قاعدة رقم الطعن رقم 181 لسنة 19 قضائية “دستورية” – جلسة 04 /03 /2000
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 512
جلسة 4 مارس سنة 2000
برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ ناصر إمام محمد حسن – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 181 لسنة 19 قضائية "دستورية"
1 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية.
اعتباراً من تاريخ تعديل المادة الثانية من الدستور في 22/ 5/ 1980 أصبحت السلطة التشريعية
ملزمة فيما تقره من النصوص التشريعية بألا تكون مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية.
2 – حق التقاضي "تنظيمه".
لا تناقض بين حق التقاضي كحق دستوري أصيل وبين تنظيمه تشريعياً بشرط ألا يتخذ المشرع
هذا التنظيم وسيلة إهدار هذا الحق أو إعناته.
3 – تنظيم الحقوق "سلطة المشرع".
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور
بضوابط معينة تحول دون إطلاقها.
4 – حق التقاضي "أشكال إجرائية".
للمشرع أن يعدد الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي وبما لا إخلال فيه بأبعاده طالما
أن الشكل الإجرائي يستهدف تحقيق مصلحة جديرة بالرعاية.
5 – تشريع "الفقرة الرابعة من المادة 99 من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة
ترتيب المحاكم الشرعية: وثيقة الزواج".
عدم مساس هذا النص بولاية القضاء فيما اشترطه لسماع دعوى الزوجية في حالات معينة أن
يكون عقد الزواج ثابتاً بوثيقة رسمية.
1 – حكم المادة الثانية من الدستور بعدم تعديلها في 22 مايو سنة 1980 يدل على أن الدستور
– واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قد أتى بقيد على السلطة التشريعية مؤداه
إلزامها فيما تقره من النصوص التشريعية، بأن تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية،
بعد أن اعتبرها الدستور أصلاً يتعين أن يُرد إليه هذه النصوص، أو تستمد منه، لضمان
توافقها مع مقتضاه – ودون ما إخلال بالضوابط الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة
التشريعية، وألزمها مراعاتها والنزول عليها في ممارستها لاختصاصاتها – وكان من المقرر
أن كل مصدر تُرد إليه النصوص التشريعية أو تكون نابعة منه، يتعين بالضرورة أن يكون
سابقاً في وجوده على هذه النصوص ذاتها، فإن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية، التي أقامها
الدستور معياراً للقياس في مجال الشرعية الدستورية، تفترض لزوماً أو تكون النصوص التشريعية
المدعي إخلالها بمبادئ الشريعة الإسلامية – والتي تراقبها هذه المحكمة – صادرة بعد
نشوء المادة الثانية من الدستور التي تقاس على مقتضاه، بما مؤداه أن الدستور قصد بإقراره
لهذا القيد، أن يكون مداه من حيث الزمان منصرفاً إلى فئة من النصوص التشريعية دون سواها،
هي تلك الصادرة بعد نفاذ التعديل الذي أدخله الدستور على مادته الثانية، بحيث إذا انطوى
نص منها على حكم يناقض مبادئ الشريعة الإسلامية، فإنه يكون قد وقع في حومة المخالفة
الدستورية. وإذ كان هذا القيد هو مناط الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة على دستورية
القوانين واللوائح فإن النصوص التشريعية الصادرة قبل نفاذه، تظل بمنأى عن الخضوع لحكمه.
2، 3، 4 – ضمان الدستور لحق التقاضي مؤداه، ألا يعزل الناس جميعهم أو فريق منهم أو
أحدهم عن النفاذ إلى جهة قضائية تكفل بتشكيلها، وقواعد تنظيمها، ومضمون القواعد الموضوعية
والإجرائية المعمول بها أمامها، حداً أدنى من الحقوق التي لا يجوز إنكارها عمن يلجون
أبوابه، ضماناً لمحاكمتهم إنصافاً. وكان لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها تمثلها الترضية
القضائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء
العدوان على حقوق يطلبونها، فإذا أرهقها المشرع بقيود تُعسر الحصول عليها أو تحول دونها،
كان ذلك إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق. لما كان ذلك وكان لا تناقض
بين حق التقاضي كحق دستوري أصيل وبين تنظيمه تشريعياً بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم
وسيلة إلى إهدار هذا الحق أو إعناته، وكان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق
أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة تعتبر حداً لها يحول دون إطلاقها،
وكان من المقرر أن المشرع في مجال إنفاذ حق التقاضي غير مقيد بأشكال إجرائية محددة
تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك التنظيم الإجرائي للخصومة القضائية،
لا يمكن أن يعكس أنماطا موحدة، إذ يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم،
ليختار منها ما يكون مناسباً لخصائص المنازعات التي يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً،
لتتعدد بالتالي الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده
التي كفلها الدستور، طالما أن الشكل الإجرائي الذي يفرضه المشرع يستهدف تحقيق مصلحة
اجتماعية جديرة بالرعاية.
