وبالتالي إن ما ينعاه
المدعي على النص التشريعي الطعين من تعارضه مع المادة الثامنة من قانون المحاماة –
أياً كان وجه الرأي في هذا الشأن – لا يشكل مخالفة لأحكام الدستور مما تختص هذه المحكمة
بنظره.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن ما نصت عليه المادة الثانية من الدستور – بعد
تعديلها في سنة 1980 – إنما يتمحض عن قيد يجب على السلطة التشريعية التزامه في التشريعات
الصادرة بعد العمل بالتعديل الدستوري المشار إليه – ومن بينها المادة الثامنة من قانون
المحاماة بعد استبدالها بالقانون رقم 227 لسنة 1984 – فلا يجوز لهذه النصوص أن تناقض
الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي
يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها
الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها
أو بدلالتها أو هما معاً، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها
متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها
تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً ولا يعطل بالتالي حركتهم في
الحياة. ومن ثم فإن الاجتهاد يكون سائغاً في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون
أحكامها جامدة مما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، طالما كان واقعاً في إطار الأصول الكلية
للشريعة لا يجاوزها، مُستخلصاً عن طريق الأدلة الشرعية النقلية منها والعقلية، كافلاً
صون المقاصد العامة للشريعة. متى كان ذلك وكان النص الطعين لا يخالف حكماً شرعياً قطعي
الثبوت والدلالة وإنما يعالج مسائل يجوز الاجتهاد فيها لولي الأمر في إطار القواعد
الكلية للشريعة، ويدخل – بالتالي – في نظام السلطة التقديرية المقررة للمشرع، فإن النعي
عليه بمخالفة المادة الثانية من الدستور يكون مفتقداً لسنده.
وحيث إن النص الطعين، وقد أجاز للمحامي مزاولة أعمال المحاماة بالجهات التي عيّنها
– ومن بينها البنوك – لا يمس الأساس الاقتصادي للدولة ولا يكرس الفوارق بين الطبقات،
فإن قاله مخالفة هذا النص للمادة الرابعة من الدستور تكون لغواً.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من إخلال النص المشار إليه بمبدأ تكافؤ الفرص الذي تكفله الدولة
للمواطنين كافة وفقاً لنص المادة الثامنة من الدستور مردود بأن مضمون هذا المبدأ يتصل
بالفرص التي تتعهد الدولة بتقديمها وأن إعماله يقع عند التزاحم عليها، وأن الحماية
الدستورية لتلك الفرص غايتها تقرير أولوية في مجال الانتفاع بها لبعض المتزاحمين على
بعض، وهي أولوية تتحدد وفقاً لأسس موضوعية يقتضيها الصالح العام؛ إذ كان ذلك، فإن مجال
إعمال مبدأ تكافؤ الفرص في نطاق تطبيق النص المطعون عليه يكون منتفياً إذ لا صلة بفرص
قائمة يجرى التزاحم عليها، بما لا مخالفة فيه – من هذه الناحية – لأحكام الدستور.
وحيث إن قول المدعي بإخلال النص الطعين بالمادة 40 من الدستور، مردود بأن مبدأ مساواة
المواطنين أمام القانون المنصوص عليه في هذه المادة لا يعني – وفقاً لما استقر عليه
قضاء هذه المحكمة – أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت في مراكزها القانونية معاملة
قانونية متكافئة، ولا يقوم كذلك على معارضة جميع أشكال التمييز أياً كان مبرراتها الموضوعية؛
أن صور التمييز المجافية للدستور – وإن تعذر حصرها – هي وحدها التي يكون قوامها كل
تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها
الدستور أو القانون.
