الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 164 لسنة 19 قضائية “دستورية” – جلسة 03 /07 /1999 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء التاسع
من أول يوليو 1998 حتى آخر أغسطس 2001 – صـ 328

جلسة 3 يوليو سنة 1999

برئاسة السيد المستشار/ محمد ولي الدين جلال – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: ماهر البحيري ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وعلي عوض محمد صالح وأنور العاصي، وحضور السيد المستشار/ عبد الوهاب عبد الرازق حسن – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 164 لسنة 19 قضائية "دستورية"

1 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية "اجتهاد".
مؤدى تعديل المادة الثانية من الدستور في سنة 1980 ألا تناقض التشريعات – ومن بينها القانون رقم 100 لسنة 1985 – مبادئ الشريعة الإسلامية المقطوع بثبوتها ودلالتها وغير الجائز الاجتهاد فيها – انحصار دائرة الاجتهاد في الأحكام الظنية على أن يكون واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة ملتزماً ضوابطها الثابتة متحرياً مناهج الاستدلال، كافلاً صون مقاصدها الكلية.
2 – شريعة إسلامية "حصانة: نساء".
وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بحضانة الصغير.
3 – شريعة إسلامية "حضانة: ترتيب".
ليس ثمة نص قطعي يقرر حكماً فاصلاً في شأن ترتيب الحاضنات بعد الأم فيما بينهن – اتفاق الفقهاء أصحاب المذاهب على أن أم الأم التي تدلي إليها مباشرة تلي الأم في ترتيب الحاضنات.
4 – تشريع "الفقرة الخامسة من المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985: حضانة".
ما قرره هذا النص من ثبوت الحضانة على الصغير لأم الأم – بعد أمه – وإن علت إنما يستلهم مقاصد الشريعة الكلية، دائراً في فلك أصولها العامة.
1 – قضاء هذه المحكمة، قد أطرد على أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980 – يقيد السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل؛ وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها – ومن بينها القانون رقم 100 لسنة 1985 – مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها؛ والتي تمثل ثوابتها – مصدراً وتأويلاً – إذ هي عصية على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً؛ وإذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً دوماً في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة بما يقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
2 – إن الصغير تثبت عليه مولده ثلاث ولايات: أولاها: ولاية التربية؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثها: الولاية على ماله. وتثبت الولايتان الأخيرتان – كأصل عام – للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية، وهي الحضانة، فغايتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته التي لا يستغني فيها عن النساء ممن لهم الحق في تربيته شرعاً. والأصل فيها هو مصلحة الصغير، وهي تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها – وهي أشفق عليه وأوفر صبراً – مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره. وقد ردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة في هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روي أن امرأة احتكمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه – مطلقها – أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: "أنت أحق به"؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولاً؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.
3، 4 – ليس ثمة نص قطعي يقرر حكماً فاصلاً في شأن ترتيب الحاضنات – بعد الأم – فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد في هذا النطاق – عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية – مفتوحاً، فلا يصد اجتهاد اجتهاداً أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجدة ابنه "عاصم" – أم أمه – تنازعا بين يدي الخليقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: "ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك". ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم – التي تدلي إليها مباشرة – تلي الأم في ترتيب الحضانات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه اجتمع الذكور مع الإناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة. ويرى الحنيفة – ومعهم المالكية – أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وهذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققاً مصلحة الصغير وعليها مدار الحضانة – مستلهماً بذلك مقاصد الشريعة الكلية، دائراً في فلك الأصول العامة لها.