5 – شروط قبول الدعوى وثيقة الصلة بالحق في رفعها، وغايتها ألا تُقبل الخصومة القضائية
قبل أوانها، أو بعد انتهاء النزاع في موضوعها، أو قبل استيفائها لعناصر تكفل نضجها
وتماسكها واستواءها على سوقها. وكان النص المطعون فيه يشترط لسماع دعوى الزوجية – في
حالات معينة – أن يكون عقد الزواج ثابتاً بوثيقة رسمية فإنه يكون قد توخى بذلك رعاية
مصلحة مشروعة غايتها صون حقوق الأسرة من العبث والضياع، وتنزيه هذا الميثاق الغليظ
بما له من قدسية وشرف عن المفاسد العديدة التي قد تلحقه نتيجة الجحود والإنكار في حالة
عدم توثيقه؛ وبهذه المثابة فإن النص الطعين لا ينال من ولاية القضاء ولا يعزل المحاكم
عن نظر منازعات معينة كما لا يصادر الحق في إقامة الدعوى، إذ يظل هذا الحق قائماً ما
توافرت شرائط سماعها. وهو ما يعتبر تنظيماً تشريعياً للحق في التقاضي بما لا مخالفة
فيه لنص المادة 68 من الدستور.
الإجراءات
بتاريخ الثامن عشر من سبتمبر سنة 1997، أودع المدعي قلم كتاب المحكمة
صحيفة هذه الدعوى، طالباً الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة 99 من المرسوم
بقانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام ضد المدعى عليها الأخيرة الدعوى رقم 1176 لسنة 1996 أحوال شخصية شبرا طالباً
الحكم بثبوت علاقة الزوجية بينهما بموجب عقد الزواج العرفي المؤرخ 6/ 10/ 1994، وبتاريخ
24/ 11/ 1996 قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى لعدم ثبوت عقد الزواج بوثيقة زواج رسمية
فطعن المدعي على ذلك الحكم أمام محكمة القاهرة الابتدائية للأحوال الشخصية بالاستئناف
رقم 2618 لسنة 1996 وأثناء نظره دفع بعدم دستورية نص الفقرة الرابعة من المادة 99 من
لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، وإذ قدرت المحكمة جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى
الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن الفقرة الرابعة من المادة 99 من المرسوم بقانون 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب
المحاكم الشرعية تنص على أن "….. ولا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها
إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة 1931.
وحيث إن المدعي ينعى على النص المطعون عليه تعارضه مع المادة الثانية من الدستور لمخالفته
مبادئ الشريعة الإسلامية، ومخالفته لنص المادة 68 من الدستور التي تكفل حق التقاضي
وتحظر تحصين أي عمل أو قرار من رقابة القضاء.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن حكم المادة الثانية من الدستور بعدم تعديلها
في 22 مايو سنة 1980 يدل على أن الدستور – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل –
قد أتى بقيد على السلطة التشريعية مؤداه إلزامها فيما تقره من النصوص التشريعية، بأن
تكون غير مناقضة لمبادئ الشريعة الإسلامية، بعد أن اعتبرها الدستور أصلاً يتعين أن
يرد إليه هذه النصوص، أو تستمد منه، لضمان توافقها مع مقتضاه – ودون ما إخلال بالضوابط
الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة التشريعية، وألزمها مراعاتها والنزول عليها في
ممارستها لاختصاصاتها – وكان من المقرر أن كل مصدر تُرد إليه النصوص التشريعية أو تكون
نابعة منه، يتعين بالضرورة أن يكون سابقاً في وجوده على هذه النصوص ذاتها، فإن مرجعية
مبادئ الشريعة الإسلامية، التي أقامها الدستور معياراً للقياس في مجال الشرعية الدستورية،
تفترض لزوماً أن تكون النصوص التشريعية المدعي إخلالها بمبادئ الشريعة الإسلامية –
والتي تراقبها هذه المحكمة – صادرة بعد نشوء المادة الثانية من الدستور التي تقاس على
مقتضاه، بما مؤداه أن الدستور قصد بإقراره لهذا القيد، أن يكون مداه من حيث الزمان
منصرفاً إلى فئة من النصوص التشريعية دون سواها، هي تلك الصادرة بعد نفاذ التعديل الذي
أدخله الدستور على مادته الثانية، بحيث إذا انطوى نص منها على حكم يناقض مبادئ الشريعة
الإسلامية، فإنه يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية. وإذ كان هذا القيد هو مناط
الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة على دستورية القوانين واللوائح فإن النصوص التشريعية
الصادرة قبل نفاذه، تظل بمنأى عن الخضوع لحكمه. لما كان ذلك وكانت لائحة ترتيب المحاكم
الشرعية المتضمنة النص المطعون فيه، قد صدرت قبل نفاذ الثانية من الدستور بعد تعديلها
في 22 من مايو سنة 1980. ولم يدخل المشرع على النص الطعين أي تعديل بعد هذا التاريخ،
فإن الإدعاء بمخالفة حكم المادة الثانية من الدستور – وأياً كان وجه الرأي في تعارضه
مع مبادئ الشريعة الإسلامية – يكون في غير محله.
وحيث إن ضمان الدستور لحق التقاضي مؤداه، ألا يعزل الناس جميعهم أو فريق منهم أو أحدهم
عن النفاذ إلى جهة قضائية تكفل بتشكيلها، وقواعد تنظيمها، ومضمون القواعد الموضوعية
والإجرائية المعمول بها أمامها، حداً أدنى من الحقوق التي لا يجوز إنكاره عمن يلجون
أبوابه، ضماناً لمحاكمتهم إنصافاً. وكان لحق التقاضي غاية نهائية يتوخاها تمثلها الترضية
القضائية التي يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التي أصابتهم من جراء
العدوان على حقوق يطلبونها، فإذا أرهقها المشرع بقيود تُعسر الحصول عليها أو تحول دونها،
كان ذلك إخلالاً بالحماية التي كفلها الدستور لهذا الحق. لما كان ذلك وكان لا تناقض
بين حق التقاضي كحق دستوري أصيل وبين تنظيمه تشريعياً بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم
وسيلة إلى إهدار هذا الحق أو إعناته، وكان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق
أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة تعتبر حداً لها يحول دون إطلاقها،
وكان من المقرر أن المشرع في مجال إنفاذ حق التقاضي غير مقيد بأشكال إجرائية محددة
تمتد إلى المنازعات جميعها حتى مع اختلاف موضوعها، ذلك التنظيم الإجرائي للخصومة القضائية،
لا يمكن أن يعكس أنماطا موحدة، إذ يتعين دوماً أن يفاضل المشرع بين صور هذا التنظيم،
ليختار منها ما يكون مناسباً لخصائص المنازعات التي يتعلق بها، ومتطلباتها إجرائياً،
لتتعدد بالتالي الأشكال التي يقتضيها إنفاذ حق التقاضي، وبما لا إخلال فيه بأبعاده
التي كفلها الدستور، طالما أن الشكل الإجرائي الذي يفرضه المشرع يستهدف تحقيق مصلحة
اجتماعية جديرة بالرعاية.
وحيث إنه لما كان ما تقدم وكانت شروط قبول الدعوى وثيقة الصلة بالحق في رفعها، وغايتها
ألا تُقبل الخصومة القضائية قبل أوانها، أو بعد انتهاء النزاع في موضوعها، أو قبل استيفائها
لعناصر تكفل نضجها وتماسكها واستواءها على سوقها. وكان النص المطعون فيه يشترط لسماع
دعوى الزوجية – في حالات معينة – أن يكون عقد الزواج ثابتاً بوثيقة رسمية فإنه يكون
قد توخى بذلك رعاية مصلحة مشروعة غايتها صون حقوق الأسرة من العبث والضياع، وتنزيه
هذا الميثاق الغليظ بما له من قدسية وشرف عن المفاسد العديدة التي قد تلحقه نتيجة الجحود
والإنكار في حالة عدم توثيقه؛ وبهذه المثابة فإن النص الطعين لا ينال من ولاية القضاء
ولا يعزل المحاكم عن نظر منازعات معينة كما لا يصادر الحق في إقامة الدعوى، إذ يظل
هذا الحق قائماً ما توافرت شرائط سماعها. وهو ما يعتبر تنظيماً تشريعاً للحق في التقاضي
بما لا مخالفة فيه لنص المادة 68 من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفاية، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