وحيث إن القانون رقم 47 لسنة 1973 بشأن الإدارات القانونية بالمؤسسات والهيئات العامة
والوحدات التابعة لها لم يُخرج العاملين بالإدارات القانونية من عداد العاملين بالجهات
المشار إليها. وآية ذلك أن المادة 12 من ذلك القانون تنص على أنه يشترط فيمن يعين في
إحدى الوظائف الفنية بالإدارة القانونية أو تتوافر فيه الشروط المقررة في نظام العاملين
المدنيين بالدولة أو القطاع العام حسب الأحوال، كما تقضي المادة 24 من بأن يُعمل فيما
لم يرد فيه نص في هذا القانون بأحكام التشريعات السارية بشأن العاملين المدنيين بالدولة
أو القطاع العام على حسب الأحوال. وتحظُر هذه التشريعات على العامل بالذات أو بالوساطة
الجمع بين عمله وأي عمل آخر إذا كان من شأنه الإخلال بواجبات وظيفته أو مقتضياتها أو
الحط من كرامتها، أو القيام بأعمال للغير – إلا بموافقة من الجهة المختصة – أو مزاولة
أية أعمال تجارية. وهذه القيود جميعها تُرد إلى أصل واحد يتمثل في وجوب أن يكرس العامل
بتلك الجهات وقته وجهده لما وحدها إذ أنه تابع لها خاضع لإشرافها وتوجيهها ورقابتها،
ومن ثم كان منطقياً أن يحظر نص المادة الثامنة من قانون المحاماة على محاميَّ الإدارات
القانونية للهيئات العامة وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية أن يزاولوا أعمال
المحاماة لغير الجهات التي يعملون بها وإلا كان العمل باطلاً، أما غير هؤلاء من المحامين
الذين يزاولون أعمال المحاماة بوصفها مهنة حرة يمارسونها في استقلال فلا يسري في شأنهم
ذلك القيد لاختلاف المركز القانوني لكل من الطائفتين، ولذلك فقد أجاز قانون المحاماة
في المادة التاسعة منه – المطعون فيها – أن يزاول المحامي أعمال المحاماة في الجهات
التي عينتها وهي البنوك وشركات المساهمة الخاصة والجمعيات التعاونية على أن تكون علاقته
بها وكالة ولو اقتصر عمله عليها. وبذلك يكون لكل من النص الطعين والمادة الثامنة من
قانون المحاماة مجال عمل لا يمزج بين نطاقيهما، ولا تداخله شبهة التعارض بين أحكامهما،
باعتبار أن نص المادة الثامنة من قانون المحاماة ينظم علاقة عمل بين الهيئات العامة
وشركات القطاع العام والمؤسسات الصحفية من ناحية والعاملين في إداراتها القانونية من
ناحية أخرى، في حين يتمحض مجال تطبيق نص المادة التاسعة من ذات القانون عن علاقة وكالة
تقوم على حرية المحامي في قبول التوكيل أو عدم قبوله في دعوى معينة وفق ما يمليه عليه
اقتناعه. إذ كان ذلك، وكان إعمال مبدأ المساواة يفترض التماثل في المراكز القانونية
فإن قالة التمييز بين محاميَّ الإدارات القانونية بالهيئات العامة وشركات القطاع العام
والمؤسسات الصحفية من ناحية وبين المخاطبين بنص المادة التاسعة من قانون المحاماة من
ناحية أخرى – وهما فئتان لا تتحد مراكزهما القانونية – لا يكون لها محل.
وحيث إن مبدأ خضوع الدولة للقانون – على ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة – مؤداه ألا
تخل تشريعاتها بالحقوق التي يعتبر التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً
لقيام الدولة القانونية وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة،
متى كان ذلك. وكانت مهنة المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة
وتأكيد سيادة القانون وضمان الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، بما يكفل للمحامين
ممارسة مهنتهم في استقلال بغير سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وحكم القانون. وكان
النص الطعين – بما انطوى عليه من السماح للمحامين المشار إليهم فيه بممارسة مهنتهم
الرفيعة بغير قيود – قد جاء مؤكداً لسيادة القانون، كافلاً للحق في التقاضي، مسانداً
لضمانة الدفاع، فإنه بذلك يكون موافقاً لأحكام المواد 64 و65 و68 و69 من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