الإجراءات

بتاريخ التاسع عشر من أغسطس سنة 1997، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلباً للحكم بعدم دستورية نص الفقرتين الأولى والخامسة من المادة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم بعدم قبول الطعن بالنسبة إلى الفقرة الأولى من المادة 20 المشار إليها وبرفض الدعوى فيما عدا ذلك.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى عليها الخامسة كانت قد أقامت ضد كل من المدعي والمدعى عليه التاسع الدعوى رقم 1874 لسنة 1996 أحوال شخصية "نفس" شبرا، ابتغاء القضاء بإلزامهما بتسليمها ابن ابنتها الصغير المشمول بحضانتهما باعتباره ابن أخيهما المتوفى. وأثناء نظر الدعوى دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع؛ وأذنت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية، فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن باشرت رقابتها القضائية على دستورية الفقرة الأولى من المادة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 – المشار إليها – فأصدرت بجلستها المعقودة في الخامس عشر من مايو سنة 1993 حكمها في القضية رقم 7 لسنة 8 قضائية دستورية برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية هذا النص. وقد نشر ذلك الحكم بالجريدة الرسمية بتاريخ 5/ 6/ 1993. إذ كان ذلك، وكانت أحكام المحكمة الدستورية العليا قولاً فصلاً لا يقبل تأويلاً ولا تعقيباً من أي جهة كانت، فإن الخصومة الدستورية بالنسبة لذلك النص – وهي عينية بطبيعتها – تكون قد انحسمت وتغدو الدعوى – في هذا الشق منها – غير مقبول.
حيث إن نطاق الدعوى – بهذه المثابة – أصبح منحصراً في الفقرة الخامسة من المادة 20 التي تنص على أن:
".. يثبت الحق في الحضانة للأم، ثم للمحارم من النساء؛ مقدماً فيه من يدلي بالأم على ما يدلي بالأب، ومعتبراً فيه الأقرب من الجهتين على الترتيب التالي:
الأم، فأم الأم وإن علت، فأم الأب وإن علت…. فعمات الأب بالترتيب المذكور".
وحيث إن المدعي ينعى على هذا النص، مخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية التي تعتبر الحضانة حقاً للمحضون لا للحاضنة وأنه ينبغي في كل حال الاعتداد بمصلحته دون توقف عند ترتيب مجرد للحاضنات أو الحاضنين، وإنما بمراعاة أمانتهم وكفاءتهم حتى لا تؤول الحضانة إلى مضيعة للصغير.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة، قد أطرد على أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980 – يقيد السلطة التشريعية اعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل؛ وأن مؤداه ألا تناقض تشريعاتها – ومن بينها القانون رقم 100 لسنة 1985 – مبادئ الشريعة الإسلامية التي لا يجوز الاجتهاد فيها؛ والتي تمثل ثوابتها – مصدراً وتأويلاً – إذ هي عصية على التأويل فلا يجوز تحريفها، بل يتعين رد النصوص القانونية إليها للفصل في تقرير اتفاقها أو مخالفتها للدستور. ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً؛ وإذ هي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان، لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها، تنظيماً لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة، ومن ثم تنحصر دائرة الاجتهاد فيها على أن يكون الاجتهاد واقعاً دوماً في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزماً ضوابطها الثابتة، متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية، والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة بما يقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 100 لسنة 1985 المشار إليه أن وجود الولد ذكراً كان أم أنثى في يد الحاضنة – سواء قبل بلوغهما سن العاشرة أو الثانية عشرة أو بعدها – لا يغل يد والدهما عنهما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما؛ فإن عليه مراعاة أحولهما، وتدبير أمورهما، وولايته عليهما كاملة؛ وإنما يد الحاضنة للحفظ والتربية ولها القيام بالضروريات التي لا تحتمل التأخير كالعلاج والإلحاق بالمدارس بمراعاة إمكانات الأب. وأن ترتيب الحاضنات والحاضنين من العصبة وذوي الأرحام مأخوذ من فقه الحنفي، بما مؤداه أن أحكام الأهلية للحضانة – بوجه عام – يرجع في شأنها إلى الأرجح من فقه ذلك المذهب.
وحيث إن الصغير تثبت عليه مولده ثلاث ولايات: أولاها: ولاية التربية؛ ثانيتها: الولاية على النفس؛ وثالثها: الولاية على ماله. وتثبت الولايتان الأخيرتان – كأصل عام – للعصبة من الرجال. أما ولاية التربية، وهي الحضانة، فغايتها – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته التي لا يستغني فيها عن النساء ممن لهم الحق في تربيته شرعاً. والأصل فيها هو مصلحة الصغير، وهي تتحقق بأن تضمه الحاضنة إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه، وأقدر على صيانته؛ ولأن انتزاعه منها – وهي أشفق عليه وأوفر صبراً – مضرة به إبان هذه الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره. وقد وردت الآثار الصحاح بأن النساء أحق بالحضانة في هذا الدور من حياة الصغير؛ فقد روي أن امرأة احتكمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حضانة صغيرها وقد أراد أبوه – مطلقها – أن ينزعه منها فقال لها الرسول الكريم: "أنت أحق به"؛ فلزم من ذلك أن تكون الحضانة للمحارم من النساء أولاً؛ وأن تقدم قرابة الأم منهن على قرابة الأب؛ وهو ما توخاه النص المطعون فيه.
وحيث إنه ليس ثمة نص قطعي حكماً فاصلاً في شأن ترتيب الحاضنات – بعد الأم – فيما بينهن؛ ومن ثم يكون باب الاجتهاد في هذا النطاق – عن طريق الأدلة الشرعية النقلية والعقلية – مفتوحاً، فلا يصد اجتهاد اجتهاداً أو يكتسب عصمة من دونه؛ ولا يقابل اجتهاد على صعيد المسائل التي تنظم الأسرة بغيره إلا على ضوء أوضاعها وأعرافها، بما لا يناقض شريعة الله ومنهاجه. وقد جاء بالأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجدة ابنه "عاصم" – أم أمه – تنازعا بين يدي الخليقة أبي بكر الصديق رضي الله عنه على حضانته فأعطاه إياها، وقال للفاروق: "ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك". ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك. أما الفقهاء أصحاب المذاهب فقد اتفقوا على أن أم الأم – التي تدلي إليها مباشرة – تلي الأم في ترتيب الحضانات. فقد قال الحنابلة بثبوت الحضانة للأم ثم أمها ثم أم أمها وهكذا ثم الأب ثم أمهاته. والشافعية على أنه اجتمع الذكور مع الإناث فتقدم الأم على الأب ثم أم الأم وإن علت بشرط أن تكون وارثة ثم بعدهن الأب ثم أم أمه وإن علت إذا كانت وارثة. ويرى الحنيفة – ومعهم المالكية – أن أحق الناس بحضانة الصغير بعد أمه أمها وإن علت. وهذا هو ما نحاه النص الطعين؛ بما ارتآه محققاً مصلحة الصغير وعليها مدار الحضانة – مستلهماً بذلك مقاصد الشريعة الكلية، دائراً في فلك الأصول العامة لها؛ فإن النعي عليه بمخالفته للمادة الثانية من الدستور يكون حرياً بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات